كَانَ تَقِيًّا): الوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك فإنه لا فسخ ولا رجوع فيه قيل: أورثوا المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) أبطأ جبريل النزول مدة فقال رسول الله ﵉ ما نزلت حتى ظن المشركون كل ظن فأوحى إلى جبريل أن قل له " وَمَا نَتَنَزَّلُ " الآية وقد ورد أن جبريل قال كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون؟! (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: أمر الدنيا وأمر الآخرة وما بين النفختين أو الأرض والسماء والهواء أي: جميع الأزمان أو الأماكن له لا تنتقل في زمان دون زمان أو مكان إلى مكان إلا بأمره (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا): تاركًا لك مودعًا إياك كما زعمت المشركون (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
стр. 1157
بَيْنَهُمَا)، بدل من ربك أو خبر مبتدأ محذوف (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)، عدي باللام لتضمنه معنى الثبات أي: اثبت لها ولا يضق صدرك عن احتباس الوحي وشماتة المشركين (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا): مثلاً وشبهًا فلا محيص عن عبادته والصبر على مشاقها وعن ابن عباس ﵄ ليس أحد يسمى الرحمن غيره، وعن بعضهم هل تعلم أحدًا يسمى الله غيره؟
* * *
(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ
стр. 1158
مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
* * *
(وَيَقُولُ الإنسَانُ) حرف التعريف للجنس، فإنه إذا قال قائل منهم ذلك صح إسناده إلى جميعهم كما يقال بنو فلان فعلوا، والفاعل أحدهم أو للعهد أي: منكرو الحشر (أَإِذَا مَا مِتُّ) ما زائدة للتأكيد (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) واللام لمجرد التأكيد ليس فيها معنى الحال والعامل في إذا فعل دل عليه " أخرج "؛ لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها والمراد من الخروج الخروج من الأرض، أو حال الفناء (أَوَلا يَذكُرُ): لا يتفكر (الْإِنْسَانُ) عطف على يقول، والهمزة بين المعطوفين ليدل على أن المنكر العجيب هو المعطوف فإنه لو تأمل (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) بل كان عدما صرفا لم يقل ذلك أي: لو تأمل النشأة الأولى حيث أخرجنا الجواهر والأعراض من العدم وأوقعنا تلك التأليف المشحون بأنواع الحكم اختراعًا من غير حذو على مثال له ينكر النشأة الثانية (فوَربكَ) قسم باسمه الأعلى مضاف إلى أشرف مخاطب (لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) الواو
стр. 1159
مفعول معه أو للعطف والضمير المفعول لجنس الإنسان فإنه إذا حشر الجميع حشرًا واحدًا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد صدق أن الكل محشورون معهم (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا): قعودا على الركب على المعتاد في مواقف التقاول كما قال تعالى (وترى كل أمة جاثية) [الجاثية: ٢٨]، (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ): أمةٍ شاعت دينا (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا): غيًّا وفسادًا أي: قادتهم ورؤساؤهم في الشر أو يبدأ بالأفسق فالأفسق، فيطرح في جهنم وأيهم مرفوع بالابتداء استفهامي وخبره أشد، والجملة محكية أي لَنَنْزِعَنَّ الذين يقال فيهم أيهم أشد أو مبني على الضم لحذف صدر صلته و " على الرحمن " للبيان لا متعلق بـ عتيا، لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه أو معلق بأشد أي: عتوهم أشد عليه كما يقال: هو أشد على خصمه (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) أي: احتراقًا " وبها " للبيان أو ظرف لأولى أي: صليهم أولى بالنار يعني ننزع الرؤساء، ونعلم أنَّهم أحق بتضعيف العذاب أو نبدأ بالأعصى فالأعصى ونقدم الأولى فالأولى بالعذاب وجاء بـ ثم لتأخره في الإخبار، ولأن حاصله طرحهم في النار على الترتيب وهو متأخر عن النزع (وَإِنْ مِنْكُمْ) أي: منكم أحد (إِلَّا وَارِدُهَا): داخلها يدخل النار بر وفاجر وتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا وكثير من السلف على أن الورود هو الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها، وعن بعضهم الورود
стр. 1160
