وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)
* * *
(فَانطَلَقَا): على الساحل يطلبان سفينة (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا): عرف أهل السفينة الخضر وحملوهما بغير نول، فأخذ الخضر قدومًا وقلع من ألواح السفينة لوحًا (قَالَ): موسى، (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ) قيل: اللام لام العاقبة لا لام التعليل (أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا): عظيمًا من أمِرَ الأَمْرُ إذا عظم (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ): له موسى: (لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)، ما يحتمل الموصولية والمصدرية يعني نسيت وصيتك ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث الصحيح كانت الأولى من موسى نسيانًا (وَلا تُرْهِقنِي): لا تغشني، (مِنْ أَمْرِي عُسْرًا): بالمؤاخذة على المنسي وعسرًا ثاني مفعوليه يقال رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه (فَانْطَلَقَا) بعدما خرجا من السفينة (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا): يلعب مع الغلمان، وكان أحسنهم (فَقَتَلَهُ): الخضر بأن أخذ رأسه فاقتلعه، أو ذبحه أو ضرب رأسه بحجر (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً): طاهرة من الذنوب فإنه صغير (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي: لم
стр. 1123
تقتل نفسًا وجب عليها القتل (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا): منكرًا لما كان هذا أقبح بحسب الظاهر بالغ في إنكاره (قَالَ أَلَمْ أَقلْ لَكَ) زاد في هذه المرة لك زيادة لعتابه على رفض وصيته وقلة صبره (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا) سؤال اعتراض وإنكار (فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغتَ): وجدت، (مِنْ لَدُنِّي): من قبلي (عُذْرًا): لما خالفتك مرارًا وفي الحديث: " رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحجه لأبصر العجب "، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية، وقيل أيلة (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا): سألاهم الطعام (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعار الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهم والعزم لذلك، يقال: عزم السراج أن يطفأ إذا قرب،
стр. 1124
وانقض: إذا أسرع سقوطه، (فأَقَامَهُ) قال: بيده فأقامه أو هدمه فبناه (قَالَ لَوْ شِئْتَ): أن نأخذ جعلاً (لاتَّخَدتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) والتاء من تخذ أصل كتَبِعَ، وليس من الأخذ يعني: قد علمت أنا جياع حتى افتقرنا إلى المسألة، فما وجدنا مواسيًا فلو أخذت على عملك أجرًا (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) إشارة إلى الفراق الموعود بقوله: لا تصاحبني كهذا أخي إشارة إلى الأخ، أو إشارة إلى السؤال الثالث أي: هذا الاعتراض سبب فراقنا، أو إشارة إلى الوقت أي: هذا وقت فراقنا، وإضافته إلى البين من إضافة المصدر إلى الظرف للاتساع (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) قيل: فيه دليل على أن المسكين يطلق أيضًا على ما لا يملك شيئًا يكفيه (يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا): أجعلها ذات عيب (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) أي: أمامهم (مَلِكٌ يَأخُذُ كُل سَفِينَةٍ): صالحة جيدة (غَصْبًا) نصب بالحال أو بالمفعول له (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا): يغشيهما (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) يعني: يحملهما حبه على متابعته على الفساد والكفر، وفي الحديث: " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا " (فَأَرَدْنَا أَنْ
стр. 1125
يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا): يرزقهما بدله ولدًا (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً): طهارة وتقوى (وَأَقْرَبَ رُحْمًا): رحمة وعطفًا على والديه عن كثير من السلف: أبدلهما الله جارية فقيل: تزوجها نبي وولدت نبيا هدى الله به أمة من الأمم، وعن ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملاً بغلام مسلم، ونصب رُحْمًا وزَكَاةً على التمييز (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) أي: في تلك المدينة (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) أي: مال وعن كثير من السلف أنه لوح من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! عجبًا لمن آمن بالقدر كيف ينصب؟! عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؟! عجبًا لمن أيقن بالحسنات كيف يعقل؟! عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي بعض الروايات: عجبًا لمن عرف النار كيف يضحك؟! وقيل: مكتوب في الجانب الآخر أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير فأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه، وعن بعض السلف أنه كنز علم. قيل لا منافاة بين الأقوال؛ لأن اللوح الذهبي هو مال، وما كتب فيه كنز علم (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء وكان نساجًا، ويعلم منه أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
стр. 1126
أَشُدَّهُمَا): حلمهما وكمال رأيهما (وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا) ولو سقط الجدار لتلف الكنز (رَحْمَةً مِنْ ربِّكَ) نصب على المفعول له، (وَمَا فَعَلْتُهُ) أي: ما رأيت (عَن أَمرِي): رأيي واختياري، بل فعلته بأمر الله (ذَلِكَ تَأوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ) أي: تستطع حذف التاء تخفيفًا (عَلَيْهِ صَبْرًا).
