تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
* * *
(يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعنا)، في الله تعالى المؤمنين عن أن يقولوا لنبيه ﷺ راعنا، أي: أرعنا سمعك، أي: اسمع منا وفي لمية المنع خلاف والمشهور أن لهذا اللفظ معنى قبيحًا بلغة اليهود وهم لما سمعوا هذا اللفظ من المسلمين يأتونه ويقولون راعنا ويضحكون سرًا، (وَقُولُوا انظُرْنَا)، أي: إلينا، (وَاسْمَعُوا)، ترك هذه اللفظة سماع قبول لا كاليهود قيل: إنه ﵇ إذا تكلم معهم قالوا: راعنا، أي: راقبنا وتأن بنا حتى نفهم، فمنعوا من تلك الكلمة وأمروا بـ انظرنا أي: انتظرنا، (وَلِلْكَافِرِينَ): الذين سبوا وتهاونوا رسلنا، (عَذَابٌ أَلِيمٌ) (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ)، هو مفعول يود، (مِنْ خَيْرٍ)، من للاستغراق، (مِنْ رَبِّكُمْ)، من للابتداء والخير هاهنا الوحي أو أعم بين تعالى شدة عداوتهم حسدًا للمؤمنين لئلا يغتروا بنفاقهم، (وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ): بنبونه أو أعم، (مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ
стр. 73
العَظيمِ)، فحرمان البعض ليس لضيق في الفضل، بل لحكم ومصالح، (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ): نبطل حكمها أو النسخ رفعها من القرآن، (أَوْ نُنسِهَا): نمحها عن القلوب ومن قرأ ننسأها أي: نؤخرها، أي: في اللوح المحفوظ أو نثبت قراءتها ونبدل حكمها فعلى هذا النسخ عكسه، (نَأْتِ بِخيْرٍ منهَا): أنفع للعباد في الدارين، (أَوْ مِثْلِهَا): في المنفعة نزلت حين قالوا: إن محمدًا ﷺ يأمر بشيء ثم يأمر بخلافه فما هذا إلا كلامه، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): من النسخ والتبديل، (أَلَمْ تَعْلَمْ)، خطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته بدليل " وما لكم "، (أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): يفعل ما يشاء فيهما من نسخ وتغيير، والآية وإن كانت خطابًا لرسول الله ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، لكن في الحقيقة رد وتكذيب لليهود لإنكارهم نسخ التوراة، (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ): وال يلي أمركم، (وَلَا نَصِيرٍ): ينصركم قيل الفرق بينهما أن الوالي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا، (أَمْ تُرِيدُون)، أي: ألم تعلموا أنه يأمر وينهى كما شاء أم تعلمون
стр. 74
وتقترحون في السؤال فأم معادلة للهمزة أو منقطعة، (أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ): محمدًا ﵊ فإنه رسول الله إلى الناس أجمعين، (كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ): أهل الكتاب قالوا ائتنا بكتاب نقرأه وفجر لنا أنهارًا نصدقك فأنزل الله تعالى، أو قريش سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فقال رسول الله ﷺ : نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا، (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمَانِ)، أي: يشترى الكفر به، (فَقَدْ ضَل سَوَاءَ السَّبيلِ): وسطه، أي: خرج عن الطريق المستقيم، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)، كان من أحبارهم رجال جاهدوا في رد الناس عن الإسلام فأنزل الله تعالى، (لَوْ يَرُدونكُم)، لو
стр. 75
بمعنى أن، (مِّنْ بَعْدِ إِيمَانكُمْ كُفارًا)، حال من كم، أو مفعول ثان ليردون لتضمين معنى التصيير، (حَسَدًا) علة ود، (منْ عِندِ أَنفسهم)، أي: تمنوا من عند أنفسهم لا من قبل التدين أو معناه حسدًا مبالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم، (مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَق): في التوراة، (فَاعْفُوا): عن مجازاتهم، (وَاصْفَحُوا)، وأعرضوا عنهم، (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ): بالقتال أو القتال والسبي والجلاء، أو إسلام بعض والباقي لبعض، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ)، أي: اصبروا على المخالفة والجئوا إلى الله تعالى بالبر، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ)، أي: ثوابه، (عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): فلا يضيع عمل عامل، (وَقَالُوا)، أي: أهل الكتاب، (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، وهذا لف بين قولي اليهود والنصارى ثقة بفهم السامع، (تِلْكَ)، إشارة إلى ألاَّ ينزل على المؤمنين خير أو أن يردوهم كفارًا وألا يدخل الجنة غيرهم، أو إشارة إلى الأخير بحذف المضاف أي أمثالها، (أَمَانِيُّهُمْ): التي تمنوها على الله تعالي باطلاً، (قُلْ هَاتُوا برْهَانَكُمْ): على
مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)
* * *
(وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النصارَى عَلَى شَيْءٍ): أمر يعتد به أي: دينهم باطل من أصله نزلت حين قدم وفد نجران فتنازعوا مع اليهود، (وَقَالَت النَّصَارَى لَيْسَت اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ): مطلقًا دائمًا، (وَهُمْ)، أي: الفريقان، (يَتْلُونَ الكتابَ)، وفي كتاب كل منهما تصديق من كفروا به، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الذي سمعت، (قَالَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ): آباؤهم الذين مضوا أو عوام النصارى أو مشركوا العرب قالوا في نبيهم أو أمم قبلهما، (مِثْلَ قَوْلِهِمْ)، وبَّخهم الله على التشبه بالجهال وهو مفعول مطلق لـ قال وكذلك مفعول به وقيل كذلك مبتدأ ومثل قولهم مصدر أو مفعول لا يعلمون، (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ): بما استحقوا عن الحسن هو تكذيبهم وإدخالهم النار، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)، عام لكل
стр. 78
من خرب مسجدًا، وإن كان سبب نزوله منع المشركين رسول الله ﷺ أن يدخل مكة ويحج عام الحديبية، وأي خراب أعظم مما فعلوا من إخراج المسلمين واستحواذهم بالأصنام، أو نزلت في الروم خربوا بيت المقدس، (أوْلَئِكَ): المانعون، (مَا كانَ لَهُمْ أَن يَدْخلُوهَا إِلا خَائِفِينَ)، خبر معناه الطلب لا تمكنوهم من دخولها إلا تحت هدنة أو جزية، أو بشارة للمسلمين أنه سيكون كذلك، أو ما كان ينبغي أن يدخلوها إلا خاشعين فضلاً أن يخربوا، أو ليس الحق أن يدخلوا إلا خائفين عن المسلمين فضلاً من أن يمنعوهم منها، (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ): قتل وسبي أو جزية، (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ): له الأرض كلها إن منعتم الصلاة في أحد المساجدَ، (فَأَيْنَمَا تُوَلوا)، أيَّ: في أي مكان توليتم القبلة، (فَثَمَّ وَجْهُ الله)، أي: جهته التي أمر بها لا يختص بمسجد ومكان، أو معناه بأي جهة وجهتم إليها وجهكم فثم قبلة الله
стр. 79
المشرق والمغرب، أو ذاته مطلع بكم، (إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ): محيط بالأشياء رحمة لا يضيق على عباده، (عليمٌ): بالأعمال في الأماكن أو نزلت في صحابة عميت عليهم القبلة فتحروا القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة ثم تبين خطأهم، أو نزلت في صلاة التطوع حين السير أو في تحويل القبلة لما عيرت اليهود بأن ليس لهم قبلة معلومة، أو لما نزلت " ادعوني أستجب لكم " (غافر: ٦٠)، قالوا أين ندعوه فنزلت، أو لما مات النجاشى قال النبي ﷺ : صلوا عليه، قالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة كيف نصلي عليه؟ فنزلت، نقله ابن جرير رضى الله عنه، (وَقَالوُا): اليهود في عزير والنصارى في المسيح والمشركون في الملائكة، (اتَّخَذَ
стр. 80
اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ): نزه نفسه عن ذلك، (بَل لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْص): أي: مخلوق وملك فلا مناسبة لشيء مع الله فلا ولد، (كُل لَّهُ قَانتُون): منقادون لا يمكن لهم الامتناع عن مشيئته، (بَديع السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ): َ مبدعهما وخالقهما بلا سبق شيء، أو بديع سماواته وأرضه، (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا): قدر وأراد، (فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون)، من كان التامة، أي: يكونه فيكون ولا واجب أن هناك حقيقة قول كما ابتدأ المسيح بأمر كن من غير والد والملائكة كذلك ومن قرأ فيكونَ بالنصب فهو جواب الأمر، (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلمُون): مشركوا العرب أو بعض اليهود والنصارى، (لَوْلا يُكَلّمنَا اللهُ)، أي: هلا يكلمنا عيانًا، (أَوْ تَأتِينَا آيةٌ)، كما قال تعالى: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض " الآية (الإسراء: ١٠)، (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلهم): من كفار الأمم الماضية، (مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلوبُهمْ): في العناد، (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ): أيقنوا وطلبوا الحق لا من عاند واستكبر، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ): متلبسًا، (بِالْحَقِّ): بالصدق، (بَشِيرًا): بالجنة، (وَنَذِيرًا): من النار، (وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ)، أي: لست بمسئول عنهم لِمَ لَمْ يؤمنوا، ومن قرأ بصيغة النهي فذلك لأن النبي ﷺ قال ذات يوم: ليت شعرى ما فعل أبواي، فنزلت وقيل
стр. 81
معناه لا تسئل عن حالهم فإنك لا تقدر أن تخبر عنها لفظاعتها، (وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى)، كانوا يرجون أن يرجع محمد ﵊ إلى دينهم حين كان يصلي إلى قبلتهم، فلما صرفت القبلة أيسوا منه فأنزل الله، (حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ): دينهم وقبلتهم، (قُلْ): يا محمد، (إِن هُدَى اللهِ): الذي بعثني به، (هُوَ الهُدَى): طريق الحق، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم): آراءهم الباطلة، (بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ): القرآن والسنة، (مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِي وَلاَ نَصِيرٍ): يدفع عنك العقاب وهو تهديد شديد للأمة، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)، أي: جنس الكتاب من الكتب المتقدمة، (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، حال
يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح وكأنه الفذلكة والمقصود بالذات، (وَإِن ابْتَلَى): اختبر أي: عامل معاملة المختبر، (إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ): رَبُّ إبراهيم، (بِكَلَمَاتٍ)، في الكلمات اختلاف كثير، أي: شرائع وأوامر ونواهي أو ثلاثين خصلة عشر في البراءة، " التائبون العابدون " (التوبة: ١١٢) إلخ .. وعشر في أول سورة " قد أفلح المؤمنون " (المؤمنون: ١ - ٩)، و " سأل سائل " (المعارج: ٢٢ - ٣٤)، وعشر في الأحزاب، " إن المسلمين والمسلمات " (الأحزاب: ٣٥) إلخ .. ، أو عشر خصال خمس في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، أو مناسك الحج، أو أنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: " فسبحان الله حين تمسون " (الروم: ١٧) إلخ الآية أو الآيات التي بعدها " إني جاعلك للناس إماماً " وغيرها، (فأَتَمَّهُنَّ): أداهن تامات وقام بهن حق القيام، (قَالَ)، استئناف كأنه جواب لمن قال ماذا قال له ربه حين أتمهن؟، أو بيان لقوله ابتلي، عند من يقول هي الكلمات، (إِني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
стр. 84
إِمَامًا): يقتدى بك وإمامته مؤبدة إلى الساعة، (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، عطف على الكاف، أي: اجعل من أولادى أئمة، (قَالَ): الله، (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، في تفسيره أيضًا كطير خلاف الأرجح أنه إجابة لملتمسه وإشارة إلى أن في ذريته من لا يصلح للإمامة والنبوة، (وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ): الكعبة، (مَثَابَةً لِلنَّاسِ): مرجعًا يأتون ثم يرجعون ثم يأتون أو موضع ثواب، (وَأَمْنًا): من المشركين أبدًا فإنهم لا يتعرضون لأهل مكة ويتعرضون لمن حولها، أو لا يؤاخذ الجاني الملتجئ إليها كما هو مذهب أبي حنيفة وقيل يأمن الحاج من عذاب الآخرة، (وَاتَّخذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهيمَ)، مقام إبراهيم الحجر المعروف، أو مسجد الحرام أو الحرم أَو مشاعر الحج وقد صح أن عمر رضى الله عنه قال: يا رسول الله هذا مقام أبينا إبراهيم؛ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله: " واتخذوا " إلخ. وهو عطف على عامل إذ أعني اذكر، أو مقدر بقلنا، (مصلَّى)، يسن الصلاة خلفها أو مُدَّعى، (وَعَهِدْنَا): أمرنا ولأنه بمعنى الوحي عدى بإلى، (إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ)، أي: بأن طهراه من الأصنام وما لا يليق به أو ابنياه على التوحيد على اسمه وحده، (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
стр. 85
السُّجُودِ): لمن يطوف ولمن يجلس في المسجد ولمن يصلى، أو المراد من الطائفين الغرباء ومن العاكفين المقيمين والركع السجود جمع راكع وساجد، (وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَب اجْعَلْ هَذَا): المكان، (بَلَدًا آمِنا): ذا أمن، أو آمنا من فيه، (وَارْزقْ أَهْلَه مِنَ الثمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، من آمن بدل البعض أهله، (قَالَ وَمَن كَفرَ)، عطف على من آمن وهو من كلام الله، نبه الله تعالى أن الرزق عام دنيوى لا كالإمامة، أو مبتدأ تضمن معنى الشرط، (فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا)، خبره وقليلاً نصبه بالمصدر، (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ)، أي: ألجئه إليها، (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، أي: العذاب، (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ): الأساس، (مِنَ البَيْتِ): ورفعها البناء عليها، (وَإِسماعيلُ)، كان يناوله الحجارة يقولان: (ربنَا تَقَبَّلْ منَّا)، بنائنا البيت (إِنكَ أَنتَ السَّمِيعُ): لدعائنا، (العَلِيمُ): بنياتنا، (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ): مخلصين منقادين، (وَمِن ذريتِنا)، أي: اجعل بعض أولادنا، (أمَّةً): جماعة، (مُّسْلمَة لكَ): خاضعة مخلصة والأصح أنها تعم العرب وغيرهم، (وَأَرِنا): أبصرنا، (مَنَاسِكَنَا): معالم