الحضور والرؤية لا الدخول وقد ورد أنه ﵇ عاد رجلاً من أصحابه وَعِكًا، ثم قال: " إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة " وعن مجاهد الحمى حظ كل مؤمن من النار (كَانَ): الورد (عَلَى ربِّكَ حَتْمًا): واجبًا أوجبه على نفسه أو قسمًا واجبًا (مَقْضِيًّا): قضاه الله عليكم (ثُمَّ نُنَجِّي): عن النار (الَّذِينَ اتَّقَوْا): الشرك (وَنَذَرُ الظالِمِينَ): الكافرين (فِيهَا جثِيًّا) جميعًا جمع مجثوة أو على الركب جمع جاث (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنَا بَيِّنَات): واضحات المعاني والبرهان حال مؤكدة (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا): معهم، ولأجلهم (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ): منا ومنكم خير (مَقَامًا): مكانًا (وَأَحْسَنُ ندِيًّا): مجلسًا يعني لما سمعوا آيات الله أعرضوا عنها واستدلوا على فضلهم وشرفهم بزيادة حظهم حطام الدنيا فرد الله تعالى عليهم بقوله (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا): متاع البيت (وَرِئْيًا): منظرًا أو هيئة فلم ينفعهم، ولن يدفع عنهم عذاب الله تعالى، وكم مفعول أهلكنا ومن قرن بيانه وهم أحسن في محل النصب صفة كم وأثاثًا ورئيًا تمييز عن النسبة (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ) الشرك (فَلْيَمْدُدْ له الرَّحْمَنُ مَدًّا): يدعه ويمهله في طغيانه استدراجًا وهو خبر بلفظ الأمر إشعارًا بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة وقيل هذا دعاء (حَتَّى إِذَا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ): في الدنيا كالأسر والقتل (وَإِمَّا السَّاعَةَ): القيامة
стр. 1161
(فَسَيَعْلَمُونَ) عند ذلك (مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا): فئة وناصرًا وحتى غاية المد أي: هم في الاستدراج ممدود لهم الغواية إلى أن يأتيهم وعد الله أو غاية قول الكفار أي: الفريقين خير، أي: لا يزالون يقولون ذلك إلى أن يشاهد الموعود (وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى): إيقانًا على يقينهم عطف على الجملة الشرطية أي " من كان في الضلالة " إلخ وحاصله أن الله يزيد في ضلال الضالين، ويزيد هداية المهتدين (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) الأذكار والأعمال الصالحة التي يبقى أثرها (خيْرٌ عِنْدَ ربِّكَ): من مفاخرات الكفار (ثَوَابًا): جزاء (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) مرجعًا، وهذا من قبيل الصيف أحرُّ من الشتاء أي: أبلغ في حره من الشتاء في برده (أَفَرَأَيْتَ) أي: أخبر بقصة (الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا): عقب حديث أولئك (وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا)، وذلك حين تقاضى خباب دَينًا له على العاص بن وائل، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة، ومن كل الثمرات قال: بلى. قال: فإذن موعدك الآخرة أو فيك فيها
стр. 1162
فوالله لأوتين مالاً وولدًا (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ): أعلم علم الغيب حتى عرف أنه في الجنة (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا): أن سيؤتيه ذلك وعن بعضهم معناه أم قال لا إله إلا الله فيرجو بها (كَلا) ردع وردٌّ لما تصوره (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ): نحفظها عليه ونجازيه ألبتَّة فالسين لمجرد التأكيد، أو معناه سنظهر له أنا كتبنا، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا): نطيل مدة عذابه أو نزيده عذابًا فوق العذاب من المدد (وَنَرِثُهُ) أي: نرث منه ولا نرزقه (مَا يَقُولُ): من مال وولد (وَيَأْتِينَا): يوم القيام) (فَرْدًا): لا مال له ولا ولد (وَاتَّخَذُوا) أي: مشركو قريش (مِنْ دُون اللهِ آلِهَةً): يعبدونها (لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا): ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم شفعاء عند الله (كَلا)، ردع لتعززهم بها (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) يجحد الآلهة عبادة المشركين كما قال تعالى: " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " [القصص: ٦٣]، أو سينكر الكفرة عبادة الأوثان كما قال الله تعالى: " والله ربنا ما كنا مشركين " [الأنعام: ٢٣]، (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا): أعداء كما نقل أنهم يقولون: يا رب عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك وتوحيد ضدًا لأنهم كشيء واحد
