← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) * * * (وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) اليد والعصا والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وعن بعضهم بدل السنين ونقص الثمرات فلق البحر وحل العقدة التي بلسانه، وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وقال " صحيح حسن " والنسائى وابن ماجه وابن جرير في تفسيره أن يهوديَّيْنِ سألا النبي ﷺ عن هذه الآية " ولقد آتينا موسى تسع آيات " فقال لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت فقبَّلا يدَيه ورجلَيه "

стр. 1087

فقال بعض المحدثين: لعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين عليه ويدل عليه الآية التي بعده (مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) الآية، (فَاسْأَلْ): يا محمد، (بَنِي إِسرائِيلَ) عن الآيات ليطمئن قلبك ويظهر للمشركين صدقك، (إِذ جَاءَهُمْ) ظرف لـ آتينا أو تقديره سل عن بني إسرائيل زمان ما جاءهم موسى حتى يخبروك عما وقع فيه، (فقَالَ) فرْعَوْن (إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) [فسحرت فتخبط عقلك] (١)، (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ): الآيات، (إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ): بينات تبصرك صدقي وهو حال، (وَإِنِّي لأَظُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا): هالكًا ملعونًا أو مصروفًا عن الخير مطبوعًا على الشر، (فَأَرَادَ): فرعون، (أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ): يخرج موسى

стр. 1088

وقومه من أرض مصر، (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَائِيلَ اسْكُنوا الْأَرْضِ): التي أراد أن يخرجكم منها، وهذا بشارة للمؤمنين بفتح مكة فإن هذه السورة نزلت قبل الهجرة، (فإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي: الدار الآخرة يعني القيامة، (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا): جميعًا إلى الموقف ونحكم بينكم واللفيف الجماعات من قبائل شتى، (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ) أي: ما أنزلنا القرآن إلا متلبسًا بالحق المقتضي لإنزاله فيه أحكام الله وأوامره ونواهيه، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه أو ما وصل إليك يا محمد إلا محروسًا محفوظًا من تخليط وتبديل، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا): لمن أطاعك، (وَنَذِيرًا): لمن عصاك، (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ): نزلناه مفرقًا منجمًا على الوقائع في ثلاث وعشرين سنة، (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ): مَهلٍ وتؤدةٍ، (وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا): نجومًا بعد نجوم، (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا) أي: سواء آمنتم به أم لا هو حق لا يزيد ولا ينقص منه شيء، (إِن الذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبْلِهِ)، من قبل القران، أي عالمي أهل الكتاب، (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ): القرآن، (لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا): يسقطون على وجوههم وذكر الذقن للمبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحى على التراب أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله واللام لاختصاص الخرور بالذقن، (سُجَّدًا): شكرًا لإنجاز وعده ولأن جعلهم ممن أدركوا هذا الرسول المنزل عليه هذا الكتاب، (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ ربِّنَا): عن خلف الوعد، (إِن كَانَ): إنه كان، (وَعْدُ ربِّنَا) في الكتب السالفة بإرسال رسول خاتم الرسل،

стр. 1089

(لَمَفْعُولًا)، واقعًا كائنًا، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ) حال كونهم باكين لما أثر فيهم مواعظه كرره لتكرار الفعل منهم، (وَيَزِيدُهُمْ) سماع القرآن، (خُشُوعًا): خضوعًا لربِّهم، (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) نزلت حين يقول ﵇ في سجوده يا رحمن يا رحيم فسمع رجل من المشركين وقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو اثنين والدعاء بمعني التسمية وهو متعد إلى مفعولين كدعوته زيدًا ثم يترك أحدهما فيقال دعوت زيدًا والمراد من الله والرحمن الاسم لا المسمى وأو للتخيير أي: سموا بهذا الاسم أو بهذا، (أَيا مَّا تَدْعُوا) التنوين عوض عن المضاف إليه وما مزيدة للإبهام الذي في أي، (فَلَهُ) الضمير لمسمي الاسمين فإن التسمية للذات لا للاسم، (الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) أي: أي هذين الاسمين سميتم فهو حسن؛ لأن له الأسماء الحسني وهذان الاسمان منها، (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاِتِكَ) أي: بقراءة صلاتك

стр. 1090

فيسمعها المشركون فيسبون القرآن، (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) ولا تخفها عمن خلفك من أصحابك، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ): بين الجهر والمخافتة، (سَبِيلاً) وسطًا وكان ذلك قبل الهجرة والمراد من الصلاة الدعاء، (وَقُلِ الحَمْدُ لله الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) كما قالت اليهود عزير ابن الله عليهم لعائن الله، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) كما أثبته النصارى والمشركون فإنهم أثبتوا الربوبية للمسيح والأصنام، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) ناصر من الذل لا يحوم الدخور جنابه ليحتاج إلى ولي يتعزز به، وعن القرطبي أن الصابئين والمجوس يقولون: لولا أولياء الله لذل. أثبت لنفسه الأقدس الأسماء الحسنى ونزه نفسه عن النقائص كمضمون " قل هو الله أحد " [الإخلاص: ١]، (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا): عظمه عن الولد والشريك والولي عظمة تامًة قد جاء في حديث أنه ﵇ سماها آية العز وفي بعض الآثار ما قرئ في ليلة في بيت فيصيبه سرقة أو آفة.