* * *
لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)
* * *
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) بعثت قريش إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ فقالوا: سلوه عن رجل طاف في الأرض،
وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح. فنزلت سورة الكهف، والمشهور أنه الإسكندر الرومي، وما يعلم من تاريخ الأرزقى وغيره أنه غيره، وهذا الرومي كان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة ووزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وأما هذا الإسكندر فقد كان في زمن إبراهيم الخليل ﵊، وطاف بالبيت معه ووزيره الخضر ووجه تسميته أنه كان صفحتا رأسه من نحاس، وقد صح عن علي أنه قال: كان عبدًا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فسمي ذا القرنين، أو لأنه بلغ طرفي الدنيا من حيث تطلع قرنا الشمس وتغرب (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ): أيها السائلون، (مِنْهُ) من ذي القرنين (ذِكْرًا إِنَّا مَكنَّا لَهُ): أمره، (في الْأَرْضِ): بأن تصرف
стр. 1129
فيها كيف شاء (وَآتيْنَاهُ مِنْ كُلٌ شَيْءٍ): أراده، (سَبَبًا) وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) يوصله إلى المغرب (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) أي: رأى الشمس في منظره تغرب في عين ذات حمئة أي: طين أسود، ومن قرأ حامية، أي: حارة والجمع بين القراءتين أن تكون العين جامعة للوصفين (وَوَجَدَ عِنْدَهَا): عند تلك العين (قَوْمًا) أمة عظيمة من الأمم كفارًا (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ): بقتلهم وسبيهم (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا): بإرشادهم وتعليمهم الشرائع أو بالمن والفداء؟ أو بأسرهم؛ فإنه إحسان في جنب القتل (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ): بأن يصر على الكفر (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ): بالقتل في الدنيا (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ) إشارة إلى الحشر والبعث (فَيُعَذِّبُهُ): الله في الآخرة (عَذَابًا نُكْرًا): منكرًا لم يعهد مثله (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) أي: فله المثوبة الحسنى، وجزاءً تمييز أو حال أي: مجزيا بها أو تقديره يجزى بها جزاء ومن قرأ برفع جزاء أي فله أن يجازي المثوبة الحسنى وهي الجنة، أو جزاء فعلته الحسنى وهي أعماله الصالحة (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا): لا نأمره بالصعب
стр. 1130
الشاق، بل بالسهل المتيسر أي: ذا يسر (ثَمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا): طريقًا إلى المشرق (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً، ومن قرأ بفتح اللام فهو بحذف مضاف أي: مكان طلوعها فإن المطلع مصدر (وَجَدَهَا تَطْلع عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُم مِّن دونِهَا): من دون الشمس (سِتْرًا) ليس لهم أبنية تكنهم فإن أرضهم لا تمسك الأبنية ولا أشجار تظلهم، فهم حين طلوع الشمس في أسراب أو في ماء فإذا زالت خرجوا (كَذَلِكَ) خبر مبتدأ أي: أمره كما وصفنا في رفعته أو أمره كأمره في أهل الغرب، أو صفة قوم أي: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل أي: أهل الغرب أو صفة: مصدر محذوف أي: بلغ مطلعها بلوغًا مثل بلوغه مغربها (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ) من أسبابه (خبْرًا): علمًا؛ لأنا أعطيناه ذلك، فيه تكثير ما لديه كأنه بلغ مبلغًا لا يحيط به علم أحد إلا علم الله (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا): طريقًا ثالثًا بين المشرق والمغرب وهو الشمال (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) أي: بين الجبلين المبني بينهما السد، وهما جبلان عاليان في أقصى الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج، والصحيح أنهم من أولاد آدم وبين هاهنا مفعول به، فإنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفًا (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ) يعني لعجمهم وقلة فطانتهم لا يفهمون كلام أحد، ومن قرأ بضم الياء وكسر القاف أي: لا يفهمون السامع لغرابة لغتهم (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ) عن بعض السلف أنه يعلم جميع الألسنة (إِنَّ
стр. 1131
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي: في أرضنا بأنواع المفاسد (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا): جعلا نخرجه من أموالنا (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا): فلا يمكن لهم الوصول إلينا (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي): من المال والملك (خَيْرٌ) من خراجكم لا حاجة بي إليه (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي: بأيديكم وقوتكم وآلات بنائكم لا بمالكم (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) حاجزًا حصينًا (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي: قطعة، والزبرة: القطعة الكبيرة (حَتَّى إِذَا سَاوَى) أي: فجاءوا بها حتى إذا ساوى (بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) الصدفان: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان أي: يتقاربان أي: امتلأ بينهما من زبر الحديد (قَالَ): للعَمَلَة (انْفُخُوا) فإنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ)، الضمير للمنفوخ فيه (نَارًا) أي: كالنار بالإحماء (قَالَ آتونِي): قطرًا (أفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) أي: نحاسًا مذابًا على الحديد المحمي حتى التصق بعضُه ببعض، فحذف مفعول آتوني لدلالة الثاني عليه (فَمَا اسْطَاعُوا) بحذف التاء (أَنْ يَظْهَرُوهُ): يعلوه لطوله وملاسته (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا): من أسفله لشدته (قَالَ): ذو القرنين، (هَذَا) أي: السد (رَحْمَةٌ مِنْ ربي): على عباده (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي) أي: وقت وعده بقيام الساعة أو بخروجهم (جَعَلَهُ
стр. 1132
دَكَّاءَ) أي: أرضًا مستوية ومن قرأ " دكا " بغير مد يكون مصدرًا بمعنى المفعول أي: مدكًّا مسوى بالأرض (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) كائنا ألبتَّة (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ) أي: بعض يأجوج ومأجوج (يَوْمَئِذٍ): يوم فتح السد (يَمُوجُ في بَعْضٍ): يختلط بعضهم ببعض كموج الماء لكثرتهم، أو جعلنا بعض الخلق من الإنس والجن يوم قيام الساعة يختلط إنسهم بجنهم حيارى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): قَرْنٌ ينفخ فيه إسرافيل لقيام الساعة (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا): للحساب (وَعَرَضْنَا): أبرزنا وأظهرنا (جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا): فعاينوها (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ): غشاوة، (عَن ذكْرِي) عن رؤية آياتي الدالة على توحيدي (وَكَانُوا لا يَستَطِيعُونَ سَمْعًا): لكَلامي كأنهم [أصمت] مسامعهم بالكلية.
