(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ)، نزلت في سرية قاتلوا المشركين أول رجب وهم يظنون أنه من الجمادى فعيرهم المشركون وقالوا: إن محمدًا استحل الشهر الحرام، (قِتَالٍ فِيهِ)، بدل اشتمال، (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، أي: ذنب كبير، واختلف في أنه منسوخ أو لا، (وَصَدٌّ): منع، (عَن سَبيلِ اللهِ)، كمنعهم المسلمين عن العمرة، (وَكُفْرٌ بِهِ): بالله، (وَالْمَسْجدِ الحَرَامِ)، أي: صد عنه، (وَإخْرَاجُ أَهْلِهِ): أهل المسجد، وهم المؤمنون، (منهُ): من المسجد، (أَكْبَرُ عِندَ اللهِ)، وزرًا مما فعلته السرية خطأً، (وَالْفِتْنَةُ)، أي: الشرك، أو ما يرتكبونه من الإخراج والكفر، (أَكبَرُ مِنَ القَتْلِ): أفظع مما ارتكبوه، (وَلاَ يَزَالُونَ)، أي: المشركون، (يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدوكُمْ عَن دِينِكُمْ)، أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين،
стр. 143
وحتى معناه التعليل، أي: يقاتلونكم كي يردوكم، (إِنِ اسْتَطَاعُوا)، هو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بنفسه: إن استطعت فاضربني، (وَمَن يَّرتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ): من يرجع عن دينه إلى دينهم، (فيَمُتْ وَهُوَ كَافرٌ)، أي: يرجع ثم يموت على الكفر، (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): النافعة وبطلت، (فِى الدنيا)، لما يفوتهم بالردة ما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، (وَالْآخِرَةِ)، بسقوط الثواب، (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال وهو مذهب الشافعي، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَروا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ)، نزلت فى تلك السرية لما ظن بهم أنهم لو سلموا من الإثم ليس لهم أجر، (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ): ثوابه، (وَاللهُ غفور)، لما فعلوا من قلة الاحتياط، (رحِيمٌ): بإجزال الأجر، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)، أي: عن تعاطيهما، قال عمر ومعاذ
стр. 144
وسعد: يا رسول الله أفتنا في الخمر واليسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فنزلت، واليسر: القمار، (قُلْ فيهِمَا)، أي: في تعاطيهما، (إِثْمٌ كَبيرٌ)، حيث يؤدي إلى مخاصمة وفحش وزور وهذا لا يدل صريحًا على حرمتهما لأَنه مؤدي إلى الإثم لا أن الإثم يحصل منه، والمحرِّمة ما في المائدة، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ): من كسب المال والطرب وغيرهما، (وَإِثْمُهُمَا أَكبرُ مِن نَّفْعِهِمَا)، فإن مفاسدهما التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما، (وَيَسْألونَكَ مَاذَا يُنفقون)، لما نزل قوله: " فللوالدين والأقربين " سأل عمرو بن الجموح عن مقدار ما ينفق فنزل، (قُلِ العَفْوَ)، أي: ما فضل من المال عن العيال، أو أفضل مالك وأطيبه، قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، وقيل: مبينة بها قاله مجاهد وغيره، (كَذَلِكَ)، أي: مثل ما فصل وبين لكم هذه الأحكام، (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ)، أي: سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، أى يبين تبييناً مثل لهذا، (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي)، أمر، (الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، لتعلموا زوالها وفناءها وإقبال الآخرة وبقاءها، وقيل: متعلق بـ يبين أي: يبين لكم الأَيات في أمر الدارين لعلكم تتفكرون، (وَيسْألونكَ عَنِ اليَتَامَى)، لما نزل " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا " [النساء: ١٠] إلخ، اعتزلوا مخالطة اليتامى ولا يأكل أحد معهم، فشق ذلك عليهم فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت، (قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ
стр. 145
خَيْرٌ)، أي: على حدة، أو مداخلتهم لإصلاحهم خير من مجانبتهم، قيل: أو إصلاح أموالهم من غير أجرة خير، (وَإِن تُخالِطُوهُمْ)، أي: إن خلطتم طعامكم وشرابكم بطعامهم وشرابهم، وقيل: إن تصيبوا من أموالهم أجرة من قيامكم بأمورهم، (فَإِخْوَانُكُمْ)، أي: فهم إخوانكم، ولا بأس من الخلطة أو من إصابة بعضكم من مال بعض، (وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ)، أي: يعلم من قصده الإفساد أو الإصلاح فيجازيه، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ)، العنت: المشقة، أي: لو شاء الله إعناتكم لأعنتكم: كلفكم ما يشق عليكم من المجانبة مطلقًا دون المخالطة، (إِنَّ الله عَزِيزٌ): غالب يقدر على الإعنات، (حَكِيمٌ): يحكم بحكمته فيتسع لكم، (وَلاَ تَنكِحُوا الُمشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، كانت لأبي مرثد الغنوي خليلة مشركة فبعدما أسلم أراد أن يتزوج بها، فنزلت (والمشركات) هاهنا عامة في كل من كفرت بالنبي ﵊ لكن خصت منها حرائر الكتابيات بقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " [المائدة: ٥]، وقيل: المراد بها عبدة الأوثان؛ فلا يدخل فيها أهل الكتاب، (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ)، أي: من حرة مشركة كانت لعبد الله
стр. 146
بن رواحة فأعتقها كفارة أن لطمها وتزوجها فطعنوا فيه وعرضوا عليه نسيبة مشركة، فنزلت، (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، الواو للحال، وبمعنى أن، أي: وإن أعجبتكم بمالها وجمالها، (وَلاَ تُنكِحُوا الُمشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، أي: لا تزوجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا وهو على عمومه، (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)، أي: رجل مؤمن وإن كان عبدًا خير من مشرك وإن كان سريًا، (أُولَئِكَ)، أي: المشركون والمشركات، (يدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، أي: الأعمال الموجبة لها، (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ)، أي: العمل الموجب لهما، قيل: تقديره وأولياء الله يدعون، بإقامة المضاف إليه مقام المضاف تعظيمًا لهم، (بِإِذْنِهِ)، أي: بأمره وشرعه أو بتوفيقه أو بقضائه، (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ): لكي يتذكروا، أو ليكونوا بحيث يرجى عنهم التذكر.