стр. 1091

سورة الكهف مكية قيل إلا قوله (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) الآية. وهي مائة وإحدى عشرة آية واثنا عشر ركوعًا * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) * * * (الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) رتب الحمد على إنزاله القرآن على عبده سيد السادات عليه الصلوات والتسليمات؛ لأنه أجل نعم وأعظم كرم، فإنه سبب جميع السعادات (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) شيئًا من العوج، لا في ألفاظه، ولا في معانيه (قَيِّمًا): مستقيمًا معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، فقيل قيما على سائر الكتب مصدقًا

стр. 1092

لها، منصوب بقدر، أي: جعله قيما، أو حال من الكتاب على أن عطف ولم يجعل بياني حتى لا يلزم العطف قبل تمام الصلة كأنه قال: أنزل على عبده الكتاب الكامل الذي لا يسمى غيره في جنبه الكتاب (لِيُنْذِرَ): الكافرين (بَأسًا): عذابًا (شَدِيدًا): صادرًا (مِن لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَن لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا): الجنة (مَاكِثينَ فِيهِ): في الأجر (أَبَدًا): دائمًا (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) أي: ينذرهم ببأس شديد وخصهم من بين الكفار بالذكر لغلظ كفرهم (ما لَهُم بِهِ مِن عِلْمٍ) أي: يقولون عن جهل وافتراء وضمير به إما إلى الولد أو إلى الاتخاذ أو إلى القول (وَلَا لِآبَائِهِمْ): الذين قالوا ذلك (كَبُرَتْ): عظمت مقالتهم هذه في الكفر (كلَمَةً) تمييز، وهو أبلغ من كبرت كلمتهم (تخرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) صفة للكلمة مفيدة لاستعظام اجترائهم، فإن هذه الكلمة الردية الشنيعة التي لو خطرت ببال لا يليق أن تظهر بحال هم تكلموا بها (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ): قاتل (نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) إذا أعرض بها عن الإيمان، شبهه لما تداخله من الأسف على إعراضهم برجل فارقه أحبته فهو يتساقط حسرات على فراقهم وآثارهم (إِن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذا الْحَدِيثِ): القرآن (أَسَفًا) لفرط الحزن (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ): مما يصلح أن يكون زينة (زِينَةَّ لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ): نختبرهم (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا): في تناوله وحسن العمل الزهد فيها وترك الاغترار بها (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا): من الزينة

стр. 1093

(صَعِيدًا جُرُزًا): مثل أرض ملساء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء في إزالة بهجته وإبطال حسنه يعني نميت الحيوانات، ونجفف النباتات وهو ترغيب في الزهد عنها. (أَمْ حَسِبْتَ) بل أحسبت (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ): الغار الواسع في الجبل (وَالرَّقِيمِ) هو لوح من رصاص، أو حجر موضوع على باب كهفهم مكتوب فيه أسماؤهم، أو اسم لذلك الجبل أو الوادي، أو لقرية هم خرجوا منها (كَانُوا مِنْ آياتِنَا): آية (عَجَبًا) فإن قصتهم بالإضافة إلى ما خلقنا على وجه الأرض من أنواع الحيوانات وغيرها ليس بعجيب. (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ): صاروا إليه

стр. 1094

وسكنوا فيه هم من أهل الروم، قصد دقيانوس تعذبيهم ليرجعوا إلى الشرك فهربوا بدينهم إلى الكهف (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) ترحمنا بها وتسترنا من أعين قومنا (وَهَيِّئْ لَنَا): يسر لنا (مِنْ أَمْرِنَا): الذي نحن فيه من الفرار عن الكفار (رَشَدًا): نصير بسببه راشدين مهديين (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ) أي: ضربنا عليها حجابًا من أن تسمع يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، فحذف المفعول كما يقال: بنى على امرأته أي: القبة (فِي الْكَهْفِ سنينَ) ظرفان لـ ضربنا (عَدَدًا) أي: ذوات عدد (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ): أيقظناهم (لِنَعْلَمَ) ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًا، أو لنعلم علم المشاهدة (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) المختلفين منهم (أَحْصَى) أضبط (لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) أي: أضبط أمدًا لزمان لبثهم فإنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك كما قال تعالى: " قال قائل منهم كم لبثتم " الآية، أو المراد من الحزبين غيرهم، فقد ذكر أن أهل قريتهم تنازعوا في مدة لبثهم ولصدارة أي لما فيه من معنى الاستفهام علق لنعلم عنه فهو مبتدأ، وأحصى الذي هو فعل ماض خبره، وأمدًا مفعوله. * * * (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)

стр. 1095

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) * * * (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بالْحَقِّ): الصدق، (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ): شبان (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى): بالتثبت (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ): قويناهم بالصبر والثبات (إِذْ قَامُوا): بين يدي دقيانوس ملكهم حين دعاهم إلى الكفر، وأوعد بأنواع العذاب، ثم القتل إن خالفوا (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) فإنه يأمرهم بعبادة الأصنام (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) أي: إن دعونا غير الله، والله لقد قلنا قولاً ذا بعد عن الحق (هَؤُلَاءِ) مبتدأ (قَوْمُنَا) عطف بيانه (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا): هلَّا (يَأتونَ عَلَيْهِمْ) أي: على عبادتهم (بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ): بدليل واضح فإن دينًا لا دليل عليه فهو باطل (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا): فإنهم افتروا عليه أن له شركاء (وَإِذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) خطاب بعضهم لبعضَ