* * *
(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
стр. 1133
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
* * *
(أَفَحَسِبَ) همزة الاستفهام للإنكار (الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي): كالملائكة وعيسى أو الشياطين (مِنْ دُونِي أَوْلياءَ): معبودين وثاني مفعولي حسب محذوف للقرينة أي: ظنوا اتخاذهم معبودين نافعًا لهم (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) أي: منزلاً أو ما يهيأ للضيف حين نزوله مما حضر، وفيه تنبيه على أن لهم وراءها عذابًا أشد (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) تمييز وجمعه لتنوع الأعمال (الَّذِينَ ضَلَّ) أي: هم الذين بطل وضاع (سَعْيُهُمْ) أو نصب على الذم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسنُونَ صُنْعًا): لاعتقادهم أنَّهم على الحق (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ ربهِمْ): الدالة على توحيده (وَلِقَائِهِ): بالبعث (فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ): بسبب كفرهم (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا): ليس لهم خطر ولا مقدار ولا اعتبار عند الله (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ) مبتدأ وخبر (جَهَنَّمُ) عطف بيان للخبر، أو هو خبر وجزاؤهم بدل من المبتدأ أو تقديره: الأمر ذلك والجملة مبينة له (بِمَا كَفَرُوا) ما مصدرية (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا).
(إِن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ) هي أوسط الجنة وأعلاها، ومنه تفجر الأنهار (نُزُلًا) فيه تفسيران كما مر (خَالِدِينَ فِيهَا) حال مقدرة (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا): تحولا إذ لا يتصورون
стр. 1134
منزلاً أطيب منها (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ) أي: ماء البحر (مِدَادًا لِكَلِمَاتِ
стр. 1135
رَبِّي): لكلمات علمه وحكمته (لَنَفِدَ الْبَحْرُ) أي: ماؤه (قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) فإن ماء البحر متناه وعلم الله غير متناه (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ): بمثل البحر الموجود (مَدَدًا): زيادة معونة؛ لأن المجموع أيضًا متناه نزلت حين قالت اليهود: إنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ثم تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً أو لما نزلت: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " قالت اليهود أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فنزلت " قل لو كان البحر " الآية (قُلْ إِنَّمَا
стр. 1136
أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) خصصت بالوحي وتميزت عنكم به (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) يخاف المصير إليه أو يأمل لقاء الله ورؤيته (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) وهو ما كان موافقًا لشرع الله (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) أي لا يرائي بعمله بل لابد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ أكمل الحمد وأتمه
* * *
(ذِكْرُ رَحْمَت رَبِّكَ) خبر لـ كهيعص، إن كان اسمًا للسورة، وإلا فتقديره هذا المتلو ذكر رحمة ربك (عبدَهُ) مفعول رحمة (زَكَرِيا) بدل، أو عطف بيان (إِذْ نَادَى رَبَّهُ ندَاءً خَفيُّا) والإخفاء في الدعاء أبعد من الرياء، ولأن دعاءه جوف الليل عند نوم أَهله (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ): ضعف، (الْعَظْمُ مِنِّي) أي: جنس العظم، والعظام التي هي قوام البدن إذا وهنت مع أنها أصلب ما فيه، فكيف بما وراءها؟! (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) شبه الشيب بلهب نار لا دخان فيه وانتشاره باشتعالها، وأسند إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، ولم يضف الرأس اكتفاء [بعلم] المخاطب وأخرج الشيب مميزًا الإيضاح المقصود (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) بل عادتك الاستجابة لي كلما دعوتك فأنت الذي أطمعتني في قبول الدعاء (وَإِنِّي خِفْتُ
стр. 1139
الْمَوَالِيَ) بني عمه وعصبته خاف أن لا يحسنوا الخلافة (مِنْ وَرَائِي) بعد موتي وهو متعلق بمحذوف أي خفت عملهم بعدي (وَكَانتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا): لا تلد (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ): من محض فضلك فإني وامرأتي لا نصلح للولادة بحسب العادة (وَلِيًّا): من صلبي (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ): النبوة والعلم وكان زكريا من ذرية يعقوب وقد ثبت " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة " ولولا أن المراد منه هذه الوراثة الخاصة لكانت تلك الصفة أي: يرثني زائدة لا فائدة فيها إذ الولد يرث أباه في كل شرع (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا): مرضيًّا عندك وعند خلقك،
стр. 1140
