← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لأنه لا تنقطع محبتهم عن الله بحال، أما المشركون إذ اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول، وأيضًا يعرضون عن معبودهم حال البلاء، قال تعالى: " فإذا ركبوا في الفلك " [العنكبوت: ٦٥]، (وَلَوْ يَرَى): لو يعلم، (الذِينَ ظَلَمُوا)، باتخاذ الأنداد، (إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ): عاينوه يوم القيامة، (أَن القُوَّةَ لله جَمِيعًا وَأَنْ الله شَدِيدُ العَذَابِ)، ساد مسد مفعولي يرى، وجواب لو محذوف، أى: لو يعلمون أن القدرة لله جميعًا لا قدرة لأندادهم، إذ يرون العذاب، أي: يوم القيامة، لندموا أشد الندامة، ومن قرأ ولو ترى بالتاء، فالذين ظلموا مفعوله من رؤية البصر، وإذ يرون العذاب بدل من الذين، وأن القوة بدل اشتمال من العذاب، وجواب لو محذوف أيضًا أي لرأيت أمرًا فظيعًا، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبعُوا): القادة من الملك وغيره، وهو بدل من إذ يرون، فيكون ظرفًا لقوله أن القوةَ، (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا): الأتباع، يقول الملائكة: " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " [القصص: ٦٣]، (وَرَأَوُا العَذَابَ)، الواو للحال، وقد مضمرة، (وَتَقَطعَتْ بِهِمُ)، أي: بسبب كفرهم، أو متلبسًا ومتصلاً بهم، (الأَسْبَابُ)، أي: المودة، أو كل وصلة بينهم في الدنيا، أو الأعمال التي يعملونها في الدنيا، أو الحيل وأسباب الخلاص، (وَقَالَ الذِينَ اتَّبَعُوا): الأتباع، (لَوْ أَن لَنَا كَرَّةً)، أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا، (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ): من المتبوعين، (كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ): مثل ذلك الإراء الفظيع، (يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ): سيئاتهم، أو حسناتهم التي ضيعوها، (حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ): ندامات وهو ثالث مفاعيل يريهم، أو حال على أنه من رؤية البصر، (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار)، أصلاً. * * *

стр. 107

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا)، نزلت في قوم حرموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر، وحلالاً مفعول كلوا، أو حال من ما في

стр. 108

الأرض، والطيب ما يستطاب في نفسه، غير ضار للأبدان والعقول أو المستلذ، (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ)، أي: سبله وطرقه، يعني لا تقتدوا به، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ): ظاهر العداوة، عند ذوى البصيرة، (إِنَّمَا يَأمُرُكُم بِالسُّوءِ): المعاصي كلها أو معصية لا حد فيها، (وَالْفَحْشَاءِ): معصية فيها حد أو البخل، (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون): كاتخاذ الأنداد، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، (وَإِذَا قيلَ لَهُمُ): لهؤلاء المشركين، أو طائفة من اليهود، (اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا): وجدنا، (عَلَيْهِ آباءنَا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شيْئًا وَلاَ يَهتدُون)، الواو للعطف أو الحال والهمزة للتوبيخ والتعجيب، وجواب لو محذوف، أي: لو كان آبائهم جهلاء لاتبعوهم، (وَمَثلُ الذِينَ كَفَرُوا): فيما هم فيه من الجهل والضلال، (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً)، أي: كمثل الدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول، بل إنما تسمع صوته فقط، هكذا نقل في تفسيرها عن السلف، وحاصله أنَّهم في انهماكهم في تقليد الجهل كالبهائم التي ينعق راعيها بها

стр. 109

فتسمع الصوت ولا تفهم معناه، وقيل: تقديره مثل داعي الذين كفروا معهم " كمثل الذي " الآية وهو الأظهر، (صُمٌّ): عن سماع الحق، (بُكْمٌ): لا يتفوهون به، (عُمْيٌ): من رؤية مسلكه، (فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ): ولا يفهمونه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ): حلالات، (مَا رَزَقْنَاكُمْ)، لما أباح الله للناس ما في الأرض سوى ما حرم، أمر المؤمنين أن يتحروا حلالاته ويقوموا بحقوقها فقال: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ): على ما أحل لكم، (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): إن صح أنكم تختصونه بالعبادة فإن عبادتكم لا يتم إلا بالشكر، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ): التي ماتت من غير ذكاة، (وَالدَّمَ)، أي: دمًا مسفوحًا والسمك والجراد والكبد والطحال مستثنى بالحديث، (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ): وتخصيص اللحم بالذكر لأنه معظم ما يؤكل، (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ): ما ذكر اسم غير الله عند ذبحه، وهذه

стр. 110

الآية رد على من حرموا على أنفسهم أشياء من عند أنفسهم، فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقًا فلا يرد أن المحرمات غيرها كثيرات، (فَمَنِ اضْطُرَّ): أحوج ولجئ إليه، (غيرَ بَاغٍ): خارج على السلطان أو مستحله أو آكله من غير اضطرار أو متجاوز القدر الذي أحل له وقيل باغ بالاستئثار على مضطر آخر، (وَلاَ عَادٍ)، متعد عاص بسفره أو غيره متعد ما حد له، فيأكل أكثر مما يمسك رمقه، أو يتعدى حلالاً وهو يجد عن الحرام مندوحة، (فَلاَ إِثْمَ عليه)، في تناوله، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، حيث رخص بالأشياء، (إِن الَّذِينَ يَكتُمُونَ)،