منصوب بمقدر وهو اذكر أو تقديره يوم نحشر ونسوق نفعل بهم ما لا يحيط به الوصف، أو بلا يملكون (وَفْدًا): وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ): كما يساق البهائم (إِلَى جَهًّمَ وِرْدًا): عطاشا؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ): كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدً) استثناء منقطع أي: لكن من اتخذ عهدًا هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها له الشفاعة، أو ضمير لا يملكون للفريقين والاستثناء المتصل بدل من الضمير (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا): عجيبًا أو عظيمًا منكرًا أو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة [التسجيل] عليهم بالجرأة على الله تعالى [وللتنبيه] على عظيم قولهم (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطرْنَ): يشققن (مِنْهُ) من ذلك القول (وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) أي: تهدُّ هَدًّا أي: تنكسر وتسقط (أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) أي: لأن أو بدل من ضمير منه والدعاء بمعنى التسمية وترك مفعوله الأول للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدًا أو بمعنى النسبة وفي اختصاص الرحمن أن أصول النعم وفروعها منه خلق العالمين وجميع ما معهم فمن أضاف إليه ولدا من نعمه فقد جعله كبعض خلقه ونعمه فحينئذ لا يستحق اسم
стр. 1165
الرحمن (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) أي: ما يتأتى له اتخاذه لأن الولادة لا مقال في [استحالتها] (١) وأما التبني فلا يكون إلا في مجانس وأين للقديم الرحمن مجانس؟! (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) أي: ما منهم إلا وهو مملوك له يأوى إليه بالعبودية (لَقَدْ أَحْصَاهمْ): حصرهم بعلمه وأحاط بهم (وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا): منفردًا عن الأتباع والأنصار كعبد ذليل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا): سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس موادات القلوب وقد صح " إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه فينادى في السماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى. (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) أي يسرنا القرآن عليك حال كونه منزلاً
стр. 1166
بلغتك (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) أشداء الخصومة بالباطل (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) تخويف لهم، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ): هل تشعر بأحد منهم وتراه (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا): صوتًا خفيَّا. اللهم اجعلنا من الوافدين إلى الرحمن لا من الواردين إلى النيران.
* * *
(طه) عن كثير من السلف أن معناه يا رجل بالعبرانية، وعن بعض أنه ﵇ إذا صلى في التهجد قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله طه أي طاء الأرض بقدميك فقلبت همزته هاء. (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى): لتتعب، لما نزل القرآن قام هو ﵇ وأصحابه واجتهدوا في القراءة والعبادة، فقال المشركون: ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت (إِلا تَذْكِرَةً) أي: لكن تذكيرًا فنصبه على الاستثناء المنقطع، وقيل علة لفعل محذوف، أي: وما أنزلناه إلا للتذكير والموعظة، وقيل مصدر في موقع الحال من الكاف أو من القرآن (لِمَن يَخْشَى): لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار (تَنْزِيلًا) أي: نزل تنزيلاً أو مفعول به ليخشى، أي: لمن يخشى تنزيل الله، (مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) جمع العُليا، أي: الرفيعة و " مِنْ " صلة تنزيلاً أو صفة له والالتفات للتعظيم. (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 1169
استَوَى) هو مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق وعلى العرش استوى خبره أو تقديره هو الرحمن، وعلى العرش استوى إما خبر ثان أو تقديره هو على العرش استوى، سئل الشافعي عن الاستواء فأجاب: آمنت بلا تشبيه، وأقمت نفسي في الإدراك وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك. (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا
стр. 1170
تَحْتَ الثرَى): ما تحت سبع أرضين وعن بعضهم هو صخرة تحت الأرض السابعة (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ) أي: بذكر الله ودعائه (فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) أي: فاعلم أنه غني عن جهرك، فإنه يعلم ما تسر في نفسك وَأخفى منه، وهو ما لم تحدث به نفسك بعد، أو ما أسر الرجل إلى غيره وأخفى منه، وهو ما أسر في نفسه فيكون نهيًا عن الجهر، كما قال تعالى: " واذكر ربَّك في نفسك " [الأعراف: هـ ٢٠]، أو معناه، يعلم السر وأخفى منه فكيف ما تجهر به فحينئذ حاصله أنزل من خلق السماوات والأرض القرآنَ ويعلم السر والجهر (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) تأنيث الأحسن.