(يَا زَكَرِيَّا)، جواب لندائه (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا): لم يسم أحدٌ قبله بهذا الاسم أو معناه شبيهًا (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُْ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي): من أول عمرها (عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): يبسا في المفاصل والعظام كالعود اليابس يقال: عتا العود أي: يبس من أجل الكبر وأصله عتو استثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء ثم قلبت الثانية وأدغمت، وهذا تعجب منه ﵊ واستغراب (قالَ): الملك المبشر له، (كَذَلِكَ) أي: الأمر كذلك (قَالَ ربُّكَ هُوَ) أي اتخاذ الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها (عَلَيَّ هَيِّنٌ): يسير، (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، فإن خلق أصلك آدم وهو معدوم صرف أغرب (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيةً): علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ): لا تقدر على التكلم (ثَلَاثَ لَيَالٍ): يعني ثلاثة أيام ولياليها (سَوِيًّا) حال كونك سوى الخلق من غير خرس وبكم فإنه كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا بإشارة (فخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ): من المصلى، أو من الغرفة (فأَوْحَى): أشار وأومأ (إِلَيْهِم) وعن بعضهم كتب لهم في الأرض (أَنْ سَبِّحُوا) أن مفسرة أو مصدرية (بُكْرَةً وَعَشِيًّا): طرفي النهار والمراد تنزيهه وتحميده أو الصلاة (يَا يَحْيَى) يعني لما وهبنا له قلنا: يَا يَحْيَى (خُذِ الْكِتَابَ): أي التوراة التي يحكم بها النبيون (بِقُوَّةٍ): بجد وحرص (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ): الفهم والحكمة والنبوة
стр. 1141
صَبِيًّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا): رحمة وتعطفا من عندنا، وقيل تعطفا منا على أبويه عطف على الحكم (وَزَكَاةً): طهارة من المعاصي (وَكَانَ تَقِيًّا)، وقد ورد أنه ﵊ ما أذنب ولا هَمَّ بذنب (وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ)، عطف على تَقِيًّا أي: بارًّا بهما (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) عاقًّا أو عاصيًا لربه (وَسَلامٌ): من الله (عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) أوحش ما يكون الخلق في تلك المواطن الثلاثة فخصه الله تعالى بالسلامة.
* * *
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ): أي القرآن (مَريمَ) أي: قصتها (إِذ انتَبَذَتْ) اعتزلت، بدل اشتمال من مريم أو ظرف لقصتها المقدرة (مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: شرقي مسجد الأقصى لحيض أصابها، أو لفراغها للعبادة وهو ظرف أو مفعول فإن انتبذت متضمن معنى أتت (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) أي: استترت منهم وتوارت قيل استترت في مقابل شروق الشمس للاغتسال عن الحيض (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا): جبريل (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: على شكل إنسان تام كامل (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ): يا أيها البشر (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) تتقي الله، وجواب الشرط محذوف أي: فستنتهي مني بتعوذي، أو فلا تتعرض لي، قيل هو للمبالغة أي: إن كنت تقيًّا فأعوذ منك، فكيف إذا لم تكن تقيًّا متورعًا؟! (قَالَ) جبريل (إِنَّمَا أَنَا
رَسُولُ ربِّكِ): لم تصابي مني بسوء، قاله وهو كان في صورة بشر أو عاد إلى هيئته
стр. 1144
الملكية (لأهَبَ لَكِ غُلامًا): لأكون سببًا في هبته، (زَكِيًّا): طاهرًا، (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي): لم يباشرني (بَشَرٌ): من الحلال (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا): لست بزانية، وهو فعول قلبت الواو وأدغمت ثم كسرت الغين للمناسبة (قالَ كَذَلِكِ) أي: الأمر كذلك صدقها فيما قالت، ثم ابتدأ وجاز أن يتعلق كذلك بـ " قال ربك " وقوله " هو على هين " مفسر ذلك المبهم (قَالَ رَبُّكِ هُوَ) أي: وهب غلام من غير أب (عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ)، تقديره: ونفعل ذلك لنجعله أو لنبين قدرتنا ولنجعله (آيَةً لِلنَّاسِ): على كمال قدرتنا (وَرَحْمَةً مِنَّا): على عبادنا لأنه يهديهم (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا): في علم الله الأزلي الذي لا يتغير (فَحَمَلَتْهُ) بأن نفخ في جيبها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت ومدة حمله تسعة أشهر أو ثمانية، ولهذا لا يعيش ولد لثمانية فيكون آية أخرى أو ساعة (فانتَبَذَتْ بِهِ) أي اعتزلت حال كونها متلبسة بالحمل (مَكَانًا قَصِيًّا) بعيدًا عن الخلق لخوف التهمة عنهم (فأَجَاءهَا) ألجأها: واضطرها (الْمَخَاضُ): وجع الولادة (إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ): لتعتمد عليه عند الولادة، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها متعالم عند الناس، (قَالَتْ): استحياء من الناس (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) الأمر (وَكُنْتُ نَسْيًا) ما من حقه أن يطرح وينسى كالذبح اسم لما من شأنه أن يذبح وبفتح النون
стр. 1145