стр. 111

رؤساء اليهود، (مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَاب): من نعت محمد ﷺ وغيره، (وَيَشْتَرُونَ به): بما أنزل الله، (ثَمَنًا قَلِيلًا)، من مال يأخذونه من سفلتهم كما مر، (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)، أي: لا يأكلون يوم القيامة ملأ بطونهم إلا النار، (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، كناية عن الغضب، أو لا يكلمهم بما يسرهم، (وَلَا يُزَكِّيهِمْ): لا يمدحهم ولا يثني عليهم أو لا يطهرهم من الذنوب، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): مؤلم، (أوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى): في الدنيا، (وَالْعَذَابَ بِالْمَغفرَةِ): في الآخرة، (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، تعجب من حالهم، وما تامة مبتدأ، أو استفهامية توبيخية، ما بعدها الخبر، (ذَلِكَ)، أي: ذلك العذاب، (بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ)، أي: جنس الكتاب أو القرآن، (بِالْحَقِّ)، وهم أخذوه هزوًا، (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الكِتَابِ)، أي: في جنس الكتاب، والاختلاف الإيمان ببعض دون بعض، أو في التوراة، والاختلاف التحريف أو في القرآن واختلافهم تكذيبه بأنه سحر وشعر، (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ): لفى خلاف بعيد عن الحق. * * * (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ

стр. 112

ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) * * * (لَيسَ البِرَّ أَن تُولوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغرِبِ)، أي: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا بعد ذلك شيئًا، كما هو في أول الإسلام، فهذا حين نزول الفرائض، أو قبلة اليهود المغرب وقبلة النصارى المشرق، فأنزل الله أو لما تحولت القبلة شق ذلك على أهل الكتاب وبعض المؤمنين، فهذه الآية بيان حكمته، وهو أن المراد امتثال أوامر الله، وهو البر وليس في لزوم التوجه قبل مشرق أو مغرب بر إن لم يكن عن أمر الله، (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) أي: بَرَّ من آمن، أو ذا البر من آمن بالله، (وَالْيَوْمِ

стр. 113

الآخِرِ وَالْمَلائكَةِ وَالْكِتَابِ)، أي: جنسه، أو القرآن، (وَالنَّبِيِّينَ وَآتى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ): حب المال، أي: أخرجه وهو محب له، وقيل: على حبِّ الله، (ذَوِي القُرْبَى): قرابات الرجل، (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ)، من لا يجد ما يكفيه، (وَابْن السَّبِيلِ): المسافر الذي انقطع عنه ما يكفيه في سفره والضعيف صرح به السلف، (وَالسائِلينَ): من ألجأته الحاجة إلى السؤال، (وَفِي الرِّقَابِ)، أي: في تخليصها بمعاونة المكاتبين، وقيل في فك الأسارى، (وَأَقَامَ الصَّلاةَ): المفروضة، (وَآتى الزَّكَاةَ): المفروضة ويكون قوله: " وآتى المال " بيان المصارف، أو صدقات السنة، (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا): الله والناس، عطف على من آمن، (وَالصابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ): حال الفقر ونصبه على المدح لفضل الصبر، (وَالضَّراء): المرض، (وَحِينَ البَأسِ): القتال لله، (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا)، في إبمانهم، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، لأنَّهُم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات، (يَا أَيُّهَا الذِينَ

стр. 114

آمنوا كُتِبَ)، أي: فرض، (عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)، كان بين حيين قتل ودماء، وكان لأحد الحيين فضل على الآخر، فحلفوا أن يقتلوا بالعبد منهم الحر، وبالمرأة الرجل، وبالواحد الاثنين فنزلت: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)، أي: ليتساووا وليتماثلوا في القصاص فلا يدل على ألا يقتل الحر بالعبد، والذكر بالأنثى كما لا يدل على عكسه، ومن قال بعدم قتل الحر بالعبد فدليله الحديث، وروي عن بعض السلف أنها منسوخة بقوله تعالى: " النَّفْسَ بِالنَّفْسِ " فالقصاص ثابت بين الحر والعبد والذكر والأنثى، (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، تقديره فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه، أي: ولي الدم شيء من العفو، فإن عفا لازم، يعني: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، أي: فعلى العافي أن يطالب الدية لمعروف ولا يعنف، (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)، أي: وعلى المعفو عنه أن يؤديها بإحسان لا يمطل ولا يبخس، (ذَلِكَ)، الحكم الذي هو أخذ الدية، (تَخْفِيفٌ من ربِّكُمْ وَرَحْمَةٌ): مما كان محتومًا على الأمم قبلكم، من القتل في اليهود، والعفو في النصارى، (فَمَنِ اعتدَى): بالقتل، (بَعْدَ ذَلِكَ): بعد العفو، (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ): في الآخرة، أو في الدنيا بأن يقتل ولا يأخذ منه الدية،