الوقت لتعلم أنه المصطفى، (لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ): استقم على الإسلام أو أخلص العمل لله أو أسلم نفسك إلى الله وفوض أمرك إليه، قال ابن عباس - رضى الله عهما -: حقق ذلك حيث لم يستعن بغير الله حين ألقي في النار، (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا): بالملة أو كلمة الإخلاص، (إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ)، أي وصى هو أيضاً بنيه، (يَا بَنِيَّ)، على إضمار القول أو متعلق بوصى لأنه نوع من القول، (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ): دين الإسلام، (فَلاَ تَمُوتُن إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، أي: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا عليه، (أَمْ كُنتمْ شُهَدَاءَ)، منقطعة والهمزة للإنكار أي: ما كنتم حاضرين، وهذا رد على اليهود حيث قالوا للنبي- ﷺ ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، (إِذ حَصرَ يَعْقُوبَ الَموْتُ)، تم الكلام ثم ابتدأ بقوله: (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ)، كأنه قال: اذكر ذلك الوقت حتى لا تدعى إليه اليهودية أو متعلق بقالوا نعبد، (مَا تَعبدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا)، نصبه على البدل من إله آبائك وإسماعيل عمه فهو من التغليب، (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، حال من معمول نعبد، (تِلكَ)، أي: إبراهيم
стр. 89
ويعقوب وبنوهما، (أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ): مضت، (لَهَا مَا كَسَبَتْ): من العمل، (وَلَكُم): يا معشر اليهود، (مَّا كَسَبتمْ)، أي: انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ): لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم، (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، قالت اليهود للمؤمنين: كونوا على ديننا فهو الحق، وقالت النصارى مثله، (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، أي: نكون أهل ملته، أو نتبع ملته، (حَنيفًا): مائلاً عن الباطل إلى الحق حال عن إبراهيم، (وَما كَانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ)، وهذا تعريض للمخاطبين، (قُولُوا): أيها المؤمنون، (آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا): القرآن، (وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ): أولاد يعقوب وفيهم الأنبياء، (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى)، أفردهما بحكم أبلغ لأن النزاع فيهما، (وَمَا أوتِيَ النَّبيُّونَ): المذكورون وغيرهم، (مِن ربهِمْ لاَ نفَرقُ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ): كاليهود يَكفر ببعض ويؤمن ببعض واحد بحسب الوضع يستوى فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، (وَنَحْنُ لَهُ): لله، (مُسْلِمُون): مخلصون منقادون، (فَإِنْ آمَنُوا)، أي: أهل الكتاب، (بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ)، المثل صلة والباء زائدة أي: مثل إيمانكم بالمذكور، أو هو من باب التعجيز إذ لا مثل لدين الإسلام نحو قوله تعالي: " فأتوا بسورة من مثله " (البقرة: ٢٣)، (فَقَدِ اهْتَدَوْا) (وَإِن تَوَلوْا): أعرضوا
стр. 90
عن الإيمان، (فَإِنما همْ فِي شِقَاقٍ): خلاف ونزاع، (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ)، تسكين للمؤمنين ووعد بالحفظ والنصرة، (وَهُوَ السمِيع العَلِيم)، من تمام الوعد والوعيد لا في طلب حق، (صِبْغَةَ اللهِ)، من تتمة المقول أي: قولوا التزمنا دين الله، أو صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغ حلية المصبوغ، نقل أن النصارى يغمسون أولادهم في ماء أصفر ويقولون: هو تطهير لهم وبه يحق نصرانيتهم فيكون للمشاكلة، ونقل أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل يصبغ ربك؟ فناداه ربه أن قل نعم أنا أصبغ الألوان وأنزل الله على نبيه: " صبغة الله " (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً): لا صبغة أحسن من صبغته، (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ): مطيعون لا نشرك به كشرككم عطف على آمنا، (قلْ): يا محمد لأهل الكتاب، (أَتُحَاجُّونَنَا): أتجادلوننا، (في اللهِ)، في دين الله وأمره حيث قالوا
стр. 91
الأنبياء منا فنحن أولى بالله منكم، (وَهُوَ ربنَا وَرّبكُمْ): لا اختصاص له بقوم دون قوم، (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ): لكل جزاء عمله فليس ببعيد أن يكرمنا الله تعالى، (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ): موحدون، أي: لنا هذا المزيد دونكم، (أَمْ تَقُولُونَ)، أم منقطعة والهمزة للإنكار، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ)، " ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا " (آل عمران: ٦٧)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ)، يقرأون في التوراة أن الدين الإسلام وأن هؤلاء الأنبياء برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك، (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، وعيد لهم، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، كرر مبالغة في الزجر عما في الطباع من الاتكال بالأشراف من الآباء، قيل: الخطاب فيما سبق لأهل الكتاب وفي الآية لنا، وقيل: المراد بالأمة في الأول: الأنبياء وفي الثاني: أسلاف أهل الكتاب.