لغة فيه (مَنْسِيًّا)؛ بحيث لا يخطر ببال أحد، (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) فاعل نادى ضمير جبريل، قيل هو كالقابلة لها أو المراد أسفل من مكانها أي: آخر الوادي أو ضمير عيسى قيل أي: من تحت النخلة (أَلَّا تَحْزَنِي) أن مصدرية أي: بأن أو بمعنى أي (قَدْ جَعَلَ ربُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهرًا أو سيدًا أو هو عيسى من السرو (وَهُزِّي) أميلي، (إِلَيْكِ بجِذْع النَّخْلَةِ) الباء زائدة للتأكيد أو بمعنى افعلي الهز به (تُسَاقِطْ) تتساقط النخلة (عَلَيْكِ رُطَبًا) تمييز إن كان تساقط من باب التفاعل ومفعول إن كان من المفاعلة (جَنِيًّا): غضًا وكانت تلك النخلة يابسة، فأورقت لتكون آية أخرى يطمئن بها قلبها أو مثمرة لكن لم تكن في حين ثمرها، (فَكُلِي): من الرطب (وَاشْرَبِي): من النهر أو عصير الرطب (وَقَرِّي عَيْنًا): طيبي نفسك وهو من القرأى: البرودة فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، أو من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، (فإِمَّا تَرَيِنَّ): فإن تري (مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا): صمتًا وكان شريعتهم ترك الطعام والكلام في الصيام (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا): بعد أن أخبركم بنذري بل لا أكلم إلا ملائكة الله وأناجي ربي، أو كان الإخبار بالنذر أيضًا بالإشارة، وعن بعضهم لما قال عيسى لأمه: لا تحزني، قالت: كيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، ولا مملوكة! فأي شيء عذري يا ليتني مت قبل هذا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام قولي إني نذرت للرحمن صومًا (فَأَتَتْ بِهِ)، الباء للتعدية، والضمير للولد (قَوْمَها)، مفعوله الثاني (تَحْمِلُهُ) حال (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا): منكرًا عظيما (يَا
стр. 1146
أُخْتَ هَارُونَ) أي: شبيهه في الزهد والتقوى أو كانت من نسله كما يقال للتميمي والمضري يا أخا تميم، ويا أخا مضر، أو نسبت إلى رجل صالح فيهم اسمه هارون، أو رجل فاجر فيهم يقال له هارون (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا): زانية حتى نقول إنك تابعت في تلك الفاحشة أحد أبويك (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ): إلى عيسى أن كلموه (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صبِيًّا) كان تامة وصبيًا حال أو زائدة والظرف صلة من (قَالَ) عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) أقرَّ أولاً بالعبودية (آتَانِيَ الْكِتَابَ): الإنجيل جعل ما يأتي بعد في حكم الآتي، أو أنه درس الإنجيل وأحكامه في بطن أمه وقيل: المراد علمني التوراة (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا): في
стр. 1147
سابق علمه أو هو نبي حينئذ (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا): معلمًا للخير (أَيْنَ مَا كُنْتُ): حيث كنت (وَأَوْصَانِي): أمرني (بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ): زكاة المال، أو تطهير النفس (مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا) عطف على مباركًا أي: بارًّا أو منصوب بفعل بمعنى أوصاني وهو كلفني، (بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا): مستكبرًا عن عبادة الله وبر والدتي (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ): فلا ينالني شيطان، (وَيَوْمَ أَمُوتُ) فأنجاني من سوء الخاتمة (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا): فليس لي هول (ذَلِكَ): الذي وصفناه هو (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ): لا ما تصفه النصارى (قَولَ الْحَقِّ) أي: هو قول الحق الذي لا ريب فيه، فالإضافة بيانية أو الحق هو الله تعالى أو خبر ثاني لذلك، ومن قرأ بنصب قول جعله مصدرًا مؤكدًا (الذِي فِيهِ يَمْتَرُون) فبعضهم يقولون إنه لزنية ساحر وبعضهم إنه ابن الله (مَا كَانَ لله أَن يَتَّخِد مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانهُ) تكذيب للنصارى وتنزيه لجناب قدسه (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فلا يناسبه خلقه ولا يحتاج إلى ولد يعضده (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) عطف على إني عبد الله وهو من مقول عيسى ومن قرأ أن بالفتح فتقديره ولأن أو عطف على
стр. 1148
الصلاة (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ): طريق مشهود له بالاستقامة (فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ): أهل الكتاب، أو النصارى فإن فيهم ثلاث فرق (مِنْ بَيْنِهِمْ) من بين الناس، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي: من شهود هول يوم عظيم، أي: يوم القيامة أو من وقت الشهود، أو مكان الشهود فيه وهو الموقف (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) أي: ما أسمعَهم وأبصرَهم في ذلك اليوم لكن لا ينفعهم سمعهم حينئذ ولا بصرهم وحاصله أن كمال بصارتهم واستماعهم في ذلك اليوم جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صمًا عميًا (لَكِنِ الظَّالِمُونَ) أوقع المظهر موقع المضمر لأن يسميهم ظالمًا (الْيَوْمَ): في الدنيا (الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فيقولون إنه ابن الله، أو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء (وَأَنذرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يتحسر المسيء على الإساءة، والمحسن على قلة الإحسان (إذ قُضِىَ الأمْرُ): فرغ من الحساب، وذبح الموت بدل من اليوم أو ظرف للحسرة (وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنونَ) أي: أنذرتهم حال كونهم غافلين [غير مؤمنين] (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا): يبقى له الملكية وتزول [ملكية] غيره (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) للجزاء.