* * *
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا
стр. 147
وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
* * *
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ)، إذا حاضت نساء اليهود لا يؤاكلونهن ولا يخالطونهن فسأل أصحاب النبى ﷺ ، فنزلت، والمحيض مصدر، (قُلْ هُوَ أَذى)، أي: الحيض مستقذر، (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، اجتنبوا مجامعتهن إذا حضن، (وَلاَ تَقربوهُن)، بالجماع، (حَتَّى يَطْهُرْنَ): من الدم، أو يغتسلن وقراءة حمزة والكسائى وهو " يطَّهَّرن " دالة عليه سيما مع قوله، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)، أى: بالماء، (فَأْتُوهُنَّ): بالوقاع، (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ)، أن تعتزلوهن منه وهو الفرج، أو من المأتي الذي حلله لكم وهو القبل، (إِنْ الله يُحِبّ التَّوَابِينَ): من
стр. 148
الذنوب، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ): المتنزهين عن الأقذار، كإتيان الحائض وفي الدبر، (نسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لكمْ)، أي: مزرع للولد، (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ): مزرع الولد لا غير، (أَنَّى شِئْتُمْ)، من أي جهة شئتم مقبلة أو مدبرة لا كما قالت اليهود: إن مجامعة المرأة من دبرها في قبلها يجعل الولد أحول ودنس عند الله، (وَقَدِّمُوا لأَنفُسكُم): ما يدخر لكم الثواب، وعن ابن عباس رضى الله عنهما هو التسمية عند الجماع، (وَاتَّقُوا الله)، في معاصيه، (وَاعْلَموا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ)، فاحذروا عن الفضيحة، (وَبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ): الكاملين في الإيمان الذين اجتنبوا المعاصي، (وَلاَ تَجْعَلُوا الله عُرْضَةً)، اسم لما يعرض دون الشيء، (لأَيْمَانِكُم): أراد منها الأمور المحلوف عليها من البر
стр. 149
والتقوى، وهي صلة عرضة أو الفعل، (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)، عطف بيان للإيمان، أي: لا تجعلوا الله مانعًا لما حلفتم عليه من الخير، بل افعلوا الخير ودعوا اليمين كما قال السلف في معنى الآية: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير لكن كفر عن يمينك واصنع الخير ويجوز أن يكون اللام للتعليل، أى: لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به مانعًا لأن تبروا، وقيل: والعرضة بمعنى المعرض للأمور وأن تبروا علة النهي، أي: لا تجعلوه معرضًا للإيمان فتبتذلوه بكثرة الحلف به إرادة بركم فإن الحلاف مجترئ على الله وهو غير متق، (وَاللهُ سَمِيعٌ): لأيمانكم، (عَليمٌ): بمقاصدكم، (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللغوِ فِى أَيْمَانِكُمْ)، هو المجرى على اللسان عادة كـ: لا والله وبلى والله، أو
стр. 150
هو حلف يرى أنه صادق ولا يكون كذلك، أو أنت تحلف وأنت غضبان، أو أن تحرم ما أحل الله لك، أو أن تحلف عن الشيء ثم تنساه، (وَلَكِن يُؤَاخِدكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ): وهو أن يحلف ويعلم أنه كاذب، (وَاللهُ غفُورٌ): لم يؤاخذ باللغو، (حَلِيمٌ): لا يعجل بالعقوبة وإن حلف كاذبًا، (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ)، أي: يحلفون على أن لا يجامعوهن، وعدى بمن لمعنى البعد، وهو خبر لقوله، (تَرُّبصُ)، أي: توقف، (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، أي: للحالف حق التلبث في تلك المدة لا يطالب فيها بوطء ولا طلاق، (فَإِنْ فَاءُوا): رجعوا بالحنث، (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، للمولي إثم الحنث وإضرار المرأة، والأصح أنه يجب عليه الكفارة، (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ): وطلقوا، (فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ): بما يقولونه، (عَلِيمٌ): بما يفعلونه، وعند كثير من السلف: أنه تقع تطليقة بمجرد مضى أربعة أشهر، إما بائنة أو رجعية، وفي الآية دلالة على أنه يوقف، فيطالب إما بهذا أو بهذا، وعليه كثير من السلف أيضًا، (وَالْمُطَلَّقَاتُ): المدخول بهن من ذوات الأقراء، (يَتَرَبَّصْنَ
стр. 151
