← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مثابًا عليه، (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) أي: كل واحد من الفريقين أعني هؤلاء الذين أرادوا الدنيا وهؤلاء الذين أرادوا الآخرة نمدهم ونزيدهم من عطاء ربك فنرزق المطيع والعاصي وهؤلاء منصوب بتقدير أعني أو بدل من كلًا، (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ممنوعًا في الدنيا عن مؤمن ولا عن كافر، (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في الدنيا فمنهم الغني والفقير والحسن والقبيح والصحيح والمريض وغير ذلك ونصب كيف بـ فضلنا على الحال، (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) أي: التفاوت في الآخرة أكثر وأكبر ونصبها على التميز، (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ) الخطاب لكل أحدٍ أو للرسول والمراد أمته، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَذْمُومًا): من الملائكة والمؤمنين، (مَخْذُولًا) من الله. * * * (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)

стр. 1052

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) * * * (وَقَضَى رَبُّكَ) أمر أمرًا قطعيًّا، (أَلَّا) أي: بألا، (تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) فإنه المستحق للعبادة وحده، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وبأن تحسنوا بهما إحسانًا، (إِمَّا) إن شرطية وما زائدة، (يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبرَ أَحَدُهُمَا) فاعل يبلغن، (أَوْ كِلاهُمَا) ومن قرأ يبلغانِّ فأحدهما بدل البعض من الضمير، (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) هو صوت دال على تضجر وهو مبني على الكسر والتنوين والتنكير ومن قرأ بالفتح فَعلى التخفيف يعني إن عاش أحد والديك أو كلاهما حتي يشيب ويكون كلًّا عليك فلا تسمعهما قولاً سيئًا حتى التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا): لا تزجرهما، (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، جميلاً بتأدب وتوقير، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) تذلل لهما واخضع جعل للذل جناحًا وأمره بخفضه مبالغة في التواضع لهما، (مِنَ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك عليهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) رحمة مثل رحمتهما عليَّ في حال صغري، وعن حذيفة أنه استأذن رسول الله ﷺ -

стр. 1053

في قتل أبيه وهو في صفِّ المشركين فقال: (دَعْهُ يَلِهِ غَيْرُك)، (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكمْ) من قصد البر والعقوق، (إِن تَكُونوا صَالِحِينَ): قاصدين للصلاح مطعين لله، (فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ) هم التائبون من الذنب الراجعون عن المعصية إلى الطاعة، (غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) من صلة الرحم والبر عليهم وعن علي بن الحسين: أراد به قرابة النبي ﷺ ، (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) بأن تصرف مالك في غير حق، وعن السلف لو أنفقت مُدًّا في غير حقه صرت مبذرًا، ولو أنفقت جميع مالك في الحق لم تكن مبذرًا، (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) أصدقاءهم وأتباعهم وأمثالهم في الشرارة، (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)، جحودًا منكرًا لأنعم الله فلا تتبعوه ولا تكونوا مثله، (وَإِمَّا تعْرِضَنَّ عَنْهم) وإن أعرضت عمن أمرتك أن تؤتيه من الأقارب وغيرها حياء من ردهم وليس عندك شيء تعطيه حين سألك، (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا) لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطه، (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) يعني: إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة فعدهم وعدًا بسهولة ولينٍ مثل أن تقول: إذا جاء رزق الله فسنصلكم

стр. 1054

إن شاء الله كذا فسرها السلف وقيل: القول الميسور الدعاء لهم مثل رزقنا الله وإياكم، (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) لا تمسكهما عند البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك، (وَلَا تَبْسُطْهَا) بالخير، (كُلَّ الْبَسْطِ) تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر، (فَتَقْعُدَ) تصير، (مَلُومًا) يلومك الناس ويذمونك إن بخلت، (مَحْسُورًا) نادمًا إن بسطت كل بسط وأيضًا دابة عجزت عن السير ضعفًا تسمى حسيرًا فعلى ما فسرنا من باب اللف والنشر وجاز أن يكونا متعلقين بالإسراف فإن المسرف ملوم عند الله والناس نادم عن فعله، أو بكل من البخل والسرف قيل: نزلت حين وهب رسول الله ﷺ قميصه ولم يجد ما يلبسه للخروج حين أذنوا للصلاة، (إِن ربَّكَ يَبْسُطُ)، يوسع، (الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): يضيق لمن يشاء، (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا): يعلم سرهم وعلنهم فيوسع على من يرى مصلحته في التوسعة له، ويضيق على من يعلم مصلحته في

стр. 1055

، تضييقه، وفي الحديث " إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه ". * * * (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) * * * (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) فقر وفاقة وكانوا يئدون بناتهم مخاففة الفقر، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا): ذنبًا عظيمًا والخطأ الإثم،