(وَهَلْ أَتَاكَ): يا محمد (حَدِيثُ مُوسَى): قفّاه بقصته، ليأتم به في تحمل أعباء الرسالة والصبر على الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل (إِذ رَأَى) مفعول لاذكر أو ظرف للحديث (نَارًا): في طريق مصر حيث استأذن شعيبًا في الرجوع إلى مصر لزيارة الوالدة، فخرج بأهله فأضل الطريق في ليلة مظلمة باردة فرأى من جانب الطور نارًا (فقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا): أقيموا مكانكم (إِني آنسْتُ): أبصرت إبصارًا بينًا (نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ): بشعلة منها (أَوْ أَجِدُ عَلَى النارِ
стр. 1171
هُدًى): هاديًا يهديني إلى الطريق (فَلَمَّا أَتَاهَا) أي: النار (نودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي): من قرأ بكسر إنَّ فبإضمار القول أو بإجراء النداء مجرى القول، ومن قرأ بالفتح فتقديره نودي بأني (أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)، فإنهما كانا من جلد حمار ميت غير مدبوغ، أو أمر بالخلع تعظيمًا للوادي. (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، عطف بيان، إن كان اسمًا للوادي وقيل معناه مرتين كثنى فهو مصدر لنودي أو المقدس، وقيل تقديره واطو الأرض بقدميك طوى فهو مصدر كهدى (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ): اصطفيتك للنبوة، (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى): إليك، (إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)، بدل مما يوحى، (وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي): لتذكرني أو عند ذكرك لي، يعني عند ذكر الصلاة، ففي الحديث: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: (وأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي). (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ): لا محالة (أَكَادُ أُخْفِيهَا) عن نفسي أي: وقتها فهو مبالغة في الإخفاء، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود أكاد أخفيها من نفسي، وفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم أو أريد إخفاء وقتها أو أكاد أظهرها فالهمزة للسلب، في بعض القراءات أَخفيها بفتح الهمزة أي
стр. 1172
أظهرها، وقيل أخفيها فلا أقول هي آتية ولولا ما في الإخبار من اللطف لما أخبرت به (لِتُجْزَى) متعلق بـ آتية (كُل نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى): تعمل (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا): عن التصديق بالساعة (مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا) يعني كُنْ شديد الشكيمة حتى لا يؤثر فيك أقوال الكفرة واعتقاداتهم فنهى الكافر والمراد فيه أن ينصد عنها (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ): خالف أمر الله (فَتَرْدَى): فتهلك منصوب على جواب النهي.