بِأَنْفُسِهِنَّ)، يحملنها على الانتظار، خبر معناه الأمر للتأكيد، (ثَلاَثةَ قُرُوءٍ)، أي: أطهار أو حيض، ثم يجوز لهن أن يتزوجن، ونصبه على الظرفية، أي: مدتها، أو المفعولية أي: مضيها، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد بقرأين، (وَلاَ يَحِل لَهُنَّ أَن يَّكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)، من حبل أو حيض، (إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، هذا تغليظ وتأكيد لا تقييد، (وَبُعُولَتُهُنَّ): أزواجهن جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع، (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ): إلى النكاح والرجعة، (فِي ذَلِكَ): في زمان التربص وهو العدة، وكان الرجل يرجع إلى امرأته وإن طلقها مائة إلى أن نزلت " الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ " [البقرة: ٢٢٩] فصار قسمين بائنة ورجعية، فليس الضمير أخص من المرجوع إليه، (إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا): بالرجعة لا إضرارًا وهو تقييد للأحقية، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ)، أي: لهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه الذي لا ينكر في الشرع والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في الحسنة لا في جنس الفعل، (وَلِلرِّجَالِ
стр. 152
عَلَيْهِن دَرَجَةٌ): زيادة في الحق وفضل فيه، أو شرف وفضل في الدنيا والآخرة، (وَاللهُ عَزِيز حَكِيمٌ)، يأمر كما أراد بمقتضى حكمته.
* * *
(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
* * *
(الطلاقُ مَرتَانِ)، كان الطلاق غير محصور في الجاهلية في عدد، ثم إن رجلاً من الأنصار غضب على امرأته فقال: لا أطلقك ولا أؤويك أبدًا، أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك وهكذا، فشكت ذلك للنبي ﵊، فنزلت، وحاصله أن الطلاق الرجعي مرتان، (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين فلك
стр. 153
الخيار في المراجعة وحسن المعاشرة، (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ): بالطلقة الثالثة، أو بألا تراجعها ضراراً، (وَلاَ يَحِل لَكُمْ) أيها الولاة (أًن تَأخُذُوا مِمَّا آتيتمُوهُنَّ): من الصداق، (شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافا) أي: الزوجان، (أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ) من مواجب الزوجية، ولما كان الولاة يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع كأنهم الآخذون والمؤتون، (فَإِنْ خِفْتُمْ) أيها الحكام في المزاوجة، (أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: لا جناح على المرأة فيما أعطت ولا على الرجل فيما أخذ، وحاصله أنه لا يجوز أن تضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطتموهن من الصداق، نعم إذا تراضيا وطبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئًا مريئًا، ولهذا كثير من السلف والخلف على أن الخلع حرام إلا أن يكون الشقاق من المرأة، لكن ذهب الشافعي إلى أنه إذا جاز في حال شقاقها فبطريق الأولى عند الاتفاق، لكن في غير هاتين الصورتين فحرام، (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) بالمخالفة، (وَمَن يَتَعَدَّ
стр. 154
حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): عقب النهي بالوعيد مبالغة في التهديد، (فَإِن طَلقَها)، أي: بعد اثنتين، فهو مرتبط بقوله: " الطلاق مرتان "، نوع تفسير لقوله: " أو تسريح بإحسان "، وذكر بينهما الخلع دلالة على أن الطلاق يكون مجانًا تارة وبعوض أخرى، (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) أي: بعد ذلك الطلاق (حَتى تَنكِحَ زَوْجًا غيْرَهُ) أي: حتى يطأها زوج آخر، يعني في نكاح صحيح، أو المراد من النكاح: العقد، والإصابة قد علم من الأحاديث الصحاح، (فَإِنْ طَلَّقَهَا): الزوج الثاني (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا)، بنكاح جديد (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ): من حقوف الزوجية، (وَتِلْكَ) أي: الأحكام المذكورة (حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ): يفهمون، ثم اعلم أن شرط التحليل في النكاح فاسد إلا عند أبي حنيفة، وقد صح " لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له "، والخلاف في أن الناكح بنية التحليل هو المحلل أم لا، وكلام السلف يدل على أنه المحلل الملعون.