стр. 115

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، أي: لكم في حكم القصاص نوع حياة عظيمة، لأن العلم به يردع عن القتل مخافة القصاص ويدفع الفتنة المنجرة إلى القتال العظيم، (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، ذوي العقول، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): عن القتل أو لكي تنزجروا فتتركوا محارم الله، (كُتِبَ): فرض، (عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ)، أي: أسبابه، (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)، أي: مالاً أيُّ مال، أو مالاً كثيرًا، واختلف في الكثرة، فعن علي رضى الله عنه: لا بد أن يزيد على أربعمائة دينار، (الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِين)، وكان وجوبه في بدء الإسلام فنسخ، (بِالْمَعْرُوف): بالعدل فلا يتجاوز الثلث، (حَقًا)، أي: حق ذلك حقًا، (عَلَى الْمُتَّقِينَ): عن الشرك، (فَمَن بَدَّله): غيره من الأوصياء والشهود، (بَعْدَمَا سَمِعَهُ): من الميت، (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ)، أي: التبديل، (عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)، قد وقع أجر الميت على الله، (إِنَّ اللهَ

стр. 116

سَمِيعٌ): يسمع كلام الميت، (عَلِيمٌ): يعلم تبديل المبدل، (فَمَنْ خَافَ)، أي: علم، (مِن مُّوصٍ جَنَفًا)، خطأ في الوصية مثل أن يوصى بأكثر من ثلث، (أَوْ إِثْمًا): عمدًا، (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ): بين الورثة والموصى لهم، (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ): في التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، ذكر الغفران لمطابقة ذكر الإثم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ

стр. 117

لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، صيام رمضان، أو ثلاثة أيام من كل شهر وعاشور ثم نسخ، (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، من لدن نوح أو أهل الكتاب، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)، المعاصي فإن الصوم تضييق لمسالك الشيطان، (أيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)، تقديره صوموا أيامًا، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أُخَرَ، إن أفطر بحذف الشرط، والمضاف والمضاف إليه للقرينة، (وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ)،

стр. 118

أي الصحيح المقيم (فِدْيَةٌ)، إن أفطروا، (طَعَامُ مِسْكِينٍ)، كان في بدء الإسلام الخيار بين الصوم والإطعام عن كل يوم مسكينًا فنسخ، أو الآية غير منسوخة، والمراد الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم، وعلى هذا معنى (الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) يصومون طاقتهم وجهدهم ويؤيد بعض القراءة وهو " يُطَوَّقُونه " أي: يكلفونه (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)، بأن أطعم أكثر من مسكين كل يوم، (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا)، أي: الصوم (خَيْرٌ لَكُمْ) أيها المطيقون أو المطوقون من الإفطار والفدية (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): فضائل الصوم، (شَهْرُ رَمَضَانَ)، مبتدأ خبره ما بعده أو ذلكم شَهْرُ رَمَضَانَ، (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، جملةً ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجمًا إلى الأرض، وهو خبر شَهْرُ رَمَضَانَ أو صفته والخبر (فَمَنْ شَهِدَ) (هُدًى لِلنَّاسِ)، أي: هاديًا بإعجازه، (وَبَيِّنَاتٍ)، آيات واضحات، (مِنَ الْهُدَى): مما يهدي إلى الحق، (وَالْفُرْقَانِ): يفرق بين الحق والباطل، (فَمَنْ شَهِدَ) أي: حضر ولم يكن مسافرًا، (مِنْكُمُ الشَّهْرَ)، أي: فيه، (فَلْيَصُمْهُ)، أي: فيه (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا): مرضًا يشق، أو يضر عليه الصيام، (أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، الآية الأولى تخيير للمريض والمسافر والمقيم، وهذه لهما دون المقيم،

стр. 119

بل علم من هذه نسخ الأولى، (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) فلذلك أباح الفطر للسفر والمرض، (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، عطف على اليسر مثل "يريدون ليطفئوا " [الصف:٨] أو تقديره وشرع لكم ذلك، أي: جملة أحكام الصوم لتكملوا، أي: لتكملوا عدد أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في المرض والسفر، (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ): لتعظموه، (عَلَى مَا هَدَاكُمْ): أرشدكم إليه من وجوب الصوم ورخصة الفطر بالعذر، أو المراد تكبيرات ليلة الفطر، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): الله في نعمه، أو رخصة الفطر، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، أي: فقل إني قريب أطلع على جميع أحوالهم، قال أعرابي يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت، وروي أن بعض الصحابة قالوا: أين ربنا؟ فنزلت، وروي لما نزلت (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعوا؟ فنزلت، وروي أن اليهود قالوا: كيف يسمع الله الدعاء وأنت تزعم أن بيننا وبين

стр. 120

السماء كذا وكذا سنة؟ فنزلت، (أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاع إِذَا دَعَان فَلْيَسْتَجِيبُوا لي)، أي: فليجيبوا لي إذا دعوتهم للطاعة كما أجيبهم إذا دعوني إلى مهامهم، (وَلْيُؤْمِنُوا بِي): أمر بالثبات والدوام، (لَعَلَّهُم يَرْشُدُون)، راجين إصابة الرشد، وهذه الآية المتخللة بين أحكام الصوم إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء في الصوم والفطر وروي: " ثلاثة لا ترد دعوتهم، الإمام العادل والصائم حتى أو حين - يفطر، ودعوة المظلوم "، (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ): ليلة الصيام التي تصبح منها صائمًا والرفث عبارة عن الجماع وعدى بـ إلى لتضمنه معنى الإفضاء، كان فى بدء الإسلام غير جائز، (هُنَّ لِبَاسٌ لكمْ)، أي: سكن أو شبه باللباس لاشتمال كل على صاحبه، اشتمال اللباس على اللابس، (وَأَنتمْ لِبَاسٌ لهُنَّ)، سكن أي: لما كان بينكم غاية الخلطة رخصنا لكم لئلا يشق عليكم، (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ): تظلمونها بما هو حرام عليكم ووقع ذلك على عمر - رضى الله عنه - فقال: يا رسول الله أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت فنزلت، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ): لما تبتم، (وَعَفَا عَنْكُمْ)، محا عنكم أثره، (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، والمباشرة