стр. 1056

(وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) في عن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه فضلاً عن مباشرته، (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا): بئس طريقًا طريقه، (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللهُ): قتله، (إِلَّا بِالْحَقِّ)، بردَّةٍ وزنًى بعد إحصان وقتل معصوم عمدًا، (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا) غير مستوجب القتل، (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ) وهو الوارث لأنه يلي أْمره بعده، (سُلْطَانًا): تسلطًا على القاتل بقتله أو أخذ الدية أو عفوه، (فَلَا يُسْرِفْ) أي: الولي، (فِي الْقَتْلِ) بأن يقتل غير القاتل أو يمثل بالقاتل، أو معناه لا يسرف القاتل فيه بأن يقتل من لا يحق قتله وقراءة لا تسرفوا يؤيده، (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) استئناف أي: لا يسرف الولي لأن الله نصره ولطف عليه حيث أوجب القصاص له وأمر الناس بمعونته، وعلى الوجه الثاني معناه: فإن المقتول منصور لا محالة يقتل به الظالم، (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ) فضلاً أن تتصرفوا فيه، (إِلَّا بِالَّتِي) أي: إلا بالطريقة التي، (هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حتى يصير بالغاً فادفعوه إليه، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم أو بما عاهدكم الله من تكاليفه، (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) عنه أو مطلوبًا يطلب من العاهد أن لا

стр. 1057

يضيعه، (وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ) من غير تبخيس، (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) بالميزان العدل وهو لفظ رومي عُرِّبَ، (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً) عاقبة من آل إذا رجع، (وَلاَ تَقْفُ) لا تتبع، (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ما لم يتعلق به علمك من قول وفعل فيدخل فيه شهادة الزور والكذب والبهتان، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أُوْلَئِكَ) إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد وأولئك قد يجيء لغير العقلاء، (كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، من جوز تقديم مفعول ما لم يسم فاعله؛ لأنه في المعنى مفعول سيما إذا كان ظرفًا فعنده أن عنه فاعل مسئولاً، ومن لم يجوز فعنده أن في مسئولاَّ ضَمير يرجع إلى كل أولئك أي كان كل واحد منها مسئولاَّ عَن نفسه يعني عما فعل به صاحبه، أو ضمير عنه راجع إلى صاحب كل واحد، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) وهو التكبر أي: ذا مرح، (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ) لن تجعل فيها خرقًا لشدة وطأتك، (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) بتطاولك وكبرك وهو تهكم بالمتكبر، وعن بعضهم إنك لن تقطع الأرض حتى تبلغ آخرها ولا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها فأنت عاجز أو ما أقبح منه التكبر، (كل ذَلِكَ) إشارة إلى ما مر من قوله

стр. 1058

(لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) (١) وهي خمسة وعشرون خصلة، (كَانَ سَيِّئُهُ) أي: المنهي عنه لا المأمورات، (عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) مبغوضًا، ومَن قرأ (سيئةً) فذلك إشارة إلى ما نهى عنه خاصة واسم كان ضمير لكل ومكروهًا خبر بعد خبر أو بدل من سيئه أو حال من ضمير كان، (ذَلِكَ) أي: الأحكام المتقدمة، (مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) وهي معرفة الحق لذاته والخير للعمل، (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ) كرره لأنه المقصود والتوحيد رأس كل حكمة، (فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا) من الله والملائكة ومن نفسك، (مَدْحُورً): ملعونًا والمراد من هذا الخطاب اهتداء أمته ﵇، (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ) أي: أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد؟ فالهمزة للإنكار، (وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا) بناتًا لنفسه كما قلتم الملائكة بنات الله تعالى، (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) إضافة الولد إلى الله تعالى ثم تفضيل أنفسكم عليه حين تنسبون إليه ما تكرهون ثم جعل الملائكة إناثًا وأي خطأ وقولٍ أعظم من هذا. * * * (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ

стр. 1059

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) * * * (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا) بينا مكررًا، (فِي هَذَا القُرْآنِ) العبر والأمثال والحجج والأحكام أو بينا فيه مكررًا إبطال إضافة البنات إليه، (لِيَذكَّرُوا): يتدبروا ويتعظوا، (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا): عن الحق، (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا): لطلبوا إلى من له الملك سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، أو معناه إن كان الأمر كما زعمتم أنهم آلهة شفعاء فهم طالبون الوسيلة والتقرب إلى الله تعالى محتاجون إليه فكيف تسمونهم آلهة وتعبدونهم، (سُبْحَانَهُ

стр. 1060

وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا): تعاليًا، (كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) إجماع السلف أن للأشياء تسبيحات لا يسمع [لا يسمع الله إياه] إلا من يَسْمع، وقال المتأخرون لكل شيء تسبيح بلسان حاله وهو دلالته على صانع قديم واجب لذاته، (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وفي البخاري عن ابن مسعود: " كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل "، والأحاديث الدالة على التسبيح القالي للحيوانات والجمادات كثيرة وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله - صلى الله عليه - وسلم قال: " إن نبي الله نوحًا " لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال: " آمركما بسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء "، وعن ابن عباس وبعض من السلف إنما يسبح ما كان فيه روح من حيوانات ونبات، (إِنَّهُ كَانَ