* * *
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ
стр. 1149
دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
* * *
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ): لهؤلاء الذين هم من ذرية إبراهيم، ويدعون أنَّهم على ملته (إِبْرَاهِيمَ): كيف نهى أباه عن عبادة الأصنام (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا): ملازمًا للصدق بليغًا فيه (نَبِيًّا إِذْ قَالَ) بدل من إبراهيم (لأَبيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعبدُ مَا لا يَسْمَعُ) دعائك (وَلا يُبْصِرُ) عبادتك (وَلا يُغنِي عَنْكَ شَيْئًا): من المكاره (يَا أَبَتِ)
стр. 1150
كرره للاستعطاف (إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ): وإن كنت من صلبك أصغر منك سنًّا (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا): مستقيمًا (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّ): ومطاوع العاصي عاص (يَا أَبَتِ إِني أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ) يصيبك (عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ): على شركك وعصيانك (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا): قريبًا مصاحبًا لمن هو أعدا عدوك وأبغض الخلق إلى الله وذكر الخوف ونكر العذاب لحسن الأدب حيث لم يصرح بأن العذاب لاحق به (قَالَ): أبوه (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ)، قابل استعطافه بالغلظة حيث سماه باسمه ولم يقل يا ولدي وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بهمزة الإنكار، ثم أوعده بأقبح وعيد فقال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ): عن مقالتك أو عن الرغبة عنها (لأرْجُمَنَّكَ): بلساني أي أشتمك جزاء سبك آلهتي، وقيل بالحجارة حتى تموت (وَاهجُرْنِي)، عطف على مقدر أي: فاحذرني واهجرني (مَلِيًّا) زمانًا طويلاً
стр. 1151
أو سويًا سالمًا قبل أن يصيبك مني مكروه (قَالَ): إبراهيم (سَلامٌ عليْكَ): سلمت بعد مني لا أقول لك ما يؤذيك وهذا جواب الجاهل (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [الفرقان: ٦٣]، (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) رجاء أن يوفقك للتوبة، فتؤمن أو كان يستغفر له أولاً ثم رجع عنه كما قال تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ) [التوبة: ١١٤]، (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) بليغًا في البر واللطف (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ): أفارقكم وأفارق دينكم (وَأَدعُو رَبِّي): أعبده وحده (عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) كما شقيتم أنتم بعبادة آلهتكم فضاع سعيكم صدره بـ عسى تنبيهًا على أن الإجابة فضل غير واجب والحكم على الخاتمة وهي غيب (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) فهاجر إلى الشام (وَهَبْنَا لَهُ): بدل والده وقومه (إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ): ابنه إسحاق وابن ابنه يعقوب أي جعلنا له نسلاً وعقبًا أنبياء، ولذلك قال: (وَكُلًّا): منهما (جَعَلْنَا) أي: جعلناه (نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهم مِنْ رحْمَتِنَا)، وهي النبوة والمال والرفعة وغيرها (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) الثناء الحسن، فإن جميع الملل يثنون عليهم ويمدحونهم وعبر باللسان عما يوجد به كما تطلق اليد على العطية وأضاف بالصدق دلالة على أنَّهم أحقاء [بذلك] الثناء ووصف بالعلو إشعارًا على أن لمحامدهم إعلاء في الأمصار على تباعد الأعصار.