* * *
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
لتظلموهن بالتطويل والإلجاء إلى الافتداء وهو عين الضرر، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بتعريضها للعقاب، (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) كان الرجل يطلق أو يعتق أو ينكح فيقول: كنت لاعبًا فنزلت، (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ): التي منها الهداية، (وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ): القرآن، (وَالْحِكْمَةِ): السنة، وقيل: مواعظ القرآن، أفردهما بالذكر لشرفهما (يَعِظُكُمْ بِهِ): بما أنزل، (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تأكيد وتهديد.
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: انقضت عدتهن (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ):
стр. 157
لا تمنعوهن أيها الأولياء، وقيل: الضمير للناس كلهم، أي: لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر، (أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) أي: الذين كانوا أزواجًا لهن، نزلت في أخت معقل بن يسار، طلقها زوجها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، ومعقل منع أن يتزوجها، (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ) أي: الخطاب والنساء، وهو ظرف لا تعضلوهن أو لأن ينكحن، (بِالْمَعُروف): بما يعرفه الشرع، وهو حال عن الفاعل، (ذلِكَ) أى: النهي والخطاب لكل أَحد، أو الكاف لمجرد الخطاب دون تعيين المخاطب، أو خطاب للنبي ﷺ ، يعني: ما أنزل إليك وقلنا لك (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ) أي: ترك العضل، (أَزْكى): أنفع (لَكُمْ وَأَطْهَرُ). من دنس الإثم، (وَاللهُ يَعْلَمُ)، النافع الصالح، (وَأَنتمْ لاَ تَعْلَمونَ): لقصور علمكم.
стр. 158
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ)، لفظه خبر ومعناه أمر، على سبيل الاستحسان، (أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ): سنتين، (كَامِلَيْنِ): تحديدًا لا تقريبًا (لِمَنْ أَرَادَ)، أي: ذلك لمن أراد (أَن يُتمَّ الرَّضَاعَةَ) فعلم أن أقصى مدتها سنتان، ولا اعتبار بالرضاعة بعدهما وعليه السلف وأنه يجوز أن ينقص عنهما، (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) أي: الأب، وعبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب المؤن عليه (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، أي: على والد الطفل نفقة أمه المطلقة مدة الإرضاع (بِالْمَعْرُوفِ) حسبما يراه الحاكم وهو يقدر، (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) تعليل للتقييد بالمعروف ولإيجاب المؤن، (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) بأن تدفعه عن نفسها لمضرة أبيه بتربيته، بل عليها إرضاعه، (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ)، أي: الأب (بِوَلَدِهِ) بأن ينزع عنها إضراراً لها، ولا
стр. 159
" تضار " إلخ تفصيل لما قبله، أي: لا يكلف كل منهما الآخر ما ليس في وسعه ولا يضاره بسبب الولد، (وَعَلَى الوَارِث) عطف على " وعلى المولود له "، وما بينهما تعليل معترض، أي: وعلى وارث الأب وهو الصبي نفسه، فإنه إذا مات أبوه فمؤن مرضتعه من ماله إن كان له مال وإلا تجبر الأم، أو المراد وارث الطفل، يعني إن مات الأب يجبر جميع ورثة الطفل على فرض موته -عصبة كانوا أو غيرهم- على نفقة مرضعته، أو يجبر وارث الطفل المحرم منه بحيث لا يجوز النكاح بينهما على تقدير أن يكون أحدهما ذكرًا والآخر أنثى لا الجميع، أو عصبات الطفل فقط (مِثْلُ ذَلِكَ): مثل ما على والده من الإنفاق وعدم الإضرار أو المراد عدم الإضرار فقط لا الإنفاق، (فَإِنْ أَرَادَا) أي: الأبوان (فِصَالاً): فطامًا صادرًا (عَن تَرَاضٍ منْهُمَا وَتَشَاوُرٍ): بينهما قبل الحولين (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا): في ذلك ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد في الفطام (وَإِنْ أَرَدتمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا): المراضع (أَوْلادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ): إلى المراضع، (مَّا آتيتم)، أي: أردتم إيتاءه، يعني: أجرتها، أو إلى الأمهات أجرتهن بقدر ما أرضعن (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه المتعارف
شرعًا ومروءة، ونفى الجناح مقيد بالتسليم لا لأنه شرط جواز الاسترضاع، بل إرشاد إلى أن الأكثر ثوابًا أن يكون الاسترضاع مقرونًا بتسليم ما يعطى المرضع، فشبه ما هو من شرائط الأولوية بما هو من شرائط الصحة، فاستعيرت له العبارة مبالغة، (وَاتَّقُوا اللهَ): في محافظة حدوده، (وَاعْلَموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، حث
стр. 160