стр. 121

كناية عن الجماع، (وَابْتَغوا): اطلبوا، (مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ): ما أثبته في اللوح المحفوظ من الولد أو ليلة القدر أو الرخصة التي كتب الله لكم وما أحل الله لكم، (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا)، جميع الليل، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ)، بياض الصبح، (مِنَ الخَيْطُ الأَسْوَدِ): من سواد الليل، (مِنَ الفجرِ)، بيان للخيط الأبيض، (تْثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، فإنه آخر وقته، كان الأكل والشرب بعد العشاء، أو النوم حرامًا فبعض الصحابة نام عن فطره فلما انتصف النهار غشي عليه فنزلت، (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، كان إذا اعتكف الرجل فخرج من المسجد جامع إن شاء ورجع، فأنزل الله تعالى النهي عن المباشرة ما داموا عاكفين فيها، (تِلْكَ)، أي: الأحكام المذكورات، (حدُودُ اللهِ)، أي: ذوات حدود الله، (فَلاَ تَقْربوها)، نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل، لئلا تدانى الباطل فضلاً أن يتخطى، أو المراد من الحدود المحارم، وتكون تلك إشارة إلى لا تباشروهن، أي هذا وأمثاله محارم، (كَذَلِكَ): مثل هذا التبيين، (يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): مخالفة الأمر،

стр. 122

(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بوجه لم يبحه الله، (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ): ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام، عطف على المنهي، أو نصب بتقدير أن، (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا): طائفة، (مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ): بما يوجب الإثم كاليمين الكاذبة، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أنكم مبطلون. * * * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)

стр. 123

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) * * * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)، سأل بعض الصحابة ما بال الهلال يبدو دقيقًا ثم يزيد ثم ينقص؟ فنزلت، (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، سألوا عن حكمة اختلاف حال القمر فأجاب بأن الحكمة الظاهرة أنه معالم للناس يوقتون بما أمورهم سيما الحج، (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)، كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، أو الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخلوا من قبل بابهم فنزلت، (وَلَكِن البِرَّ): بر، (مَنِ اتَّقَى): المحارم، (وَأتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا): واتركوا

стр. 124

سنة الجاهلية، (وَاتَّقُوا اللهَ)، في تغيير أحكامه، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): لكي تظفروا بالفلاح والهدى، ووجه اتصال هذه الآية بما قبله أنه لما ذكر الحج ذكر أيضًا شيئًا من أفعالهم في الحج استطرادًا، وفيه تنبيه على أنَّهم يخترعون أشياء لا حكمة فيها، ولا يسألون ولا يتفكرون فيها ويسألون عن شيء حكمته ظاهرة، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، إعلاء لكلمته، (الذِينَ يُقَاتِلُونَكمْ)، كما أن همتهم قتالكم فلتكن همتكم كذلك، (وَلاَ تَعْتَدُوا): لا تظلموا في القتال، بأن تقتلوا النساء والشيوخ والصبيان وأنهم ليسوا من الذين يقاتلونكم، وبأن تفعلوا المثلة والغلول، وروي أنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة، (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ): لا يريد بهم الخير، وعن بعض السلف أن قريشًا صدوا المسلمين عن الحج وصالحوهم على رجوعهم من قابل، فخاف المسلمون عن عدم وفاءهم وقتالهم في الحرم شهر الحرام وكره المسلمون ذلك، فنزلت، ومعناه: قاتل من قاتلك ولا تظلم بابتداء القتال، فالآية منسوخة، (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)؛ وجدتموهم في حل أو حرم، (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)، أي: مكة فإن قريشًا أخرجوا المسلمين منها، والمسلمون أخرجوا المشركين يوم الفتح، (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، أي: شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم في الحرم وجزاء سيئة سيئة مثلها، (وَلاَ تُقَاتِلُوَهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ)، حرمة له، (حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن

стр. 125

قَاتَلُوكُمْ)، وابتدأو بالقتال عنده، (فَاقْتلُوَهُمْ): مكافأة، (كَذَلِكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ): يفعل بهم ما فعلوا، قال بعضهم: آية " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " منسوخة بهذه الآية، وهذه منسوخة بآية السيف في براءة، فهي ناسخة منسوخة والأكثر على أنها محكمة لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، (فَإِنِ انْتَهَوْا): عن القتال والكفر، (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، يغفر لهم ما قد سلف، (وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ): شرك، (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)، خالصًا فلا يعبد شيء غيره، (فَإِنِ انْتَهَوْا): عن الكفر، (فَلاَ عُدْوَانَ): لا قتل ولا نهب، (إِلا عَلَى الظالِمِينَ)، لا عليهم، فإنهم قد ارتدعوا عن الظلم، (الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ)، صدهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة عن العمرة، وخرج المسلمون لعمرة القضاء في سنة أخرى، وكرهوا القتال لحرمته، فنزلت، أي: هذا بذاك وهتكة بهتكة فلا تبالوا، (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص)، أي: كل حرمة وهو ما يجب المحافظة عليه يجري فيه القصاص، وهم هتكوا حرمة شهركم بصدكم فافعلوا به مثله، (فمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، أي: ادخلوا مكة عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم، (وَاتَّقُوا اللهَ)، فيما لم يرخص لكم، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، فيحرسهم ويعلي كلمتهم، (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ): في جهات الخير،