* * *
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِ النَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَالْمَغرِبُ): ملكًا لا يختص به مكان دون مكان، (يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ): تقتضيه الحكمة فتارة إلى الصخرة ثم إلى الكعبة، (وَكَذَلِكَ): كما هديناكم صراطًا مستقيمًا، وقيل إشارة إلى ولقد اصطفيناه في الدنيا، أي: كما اخترنا إبراهيم ﵇، (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا): عدولا خيارًا، (لتَكُونوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ): على صدقكم، (شَهِيدًا)، وذلك لأن الأمم يجحدون يوم القيامة تبليغ الأنبياء، فالأنبياء يأتون بأمة محمد ﵊ فيشهدون بالتبليغ، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟، فيقولون: أخبرنا نبينا في كتابه، ثم يزكيهم محمد ﵊، (وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِى كُنتَ
стр. 94
عَلَيْهَا)، أي: أصل أمرك استقبال الكعبة، فإنها قبلة إبراهيم، لكن جعلنا قبلتك بيت المقدس، وقوله: " التي كنت عليها " أحد مفعولي جعل، أي: الجهة التي كنت عليها، وقيل: تقديره وما جعلنا تحويل القبلة التي كنت عليها، وعلى هذا التي صفة القبلة أقول والله أعلم بمراده: يحتمل أن يراد من التي كنت عليها الكعبة، أي: خاطرك مائل إليها، فإن الأصح أن القبلة قبل الهجرة الصخرة لكن خاطره الأشرف مائل إلى أن تكون الكعبة قبلة، (إِلَّا لِنَعْلَمَ): علمًا حاليًا يتعلق به الجزاء، (مَن يَتَّبِعُ الرَّسولَ): عند نسخ القبلة، (مِمَّن يَنقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ): يرتد، والظاهر أن تقديره متميزًا، ممن ينقلب حال من فاعل يتبع، أو ثاني مفعولي نعلم، وقد نقل أن كثيرًا من المسلمين ارتدوا عند تحويل القبلة، ظنًا منهم أن هذا حيرة منه ﵊، (وَإِن كانَتْ)، أي التولية، وإن مخففة، (لَكَبيرَةً): ثقيلة، (إِلا عَلَى الّذِينَ هَدَى الله)، أي: هداهم الله، (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) بالقبلة الأولى، وتصديقكم واتباعكم نبيكم في القبلة الثانية، أو صلاتكم إلى الصخرة، ففى
стр. 95
الصحيح أن الصحابة سألوا كيف حال إخواننا الذين ماتوا على القبلة الأولى؟
فنزلت، (إِنَّ اللهَ بِ النَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)، فلا يضيع أجورهم والرءوف أبلغ من الرحيم، (قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)، أي: تردد وجهك في جهة السماء انتظارًا لجبريل والوحي بتغيير القبلة، فإنه يحب أن تكون " قبلةً " قبلة أبيه إبراهيم، (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ)، نمكننك استقبال قبلة من وليته كذا، أي صيرته واليًا له، (قِبْلَةً تَرْضَاهَا)، تحبها، (فَوَلِّ): اصرف، (وَجْهَكَ شَطْر المَسْجِدِ الحَرَامِ)، أي: نحوه، (وَحيثُ مَا كُنتُمْ)، من بر وبحر، وهو بمعنى الشرط، أي: أينما كنتم فالفاء، (فَوَلوا)، للجزاء، (وُجُوهَكُمْ شَطْرهُ)، حين الصلاة، (وَإِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): اليهود، (لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ): أمر الكعبة، (الحَقُّ من ربهِمْ)، ليقينهم بحقية محمد ﵊، وبأن الكعبة قبلة إبراهيم، (وَمَا اللهُ بغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ): من العلم وكتمانه، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آية): دالة على أن الكعبة قبلة، (ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)، لأنَّهُم حساد جاحدون، (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)، قطع لأطماع اليهود الرجوع إلى الصخرة ثانيًا، (وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِع
стр. 96
قبْلَةَ بَعْضٍ): اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس، فمحال أن تراعي خاطرهم، إن أردت مثلاً لاختلافهم، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم)، مثلاً، (مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العِلْمِ)، بأن لك الحق بالوحي، (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)، مثلهم وبالحقيقة هذا تهديد لأمته، (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): علماءهم، َ (يَعْرِفُونه): محمدًا بنعته وصفته، (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْناءهُمْ): كمعرفتهم أبناءهم بلا التباس، (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ)، أي: نعته وصفته، أما العوام فلا يعرفون شيئًا، وأما المؤمنون منهم فلا يكتمون، (وَهُمْ يَعْلَمُون)، فإنهم يقرؤن في كتابهم، (الْحَقُّ مِن رّبِّكَ)، مبتدأ أو خبر واللام للإشارة إلى الحق الذي يكتمونه، أو إلى ما عليه محمد ﵊، أو تقديره هو الحق حال كونه من ربك، (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الُممْتَرِينَ): الشاكين فيما أخبرتك، وهذا مبالغة في تحقيق الأمر، أو أمر للأمة.