وتهديد، (وَالَّذِينَ يُتَوَفوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ): ويتركون، (أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ): يحملنها على التوقف، خبر في معنى الأمر، (أَرْبَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشْرًا)، أى: عشر ليال، وتقديره وأزواج الذين، أو تقديره يتربصن بعدهم، لأنه لابد من الضمير في الخبر إذا كان جملة، وخص عنه الحامل لقوله: " وأولات الأحمال أجلهن " [الطلاق: ٤] إلخ، والجمهور على أن عدة الأمة نصفها، (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ): انقضت عدتهن، (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكمْ): أيها الأولياء أو المسلمون، (فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ): من التعرض للخطاب والتزين، (بِالْمَعْروفِ): بوجه لا ينكره الشرع، (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير)، فيجازيكم عليه، (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ)، التعريض: إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازًا، كقول المحتاج: جئتك لأسلم عليك، (مِنْ خِطْبَةِ)، الخطبة بالكسر: طلب المرأة، (النِّسَاءِ): المعتدات للوفاة، كقولك: إنك جميلة وإن النساء من حاجتي ونحوه، وحرم التصريح بخطبتهن، وأما الرجعية فحرام على غير زوجها التصريح والتعريض، (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ): أضمرتم فيه من غير تصريح ولا تعريض، (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)، أي: في أنفسكم فرفع عنكم الحرج في ذلك، (وَلَكِن)، أي:
стр. 161
فاذكروهن ولكن، (لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًا): بأن تأخذوا الميثاق عنهن في عدم تزوج غيره، وقال كثير من السلف يعني: الزنا، وقيل: أن يتزوجها في العدة سرًّا، (إِلا أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا)، أي: لا تواعدوهن بشيء إلا بأن تقولوا، أي: بالتعريض، أو لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة وهي التعريض، (وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النكَاحِ)، أي: لا تعزموا عقد عقدة النكاح، (حَتَّى يَبْلغَ الكتابُ أَجَلَهُ): حتى ينتهى ما كتب من العدة، والإجماع على أنه لا يصح العقد في العدة، وعند مالك أن من تزوج امرأة في عدة ودخل بها، حرام عليه تلك المرأة بالتأبيد، (وَاعْلَمُوا أَن اللهَ يَعْلَمُ مَا في أَنفُسكُمْ): من عزم ما لا يجوز، (فَاحْذَرُوهُ): فخافوا الله ولا تعزموا، (وَاعْلَمُوا أَن الله غَفُورٌ حَلِيمٌ) وبخهم أولاً ثم لم يؤيسهم من رحمته.
* * *
(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
стр. 162
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
* * *
(لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، أي: لا تبعة من مهر، أو لا وزر لأنه ليس ببدعي، (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)، تجامعوهن، (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة): توجبوا لهن صداقًا، ونصب فريضة بمعنى مفروضة على المفعول به، وأو بمعنى إلا أن، أو بمعنى إلى أن، أو بمعنى الواو، يعني: لا تبعة من مطالبة مهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة، ولم يُسَمَّ لها مهرٌ، فإذا كانت ممسوسة فعليه مهر المثل، وإذا كانت غير ممسوسة وسمى لها مهرًا فلها نصف المسمى، (وَمَتعُوهُنَّ)، تقديره: فطلقوهن ومتعوهن من مالكم وهى قبل المسيس وتسمية المهر تستحق المتعة فقط إجماعًا، (عَلَى الْمُوسِعِ): الغني، (قَدَرُهُ): ما يقدره ويليق به، (وَعَلَى الُمقتِرِ): الفقير، (قَدَرُهُ): كذلك، (متاعًا): تمتيعًا، (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه المستحسن شرعًا ومروءة، (حَقًا)، واجبًا صفة متاعًا أو مصدر، (عَلَى الُمحْسنِينَ)، على من أحسن إلى نفسه أو إلى المطلقات فسماهم بالمحسنين ترغيبًا، (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، أي: فلهن أو الواجب لهن، ومنه يؤخذ أنه
стр. 163
لا متعة حينئذ وأن الجناح المنفى هو تبعة الهر، (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ)، على وزن يفعلن، أي: يتركن حقهن، (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، المراد الزوج بأن يسوق إليها المهر كلا فقيل: تسميتها عفوًا على المشاكلة، أو لأن المقرر عند العرب سوق المهر إليها حين الزواج فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف، فإن لم يسترد فقد عفا عنه، أو المراد الولي، يعني: إذا كانت بكرًا، وإليه ذهب مالك، وقيل: وإن كانت كبيرة، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، خطاب للرجال والنساء، (وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ)، أي: لا تنسوا أيها الرجال والنساء أن يتفضل بعضكم على بعض، (إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): فلا يضيع تفضلكم وإحسانكم، (حَافِظُوا): داوموا، (عَلَى الصَّلَوَاتِ)، ذكرها بين الآيات إشعارًا بألا تلهيكم الأزواج والأولاد عن ذكر الله، (وَالصَّلاةِ الوُسْطَى)، صلاة
стр. 164