стр. 1096

والعامل فيه الجزاء (وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) عطف على مفعول اعتزل، وهم يعبدون الأصنام مع الله (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ): يبسط (لَكُمْ ربّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ): رحمة يستركم بها من قومكم (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ): الذي أنتم فيه (مِرْفَقًا): ما تنتفعون به (وتَرَى الشَّمْسَ): لو رأيتهم (إِذا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ): تميل، (عَنْ كَهْفِهِمْ) فلا يقع شعاعها عليهم لتحترق أبدانهم ولباسهم (ذاتَ الْيَمِينِ): جهته، (وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ): تقطعهم وتعدل عنهم، (ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فجْوَةٍ): متسع، (منهُ): من الكهف فلا يؤذيهم حر الشمس وينالهم روح الهواء وذلك إذا كان باب الكهف على بنات النعش فيقع الشعاع على جنبيه وهم في وسطه فيحلل عفونته ويعدل هواءه، وعند بعضهم أن الله صرف عنهم الشمس بقدرته وحال بينها وبينهم لا لأن باب الكهف على جانب لا تقع الشمس إلا على جنبيه (ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ) حيث أرشدهم إلى غار كذلك (مَنْ يَهْدِ اللهُ فهُوَ الْمُهْتدِ وَمَنْ يُضلِلْ): ولم يرشده (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا): من يلي أمرهم ويرشده. * * *

стр. 1097

(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) * * * (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا): لانفتاحِ عيونهم ليصل إليها روح الهواء جمع يقظ، كأنكاد في نكد (وَهُمْ رُقُودٌ): نيام (ونُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَال): لئلا تأكل الأرض لحومهم، عن ابن عباس في كل سنة مرة، وعن بعضهم مرتين (وَكَلْبُهُمْ

стр. 1098

بَاسِطٌ ذرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) بالفناء وقيل: بالعتبة خارج الكهف؛ لأن الملك لا يدخل بيتًا فيه كلب والأصح أنه كلب صيد لأحدهم وقد نقل أنه كلب تبعهم فطردوه فأنطقه الله وقال: أنا أحب أحباء الله ناموا وأنا أحرسكم، (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ): نظرت إليهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ) هربت وأعرضت عنهم (فِرَارًا) حال أو مفعول له أو مصدر (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا): خوفًا يملأ صدرك لمهابتهم (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ): كما أنمناهم آية بعثناهم كذلك (لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ): ليسأل بعضهم بعضًا مدة لبثهم فيعرفوا حالهم فيزداد يقينهم (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ

стр. 1099

بَعْضَ يَوْمٍ) فإنه غالب مدة نوم نائم كأنهم دخلوا غدوة وانتبهوا عشية، (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) كأنه حصل لهم بعض تردد في طول مدتهم لطول أظفارهم وأشعارهم (فَابْعَثُوا) يعني لا يصل علمكم إليه فاتركوا المقال وابعثوا (أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ): فضتكم، (هَذِهِ) فإنه كان معهم دراهم (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: إلى المدينة التي خرجتم عنها وهي طرسوس (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا) أي: أهل تلك المدينة (أَزْكَى طَعَامًا): أحل وأطهر، فإن في المدينة المؤمن والكافر (فَلْيَأتِكُمْ برِزْقٍ مِنْه وَلْيَتَلَطفْ): في الذهاب والإياب والمعاملة حتى لا يطلع على حاله أحدَ (وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا): لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد بكم (إِنَّهُمْ): أهل المدينة (إِن يَظْهَرُوا): يظفروا (عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ): يقتلوكم بأفضح أنواعه (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ): كرهًا والعود بمعنى الصيرورة، أو كانوا على دينهم فهداهم الله للإيمان (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا): إن دخلتم في دينهم (وَكَذَلِكَ أَعْثرْنَا عَلَيْهِمْ) أي: كما أنمناهم وأيقظناهم أطلعنا عليهم (لِيَعْلَمُوا) أي: ليعلم من يطلع عليهم (أَنَّ وَعْدَ اللهِ): بالبعث (حَقٌّ): يقاس الموت والبعث بتلك الرقدة، والإيقاظ (وَأَنَّ السَّاعَةَ) آتية (لَا رَيْبَ فيهَا) فإن من حفظ أبدانهم من التفتت ثلاثمائة سنين يمكن له حفظ النفوس إلى أن يحشر أبدانها (إِذْ يَتنَازَعُونَ) ظرف لـ أَعْثَرْنَا (بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ): أمر دينهم، فإن لأهل ذلك الزمان شكًّا في البعث فمنهم من قال: يبعث الأرواح لا الأجساد فيبعثهم

стр. 1100

الله حجة لمن يقول تبعث الأرواح والأجساد معًا، أو التنازع في البنيان فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدًا يصلي فيه الناس، لأنهم على ديننا والمشركون يقولون: نبني بنيانًا لأنَّهُم من أهل نسبنا أو التنازع في مدة لبثهم وعددهم (فَقَالُوا) أي: المرتابون في البعث (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: سدوا عليهم باب الكهف وذروهم على حالهم فإن ربهم أعلم بحالهم وقيل: هذا يدل على أن التنازع في مدة اللبث أو العدد (قَالَ الذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) وهم المؤمنون وكانوا غالبين في ذلك الوقت (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) حكى أن المبعوث إلى الطعام لما أخرج الدرهم للطعام أخذوا درهمه واتهموه بوجدان كنز؛ لأن الدرهم على ضرب لم يروه فسألوه عن أمره فقال: أنا من هذه المدينة وعهدي بها عشية أمس وضربه ضرب دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون فحملوه إلى ولي أمرهم فأخبرهم بأمره فقام متولي البلد وأهلها معه حتى انتهى إلى الكهف فقال: دعوني أتقدم في الدخول فعمى عليهم المدخل وأخفى الله عليهم فبنوا ثّمَّ مسجدًا، وعن بعضهم: دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم ثم كلمهم وودعهم فتوفاهم الله (سَيَقُولُونَ): القائلون أهل الكتاب والمؤمنون في عهد نبينا ﵊ (ثَلَاثَةٌ) أي: هم ثلاثة رجال (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) أي: يرمون رميًا بلا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد والقائل بهما أهل الكتاب (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ) والقائل هم المؤمنون (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) وفائدة