* * *
(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ
стр. 97
خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
* * *
(وَلِكُلٍّ): من أهل الأديان، (وِجْهَةٌ): قبلة، (هُوَ مُوَلِّيهَا): وجهه، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون، أو الله مولي الأمم إلى قبلتهم، (فاسْتَبِقُوا): بادروا، (الخَيْرَاتِ): قبول أمر القبلة وغيره، (أَيْنَ مَا تَكُونوا)، أنتم وأهل الكتاب، (يَأتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا): يحشركم إليه ويجازيكم، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ): من الإماتة والإحياء والجمع، (قَدِيرٌ وَمِنْ حَيثُ خرَجْتَ): من أي مكان خرجت، افعل ما أمرت به، فالفاء في، (فوَلِّ)، للعطف على مقدر، (وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ)، إذا صليت، (وَإِنَّهُ): المأمور به، (لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
стр. 98
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، لما كان النسخ من مظان الفتن والشبه، أكد وكرر وبالغ مرارًا، (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ)، أحد من الآحاد، (عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)، فإن اليهود قالت: ما درى محمد أين قبلته حتى هديناه، فلما صرفت القبلة بطلت صورة حجتهم، (إِلا الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ): من الناس، كمشركي مكة، فإنهم قالوا: محمد قد تحير في دينه وسيعود إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا، والاستثناء متصل، قيل: معناه لئلا يكون لأحد من اليهود حجة، إلا للمعاندين منهم، فحجة المنصفين أن يقال لم لا يحول إلى قبلة إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ وحجة المعاندين، أنه ما ترك قبلة الأنبياء إلا ميلاً إلى دين قومه، والمراد من الحجة ما يساق سياقها، (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ)، المشركين، فمطاعنهم لا تضركم، (وَاخْشَوْنِي): فلا تخالفوا أمرى، (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)، بتكميل الشريعة، وهو عطف عدى قوله لئلا يكون، (وَلَعَلكُمْ تَهْتدُون): لكي تهتدوا أنتم خصوصًا إلى قبلة إبراهيم، (كَمَا أَرْسَلْنَا فيكُمْ)، متصل بما بعده، أي: كما ذكركم بالإرسال، فاذكرونى، أو بما قبله، ومعناه: ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة كما أتممتها في الدنيا بإرسال رسول منكم، (رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ): يحملكم ما تصيرون به أزكياء من رذائل الأخلاق، (وَيعَلِّمُكُم الكِتَابَ): القرآن، (وَالْحِكمَةَ): السنة، (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ): بالفكر من الأحكام
(يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنوا استعِينُوا): على طلب الآخرة، (بالصَّبْرِ): عن المعاصي، (وَالصَّلاةِ)، التي هي أم العبادات، (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ): بالعون
стр. 101
والنصرة، (وَلاَ تَقُولُوا لِمْن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ)، هم، (أَمْوَات بَلْ)، هم، (أَحياءٌ)، نزلت في قتلى بدر من المسلمين وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة، (وَلَكِن لا تَشْعُرُونَ): ما حالهم، (وَلَنَبْلُونَّكُم): ولنصيبنكم إصابة من يختبركم، (بشَيْءٍ)، أي: قليل، (مّنَ الخوف وَالْجُوع)، أي: القحط، (وَنَقْصٍ منَ الأَمْوَالِ): خسران الأموال، (وَالأَنفُسِ): الموت أو هو المرض والشيب، (وَالثمَرَاتِ): الحوائج، وحكي عن الشافعي رضى الله عنه: الخوف، خوف الله والجوع رمضان، ونقص الأموال الزكوات والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد، (وَبَشّرِ): يا محمد، (الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ): مما ذكر، (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ): عبيد أو ملكًا، (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): في الآخرة فلا يضيع عمل عامل، (أوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ): مغفرة، أو ثناء من الله وأمنة من العذاب، ولكثرتها وتنوعها جمعها، (مِّن ربهم وَرَحْمَةٌ)، لطف وإحسان، (وأُوْلَئِكَ هُمُ الُمهْتَدُون): إلى الصواب أو إلى الجنة، (إِنَّ الصَّفَا
стр. 102