* * *
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ
стр. 1152
هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
* * *
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) بفتح اللام أي: أخلصه الله ونجاه وبكسر اللام أي خاليًا عن الرياء أو مخلصًا نفسه عما سواه (وَكَان رَسُولاً نَبِيًّا): أرسله الله إلى عباده فأنبأهم عن أمره ونهيه (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانبِ الطورِ الأيْمَنِ): من ناحيته التي يلي يمين موسى، وقيل من اليمن لا من اليمين (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) من النجو وهو الارتفاع فإنه رفعه فوق السماوات حتى سمع صرير القلم، فهو حال من المفعول أو من النجوى أي مناجيًا (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا): من أجل رحمتنا له (أَخَاهُ) أي: معاضدته (هَارُون) عطف بيان (نَبِيًّا) إجابة لدعوته " واجعل لي وزيرًا
стр. 1153
من أهلى " [طه: ٢٩]، وهارون أكبر سنًا منه منصوب على الحال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) قد نقل أنه أقام حولاً في مكان ينتظر أحدًا لوعده وأيضًا قال لأبيه " ستجدني إن شاء الله من الصابرين " [الصافات: ١٠٢]، أي: على الذبح فوفى بوعده وفي الجملة هو مشتهر بهذه الجميلة (وَكان رَسُولا نَبِيًّا)، من قال: إن الرسول من يكون له شريعة مجددة والنبي أعم ففيه إشكال فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته ومن قال: الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يقال له ولمن يأتيه الوحي في المنام فلا إشكال (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) كما قال: (وأمر أهلك بالصلاة) [طه: ١٣٢]، وقال سبحانه: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) [التحريم: ٦]، وفي الحديث " إذاً استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات " (وَكانَ عِنْدَ ربِّهِ مَرْضِيًّا) لحسن شيمه (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا): السماء الرابعة أو السادسة
стр. 1154
ومات فيها أو إلى الجنة (أُولَئِكَ): الأنبياء المذكورون في تلك السورة (الذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ): نعما ظاهرة وباطنة (مِنَ النبِيِّينَ)، بيان للموصول (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) بدل منه بإعادة الجار (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح من سفينته سوى إدريس فإنه جد نوح فهو من ذرية آدم وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ) عطف على إبراهيم فموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل لا إسحاق وإسماعيل (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا) أي هديناه إلى الحق (وَاجْتَبَينَا) للنبوة (إِذا تُتْلَى)، ظرف لـ خرُّوا وهو خبر لأولئك إذا جعلت الذين صفته وإن جعلته خبره فهو استئناف (عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا): سقطوا (سُجَّدًا) جمع ساجد (وبكِيًّا)، جمع باك (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) خلفه أي: عقبه وخلْف بسكون اللام عَقِب السوء وبفتحها عقب الخير (أَضَاعُوا الصلاةَ): تركوها أو أخروها عن وقتها (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) مالوا إلى زخارف
стр. 1155
الدنيا وهم اليهود والنصارى، وعن بعضهم أنَّهم من هذه الأمة في آخر الزمان (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا): شرًا وخسرانًا أو هو واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، هذا يدل على أن الآية فِي الكفرة إلا عند من يقول: تارك الصلاة كافر وعليه كثير من السلف (فَأُولَئِكَ يَدْخلُونَ الْجَنةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا): بنقص جزاء أعمالهم فـ شيئًا إما مصدر أو مفعول بمعنى لا ينقصون ولا يمنعون شيئًا من جزاء أعمالهم (جَنَّاتِ عَدْنٍ) بدل من الجنة بدل البعض، والعدن عَلَم، ولذلك جاز أن يكون بدلاً من المعرفة وجاز وصفها بقوله: (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) أي: وهي غائبة عنهم لم يروها (إِنَّهُ): إن الله (كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا): مفعول لا بمعنى فاعل، فإن الوعد هو الجنة وهم يأتونها (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا): ما لا طائل تحته، (إِلا سَلامًا) استثناء منقطع وهو سلام الملائكة أو بعضهم بعضًا، وقيل السلام الدعاء بالسلامة، والدعاء بها في الجنة من باب اللغو نعم فائدته الإكرام (وَلَهُمْ رِزْقفمْ فيهَا بُكْرةً وَعَشِيًّا) لا فيها ليل ونهار لكن على التقدير وعن بعضهم يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ومقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب وقيل المراد الدوام (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ
стр. 1156
كَانَ تَقِيًّا): الوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك فإنه لا فسخ ولا رجوع فيه قيل: أورثوا المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) أبطأ جبريل النزول مدة فقال رسول الله ﵉ ما نزلت حتى ظن المشركون كل ظن فأوحى إلى جبريل أن قل له " وَمَا نَتَنَزَّلُ " الآية وقد ورد أن جبريل قال كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون؟! (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: أمر الدنيا وأمر الآخرة وما بين النفختين أو الأرض والسماء والهواء أي: جميع الأزمان أو الأماكن له لا تنتقل في زمان دون زمان أو مكان إلى مكان إلا بأمره (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا): تاركًا لك مودعًا إياك كما زعمت المشركون (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