العصر وعليه الأكثرون، وأنَّهَا بين صلاتي النهار وصلاتي الليل أو الصبح لأنها مثل العصر، أو الظهر لأنها في وسط النهار، أو واحدة من الخمسة لا بعينها كليلة القدر، وقيل: المغرب لأنها الوسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وقيل: العشاء لأنها بين جهريتين وقيل: صلاة الجماعة، وقيل: الجمعة، وقيل: العيد، وقيل: الضحى، وقيل: الوتر، (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)، أي: خاشعين ذليلين بين يديه والمراد القنوت في الصبح، (فَإِنْ خِفْتُمْ)، من عدو أو غيره، (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا): فصلوا راجلين وراكبين مستقبلي القبلة وغيرها وعند أكثر السلف يومئ برأسه حيث كان وجهه،
стр. 165
وفيه دلالة على جواز الصلاة حال المشى والمضاربة وإن لم يكن الوقوف، (فَإِذَا أَمِنْتُمْ): زال خوفكم، (فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، أي: فصلوا كما علمكم الله بلسان نبيه ما لم تكونوا تعلمون من صلاة الأمن وقيل: إذا أمنتم فاشكروا الله واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، (وَالَّذِينَ يُتَوَفوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً)، بالنصب أي: يوصون وصية، أو كتب الله عليهم وصية، وبالرفع أي: عليهم وصية، أو كتب عليهم وصية، أو حكم الذين يُتوفون وصية، (لأَزْوَاجِهِم): لنسائهم، (مَّتَاعًا)، ناصبه يوصون، أو وصية في قراءة الرفع على حذف الجار أي: بتمتيع، (إِلَى الحَوْلِ عيْرَ إِخرَاج)، مصدر مؤكد لأنه دل يوصون لأزواجهم ما يمتع به سنة على أنهن لا يخرجن فأكد، أو حال من الأزواج يعني وحق المتوفي أن يوصوا قبل أن يحتضروا، بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملا وينفق عليهن من تركته غير مخرجات من مساكنهن، وهذا في ابتداء الإسلام ثم نسخت المدة بقوله: (أربعة أشهر وعشرًا) والنفقة بالإرث، هذا ما عليه
стр. 166
أكثر السلف فكانت الآية متأخرة في التلاوة متقدمة في النزول، (فَإِنْ خَرَجْنَ): عن منزل الأزواج، (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، يا أولياء الميت، (فِى مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ): من التطيب وترك الحداد، (مِن مَّعْرُوفٍ): مما لم ينكره الشرع، وهذا يدل على أنها كانت مخيرة بين الملازمة فأخذ النفقة وبين الخروج وتركها، (وَالله عَزِيزٌ): لا يدفعه أحد عن الانتقام، (حَكِيمٌ): يرعى المصالح، (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ): الذين يتقون الشرك، لما نزل في المتة: " حَقًّا عَلَى المحسنين "، قال رجل: إن شئت أحسنت وإن شئت لم أفعل، فنزلت، وكثير من العلماء استدلوا بهذه الآية على أن المتعة لكل مطلقة، (كَذَلِكَ)، مثل أحكام الطلاق والعدة، (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ): في إحلاله وتحريمه، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): تفهمون وتدبرون.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ
مفعول له، (فَقَالَ لَهُمُ اللهُ): في أثناء طريقهم، (مُوتُوا)، أي: حكم عليهم بالموت، فماتوا ليعلموا أن لا فرار من قدر الله، (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)، بمعجزة نبي، ثم دعا ربه بعد مدة طويلة أن يحييهم وهم قائلون: سبحانك لا إله إلا أنت، وكان فيها عبرة ودليل قاطع على المعاد الجسماني، (إِنَّ اللهَ لَذُو فضل عَلَى النَّاسِ): حيث أحياهم ليعتبروا ويصدقوا رسله، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)، حيث لم يعتبروا، وكان سوق هذه القضية بعث على الجهاد فلذلك قال (وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ الله): لما علمتم أنه لا ينفع الفرار من الموت، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ): لما يقوله المتخلف، (عَلِيمٌ): بما يضره، (مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ الله)، مبتدأ وذا خبره والذي صفة ذا وإقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه، (قَرْضًا حَسَنًا)، وهو الإنفاق في سبيله، (فيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا)، نصب على الحال من الضمير المنصوب، أو على المصدر على أن الضعف اسم المصدر، وجمعه للتنويع، (كَثيرَةً)،
стр. 169
عن ابن عمر لما نزلت " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة " [للبقرة: ٢٦١] الآية، قال ﵇: رب زد أمتي، فنزلت " من ذا الذي يقرض الله " [البقرة: ٢٦١] إلخ، قال رب زد أمتي فنزلت " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " [الزمر: ١٠]، (وَالله يَقْبِضُ): يمسك الرزق، (وَيَبْسُطُ): يوسع على ما أراد فلا تبخلوا، (وَإِلَيْه تُرْجَعُونَ): فيجازيكم على ما قدمتم، (أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإ)، أى: الجماعة، (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ): وفاة، (مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِي لَّهُمُ)، أشمويل، أو شمعون أو يوشع، (ابْعثْ لَنَا مَلِكًا): أنهض أميرًا لنا للقتال ننتهي إلى أمره، (نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) جزمه على الجواب، (قَالَ): لهم نبيهم، (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا)، هو خبر عسيتم، والشرط فاصل بينهما، يعني: أتوقع جبنكم عن القتال إن كُتب عليكم، وأدخل هل مستفهمًا عما هو المتوقع عنده تقريرًا وتثبيتًا، (قَالُوا وَمَا لَنَا)، أي: داع لنا، (أَلاَّ نُقَاتِلَ)، أي: إلى أن نترك القتال، (فِى سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)، أي: أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا): عن الحرب، (إِلَّا قَلِيلًا)، قيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، (وَاللهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ): فيجازيهم على ظلمهم في ترك الجهاد، (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا):