стр. 1061

حَلِيمًا): لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، (غَفُورًا) لمن رجع وتاب، (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا) يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم والانتفاع به أو حجابًا لا يرونه عند قراءة القرآن فإن المشركين الذين في عزمهم أن يؤذوه يمرون به ولا يرونه، (مَسْتُورًا) لا يرى ذلك الحجاب أو ذا ستر كسيل مفعم أي: ذو إفعام، (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً): أغطية، (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي: كراهة أن يفقهوا القرآن، (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا): ثقلا لئلا يسمعوا سماع انتفاع، (وَإِذَا ذَكرتَ رَبَّكَ فِي القُرْآنِ وَحْدَهُ) من غير ذكر آلهتهم وأصله يَحِد وَحْده فهو مصدر يقع موقع الحال، (وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)، نفرة من التوحيد أو جمع نافر، (نحنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُون بِهِ) أي: ما يستمعون بسببه ولأجله من الهزء والتكذيب، (إِذْ يَسْتَمِعُون إِلَيْكَ) ظرف لأعلم، (وَإِذ همْ نَجْوَى) حين هم ذوو نجوى يتناجون بالتكذيب، (إِذ يَقُولُ الظالِمُون) بدل من إذ هم بوضع الظاهر موضع المضمر، (إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَّسْحُورًا) سُحِرَ فَجُنَّ وعن بعضهم مشتق من السَّحر وهو الرئة أي: رجلاً مثلكم، (انظُرْ كَيْفَ ضَربُوا لَكَ الأَمثالَ) مثلوك بساحر وشاعر وكاهن ومجنون، (فَضَلُّوا): عن طريق الحق، (فَلاَ

стр. 1062

يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) إلى الرشاد أو هم متحيرون ليس لهم سبيل يسلكونه، (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا) بعد الموت، (وَرُفَاتًا): ترابًا، (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) الهمزة لتأكيد الإنكار والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون فما بعد إن لا يعمل فيما قبله، (خَلْقًا جَدِيدًا) مصدر أو حال، (قُلْ) جوابا لهم، (كُونوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) وهما أشد امتناعًا من العظام والرفات في قبول الحياة، (أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) وهو الموت، أي: لو فرضتم أنكم صرتم حجارة أو حديدًا أو موتًا هو ضد الحياة لأحياكم الله إذا شاء، وعن مجاهد في تفسيره أي: السماء والأرض والجبال، (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا) إذا كنا حجارة أو خلقًا شديدًا، (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَولَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ): يحركون، (إِلَيْكَ رُءوسَهُمْ) تعجبًا وتكذيبًا، (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا) فكل ما هو آت قريب، أن يكون اسم عسى وكان تامة وقريبًا خبره أو اسم عسى ضمير البعث وما بعده خبره، (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) ربكم من قبوركم، (فتسْتَجِيبُونَ): تجيبون بحمده (بِحَمْدِهِ) متلبسين بحمده حين لا ينفعكم الحمد، وعن ابن عباس: أي بأمره وعند بعض: أنه خطاب للمؤمنين، وقد ورد أنهم ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ): في الدنيا أو في البرزخ، (إِلَّا قَلِيلًا) (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ) [المؤمنون: ١١٢، ١١٣]. * * *

стр. 1063

(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) * * * (وَقُلْ لِعِبَادِي): المؤمنين قولوا التي هي أحسن، (يَقُولُوا): الكلمة، (الَتِي هِيَ أَحْسَنُ) يعني في محاوراتهم ومخاطباتهم فيقولوا جواب الأمر والمقول محذوف، (إِنَّ

стр. 1064

الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ) يهيج الشر، (بَيْنَهُمْ) فإذا لم يكونوا على دين الكلام فلربما يفضي إلى المخاصمة والمشاجرة، (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) وعن الكلبي، أنها نزلت حين شكوا إلى رسول الله ﷺ فحش كلام المشركين وسوء خلقهم فقيل: الكلمة التي هي أحسن أن يقولوا يهديك الله، وقيل: هذا قبل الإذن في الجهاد، (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) فيوفقكم للإنابة والطاعة الظاهر أنه خطاب للمؤمنين وحث على المداراة، (أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) وقيل: ربُّكم أَعْلَمَ تفسيرًا للكلمة التي هي أحسن أي: يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار ومعذبون وما يشبهها، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكيلاً) ليس أمرهم موكولاً إليك إنما أنت نذير فما عليك إلا التبليغ وحسن المعاشرة وطيب الكلام في النصح والله الهادي، (وَرَبُّكَ أَعْلمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فإنه خلقهم على قوابل مختلفة ومراتب متفاوتة في الفهم وقبول الفيض من مفيض الحكمة فليس لأحد أن يستبعد في نبوة يتيم أبي طالب ﵇ وفي سيادة الجوَّع العراة ﵃ وأرضاهم، (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) بمزيد العلم اللدني لا بوفور المال الدني، (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) إشارة إلى وجه تفضيله فعلم من هذا أن نبينا ﷺ أفضل الرسل فإن كتابه أشرف الكتب (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥]، وما وقع في الصحيحين من النهي عن التفضيل بين الأنبياء فمحمول على التفضيل بالتشهي والعصبية ولا خلاف

стр. 1065

أن محمدًا رسول الله أفضلهم ثم إبراهيم ثم موسى على المشهور عليهم الصلاة والسلام، (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمتم) أنها آلهة، (مِّن دُونِهِ) كالملائكة وغيره، (فَلا يَمْلِكُونَ) فلا يستطيعون، (كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ) بالكلية، (وَلاَ تَحْوِيلاً) إلى غيركم أو تحويل حال من العسر إلى حال اليسر نزلت حين شكى المشركون قحطهم إلى رسول الله ﷺ (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)، الذين صفة أولئك ويبتغون خبره أي: هؤلاء الذين تعبدونهم يطلبون القربة إلى الله كالملائكة وعيسى وأمه وعزير والشمس والقمر، (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) بدل من فاعل يبتغون أي: يطلب من هو أقرب منهم الوسيلة فكيف لغيره، (وَيَرْجُون رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) فكيف يستحقون الألوهية، (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) حقيقًا بأن يحذر منه كل شيء حتى الرسل من الملائكة والبشر، وعن ابن مسعود أنها نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجنيون

стр. 1066

والإنس الذين يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، (وَإِن مِّن قَريةٍ إِلا نَحْن مهْلِكوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) بالموت، (أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا) بأنواع العذاب وعن مقاتل وغيره الأول في قرية المؤمنين والثاني في الكفار، (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ) اللوح المحفوظ، (مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) أي: ما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة لقريش كفسحة مكة وجعل الصفا ذهبًا، (إِلا أَن كَذب بِهَا الأَولون) أي: إلا تكذيب من هو قبلهم وقومك مثلهم طبعًا فلو أرسلناها وكذبوا بها لاستأصلناهم فقد جرت سنتنا على أن لا نؤخر من كذب بالآيات المقترحة فليس عدم إرسالها إلا العناية فإنه سهل علينا يسير لدينا، (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ) بسؤالهم، (مُبْصِرَةً) آية بينة، (فَظَلَموا بِهَا)، كفروا بها أو فظلموا أنفسهم بسببها فإنهم منعوا شربها وعقروها فعاجلناهم بالعقوبة، (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ) المقترحة أو مطلق الآيات، (إِلَّا تَخْوِيفًا) للعباد ليؤمنوا والباء زائدة أو المفعول محذوف وبالآيات حال، (وَإِذْ قلْنَا لَكَ) أي: واذكر إذ أوحينا إليك، (إِن رَّبكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) هم في قبضته وتحت مشيئته فهو حافظك منهم فامض لما أمرك ولا تهبهم، (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ) هي قصة المعراج والرؤيا من الرؤية عن ابن عباس وغيره هي

стр. 1067

رؤيا عين، (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) فقد أنكر بعضهم ذلك وكفروا وزاد إيمان بعضهم فما هي إلا اختبار وفتنة وعن بعضهم أن المراد بهذه الرؤيا رؤيا عام الحديبية رأى ﵇ أنه دخل هو وأصحابه مكة فتوجه إليها قبل الأجل فصدَّه المشركون ورجع إلى المدينة وكان ذلك فتنة وشكًّا في قلوب بعض حتى دخلها في العام القابل كما قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) الآية [الفتح: ٢٧]، (وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآن) أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة وهي شجرة الزقوم يقال طعام ملعون أي: مكروه ضار وملعون أكلها وصفت به مجازًا للمبالغة أو لأن منبتها أصل الجحيم وهي أبعد مكان من رحمة الله، وفتنتها أنَّهم قالوا: محمد يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أن فيها شجرة وقالوا: لا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر فجاء أبو جهل بهما وقال يا قوم: زقموا فهذا ما يخوفكم به محمد، (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزيدُهُمْ) التخويف، (إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) تمردًا وعتوًّا عظيمًا. * * * (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى

стр. 1068

بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) * * * (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) قد مرَّ الخلاف في أن المأمورين جملة الملائكة أو ملائكة الأرضين، (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ) أي: لمن خلقته، (طِينًا) حال من (مَن) أو من ضميره أو نصبه بنزع الخافض، (قَالَ): إبليس (أَرَأَيتَكَ) أي: أخبرني والكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإعراب، (هَذَا) مفعول أرأيت، (الذِي) صفة هذا، (كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي: أخبرني عن هذا الذي فضلته عليَّ بأن أمرتني [بالسجود له] لم كرمته عليَّ فمتعلق الاستخبار محذوف يدل عليه الصلة (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) اللام توطئة القسم وجوابه، (لَأَحْتَنِكَنَّ) لأستأصلن، (ذُرِّيَّتَهُ): بالإغواء، (إِلَّا قَلِيلًا) لا أقدر أن أقاومهم وكأنه لعنه الله تفرس من خلقه فإنه قد جبل بشهوة ووهم وغضب، (قَالَ): الله: (اذهَبْ) أي: خليتك وأنظرتك فامض لما قصدت، (فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ) أي: جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب، (جَزَاءً موْفورًا): مكملاً ونصب جزاء بما في جزاؤكم من معنى تجازون أو بإضمار تجازون وجاز أن يكون حالاً فإنه مقيد بـ موفورا،

стр. 1069

(وَاسْتَفزِزْ): استخف، (مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم): أن تستفزه، (بِصَوْتِكَ): بدعائك إلى معصية الله وعن ابن عباس كل داع دعا إلى معصية الله فهو شيطان يصوته، وقيل هو الغناء والمزامير، (وَأَجْلِبْ): صِحْ (عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) الخيل الفرسان والرجل اسم جمع للراجل، أي: صح عليهم بأعوانك من راكب وراجل وهو كل راكب وماشٍ في المعصية، وعن قتادة أن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس، قيل: هذا تمثيل لتسطله بشخص كثير الغارة صوت على قوم فاستفزهم وأقلقهم عن أماكنهم وأجلب عليهم بجنده فاستأصلهم، والمعنى تسلط عليهم بكل ما تقدر والمراد من الأمرين أمر القدري أو أمر تهديد، (وَشَارِكْهُمْ فَى الأَمْوَالِ)