стр. 1101

هذا الواو بين الصفة والموصوف تأكيد لصوقها به والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهي التي آذنت بأن هذا القول منهم لا عن رجم بالغيب، بل عن دليل وعلم (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّى قَليلٌ) من الناس وقد صح عن ابن عباس أنه قال: أنا من ذلك القليل كانوا سبعة (فَلَا تُمَارِ): لا تجادل (فِيهِمْ): في شأن الفتية (إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا): سهلاً هينًا، فإن معرفته لا يترتب عليه كثير فائدة، فلا تُجَهِّلْهُمْ ولا ترد عليهم (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا): لا تسأل عن قصتهم أحدًا منهم، فإنهم لا يقولون إلا ظنًّا بالغيب. * * *

стр. 1102

(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) * * * (وَلًا تَقُولَنَّ لِشَيْء) أي: لأجل شيء تعزم عليه (إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ): الشيء، (غَدًا) أي: فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد خصوصية الغد (إلا أَنْ يَشَاءَ الله): إلا بأن يشاء الله، أي: متلبسًا بمشيئته، يعني إلا أن يقول إن شاء الله، فهو استثناء من النهي، نزلت حين سأل أهل مكة عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال ﵇: " أخبركم غدًا "، ولم يقل إن شاء الله، فلبث الوحي أيامًا ثم نزلت هذه

стр. 1103

الآية تعليمًا وتأديبًا، وقيل معناه: لا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي: مشيئته، وقل إن شاء الله (إِذَا نَسِيتَ): إذا فرط منك نسيان، يعني: إذا أنسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس: للحالف أن يستثني ولو بعد سنة، قال ابن جرير: السُّنَّة أن يقول ذلك حتى ولو كان بعد الحنث، ليكون أتيا بسنة الاستثناء لا لأن يكون رافعًا للحنث مسقطًا للكفارة، وقال: هذا هو الصحيح الأليق بحمل كلامه عليه، وقد نقل عن ابن عباس إن هذا خاصة برسول الله ﷺ أي إنه لا يحنث إن استثني ولو بعد سنين، وقيل معناه إنه تعالى أرشد من نسى الشيء من كلامه إلى أن يذكر الله، فإن النسيان منشؤه الشيطان، وذكر الله يطرده فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان (وَقُل عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) أي: يدلني ويعطيني من الآيات الدالة على نبوتي ما يكون أقرب وأدل في الرشد من قصة أصحاب الكهف، وقيل معناه إذا سُئلت عن شيء لا تعلمه فتوجه إلى الله في أن يوفقك لأقرب طريق إليه وقيل معناه واذكر ربك إذا نسيت شيئًا، واذكر ربك أن تقول عند نسيانه عسى ربي أن يهدين لشيء آخر بدل المنسى أقرب من المنسى رشدًا (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) هذا إخبار من الله بمقدار لبثهم منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم، وسنين: عطف بيان لثلاثمائة عند من قرأ مائة بالتنوين (وَازْدَادُوا تِسْعًا) فإن مقداره ثلاث مائة سنة وتسع بالهلالية، فيكون بالشمسية ثلاث مائة سنة، لأن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين (قُل): يا محمد (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبثُوا) فلا

стр. 1104

تختلفوا بعد ما أخبركم الله بمدته (له غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) جملة مستأنفة لتعليل الأعلمية وعن قتادة أن قوله (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة) حكاية قول أهل الكتاب وقد رده الله بقوله: (قل الله أعلم) والأول قول أكثر السلف والخلف (أَبْصرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) هما صيغتا التعجب أي: ما أبصره وما أسمعه، فالضمير الراجع إلى الله فاعل والباء صلة (ما لَهُمْ) الضمير لأهل السماوات والأرض (مِنْ دُونه مِنْ وَلِي): يلى أمرهم (وَلَا يُشْرِكُ): الله (فِي حُكْمِهِ): قضائه (أَحَدًا): منهم (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ): من القرآن (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ): لا أحد يقدر على تبديلها (وَلَنْ

стр. 1105

تَجِدَ مِنْ دُونهِ مُلْتَحَدًا): ملجأ تعدل إليه إن لم تتل ولم تتبع (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ): احبسها (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ): طرفي النهار (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): يريدون الله لا عوضًا من الدنيا نزلت في أشراف قريش حين طلبوا أن يفرد لهم مجلسًا لا يكون فقراء الصحابة فيه ولذلك قال الله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ): لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والزينة، واستعماله بـ عن مع أنه مستعمل بغير واسطة لتضمينه معنى نبا يقال: نبت عنه عينه إذا ازدرته ولم تتعلق به (تُرِيدُ) حال من كاف عيناك (زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: مجالسة الأشراف (وَلا تُطِعْ): في تبعيد الفقراء (مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ): جعلنا قلبه غافلاً (عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا): متقدمًا للصواب نابذًا له وراء ظهره يقال: فرس فُرُط، أي: متقدم للخيل (وَقُلِ): يا محمد (الْحَقُّ مِنْ ربكُم) أي: هذا هو الحق حال كونه من ربكم أو الحق ما يكون من ربكم (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ): فإني لا أبالي وهو تخيير بمعنى التهديد (إِنَّا أَعْتَدْنَا): هيأنا (لِلظالِمِينَ) أي: الكافرين (نَارًا أَحَاطَ بهِمْ سُرَادِقُهَا): نسطاطها شبه بِهِ ما يحيط بهم من النار أو دخانها (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا)، من العطش (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ): كمذاب النحاس عن ابن عباس هو ماء غليظ كدردي الزيت (يَشْوِي الْوُجُوهَ): من حره إذا قدم ليشرب (بِئْسَ الشَّرَابُ): المهل (وَسَاءَتْ): النار (مُرْتَفَقًا): متكئًا أو منزلاً (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) قوله: (من أحسن عملاً) هو عين من آمن وعمل صالحًا فجاز أن يكون (إنا لا نضيع) خبر إن أو تقديره إنا لا نضيع