стр. 170
أميرًا سألتموه للقتال، (قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ): من أين يستأهل الإمارة؟ (عَلَيْنَا وَنحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ)، لأنه لم يكن من سبط يهوذا، والملك كان فى سبطه، قيل: إنه سقاء، وقيل: دباغ، (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المالِ)، أي: وهو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، (قَالَ) لهم نبيهم (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ)، أجاب عن اعتراضهم أولاً بأنه لست أنا الذي عينته، بل الله أمرني به، وهو أعلم منكم، وثانيًا بقوله، (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ): ووفور العلم وقوة البدن عماد الملك لأنه أعرف بطرق السياسة ولأنه أقوى على مقاومة العدو، وثالثًا بقوله، (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ)، أي: هو مالك الملك، فله أن يؤتيه من يشاء من غير اعتراض عليه، ورابعًا: بقوله، (وَاللهُ وَاسِعٌ): يوسع على الفقير فيغنيه، (عَلِيمٌ):. بمن يليق بالملك نسيبًا أو غيره، (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ)، لما طلبوا دليلاً على أن الله اصطفى طالوت، (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ): صندوق أخذ العمالقة منهم، (فِيهِ سَكِينَةٌ من ربكُمْ) وقار ورحمة، من ذهب الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، فوضع موسى فيه الألواح، وروح من الله إذا اختلفوا في شيء يخبرهم ببيان ما يريدون، وفيه أقوال
стр. 171
أخر، وفي الجملة في أي مكان كان فيه تطمئن القلوب، (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) عصاه ورضاض الألواح والتوراة، وقيل: ثياب هارون وقفيز من المن، (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ): جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون، (إِنَّ فِي ذَلِكَ)، أي: رجوع التابوت،
مِنِّي): ليس من أشياعي فلا يصحبني، (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)، من طعم الشيء، إذا ذاقه مأكولاً أو مشروبًا، (إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)، استثناء منقطع من قوله فمن شرب، (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)، أي: وقع أكثرهم في النهر وكرعوا إلا قليلاً، أو أفرطوا إلا قليلاً، فإنه أيام الحر فكان من اغترف روي، ومن شرب منه لم يرو، والقليل ثلاث مائة وبضعة عشر، أو أربعة آلاف من ثمانين ألفًا، (فَلَمَّا جَاوَزَهُ)، أي: النهر، (هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، أي: القليل الذي لم يخالفوه، (قَالُوا): بعضهم لبعض، أو ضمير قالوا للذين خالفوا وشربوا، (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِِهِ): لكثرتهم وقلتنا، (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ): يعلمون، (أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ): تيقنوا لقاءه وثوابه، وهم العلماء من القليل، ومن قال ضمير قالوا للذين خالفوا، يقول: المراد من الذين يظنون، هم القليل بجملتهم، فهم والكثيرون تقاولوا بذلك والنهر بينهما، (كَمْ مِنْ فِئَةٍ): فرقة، وكم خبرية، أو استفهامية، ومن زائدة أو مبينة، (قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ): بحكمه وأمره، (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): بالنصر والإثابة، (وَلَمَّا بَرَزُوا): ظهروا ودنوا، (لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ): أصبب وأنزل، (عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا): بتقوية قلوبنا، (وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكافِرِينَ فَهَزَمُوهُم): كسروهم، (بِإِذْنِ اللهِ): بقضائه ونصره، (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ)، كان في عسكر طالوت، وقد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشركه في أمره ونعمته، فوفى بوعده، ثم آل الأمر إلى داود، (وَآتاهُ اللهُ الُملْكَ): ملك بني إسرائيل، (وَالْحِكْمَةَ): النبوة، (وَعَلَّمَه مِمَّا يَشَاءُ)، من صنعة الدروع ومنطق الطير، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)،
стр. 174