стр. 1070

كل ما أُنفق في حرام أو جُمع من حرام (وَالأَوْلادِ)، ببعثهم على الزنا حتى يكون الولد منه وعلى قتلهم خشية إملاق وعلى تسميتهم بعبد الشمس ونحوه وغير ذلك، (وَعِدْهمْ) المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة وكرامة الآباء، (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، (إِن عِبَادِي) أي: المخلصين، (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ): تسلط على إغوائهم، (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) أي: كفى الله لأن يكل أولياءه فيعصمهم منك، (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي): يجري، (لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ): لتطلبوا من رزقه وتتجروا، (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) حيث هيأ لكم ما تحتاجون، (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ): خوف الغرق، (فِي البَحْرِ ضَلَّ): زال عن خاطركم، (مَن تَدْعُونَ): كل من تدعونه،

стр. 1071

(إِلَّا إِيَّاهُ): الله وحده فحينئذ لا يخطر ببالكم سواه فتدعونه وحده، (فَلَمَّا نَجَّاكمْ)، من الغرق، (إِلَى البَرِّ أَعْرَضتمْ): عن التوحيد، (وَكَانَ الإِنسَان كَفُورًا) يعني سجية الإنسان نسيان النعم وجحدها، (أَفَأَمِنْتُمْ) الهمزة للإنكار والفاء عطف على محذوف أي: أنجوتم من البحر فأمنتم من (أَن يَخْسِفَ بِكمْ جَانِبَ البَرِّ) أي: يقلبه الله وأنتم عليه وبكم حال من مفعول يخسف أو الباء للسببية متعلق بـ يخسف وذكر الجانب إشارة إلى أنهم إذا وصلوا الساحل أعرضوا وأن الجوانب بقدرة الله، (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا): المطر الذي فيه الحجارة أو الريح التي ترمي بالحصباء، (ثُمَّ لاَ تَجِدوا لَكمْ وَكِيلاً): يحميكم من العذاب، (أَمْ أَمِنتمْ أَن يُعِيدَكمْ فِيهِ): في البحر، (تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ): ريحًا تكسر كل شيء تمر عليه، (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ): بسبب كفركم أو كفرانكم، (ثمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)، التبيع المُطَالِبُ أي: لا تجدوا أحدًا يطالبنا بما فعلنا انتقامًا منا، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ): بأشياء كثيرة منها العقل والنطق وحسن الصورة، (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ) على الدواب والسفن، (وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطيِّبَاتِ)، المستلذات، (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) أي: كثيرًا بينًا وافرًا ولا يلزم من هذه الآية على ما فسرنا تفضيل الملائكة نعم يلزم نفي الأفضلية الكثيرة الوافرة ولا يلزم من نفي هذه الأفضلية نفي مطلقها. * * *

стр. 1072

(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) * * * (يَوْمَ) أي: اذكر يوم، (نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) أي: نبيهم كـ يا أمَّةَ فُلانٍ، أو بكتابهم الذي أنزل عليهم أو بكتاب أعمالهم أو إمام هدي وإمام ضلالة كـ يا متبعي محمد ﵇ ويا متبعي شيطان، وعن محمد بن كعب هي جمع أم كخفاف

стр. 1073

فلا يفتضح أولاد الزنا ويلزم إجلال عيسى والحسن والحسين ﵈، (فمَن أُوتِيَ كِتَابَهُ) كتاب أعماله، (بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) فلا ينقص من أجورهم أدنى شيء والفتيل الخيط المستطيل في شق النواة، (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ): الدنيا، (أَعْمَى): عمى القلب فلم ير رشده، (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) لا يرى طريق النجاة قيل أعمى الثاني أفعل التفضيل كالأجهل، (وَأَضَلُّ سَبِيلاً) منه في الدنيا، وقد نقل عن بعض السلف أن معناه من كان في هذه النعم التي قد مر وهو قوله: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ) الآية، أعمى وهو يعاين فهو في أمر الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضل، (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) إن مخففة، أي: إن الشأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة قيل: نزلت في ثقيف حين قالوا: لا نؤمن حتي تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب [لا نجبي] في الصلاة، أي: لا ننحني ولا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنةً من غير أن نعبدها فإن خشيت أن

стр. 1074

يسمع العرب لم أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك، وقيل نزلت حين قالت قريش: لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا وقيل قالوا: نؤمن بك أن تمس آلهتنا، وقيل غير ذلك، (عَنِ الذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ): من الأحكام، (لِتَفْتَرِيَ عَلَينا غَيْرَهُ): غير ما أوحينا إليك، (وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا): لو اتبعت مرادهم يؤمنوا بك ولكنت لهم وليًّا، (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) لولا تثبيتنا لك وعصمتنا، (لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ): لقاربت أن تميل، (إِلَيْهِمْ): إلى اتباع مرامهم، (شَيْئًا قَلِيلًا)