стр. 1106

أجر من أحسن عملاً منهم أو هو جملة معترضة وخبره قوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها يقال: عدن بالمكان، إذا أقام فيه (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) أي: من تحت غرفهم (الأَنْهَار يُحَلَّوْنَ): يزينون (فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار ومن للابتداء (مِنْ ذَهَبٍ) صفة أساور، ومن للبيان (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ): رقيق الديباج (وَإِسْتَبْرَقٍ): غليظ منه فإن ما يلي البدن رقيق وما فوقه غليظ كما في الدنيا (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) الاتكاء الاضطجاع أو التربع في الجلوس (عَلَى الأرَائِكِ): السرر، (نِعْمَ الثوَابُ): الجنة ونعيمها (وَحَسُنَتْ): الأرائك أو الجنات (مُرتفَقًا): متكئًا أو منزلاً. * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا

стр. 1107

أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لله الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤) * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثلا رَجُلَيْنِ) بيان لمثلاً، أو بدل لحذف المضاف أي مثل رجلين قيل: هما أخوان من بني إسرائيل ورثا مالاً فاشترى أحدهما بميراثه ضياعًا وزينة، وصرفه الآخر في وجوه الخير (جَعَلْنا) الجملة بيان التمثيل أو صفة رجلين (لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ): بستانين (مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ) أي: جعلنا النخل محيطة بهما والباء للتعدية إلى المفعول الثاني يقال: حففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا): وسط النخل والكرم (زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آدتْ اكلَهَا) وإفراد الضمير لإفراد كلتا (وَلَمْ تَظْلِمْ): تنقص (منهُ): من أكلها (شَيْئًا): كما يعهد نقصها في سائر البساتين (وَفَجَّرْنَا خلالَهُمَا): وسط الجنتين (نَهَرًا وَكَانَ لَهُ): لصاحب البستانين (ثَمَرٌ): أنواع من المال (فقَالَ لِصَاحِبِهِ): الذي صرف ميراثه لوجه

стр. 1108

الله (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ): يراجعه في الكلام لا أنه يجادله (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) حشمًا وعشيرة وأولادًا ذكورًا (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ): حين أخذ بيد صاحبه وأدخله بستانه يطوف به فيها يفاخره بها (وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): بسبب عجبه وكفره (قَالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ): تفنى (هَذه أَبَدًا): راقه حسنها وغرته زهرتها فتوهم أنها لا تفني، ولله در صاحب الكشاف حيث قال: وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً): كائنة، (وَلَئِن رُددت إِلَى ربي) يعني: وإن فرضنا حقيقة البعث (لأجِدَن خَيْرًا مِنْها): من الجنة (مُنقَلَبًا): مرجعًا وعاقبة؛ لأنه ما أعطاني في الدنيا إلا لاستئهالي لذلك والآخرة لو كانت خير وأبقى (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ): المؤمن (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) أي: خلق أصل مادتك (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ): فإنها مادتك القريبة (ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا): عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا بالغًا (لَكِنَّا) أصله لكن أنا، حذفت الهمزة وأدغمت النونان (هُوَ) ضمير الشأن (اللهُ رَبِّي) والجملة خبر أنا، كأنه قال أنت كافر لكني مؤمن (وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ

стр. 1109

جَنَّتَكَ قُلْتَ) أي: هلا قلت حين دخلت (مَا شَاءَ اللهُ) ما موصولة أي: الأمر ما شاء الله أو ما شاء كائن (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) إقرارًا بأنَّهَا بمشيئته إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها واعترافًا بالعجز على نفسك والقدرة لله قال بعض السلف: من أعجبه شيء فليقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله (إِنْ تَرَنِ أَنَا) ضمير الفصل أو تأكيد للمفعول (أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فعسَى ربي أَد يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) في الآخرة أو في الدنيا أيضًا (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا) على جنتك (حُسْبَانًا مِن السَّمَاءِ) مراقي جمع حسبانة وهي الصاعقة (فَتُصْبِحَ) الجنة (صَعِيدًا) أرضًا (زلَقًا) ملساء لا يثبت فيه قدم (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا) غائرًا في الأرض مصدر وصف به كالزلق (فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ) للماء الغائر (طَلَبًا) في رده (وأحيطَ بثَمَرهِ) عبارة عن إهلاكه (فأَصْبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ) [ظهرًا] لبطن تأسفًا (عَلَى مَا أَنفقَ فِيهَا) متعلق بـ يُقَلِّب لأنه في معنى يتحسر أي: يتحسر على ما أنفق في عمارتها (وَهِيَ خَاوِيَةٌ) ساقطة (عَلَى عُرُوشِهَا) فإن كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض وسقطت الكروم فوقها (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا): تذكر موعظة أخيه، وتمني لو لم يكن مشركًا حتى لا يهلك الله بستانه (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: يقدرون على

стр. 1110

نصرته من دون الله، وحمل ينصرونه حيث لم يقل تنصره على المعنى دون اللفظ (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا): ممتنعًا عن انتقام الله تعالى منه، أي: لا يقدر أحد ولا هو نفسه على انتصاره (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لله الْحَقِّ) من القراء من يقف على هنالك، فعلى هذا معناه منتصرًا فِي ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، ومن لم يقف عليه فمعناه في ذلك الموطن الذي نزل عليه عذاب الله النصرة له وحده، لا يقدر عليها غيره أو ينصر فيها أولياءه على أعدائه، ومن قرأ الوِلاية بكسر الواو فمعناه: في تلك الحالة السلطان له وحده لا يعبد غيره، وكل أحد من مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له كما قال الله تعالى: (فلما رأو بأسنا قالوا آمنا بالله وحده) والحق: صفة الولاية أو صفة لله على القراءتين (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا) لأهل طاعته لو كان غيره يثيب (وَخَيْرٌ عُقْبًا) أي: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره. * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)