стр. 1157
بَيْنَهُمَا)، بدل من ربك أو خبر مبتدأ محذوف (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)، عدي باللام لتضمنه معنى الثبات أي: اثبت لها ولا يضق صدرك عن احتباس الوحي وشماتة المشركين (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا): مثلاً وشبهًا فلا محيص عن عبادته والصبر على مشاقها وعن ابن عباس ﵄ ليس أحد يسمى الرحمن غيره، وعن بعضهم هل تعلم أحدًا يسمى الله غيره؟
* * *
(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ
стр. 1158
مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
* * *
(وَيَقُولُ الإنسَانُ) حرف التعريف للجنس، فإنه إذا قال قائل منهم ذلك صح إسناده إلى جميعهم كما يقال بنو فلان فعلوا، والفاعل أحدهم أو للعهد أي: منكرو الحشر (أَإِذَا مَا مِتُّ) ما زائدة للتأكيد (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) واللام لمجرد التأكيد ليس فيها معنى الحال والعامل في إذا فعل دل عليه " أخرج "؛ لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها والمراد من الخروج الخروج من الأرض، أو حال الفناء (أَوَلا يَذكُرُ): لا يتفكر (الْإِنْسَانُ) عطف على يقول، والهمزة بين المعطوفين ليدل على أن المنكر العجيب هو المعطوف فإنه لو تأمل (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) بل كان عدما صرفا لم يقل ذلك أي: لو تأمل النشأة الأولى حيث أخرجنا الجواهر والأعراض من العدم وأوقعنا تلك التأليف المشحون بأنواع الحكم اختراعًا من غير حذو على مثال له ينكر النشأة الثانية (فوَربكَ) قسم باسمه الأعلى مضاف إلى أشرف مخاطب (لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) الواو
стр. 1159
مفعول معه أو للعطف والضمير المفعول لجنس الإنسان فإنه إذا حشر الجميع حشرًا واحدًا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد صدق أن الكل محشورون معهم (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا): قعودا على الركب على المعتاد في مواقف التقاول كما قال تعالى (وترى كل أمة جاثية) [الجاثية: ٢٨]، (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ): أمةٍ شاعت دينا (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا): غيًّا وفسادًا أي: قادتهم ورؤساؤهم في الشر أو يبدأ بالأفسق فالأفسق، فيطرح في جهنم وأيهم مرفوع بالابتداء استفهامي وخبره أشد، والجملة محكية أي لَنَنْزِعَنَّ الذين يقال فيهم أيهم أشد أو مبني على الضم لحذف صدر صلته و " على الرحمن " للبيان لا متعلق بـ عتيا، لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه أو معلق بأشد أي: عتوهم أشد عليه كما يقال: هو أشد على خصمه (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) أي: احتراقًا " وبها " للبيان أو ظرف لأولى أي: صليهم أولى بالنار يعني ننزع الرؤساء، ونعلم أنَّهم أحق بتضعيف العذاب أو نبدأ بالأعصى فالأعصى ونقدم الأولى فالأولى بالعذاب وجاء بـ ثم لتأخره في الإخبار، ولأن حاصله طرحهم في النار على الترتيب وهو متأخر عن النزع (وَإِنْ مِنْكُمْ) أي: منكم أحد (إِلَّا وَارِدُهَا): داخلها يدخل النار بر وفاجر وتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا وكثير من السلف على أن الورود هو الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها، وعن بعضهم الورود
стр. 1160
الحضور والرؤية لا الدخول وقد ورد أنه ﵇ عاد رجلاً من أصحابه وَعِكًا، ثم قال: " إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة " وعن مجاهد الحمى حظ كل مؤمن من النار (كَانَ): الورد (عَلَى ربِّكَ حَتْمًا): واجبًا أوجبه على نفسه أو قسمًا واجبًا (مَقْضِيًّا): قضاه الله عليكم (ثُمَّ نُنَجِّي): عن النار (الَّذِينَ اتَّقَوْا): الشرك (وَنَذَرُ الظالِمِينَ): الكافرين (فِيهَا جثِيًّا) جميعًا جمع مجثوة أو على الركب جمع جاث (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بَيِّنَات): واضحات المعاني والبرهان حال مؤكدة (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا): معهم، ولأجلهم (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ): منا ومنكم خير (مَقَامًا): مكانًا (وَأَحْسَنُ ندِيًّا): مجلسًا يعني لما سمعوا آيات الله أعرضوا عنها واستدلوا على فضلهم وشرفهم بزيادة حظهم حطام الدنيا فرد الله تعالى عليهم بقوله (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا): متاع البيت (وَرِئْيًا): منظرًا أو هيئة فلم ينفعهم، ولن يدفع عنهم عذاب الله تعالى، وكم مفعول أهلكنا ومن قرن بيانه وهم أحسن في محل النصب صفة كم وأثاثًا ورئيًا تمييز عن النسبة (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ) الشرك (فَلْيَمْدُدْ له الرَّحْمَنُ مَدًّا): يدعه ويمهله في طغيانه استدراجًا وهو خبر بلفظ الأمر إشعارًا بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة وقيل هذا دعاء (حَتَّى إِذَا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ): في الدنيا كالأسر والقتل (وَإِمَّا السَّاعَةَ): القيامة