стр. 1075

لكن عصمناك فما قاربت من الركون مع قوة اهتمامك بإيمانهم فضلاً من الركون وقيل خطر خطرة بقلبه الأشرف ولم يكن عزمًا والله قد عفى الخلق عنه والأول هو الأولى، (إِذًا): لو قاربت، (لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ) أي: عذاب الدنيا والآخرة ضعف ما يُعذب به غيرك بمثل هذا الفعل فإن المقربين على خطر عظيم وأصله عذابًا ضعفًا في الحياة، أي: مضاعفًا فأقيمت الصفة مقام الموصوف بعد ما حذف ثم أضيفت كما يقال: أليم الحياة، أي: عذابًا أليمًا في الحياة، (ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا): يدفع عنك عذابنا، (وَإِن كَادوا) إن مخففة مثل الأول، (لَيَسْتَفِزونَكَ): يزعجونك، (مِنَ الأَرْضِ): أرض مكة أو المدينة، (لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا) قيل: نزلت حين هم قريش بإخراج الرسول من بين أظهرهم، (وَإِذاً): لو خرجت، (لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ): لا يبقون بعد خروجك، (إِلَّا قَلِيلًا): إلا زمانًا قليلاً وقد كان كذلك فإنه قد وقع على أكثرهم بعد سنة واقعة بدر، وقيل نزلت في المدينة حين قالت اليهود: إن الشام مسكن الأنبياء وأنك إن كنت تسكن فيها آمنَّا بك فوقع ذلك في قلبه الأشرف لكن السورة مكية بتمامها عند الأكثر فالأول أقرب، (سُنَّةَ) أي: سن الله ذلك سنة، (مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا) وهو أن يهلك كل أمة أخرجوا رسولهم فالسنة لله وإضافتها إلى الرسل؛ لأنها من أجلهم، (وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا): تغييرًا. * * *

стр. 1076

(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) * * * (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): زوالها واللام للتأقيت، (إِلَى غسَقِ اللَّيْلِ): ظلمته فيدخل فيه صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو المراد من الدلوك الغروب وأصل لغته الانتقال، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الصبح سميت قرآنًا كما سميت الصلاة ركوعًا وسجودًا تسمية للشيء باسم ركنه وجزئه عطف على الصلاة، (إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا): يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، (وَمِنَ اللَّيْلِ) أي:

стр. 1077

بعضه، (فَتَهَجَّدْ): اترك الهجود والتهجد ترك الهجود للصلاة كالتأثم والتحرج، (بِهِ): بالقرآن، (نَافِلَةً لَكَ): فضيلة لك، فإنه قد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر فجميع نوافله زيادة في رفع درجته، أو معناه فريضة زائدة لك على الصلاة المفروضة، وعن كثير من السلف أن التهجد واجب عليه ونصبها بالعلية على التوجيه الأول أو بتقدير فرضها فريضة أو حال من ضمير به، (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا) أي:

стр. 1078

في مقام، (مَحْمُودًا) أو تقديره فيقيمك مقامًا، أي: في مقام هو مقام الشفاعة لأمته يحمده فيه الأولون والآخرون، (وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِي): المدينة، (مُدْخَلَ صِدْقٍ) أي: إدخالاً مرضيًّا، (وَأَخْرِجْنِي): من مكة،. (مُخْرَج صِدْقٍ) إخراجًا حسنًا مرضيًّا نزلت حين أمر بالهجرة، أو أدخلني الجنة وأخرجني من الدنيا أو أدخلني القبر وأخرجني منه وفيه أقوال أُخر، (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) ملكًا وعزًا قويًّا مظهرًا للإسلام على الكفر أو حجةً بينةً تنصرني على من خالفني، (وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ): الإسلام، (وَزهَقَ) هلك، (الَباطِلُ): الشرك، (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا): مضمحلاً غير ثابت وكان ﷺ يقول ذلك يوم فتح مكة، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ) من للبيان قدم علي المبين لكونه أهم، (مَا هُوَ شِفَاءٌ): لأمراض القلوب من الشك والنفاق والزيغ، (وَرحْمَةٌ للْمؤْمِنِينَ): يحصل فِي القلب الإيمان والحكمة والرغبة في الخير، (وَلاَ يَزِيدُ): القرآن، (الظَّالِمِينَ): الكافرين، (إِلا خَسَارًا): نقصانًا وخذلانًا لكفرهم به، (وَإِذَا

стр. 1079

أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ): بمال وعافية، (أَعْرَضَ): عن طاعة الله، (وَنَئَا بِجَانِبِهِ) والنائي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره أي: بعد عنا أو استكبر عن طاعتنا، (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ) من المصائب والنوائب، (كَانَ يَئُوسًا): شديد اليأس قَنِطَ أن يعود له بعد ذلك خير، (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ): دينه ونيته وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة أو على طبيعته التي جبلت عليها، (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا): أسدَّ طريقًا وسيجزي كل عامل بعمله، وهو وعيد للمشركين كما قالَ تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) [هود: ١٢١، ١٢٢]. * * * (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ

стр. 1080

لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) * * * (وَيَسْألونَكَ) أي: اليهود والأحاديث الواردة في نزول هذه الآية مشعرة بأنَّهَا نزلت في المدينة والأصح أن السورة كلها مكية فأجيب بأنه نزلت مرتين، أو أنه نزل في المدينة عليه وحي بأن يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه في مكة، وما ذكره الإمام أحمد يدل على أنها مكية فإنه نقل عن ابن عباس أن قريشًا قالت لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فسألوه فنزلت، (عَنِ الرُّوحِ): روح بني آدم أو جبريل أو ملك عظيم، (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، مما استأثر

стр. 1081

بعلمه، (وَمَا أُوتِيتم مِّنَ العِلْمِ إِلا قَلِيلاً)، أي: ما اطلعتم من علمه إلا على القليل يعني في جنب علم الله قليل وأمر الروح مما لم يطلعكم الله عليه، وقد روي أن اليهود قالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا فنزلت (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) [لقمان: ٢٧] الآية، (وَلَئِنْ شِئْنَا) اللام توطئة القسم، (لَنَذْهَبَنَّ) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، (بِالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) أي: إن شئنا محونا القرآن عن مصاحفكم وصدوركم، (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا): من يصير وكيلاً علينا باسترداده، (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي: لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به أو الاستثناء متصل يعني: إن نالتك رحمته تسترده عليك كأن رحمته تصير وكيلاً عليه، (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) حيث أنزل عليك الكتاب وأبقاه، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) وإن فرض أن كلهم بلغاء، (عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) في البلاغة والإخبار عن المغيبات، (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) لعدم قدرتهم وهو جواب القسم الدال عليه اللام، (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا): معينًا وناصرًا في الإتيان، (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا) بيَّنا مكرَّرًا، (لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) من