كما دفع العمالقة بجنود طالوت، (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ): بغلبة الكفار، أو بشؤمهم، (وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ): فيدفع عنهم ببعضهم بعضًا، (تِلْكَ)، إشارة إلى حديث الألوف، والتابوت، وطالوت وجالوت، (آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ): بالوجه المطابق، (وَإِنَّكَ): يا محمد، (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ): ومنها يعلم رسالتك، حيث تخبر بها عن تلك المغيبات من غير أن تقرأ وتسمع، أو إنك منهم، فلابد أن تصبر كما صبروا، (تِلْكَ الرُّسُلُ): المذكورة قصصهم، أو اللام للاستغراق، (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، بأن خصصناه بمنقبة، وإن استووا في
стр. 175
القيام بالرسالة، (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) هو موسى كلمه في الطور، قيل: هو ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلمه ليلة المعراج، (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)، أي: محمدًا ﵊، فخواصه أكثر، وأبهمه لأنه متعين الرجحان، وقيل: إبراهيم، وقيل: إدريس، وقيل أولو العزم، (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ): الحجج القواطع، خصه بالذكر لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ): جبريل ﵇، كان يسير معه حيث سار، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ)، هداية الناس واتفاقهم، (مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ): من بعد
أو تفتدون به من العذاب، (وَلَا خُلَّةٌ)، حتى يعينكم، " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [الزخرف: ٦٧]، (وَلَا شَفَاعَةٌ)، حتى تتكلوا على شفعاء، إلا لمن أذن له الرحمن ورضى له قولاً، (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، قيل: وُضع الكافرون موضع التاركين للزكاة (١) تغليظًا، ويمكن أن يكون المراد منه: والكافرون هم الذين يضعون الأشياء غير موضعها، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم، في ألا تنفقوا، فتضعوا أموالكم غير موضعها، (اللهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ): هو المتفرد بالألوهية للكائنات، (الحَي): في نفسه لا يموت أبدًا، (القيوم): دائم القيام بتدبير الخلق، (لاَ تَأخُذُهُ سِنَةٌ): فتور يتقدم النوم، أي: لا تأخذه سنة بلا نوم، (وَلاَ نَوْمٌ): فلا يستغني ذكر أحدهما عن الآخر، وفي تقديم السّنة مراعاة ترتيب الوجود، وهو كالمبين للحي القيوم، (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): ملكًا وخلقًا، تقرير لقيوميته، وتفرده بالألوهية، (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، بيان
стр. 178
لعظمته وجلاله، ونفي لزعم الكفار أن الأصنام شفعاء، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم): ما قبلهم، أو أمور الدنيا، أو ما يعلمون، أو ما حضر عندهم، والضمير لما في السَّمَاوَات وما في الأرض، فإن فيهم العقلاء، (وَمَا خَلْفَهُمْ)، ما بعدهم، أو أمور الآخرة، أو ما لا يعلمون، أو ما غاب عنهم، (وَلاَ يُحِيطُونَ بشَيْءٍ منْ عِلْمِهِ): مْن معلوماته، (إِلا بمَا شَاءَ): أن يعلموا، (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، الكرسي: العلم، أو الكرسي المشهور وهو يدل على عظمته، وقيل: هو الملك
стр. 179
والسلطنة، (وَلَا يَئُودُهُ)، لا يثقله (١)، (حِفْظُهُمَا): السَّمَاوَات والأرض، والإضافة إلى المفعول، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ): ذاتًا وقدرًا وقهرًا، المتعالي عن الأنداد،
стр. 180
(الْعَظِيمُ): كل شيء دونه حقير، (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، نزلت في رجل مسلم له ابنان نصرانيان أراد إكراههما لدخولهما في الإسلام، فالحكم خاص بأهل الكتاب، أو منسوخ بآية القتال، وهو خبر بمعنى الأمر، وقيل: خبر حقيقة، إذ الإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيرًا، لكن قد تميز الإيمان من الكفر بالحجج والآيات، فلا يحتاج إلى الإكراه، ولهذا قال: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ): بالشيطان، (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ): طلب الإمساك من نفسه أو تمسك، (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): من الحبل الوثيق المحكم، (لاَ انفِصَامَ لَهَا): المأمون من الإنقطاع، وهو الإيمان، (وَاللهُ سَمِيعٌ): بالأقوال، (عَلِيمٌ): بالنيات، (الله وَلِيُّ الذِينَ آمَنُوا): ناصرهم، ومتولي أمورهم، (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ): الجهل، وهو أجناس كثيرة، (إِلَى النُّورِ): الهدى والعلم، وهو واحد، والجملة خبر بعد خبر أو حال، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ): الشياطين يتولون أمورهم ويزينون الجهل لهم، (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ): الفطري، أو لما كان سببًا لعدم إيمانهم كأنه أخرجهم، (إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وعيد وتحذير.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