стр. 1111

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣) * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها (كمَاءٍ) أي: هو كماء (أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاختَلَطَ بِهِ): التف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضًا (نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا): يابسًا مكسورًا، (تَذْرُوهُ): تفرقه وتطيره (الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْء مُقْتَدِرًا): قادرًا (الْمَالُ وَالْبَنُونَ): اللذان يفتخر بهما الأغنياء (زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): لا زينة

стр. 1112

الآخرة (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أي: الأعمال الصالحة، وعن كثير من السلف إنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أفضل جزاء وثوابًا (وَخَيْرٌ أَمَلًا)، لأن صاحبها ينال ما يؤمل بها في الدنيا (وَيوْمَ) أي: اذكر يوم (نُسَيِّرُ الْجِبَالَ): نقلعها ونسيرها كالسحاب (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً): ظاهرة قاعًا صفصفًا سطحًا مستويًا لا وادي فيها ولا جبل (وَحَشَرْنَاهُمْ) الواو للعطف أو للحال أي: وقد حشرنا جميع الخلق وأحييناهم قبل تسيير الجبال ليعاينوا ما أنكروا (فَلَمْ نُغَادِرْ): لم نترك، (مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى ربِّكَ): كما يعرض الجند على السلطان ليأمر فيهم (صَفًّا): مصطفين لا يحجب أحد أحدًا (لَقَدْ جِئْتُمُونَا) حال من نسير أي: قائلين لهم ذلك، وجاز أن يكون تقديره: قلنا لهم ذلك فهو العامل في يوم نسير الجبال، ولا نقدِّر اذكر (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ): عراة بلا مال ولا ولد (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) للبعث،

стр. 1113

والجزاء والخطاب للبعض قيل بل للخروج من القصة إلى أخرى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) أي: صحف الأعمال في أيمانهم وشمائلهم (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ): خائفين (مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا) ينادون هلكتهم من بين الهلكات (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ) تعجيبًا من شأنه، (لا يُغادرُ): لا يترك، (صَغِيرَةً) أي: هنة صغيرة من أعمالنا (وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا). عدها وحصرها (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا): في الصحف أو جزاء ما عملوا حاضرًا عندهم (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، فيكتب عليه ما لم يفعل أو بأن يعاقبه بما لم يفعل. (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) ذكره بعد ذكر صنيع المفتخرين بالأبناء، والأولاد ليعلموا أن الكبر من سنن إبليس، أو لما نفرهم عن الاغترار بزهرة الدنيا نبههم بقدم عداوة إبليس معهم (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) استئناف كأنه قيل لِمَ لم يسجد؟! فقال: لأنه كان من الجن وقد مر خلاف بين السلف في أنه من الملائكة الذين يقال لهم الجن، أو من الجن حقيقة (فَفَسَقَ): خرج، (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ): بترك

стр. 1114

السجود والفاء مشعر بأن سبب عصيانه كونه جنيًا فإن الملك لا يعصى (أَفَتَتَّخِذُونَهُ) الهمزة للإنكار والتعجب أي أَعُقَيب ما صدر منه تتخذونه (وَذُرِّيَّتَهُ) عن بعضهم هم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم وقيل: يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين، (أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي): فتطيعونهم بدل طاعتي (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا): من الله إبليسُ وذريته (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) أي: ما أحضرت الشياطين زمان خلقي الدنيا لأستعين بهم فأنا المستقل ليس معي شريك فما لكم اتخذتموهم شركاء لي! (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا): أعوانًا، وفي وضع المضلين موضع الضمير ذم لهم واستبعاد للاعتصام بهم، (وَيَوْمَ يَقُولُ) أي: الله للكافرين: (نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ): أنَّهم شركائي أو أنهم شفعاؤكم (فَدَعَوْهُمْ): للإغاثة (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا): مهلكًا فلا وصول لهم إلى آلهتهم، بل بينهما مهلك وعن بعضهم هو وادٍ في النار أو نهر من قيح ودم، وعن بعض السلف أن ضمير بينهم إلى المؤمنين والكافرين أي نفرق نجعل بينهم حاجزًا (وَرَأَى الْمُجْرِمُون النَّارَ فَظَنُّواْ): أيقنوا، (أَنهُم مُوَاقِعُوهَا): مخالطوها واقعون فيها، فيكون ذلك من باب تعجيل حزنهم وغمهم (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا): مكانًا ينصرفون إليه. * * *

стр. 1115

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩) * * * (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا): بينا وكررنا (في هَذَا الْقُرْآن): الواضح المبين، (لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ): يحتاجون إليه، (وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ): يتأتى منه الجدل (جَدَلا): خصومة ومعارضة للحق بالباطل إلا من عصمه الله ونصبه بالتمييز (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ) من (أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى): الرسول والقرآن (وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ)