стр. 1082

كل معنى هو كالمثل في الغرابة والحسن، (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا)، جحودًا للحق وهو في معنى الكلام المنفي فلذلك جاز الاستثناء، (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ): أرض مكة، (يَنْبُوعًا): عينًا لا ينضب ولا ينقطع ماؤها، (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ) أي: بستان، (مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا) حتى نعرف فضلك علينا، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ) أن ربك إن شاء فعل، (عَلَيْنَا كِسَفًا) أي: قطعًا فلا نؤمن لك حتى تفعل يعنون قوله تعالى: (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) [سبأ: ٩]، (أَوْ تَأتِيَ بِاللهِ وَالْمَلاِئكَةِ قَبِيلاً)، كفيلاً بما تقول شاهدًا بصحته أو مقابلاً معاينة نراه وهو حال من بالله وحال الملائكة محذوفة أي قبيلاً وقبلاء، (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مَن زُخْرُفٍ): من ذهب، (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ): تصعد في سُلَّم ونحن ننظر، (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ): صعودك وحده، (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) أي: مكتوبًا فيه إلى كل واحد هذا كتاب من الله لفلان بن فلان ويكون فيه تصديقك، (قُلْ)، أي: رسول الله، (سُبْحَانَ رَبِّي) تعجبًا من تمردهم، أو تنزيهًا لله من أن يأتي أو يشاركه أحد في قدرته، (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا) كسائر الناس، (رَسُولًا) كسائر الرسل وهم لم يقدروا ولم يأتوا بمثل ما قلتم فكيف أقدر على ذلك؟!. * * * (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا

стр. 1083

عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) * * * (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) مفعول ثان، أي: ما منعهم الإيمان بعد، (إِذْ جَاءَهمُ الهُدَى) بعد نزول القرآن الذي هو معجزة، (إِلا أَن قَالُوا) فاعل منع، (أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا) أي: إلا قولهم هذا أي لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان إلا إنكارهم أن يرسل الله بشرًا، (رسُولاً قُل) جوابًا لشبهتهم، (لوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ) كما تمشون، (مُطْمَئِنِّينَ): ساكنين في الأرض، (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) أي: من جنسهم يهديهم، لأن انتفاع الجنس من الجنس أكثر

стр. 1084

فرحمتنا دعتنا إلى أن أرسلنا إليكم بشرًا من جنسكم وبشرًا وملكًا منصوبان على الحال من رسولاً أو موصوفان برسولاً، (قُلْ كَفَى بِاللهِ) أي: كفى الله، (شَهِيدًا) حال أو تمييز، (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنتم عاندتم أو على أني رسول إليكم وأظهرت المعجزات، (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) فيعلم إبلاغي وعنادكم فيجازي كلاًّ ما يستحقه من الإنعام والهداية والانتقام والإزاغة، (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ)، يهدونهم وينصرونهم، (وَنَحْشُرُهمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) يمشون بها وعن أنس يقول: قيل يا رسول الله: " كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم " أو يسحبهم الملائكة إلى النار، (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) هذا في حال دون حال فيكون هذا بعد الحساب أو عميًا عما يقرأ عينهم بكمًا عن حجة وعذر يقبل منهم صمًا عما يُلِذّ مسامعهم، (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ): سكن لهبها، (زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) توقدًا بأن نبدل لحومهم وجلودهم فتعود متلهبة بهم، قيل ونعم ما قيل كأنهم لما كذبوا الإعادة بعد الإفناء جازاهم الله بدوام الإعادة بعد الإفناء، (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا): ترابًا، (أَئِنَّا) الهمزة لتأكيد الإنكار والعامل في إذا ما دل عليه قوله: (لَمَبْعوثون) فإن ما

стр. 1085

بعد إن لا يعمل فيما قبله، (خَلْقًا جَدِيدًا): مصدر أو حال، (أَوَلَمْ يَرَوْا): ألم يعلموا، (أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) فإن خلقهم ليس بأشد من خلق السماوات والأرض، (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً)، أي: القيامة عطف على أولم يروا، (لَا رَيْبَ فِيهِ) أو معناه أولم يعلموا أن من قدر على خلق هذه الأجسام قادر على أن يخلقهم مثل ما كانوا أي: يعيدهم ويجعل لإعادتهم أجلاً [مضروبًا] ومدةً مقدرةً لابد من انقضائها، (فَأَبَى الظَّالِمُونَ): بعد قيام الحجة، (إِلَّا كُفُورًا) جحودًا بذلك الأجل أو بذلك الخلق، (قُل لوْ أَنتُم تَمْلِكُون)، أنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده، (خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) خزائن رزقه ونعمه، (إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ) لبخلتم، (خَشْيَةَ الإِنفَاقِ) أي: مخافة النفاد يقال: أنفق التاجرُ ذهبَ مالهُ، (وَكَانَ الإِنسَانُ قَتورًا): بخيلاً. * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)