وَالْمَرْوَةَ): جبلان بمكة، (مِن شَعَائِرِ اللهِ): من أعلام مناسكه، (فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ)، الحج والعمرة عبادتان معينتان في الفقه، (فَلاَ جُنَاحَ): إثم، (عَليْهِ)، في، (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا): بالجبلين، كان فيهما صنمان معروفان، وأهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الحق وزهق الباطل، كره المسلمون الطواف بينهما فأنزل الله، وعند الشافعي: هو ركن الحج بدليل الأحاديث والآية لا تنافيه، (وَمَن تَطَوَّعَ خَيرًا)، من صلاة وزكاة وطواف وغيرها، أو تطوع بالسعى عند من يرى أنه سنة ونصب خيرًا على المفعول المطلق، أو تطوع بمعنى: فعل وأتى، (فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ): مجازيه بعمله، (عَلِيمٌ)، لا يخفى عديه خافية، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا)، علماء اليهود، (مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى)، صفة محمد، وآية الرجم، وغيرهما، (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ): التوراة، (أُولَئِكَ يلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنُون): جميع الخلق سوى الجن والإنس أو الملائكة والجن والإنس المؤمنون، يعني: يقولون اللهم العنهم قد نقل أن البهائم والطيور إذا اشتدت السنة تلعن عصاة بني
стр. 103
آدم، (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا): رجعوا عن الكتمان، (وَأَصْلَحُوا)، ما أفسدوا، (وَبَيَّنُوا): للناس ما كانوا كتموه، (فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ): بالقبول والمغفرة، (وَأَنَا التوَّابُ): المبالغ في قبول التوبة، (الرَّحِيم): كثير الرحمة، (إِنَّ الَّذِين كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفارٌ): ماتوا على الكفر، (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ)، المراد من الناس المؤمنون، أو هذا في الآخرة يوقف الكافر فيلعنه جميع الناس، حتى إنه يلعن نفسه، (خَالِدِينَ فيهَا): في اللعنة، (لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ)، أي: لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، وقيل: لا ينظر إليهم نظر رحمة، (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، كفار قريش قالوا: يا محمد! صف لنا ربك فأنزل الله، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): ليس في الوجود إله غيره، (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، هما كالحجة لوحدانيته، فإنه مولى النعم وحده، فغيره لا يستحق العبودية، ولما سمعه المشركون، قالوا: إن كنت صادقًا في أن لا إله إلا الله فأتنا بآية، فأنزل الله.
* * *
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ
стр. 104
الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
* * *
(إِن فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْلِ وَالنَّهَارِ): تعاقبهما، (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ): بنفعهم أو بالذي ينفعهم من الركوب والحمل، (وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء)، السماء السحاب، أو الفلك، أو جانب العلو، (فَأَحْيَا بِه الأَرْضَ): بَالنبات، (بَعْدَ مَوْتِهَا): جدوبتها، (وَبَثَّ فِيهَا)، فرق في الأرض، عطف على أحيا، والمجموع صلة، أو على ما أنزل بتقدير الموصول، أي: وما بثَّه، (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)، في مهابها وأحوالها، (وَالسَّحَابِ الُمسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)، َ أي: المذلل لأمر الله، بينهما لا ينزل ولا ينقشع، (لَآيَاتٍ): دلالات على وحدته، (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): يتفكرون فيها، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا): أصنامًا جعلوا له أمثالاً يعبدونهم، (يُحِبُّونَهُمْ كَحبِّ اللهِ): يعظمونهم كتعظيمه، أي: يسوون بينه
стр. 105
وبينهم في الطاعة، أو يحبونهم كحب المؤمنين الله، (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)،
стр. 106
لأنه لا تنقطع محبتهم عن الله بحال، أما المشركون إذ اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول، وأيضًا يعرضون عن معبودهم حال البلاء، قال تعالى: " فإذا ركبوا في الفلك " [العنكبوت: ٦٥]، (وَلَوْ يَرَى): لو يعلم، (الذِينَ ظَلَمُوا)، باتخاذ الأنداد، (إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ): عاينوه يوم القيامة، (أَن القُوَّةَ لله جَمِيعًا وَأَنْ الله شَدِيدُ العَذَابِ)، ساد مسد مفعولي يرى، وجواب لو محذوف، أى: لو يعلمون أن القدرة لله جميعًا لا قدرة لأندادهم، إذ يرون العذاب، أي: يوم القيامة، لندموا أشد الندامة، ومن قرأ ولو ترى بالتاء، فالذين ظلموا