стр. 1116

عطف على يؤمنوا أي: من أن يستغفروا (إِلا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ) أي: إلا تقدير أن يأتيهم عذاب الاستئصال فإنه تعالى قدَّر عليهم العذاب فذلك هو المانع من إيمانهم، أو إلا طلب أن يأتيهم العذاب الموعود وأخذهم عن آخرهم كما قالوا: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ .. ) الآية [الشعراء: ١٨٧]، (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ) الآية [الأنفال: ٣٢]. أو إلا انتظار أن تأتيهم كما يقال لمن حان له الرواح عن منزله وهو غير رائح: ما تنتظر إلا الهلاك (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) عيانًا وهو بضم القاف والباء لغة في قِبَلا بكسر القاف وفتح الباء أو جمع قبيل بمعنى أنواع (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ): للمؤمين، (وَمُنْذِرِينَ): للكافرين، (وَيُجَادِلُ الذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ) كما قالوا: (أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا) [الإسراء: ٩٤]، (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، وأمثال ذلك (لِيُدْحِضُوا): ليزيلوا، (بِهِ): الجدال، (الْحَقَّ) الذي جاءهم عن مقره ويبطلوه (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي) الحجج والبراهين (وَمَا أُنْذِرُوا) أي: ما أنذروه من العقاب أو ما مصدرية أي: إنذارهم (هُزُوًا) استهزاء (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ): بالقرآن، (فَأَعْرَضَ عَنْهَا) تركها ولم يؤمن بها ولم يتفكر فيها (وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ): ما سلف من معاصيه، (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكنَّةً): أغطية وغشاوة تعليل للإعراض والنسيان (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي: كراهة أن يفهموه، ولما كان المراد بالآيات القرآن ذكر الضمير وأفرده (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا): صممًا وثقلاً معنويًا عن استماع الحق حق استماعه (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) إذاً جواب وجزاء كأن قوله: " إنا جعلنا على قلوبهم أكنة " في معنى لا تدعهم ثم نزل حرصه عليه الصلاة

стр. 1117

والسلام على إيمانهم منزلة قوله ما لي لا أدعوهم؟ فأجيب بقوله وإن تدعهم إلى الآخر. (وَربُّكَ الْغَفُورُ): البليغ المغفرة، (ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بمَا كَسَبُوا): من الذنوب، (لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ): في الدنيا، (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) هو يوم القيامة وقيل: بدر (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ): من دون الله في ذلك الموعد، (مَوْئِلًا): منجا، وقيل: لن يجدوا من دون ذلك الموعد ومن عنده منجا ومهربا (وَتِلْكَ الْقُرَى) أي: أصحابها أي قرى عادٍ وثمود وأضرابهم مرفوع بالمبتدأ وقوله: (أَهْلَكْنَاهُمْ) خبره أو منصوب بشريطة التفسير (لَمَّا ظَلَمُوا) بأن كفروا وعاندوا (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ): لهلاكهم (مَوْعِدًا): وقتًا معينًا لا يزيد ولا ينقص فكذلك أنتم يا قريش احذروا أن يصيبكم ما أصابهم فقد ظلمتم مثل ما ظلموا، بل أشد ومن قرأ (لمهلِك) بكسر اللام أي: وقت هلاكهم أو مصدر كالمرجع والمحيص. * * * (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) * * *

стр. 1118

(وَإِذْ قَالَ) أي: واذكر إِذْ قال (مُوسَى لِفَتَاهُ): يوشع بن نون كان يخدمه: (لا أَبْرَحُ) حذف خبره للقرينة أي: لا أزال أسير (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): ملتقى بحري فارس والروم مما يلى المشرق فإن فيه موعد لقاء الخضر (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا): أو أسير دهرًا أو عن بعضهم هو ثمانون أو سبعون سنة، أي: حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضى الحقب قيل: أو بمعنى إلا أن أي: إلا أن أمضى حقبًا من الدهر فأتيقن معه فوات المجمع وقصته أن كليم الله قام خطيبًا في بني إسرائيل فَسُئِلَ أيُّ: الناس أعلم؟ فقال: أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك فقال: يا رب كيف لي به؟ قال: خذ حوتًا فحيث ما فقدته فهو ثَمَّه (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) أي: البحرين ظرف أضيف إليه على الاتساع كشهادة بينكم أو بمعنى الوصل (نَسِيَا حُوتَهُمَا) نسي موسى أن يطلبه ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته، أو نسيا تفقده (فَاتخَذَ): الحوت، (سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا): مسلكًا وهو مفعول ثان لاتخذ أي: أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه وقد

стр. 1119

نقل أنه حوت مملوح في مكمل وكان في ذاك المجمع نهر ماء الحياة، فوصل إلى الحوت قطرة منه فحيي (فَلَمَّا جَاوَزَا): مجمع البحرين (قَالَ لِفَتَاهُ): يوشع، (آتِنَا غَدَاءَنَا): ما نتغدى به (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا): تعبًا ولم يتعب موسى في سفر غيره فلهذا قيده باسم الإشارة، وعن بعضهم ما تعب إلا بعد مجاوزة المجمع (قَالَ أَرَأَيْتَ): ما دهاني (إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ): التي في الموضع الموعود (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ) أي: ذكره (إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل من الضمير (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) أي: سبيلاً عجبًا، وهو كالأول ثاني مفعولي اتخذ وقيل: تقديره أعجب عجبًا، قاله يوشع في آخر كلامه تعجبًا (قَالَ): موسى، (ذلِكَ) أي: أمر الحوت (مَا كُنَّا نَبْغِ): نطلبه فإنه أمارة الظفر بالطلبة (فَارْتَدَّا): رجعا، (عَلَى آثَارِهِمَا): طريقها الذي جاء فيه (قَصَصًا): يقصان قصصًا أو حال بمعنى مقتصين (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا) هو الخضر وكان مسجى بثوب فسلم موسى عليه فقال: وأنى بأرضك السلم (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)، علم الباطن إلهامًا من رحمتنا. قال البغوي وغيره: أكثر أهل العلم على أنه ما كان نبيًّا بل