стр. 1086

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) * * * (وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) اليد والعصا والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وعن بعضهم بدل السنين ونقص الثمرات فلق البحر وحل العقدة التي بلسانه، وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وقال " صحيح حسن " والنسائى وابن ماجه وابن جرير في تفسيره أن يهوديَّيْنِ سألا النبي ﷺ عن هذه الآية " ولقد آتينا موسى تسع آيات " فقال لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت فقبَّلا يدَيه ورجلَيه "

стр. 1087

فقال بعض المحدثين: لعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين عليه ويدل عليه الآية التي بعده (مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) الآية، (فَاسْأَلْ): يا محمد، (بَنِي إِسرائِيلَ) عن الآيات ليطمئن قلبك ويظهر للمشركين صدقك، (إِذ جَاءَهُمْ) ظرف لـ آتينا أو تقديره سل عن بني إسرائيل زمان ما جاءهم موسى حتى يخبروك عما وقع فيه، (فقَالَ) فرْعَوْن (إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) [فسحرت فتخبط عقلك] (١)، (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ): الآيات، (إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ): بينات تبصرك صدقي وهو حال، (وَإِنِّي لأَظُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا): هالكًا ملعونًا أو مصروفًا عن الخير مطبوعًا على الشر، (فَأَرَادَ): فرعون، (أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ): يخرج موسى

стр. 1088

وقومه من أرض مصر، (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَائِيلَ اسْكُنوا الْأَرْضِ): التي أراد أن يخرجكم منها، وهذا بشارة للمؤمنين بفتح مكة فإن هذه السورة نزلت قبل الهجرة، (فإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي: الدار الآخرة يعني القيامة، (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا): جميعًا إلى الموقف ونحكم بينكم واللفيف الجماعات من قبائل شتى، (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ) أي: ما أنزلنا القرآن إلا متلبسًا بالحق المقتضي لإنزاله فيه أحكام الله وأوامره ونواهيه، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه أو ما وصل إليك يا محمد إلا محروسًا محفوظًا من تخليط وتبديل، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا): لمن أطاعك، (وَنَذِيرًا): لمن عصاك، (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ): نزلناه مفرقًا منجمًا على الوقائع في ثلاث وعشرين سنة، (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ): مَهلٍ وتؤدةٍ، (وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا): نجومًا بعد نجوم، (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا) أي: سواء آمنتم به أم لا هو حق لا يزيد ولا ينقص منه شيء، (إِن الذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبْلِهِ)، من قبل القران، أي عالمي أهل الكتاب، (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ): القرآن، (لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا): يسقطون على وجوههم وذكر الذقن للمبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحى على التراب أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله واللام لاختصاص الخرور بالذقن، (سُجَّدًا): شكرًا لإنجاز وعده ولأن جعلهم ممن أدركوا هذا الرسول المنزل عليه هذا الكتاب، (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ ربِّنَا): عن خلف الوعد، (إِن كَانَ): إنه كان، (وَعْدُ ربِّنَا) في الكتب السالفة بإرسال رسول خاتم الرسل،

стр. 1089

(لَمَفْعُولًا)، واقعًا كائنًا، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ) حال كونهم باكين لما أثر فيهم مواعظه كرره لتكرار الفعل منهم، (وَيَزِيدُهُمْ) سماع القرآن، (خُشُوعًا): خضوعًا لربِّهم، (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) نزلت حين يقول ﵇ في سجوده يا رحمن يا رحيم فسمع رجل من المشركين وقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو اثنين والدعاء بمعني التسمية وهو متعد إلى مفعولين كدعوته زيدًا ثم يترك أحدهما فيقال دعوت زيدًا والمراد من الله والرحمن الاسم لا المسمى وأو للتخيير أي: سموا بهذا الاسم أو بهذا، (أَيا مَّا تَدْعُوا) التنوين عوض عن المضاف إليه وما مزيدة للإبهام الذي في أي، (فَلَهُ) الضمير لمسمي الاسمين فإن التسمية للذات لا للاسم، (الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) أي: أي هذين الاسمين سميتم فهو حسن؛ لأن له الأسماء الحسني وهذان الاسمان منها، (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاِتِكَ) أي: بقراءة صلاتك

стр. 1090

فيسمعها المشركون فيسبون القرآن، (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) ولا تخفها عمن خلفك من أصحابك، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ): بين الجهر والمخافتة، (سَبِيلاً) وسطًا وكان ذلك قبل الهجرة والمراد من الصلاة الدعاء، (وَقُلِ الحَمْدُ لله الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) كما قالت اليهود عزير ابن الله عليهم لعائن الله، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) كما أثبته النصارى والمشركون فإنهم أثبتوا الربوبية للمسيح والأصنام، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) ناصر من الذل لا يحوم الدخور جنابه ليحتاج إلى ولي يتعزز به، وعن القرطبي أن الصابئين والمجوس يقولون: لولا أولياء الله لذل. أثبت لنفسه الأقدس الأسماء الحسنى ونزه نفسه عن النقائص كمضمون " قل هو الله أحد " [الإخلاص: ١]، (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا): عظمه عن الولد والشريك والولي عظمة تامًة قد جاء في حديث أنه ﵇ سماها آية العز وفي بعض الآثار ما قرئ في ليلة في بيت فيصيبه سرقة أو آفة.
следующие страницы →