مفعوله من رؤية البصر، وإذ يرون العذاب بدل من الذين، وأن القوة بدل اشتمال من العذاب، وجواب لو محذوف أيضًا أي لرأيت أمرًا فظيعًا، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبعُوا): القادة من الملك وغيره، وهو بدل من إذ يرون، فيكون ظرفًا لقوله أن القوةَ، (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا): الأتباع، يقول الملائكة: " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " [القصص: ٦٣]، (وَرَأَوُا العَذَابَ)، الواو للحال، وقد مضمرة، (وَتَقَطعَتْ بِهِمُ)، أي: بسبب كفرهم، أو متلبسًا ومتصلاً بهم، (الأَسْبَابُ)، أي: المودة، أو كل وصلة بينهم في الدنيا، أو الأعمال التي يعملونها في الدنيا، أو الحيل وأسباب الخلاص، (وَقَالَ الذِينَ اتَّبَعُوا): الأتباع، (لَوْ أَن لَنَا كَرَّةً)، أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا، (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ): من المتبوعين، (كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ): مثل ذلك الإراء الفظيع، (يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ): سيئاتهم، أو حسناتهم التي ضيعوها، (حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ): ندامات وهو ثالث مفاعيل يريهم، أو حال على أنه من رؤية البصر، (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار)، أصلاً.
* * *
الأرض، والطيب ما يستطاب في نفسه، غير ضار للأبدان والعقول أو المستلذ، (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ)، أي: سبله وطرقه، يعني لا تقتدوا به، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ): ظاهر العداوة، عند ذوى البصيرة، (إِنَّمَا يَأمُرُكُم بِالسُّوءِ): المعاصي كلها أو معصية لا حد فيها، (وَالْفَحْشَاءِ): معصية فيها حد أو البخل، (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون): كاتخاذ الأنداد، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، (وَإِذَا قيلَ لَهُمُ): لهؤلاء المشركين، أو طائفة من اليهود، (اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا): وجدنا، (عَلَيْهِ آباءنَا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شيْئًا وَلاَ يَهتدُون)، الواو للعطف أو الحال والهمزة للتوبيخ والتعجيب، وجواب لو محذوف، أي: لو كان آبائهم جهلاء لاتبعوهم، (وَمَثلُ الذِينَ كَفَرُوا): فيما هم فيه من الجهل والضلال، (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً)، أي: كمثل الدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول، بل إنما تسمع صوته فقط، هكذا نقل في تفسيرها عن السلف، وحاصله أنَّهم في انهماكهم في تقليد الجهل كالبهائم التي ينعق راعيها بها
стр. 109
فتسمع الصوت ولا تفهم معناه، وقيل: تقديره مثل داعي الذين كفروا معهم " كمثل الذي " الآية وهو الأظهر، (صُمٌّ): عن سماع الحق، (بُكْمٌ): لا يتفوهون به، (عُمْيٌ): من رؤية مسلكه، (فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ): ولا يفهمونه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ): حلالات، (مَا رَزَقْنَاكُمْ)، لما أباح الله للناس ما في الأرض سوى ما حرم، أمر المؤمنين أن يتحروا حلالاته ويقوموا بحقوقها فقال: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ): على ما أحل لكم، (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): إن صح أنكم تختصونه بالعبادة فإن عبادتكم لا يتم إلا بالشكر، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ): التي ماتت من غير ذكاة، (وَالدَّمَ)، أي: دمًا مسفوحًا والسمك والجراد والكبد والطحال مستثنى بالحديث، (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ): وتخصيص اللحم بالذكر لأنه معظم ما يؤكل، (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ): ما ذكر اسم غير الله عند ذبحه، وهذه
стр. 110
الآية رد على من حرموا على أنفسهم أشياء من عند أنفسهم، فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقًا فلا يرد أن المحرمات غيرها كثيرات، (فَمَنِ اضْطُرَّ): أحوج ولجئ إليه، (غيرَ بَاغٍ): خارج على السلطان أو مستحله أو آكله من غير اضطرار أو متجاوز القدر الذي أحل له وقيل باغ بالاستئثار على مضطر آخر، (وَلاَ عَادٍ)، متعد عاص بسفره أو غيره متعد ما حد له، فيأكل أكثر مما يمسك رمقه، أو يتعدى حلالاً وهو يجد عن الحرام مندوحة، (فَلاَ إِثْمَ عليه)، في تناوله، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، حيث رخص بالأشياء، (إِن الَّذِينَ يَكتُمُونَ)،