стр. 126

(وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، بعدم الإنفاق فيها، وصح عن ابن عباس وغيره أنَّهم قالوا: الآية في النفقة لا في القتال، أو تقديره لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة بالإسراف، بحيث لا يبقى لكم شيء أصلاً، أو معناه: أنفقوا في الجهاد ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة بترك القتال والإمساك عن الإنفاق في الجهاد، والباء زائدة، والمراد من الأيدي الأنفس، أو تقديره ولا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها، وعدى بـ إلى لتضمن معنى الانتهاء، (وَأَحْسِنُوا): أعمالكم، أو الظن بالله، (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ): بمناسكهما وحدودهما وسنتهما، أو بأن تحرم من دويرة أهلك، أو بأن تخرج لهما لا لغرض آخر من تجارة وغيرها، أو بأن تكون النفقة حلالاً، (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ): منعتم والمراد حصر العدو، أو أعم كالمرض فيه خلاف، (فَمَا اسْتَيْسَرَ)، أي: فعليكم ما تيسر، (مِنَ الْهَدْيِ)، يعني من أحصر وأراد التحلل تحلل بذبح هَدي من بدنة أو بقرة أو شاة، (وَلاَ تَحْلِقُوا رُءوسَكُمْ

стр. 127

حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، أي: أنتم محرمون حتى يصل هديكم محلاً يحل ذبحه فيه وهو مكان الحبس وعليه الشافعي، أو حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ الحرم وذبح وعليه الحنفي، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا): مرضًا يحتاج إلى الحلق، (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ)، كجراحة وقمل، (فَفِدْيَةٌ): فعليه فدية إن حلق، (مِّن صِيَامٍ): ثلاثة أيام، (أَوْ صَدَقَةٍ)، ثلاثة آصاع على ستة مساكين، (أَوْ نُسُكٍ)، ذبح شاة، وهو مخير في الثلاثة، (فَإِذَا أَمِنْتُمْ)، العدو، أو كنتم في حال أمن، أي: إذا تمكنتم من أداء المناسك، (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، أي: استمتع بالتقرب إلى الله تعالى بالعمرة في أشهر الحج إلى أن وصل الحج فحج، أي: من اعتمر أشهر الحج وأحل ثم حج في تلك السنة، (فَمَا اسْتَيْسَرَ)، أي: فعليه ما استيسر، (مِن الهَدْي فَمَن لمْ يَجِدْ)، أي: الهدى، (فَصِيَامُ ثَلاَثةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ): في أيام الاشتغال به، أي: بعد الإحرام وقبل التحلل، أو في أشهر بين الإحرامين، (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعتمْ): إلى أهليكم، لا قبل الوصول، أو المراد من الرجوع الفراغ من الحج، (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، فائدتها الحطم بأن الواو لا بمعنى أو، والمراد العدد المعين لا الكثرة، (ذَلِكَ)، أي: هذا الحكم، (لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ)، هم أهل الحرم، أو أهل مكة، أو من كان وطنه من مكة دون مسافة القصر

стр. 128

أو من دون الميقات، (وَاتَّقُوا اللهَ)، أي: مخالفته، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ): لمن لم يتقه. * * * (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ

стр. 129

يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) * * * (الْحَجُّ أَشْهُرٌ)، أي: وقته، (مَّعْلُومَاتٌ): معروفات، شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، أو تمامه وفائدته كراهة العمرة في بعضه، أو في تمامه والأكثرون على عدم جواز الإحرام بالحج في غيرها، (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ): أوجب على نفسه بالإحرام، (فَلَا رَفَثَ): لا جماع ومقدماته من التقبيل والتكلم به في حضورهن في حكمه، (وَلاَ فُسُوقَ): هي المعاصي، فإنها في الإحرام أقبح، أو خاص بمحظورات الإحرام فقط، (وَلاَ جِدَالَ): لا مخاصمة، أو لا مراء، وروي أن المشركين يقفون في

стр. 130

الحج ويجادلون، فبعضهم يقول نحن أصوب وبعضهم يقول نحن [أبر] (١) أو لا جدال في مناسكه، فإنه قد بين الله تعالى أشهره ومواقفه، (في الحَجِّ): في أيامه وفي شأنه، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللهُ): فلا يضيع، حث على الخير بعد النهي عن الشر، (وَتَزودُوا)، كان أهل اليمن يحجون بلا زاد مظهرين التوكل، ثم يسألون الناس فنزلت، (فَإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، ومن التقوى الكف عن السؤال والإبرام، (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، أي: واتقوا عقابي وغصبي يا ذوي العقول، (لَيْس عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ): إثم، (أًن تَبْتَغوا)، أي: في أن تبتغوا، (فَضلاً مِّن ربِّكُمْ): عطاء ورزقًا منه بالتجارة حين الإحرام، كان المسلمون كرهوا التجارة في الحج، فنزلت، وأيضًا روي أنه سل هل للجالبين حج؟ فنزلت، (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ): انصرفتم عنها، (فَاذْكُرُوا الله عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ)، بالدعاء والتلبية، (وَاذْكروهُ)، بالتوحيد والتعظيم، (كمَا هَدَاكُمْ): كما ذكركم بالهداية فهداكم أو كما علمكم، (وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ)، أي: الهدى، (لَمِنَ الضَّالّينَ): الجاهلين بالطاعة، وإن: هي المخففة، واللام: هي الفارقة، (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، أي: من عرفة، كان [أهل قريش] (٢) لا يخرجون من الحرم يقفون عند أدنى الحل قائلين: نحن أهل الله، فلا نخرج من الحرم بخلاف الناس، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفة

стр. 131

ويخرجوا من الحرم كسائر الناس، وحينئذ ثم: للتراخي في الإخبار، أو من مزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفة إليها، وحينئذ المراد بالناس: إبراهيم ﵇، أو جميع الناس، (وَاسْتَغفرُوا الله)، من جاهليتكم، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، يغفر الذنب وينعم، (فإِذَا قَضيتم مَّنَاسِكَكُمْ): فرغتم من العبادات الحجية، (فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ)، أهل الجاهلية يقفون ويذكرون مفاخر آبائهم، فأمرهم الله بذكره كذكرهم مفاخر آبائهم، أو كقول الصبي: أبه أمه، كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه فالهجو أنتم بذكر الله بعد النسك، (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، عطف على كذكركم، أو على ذكركم، والمعنى: ذكرا أشد ذكرًا على الإسناد المجازي، وصفًا للشيء بوصف صاحبه كشديد الصفرة صفرته، أو عطف على آبائكم، أي: كذكركم قومًا أشد مذكور به من آبائكم وأما عطفه على الضمير المضاف إليه لكذكركم فضعيف، قيل: أو بمعنى بل، (فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)، أي: اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة، (وَمَا لَه فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، نصيب أو من طلب

стр. 132

خلاق، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، يدخل فيها كل خير في الدنيا وصرف كل شر، (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)، مثلها يدخل فيها الخير كله، (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، تخصيص بعد التعميم؛ لأنه هو الفوز، وبعض السلف خصص الحسنة في الموضعين بشيء خاص، والتعميم أولى، (أُولَئِكَ)، أي: الفريق الثاني، (لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا)، أي: مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه، والدعاء كسب، لأنه عمل، أو من أجل ما عملوا، (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، يحاسبهم مع كثرتهم وكثرة أعمالهم فى لمحة، وقيل: سريع الحساب مع الفريق الثاني لأن يتخلصوا من هوله، (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ): أيام التشريق، والمراد: التكبير بعد الصلوات وعلى الأضاحى وعند الجمرات، (فَمَن تَعَجَّلَ): عجل في النفر، (فِى يَوْمَينِ)، ونفر بعد رمى اليوم الثاني (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ): في النفر إلى اليوم الثالث، (فَلَا إِثْمَ

стр. 133

عَلَيْهِ)، في تأخره، لا كما قال بعض من أهل الجاهلية، فإن منهم من أثم المتعجل ومنهم من أثم المتأخر، (لِمَنِ اتَّقَى)، أي: التخيير، أو الأحكام المذكورة؛ لأنه الحاج حقيقة، أو عدم الإثم لمن اتقى في حجه، (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَموا أنكُمْ إِلَيْهِ تحْشرُونَ)، للجزاء، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ): يروقك ويعظم في نفسك قوله، (فِى الحَيَاةِ الدنيا)، أي: قوله في أمور الدنيا، أو يعجبك فيها لا في الآخرة، (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ): يحلف على أن ما في قلبه موافق للسانه، أو يبارز الله بما في قلبه من الكفر، كما قال تعالى: " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله " [النساء: ١٠٨]، (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ): أشد الخصومة والجدال، نزلت فى أخنس بن شريك، فإنه حلو الكلام سيئ السريرة منافق، أو عام في المنافقين، (وَإِذا تَوَلى): انصرف عنك، أو صار واليًا، (سَعَى)، أي: قصد، (فِى الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ)، كما فعله الأخنس حين رجع إلى مكة أحرق زرع المسلمين وعقر الحمر، أو إذا تولى سعى في الأرض فسادًا - منع الله

стр. 134

القطر فهلك الحرث والنسل، (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ): لا يرتضيه، (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ)، حملته الأنفة، وحمية الجاهلية على الإثم المأمور بتركه لجاجًا -الخصومة- يقال: أخذته بكذا، إذا حملته عليه، (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ): كفته جزاء، (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ)، أي: والله لبئس المقر جهنم، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي): يبيع، (نفسَهُ)، بالبذل في الجهاد، أو في جميع الأوامر، (ابْتِغَاءَ): طلب، (مَرْضَاتِ اللهِ)، نزلت في صهيب بن سنان الرومي، عذبه المشركون ليرتد فأعطى جميع أمواله وخلص دينه وأتى المدينة، وأكثر السلف على أنه عام في كل مجاهد في سبيل الله، (وَاللهُ رَءوفٌ بِالْعِبَادِ)، لإرشادهم إلى الهدى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً): في الإسلام، أو في الطاعة، وكافة: حال من السلم، أي: خذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه

стр. 135

أو حال من الفاعل، أي: ادخلوا فيه بكليتكم لا تخلطوا به غيره وهو خطاب للمسلمين وعن بعضهم أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب، فإنهم [ما] (١) أن أسلموا عظموا السبت وحرموا الإبل وأحبوا قراءة التوراة، فأُمروا بتركها، (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ): آثاره التي زين لكم، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ): ظاهر العداوة، (فَإِن زَلَلْتُم): عدلتم عن الحق، (مِّنْ بَعْد مَا جَاءتْكُمُ البَيناتُ)، على أن الإسلام هو الحق، (فَاعْلَمُوا أَن الله عَزِيزٌ): لا يعجزه الانتقام، (حَكِيمٌ): لا ينتقم بظلم، (هَلْ يَنظُرُون)، استفهام بمعنى النفي، (إِلا أَن يَأتِيَهُمُ اللهُ)، مذهب السلف الإيمان بمثل ذلك ووكول علمه إلى الله تعالى، أو تقديره: يأتيهم بأسه، (فِي ظُلَلٍ)، جمِع ظلة، (مِنَ الْغَمَامِ)،

стр. 136

السحاب الأبيض، والعذاب إذا جاء من مكان يجيء الخير منه يكون أصعب،

стр. 137

(وَالْمَلاِئكَةُ)، هو على الحقيقة، (وَقُضِي الأَمْرُ): تم أمر هلاكهم، أو فرغ من حسابهم فأوقعوا من عقابهم وذلك يوم القيامة، (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ)، فيجازيهم. * * * (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) * * * (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، وهو سؤال تقريع، (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ)، معجزة ظاهرة على نبوة موسى، أو آية في الكتاب، على نبوة محمد ﵉، وكم:

стр. 138

مفعول ثان، أو مبتدأ والعائد محذوف، وآية: مميزة، ومن: للفصل، والجملة إما مفعول ثان لـ سل وتقديره: سلهم قائلاً كم آتياناهم؟ أو في موقع المصدر، أي: سلهم هذا السؤال، (وَمَن يُبدّلْ نِعْمَةَ اللهِ)، أي: آياته، فإنها أجل نعمة لأنها سبب الهداية فجعلوها سبب الضلالة، أو حرفوها، (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءته)، وعرفوها، (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ): يعاقبه أشد عقاب، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، حسنت في أعينهم حتى أعرضوا عن غيرها، (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذِينَ آمنوا): فقراء

стр. 139

المؤمنين كبلال وعمار، (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا)، الشرك، (فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامَةِ)، لتقواهم لأنَّهُم في الجنة وهم في النار، (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، في الدارين، فلربما يعطي الفقراء في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، أو إشارة إلى أن كثرة الرزق لا يدل على الكرامة، بل ربما تكون استدراجًا، (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على الحق، أو متفقين على الجهل على عهد إبراهيم، (فبَعَثَ اللهُ)، أي: اختلفوا فبعث على الوجه الأول، وحذف لدلالة قوله " فيما اختلفوا " عليه، (النبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، مع الأنبياء، لا مع كل واحد، (بِالْحَقّ)، متلبسًا به، (لِيَحْكُمَ)، أي: الكتاب، مجازًا، أو الله، (بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، أي: في شيء التبس عليهم، (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ): في الكتاب الذي أنزل لدفع الاختلاف، (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ)، أي: الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ)، الحجج الظاهرات الواضحات، (بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، أي: اختلفوا حسدًا وظلمًا، واختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض وتحريفهم كتاب الله، (فهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، أي: لمعرفته، (مِنَ الحَقِّ)، بيان لما، (بإذْنِهِ): بإرادته، كاختلافهم في القبلة وفي إبراهيم وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، (وَاللهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ)، لا من جمع له أسباب الهداية، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ

стр. 140

تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)، أم منقطعة، ومعنى الهمزة الإنكار، لما هاجر المسلمون وتركوا الديار والأموال فأصابهم ما أصابهم من الجهد وضيق العيش نزلت تشجيعًا لهم وتطييبًا لقلوبهم، (وَلَمَّا يَأتِكُم)، أي: لم يأتكم وزيدت عليه ما، (مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا)، مضوا، (مِن قَبْلِكُم): حالهم التي هي مثل في الشدة أو سنتهم (مَّسَّتْهُمُ البَأسَاءُ وَالضرَّاءُ)، الفقر والأسقام والمصائب والنوائب، (وَزُلْزِلُوا)، بأنواع البلايا وخوف العدو، (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، أي: إلى الغاية التي يقول الرسول ومن معه فيها، (مَتَى نصْرُ اللهِ)، أي: بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى استبطئوا النصر، (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)، أي: قيل لهم ذلك إجابة لطِلْبتهم، يعني لابد لكم أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتصبروا كما صبروا، (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ)، نزلت في شيخ كبير كثير المال، قال يا رسول الله: بما نتصدق وعلى من ننفق؟، (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، حاصله أن المنفق هو كل خير والاهتمام في شأن المصرف؛ لأن الخير لا يعتد به إلا بعد وقوعه موقعه، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ)، فيجازيكم بقدره، والآية في نفقة التطوع، وعن بعضهم هي منسوخة بفرض الزكاة، (كُتِب عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لكُمْ)، شاق مكروه طبعًا عليكم، (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا

стр. 141

شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)، وهذا عام في الأمور كلها، (وَاللهُ يَعْلَمُ): ما هو خير لكم، (وَأَنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، واعلم أن الجهاد فرض كفاية. * * * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)