стр. 1120

كان وليَّا (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) مما يختص بنا لا يحصل بالكسب (عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى) بعد أن قال له الخضر: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم. (هَلْ أَتَّبِعُكَ) أصاحبك (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ) حال من مفعول أتبع (مِمَّا عُلِّمْتَ) مفعول تُعَلِّمَنِ ومفعول عُلِّمْتَ ضمير محذوف عائد إلى ما والصيغتان من علم الذي بمعنى عرف (رُشْدًا) أي: علمًا ذا رشدٍ فحذف المضاف أو مفعول له لأتبعك ولا نقص أن يكون نبي يتعلم من غيره في غير أصول الدين وفروعه فإنه لابد أن يكون أعلم أهل زمانه فيهما لا في غيرهما وقد نقل أنه قال الخضر: كفاك بالتوراة علمًا. فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فجئتك (قَالَ): الخضر (إِنَّكَ لَنْ تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) لما ترى من الأفعال التي تخالف شريعتك (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) أي: وكيف تصبر وأنت نبي على أمور لم يحط ببواطنها خُبْرُك وظواهرها مناكير، فنصب خبرًا على التمييز أو مصدر؛ لأن " لم تحط " بمعنى لم تخبر (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ

стр. 1121

شَاءَ اللهُ صَابِرًا): معك، (وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) عطف على صابرًا أي: غير عاص أو عطف على ستجدني (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ): لا تفاتحني بالسؤال عَمَّا صدر عني (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي: حتى أكون أنا الفاتح عليك. * * * (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)

стр. 1122

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) * * * (فَانطَلَقَا): على الساحل يطلبان سفينة (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا): عرف أهل السفينة الخضر وحملوهما بغير نول، فأخذ الخضر قدومًا وقلع من ألواح السفينة لوحًا (قَالَ): موسى، (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ) قيل: اللام لام العاقبة لا لام التعليل (أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا): عظيمًا من أمِرَ الأَمْرُ إذا عظم (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ): له موسى: (لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)، ما يحتمل الموصولية والمصدرية يعني نسيت وصيتك ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث الصحيح كانت الأولى من موسى نسيانًا (وَلا تُرْهِقنِي): لا تغشني، (مِنْ أَمْرِي عُسْرًا): بالمؤاخذة على المنسي وعسرًا ثاني مفعوليه يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه (فَانْطَلَقَا) بعدما خرجا من السفينة (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا): يلعب مع الغلمان، وكان أحسنهم (فَقَتَلَهُ): الخضر بأن أخذ رأسه فاقتلعه، أو ذبحه أو ضرب رأسه بحجر (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً): طاهرة من الذنوب فإنه صغير (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي: لم

стр. 1123

تقتل نفسًا وجب عليها القتل (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا): منكرًا لما كان هذا أقبح بحسب الظاهر بالغ في إنكاره (قَالَ أَلَمْ أَقلْ لَكَ) زاد في هذه المرة لك زيادة لعتابه على رفض وصيته وقلة صبره (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا) سؤال اعتراض وإنكار (فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغتَ): وجدت، (مِنْ لَدُنِّي): من قبلي (عُذْرًا): لما خالفتك مرارًا وفي الحديث: " رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحجه لأبصر العجب "، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية، وقيل أيلة (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا): سألاهم الطعام (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعار الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهم والعزم لذلك، يقال: عزم السراج أن يطفأ إذا قرب،

стр. 1124

وانقض: إذا أسرع سقوطه، (فأَقَامَهُ) قال: بيده فأقامه أو هدمه فبناه (قَالَ لَوْ شِئْتَ): أن نأخذ جعلاً (لاتَّخَدتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) والتاء من تخذ أصل كتَبِعَ، وليس من الأخذ يعني: قد علمت أنا جياع حتى افتقرنا إلى المسألة، فما وجدنا مواسيًا فلو أخذت على عملك أجرًا (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) إشارة إلى الفراق الموعود بقوله: لا تصاحبني كهذا أخي إشارة إلى الأخ، أو إشارة إلى السؤال الثالث أي: هذا الاعتراض سبب فراقنا، أو إشارة إلى الوقت أي: هذا وقت فراقنا، وإضافته إلى البين من إضافة المصدر إلى الظرف للاتساع (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) قيل: فيه دليل على أن المسكين يطلق أيضًا على ما لا يملك شيئًا يكفيه (يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا): أجعلها ذات عيب (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) أي: أمامهم (مَلِكٌ يَأخُذُ كُل سَفِينَةٍ): صالحة جيدة (غَصْبًا) نصب بالحال أو بالمفعول له (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا): يغشيهما (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) يعني: يحملهما حبه على متابعته على الفساد والكفر، وفي الحديث: " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا " (فَأَرَدْنَا أَنْ

стр. 1125

يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا): يرزقهما بدله ولدًا (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً): طهارة وتقوى (وَأَقْرَبَ رُحْمًا): رحمة وعطفًا على والديه عن كثير من السلف: أبدلهما الله جارية فقيل: تزوجها نبي وولدت نبيا هدى الله به أمة من الأمم، وعن ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملاً بغلام مسلم، ونصب رُحْمًا وزَكَاةً على التمييز (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) أي: في تلك المدينة (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) أي: مال وعن كثير من السلف أنه لوح من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبًا لمن آمن بالقدر كيف ينصب؟! عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟! عجبًا لمن أيقن بالحسنات كيف يعقل؟! عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي بعض الروايات: عجبًا لمن عرف النار كيف يضحك؟! وقيل: مكتوب في الجانب الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير فأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه، وعن بعض السلف أنه كنز علم. قيل لا منافاة بين الأقوال؛ لأن اللوح الذهبي هو مال، وما كتب فيه كنز علم (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء وكان نساجًا، ويعلم منه أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
следующие страницы →