стр. 142

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ)، نزلت في سرية قاتلوا المشركين أول رجب وهم يظنون أنه من الجمادى فعيرهم المشركون وقالوا: إن محمدًا استحل الشهر الحرام، (قِتَالٍ فِيهِ)، بدل اشتمال، (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، أي: ذنب كبير، واختلف في أنه منسوخ أو لا، (وَصَدٌّ): منع، (عَن سَبيلِ اللهِ)، كمنعهم المسلمين عن العمرة، (وَكُفْرٌ بِهِ): بالله، (وَالْمَسْجدِ الحَرَامِ)، أي: صد عنه، (وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ): أهل المسجد، وهم المؤمنون، (منهُ): من المسجد، (أَكْبَرُ عِندَ اللهِ)، وزرًا مما فعلته السرية خطأً، (وَالْفِتْنَةُ)، أي: الشرك، أو ما يرتكبونه من الإخراج والكفر، (أَكبَرُ مِنَ القَتْلِ): أفظع مما ارتكبوه، (وَلاَ يَزَالُونَ)، أي: المشركون، (يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدوكُمْ عَن دِينِكُمْ)، أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين،

стр. 143

وحتى معناه التعليل، أي: يقاتلونكم كي يردوكم، (إِنِ اسْتَطَاعُوا)، هو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بنفسه: إن استطعت فاضربني، (وَمَن يَّرتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ): من يرجع عن دينه إلى دينهم، (فيَمُتْ وَهُوَ كَافرٌ)، أي: يرجع ثم يموت على الكفر، (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): النافعة وبطلت، (فِى الدنيا)، لما يفوتهم بالردة ما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، (وَالْآخِرَةِ)، بسقوط الثواب، (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال وهو مذهب الشافعي، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَروا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ)، نزلت فى تلك السرية لما ظن بهم أنهم لو سلموا من الإثم ليس لهم أجر، (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ): ثوابه، (وَاللهُ غفور)، لما فعلوا من قلة الاحتياط، (رحِيمٌ): بإجزال الأجر، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)، أي: عن تعاطيهما، قال عمر ومعاذ

стр. 144

وسعد: يا رسول الله أفتنا في الخمر واليسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فنزلت، واليسر: القمار، (قُلْ فيهِمَا)، أي: في تعاطيهما، (إِثْمٌ كَبيرٌ)، حيث يؤدي إلى مخاصمة وفحش وزور وهذا لا يدل صريحًا على حرمتهما لأَنه مؤدي إلى الإثم لا أن الإثم يحصل منه، والمحرِّمة ما في المائدة، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ): من كسب المال والطرب وغيرهما، (وَإِثْمُهُمَا أَكبرُ مِن نَّفْعِهِمَا)، فإن مفاسدهما التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما، (وَيَسْألونَكَ مَاذَا يُنفقون)، لما نزل قوله: " فللوالدين والأقربين " سأل عمرو بن الجموح عن مقدار ما ينفق فنزل، (قُلِ العَفْوَ)، أي: ما فضل من المال عن العيال، أو أفضل مالك وأطيبه، قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، وقيل: مبينة بها قاله مجاهد وغيره، (كَذَلِكَ)، أي: مثل ما فصل وبين لكم هذه الأحكام، (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ)، أي: سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، أى يبين تبييناً مثل لهذا، (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي)، أمر، (الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، لتعلموا زوالها وفناءها وإقبال الآخرة وبقاءها، وقيل: متعلق بـ يبين أي: يبين لكم الأَيات في أمر الدارين لعلكم تتفكرون، (وَيسْألونكَ عَنِ اليَتَامَى)، لما نزل " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا " [النساء: ١٠] إلخ، اعتزلوا مخالطة اليتامى ولا يأكل أحد معهم، فشق ذلك عليهم فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت، (قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ

стр. 145

خَيْرٌ)، أي: على حدة، أو مداخلتهم لإصلاحهم خير من مجانبتهم، قيل: أو إصلاح أموالهم من غير أجرة خير، (وَإِن تُخالِطُوهُمْ)، أي: إن خلطتم طعامكم وشرابكم بطعامهم وشرابهم، وقيل: إن تصيبوا من أموالهم أجرة من قيامكم بأمورهم، (فَإِخْوَانُكُمْ)، أي: فهم إخوانكم، ولا بأس من الخلطة أو من إصابة بعضكم من مال بعض، (وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ)، أي: يعلم من قصده الإفساد أو الإصلاح فيجازيه، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ)، العنت: المشقة، أي: لو شاء الله إعناتكم لأعنتكم: كلفكم ما يشق عليكم من المجانبة مطلقًا دون المخالطة، (إِنَّ الله عَزِيزٌ): غالب يقدر على الإعنات، (حَكِيمٌ): يحكم بحكمته فيتسع لكم، (وَلاَ تَنكِحُوا الُمشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، كانت لأبي مرثد الغنوي خليلة مشركة فبعدما أسلم أراد أن يتزوج بها، فنزلت (والمشركات) هاهنا عامة في كل من كفرت بالنبي ﵊ لكن خصت منها حرائر الكتابيات بقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " [المائدة: ٥]، وقيل: المراد بها عبدة الأوثان؛ فلا يدخل فيها أهل الكتاب، (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ)، أي: من حرة مشركة كانت لعبد الله
следующие страницы →