(وَمَا تِلْكَ)، الحكمة في السؤال تنبيهه وتيقظه ليرى ما فيه من العجائب (بِيَمِينِكَ) حال من معنى الإشارة، أو صلة لتلك، وهي اسم موصول. (يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ): أعتمد (عَلَيْهَا): عند المشي والإعياء (وَأَهُشُّ): أخبط الورق عن الشجر (بِهَا عَلَى) رؤوس. (غَنَمِي): تأكله، (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ): حاجات، (أُخْرَى): كحمل الماء والزاد بها. قيل: لما أمره الله بخلع النعلين وتركهما تصور عند هذا السؤال إنكار التمسك بها، وأمره بالرفض فبسط الكلام، وقال: أنا محتاج إليها غاية الاحتياج، وعن وهب لما قال الله ألقها ظن موسى أنه يقول ارفضها. (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) أي: نردها عصى كما كانت، منصوب بنزع الخافض، أي: إلى سيرتها، أو
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)
* * *
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي): أفسح ربي قلبى لتحمل أعباء النبوة. (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي): سهل عليَّ أبهم الكلام أولا، وعلم أن [ثَمَّ] مشروحًا وميسرًا، ثم رفع الإبهام بصدري وأمري ففيه تأكيد ومبالغة. (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَاني) هو في صغره كان يومًا في حجر فرعون فأخذ لحيته ولطمه فتشاءم به وأراد قتله، فقالت امرأته: إنه لا يعرف ولا يعقل ونمتحنه، فقربوا إليه جمرتين ولؤلؤتين فتناول جمرتين ووضعهما في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة وأصابه اللثغ، وعن بعض السلف سأل حل عقدة
واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك لأعطي، ولذلك بقي في لسانه شيء من الرتة، ومنها قال فرعون: (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف: ٥٢] (يَفْقَهُوا قَوْلِي): يفهموه هو جواب الأمر (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي) مفعولاه إما وزيرًا أو هارون قدم ثانيها للعناية به أولى ووزيرًا وهارون عطف بيان للوزير، أو وزيرًا ومن أهلى وأخى
стр. 1175
على وجه بدل من هارون أو عطف بيان آخر (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي): ظهري أو قوتي. (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي): في الرسالة ومن قرأ (أَشْدُد وأشْركه) بلفظ الخبر فهما جواب الأمر (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)، فإن التعاون يؤدي إلى تكاثر الخير (إِنَّكَ كنْتَ بِنَا): بأحوالنا (بَصِيرًا)، فأعطنا ما هو الأصلح لنا.
(قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ): مسئولك (يَا مُوسَى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ): بالإنعام، (مَرَّةً أُخْرَى): في وقت آخر (إِذ أَوْحَيْنَا): ألهمنا (إِلَى أُمِّكَ) وقيل: أوحى إليها ملكًا لا على وجه النبوة، أو على لسان نبي في وقتها (مَا يُوحَى): ما لا يعلم إلا بالوحي (أَنِ اقْذِفِيهِ): بأن ألقيه وضعيه. (فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ): بحر النيل (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) جعل البحر كأنه ذو تمييز فأمره وأخرج الجواب مخرج الأمر (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عدو للمبالغة. (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً): كائنة (مِنِّي) قد ركزتها في القلوب، يحبك كل من يراك، أو مني ظرف لـ ألقيت، أي: أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي): لتربى ويحسن إليك بمرأى، ومنظر مني كما يراعى الرجل الشيء بعينيه إذا اعتني به، تقديره ليتعطف عليك ولتصنع، أو تقديره ولتصنع فعلت ذلك (إِذ تَمْشِي) ظرف
стр. 1176
لـ ألقيت أو لتصنع بدل من إذ أوحينا على أن المراد به وقت متسع (أختكَ): مريم (فتَقُولُ): حين ألقاه النيل إلى الساحل وأخذه فرعون وأحبه وكان لا يقبل ثدي أحد من المراضع كما قال تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) [القصص: ١٢]. (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ): فجاءت بأمك فقبلت ثديها. (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا): بلقياك وقد مر اشتقاقه في سورة مريم (وَلا تَحْزَنَ): هي لفراقك قيل أي: لا تحزن أنت على فراقها، قد ذكر أن أمه اتخذت تابوتًا ووضعته فيه، فأرسلته في النيل وأمسكته بحبل، وكانت ترضعه في الليالي ثم ترسله في النيل، لأنه قد ولد في سنة أمر فرعون بقتل الغلمان المولود فيها، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت من يدها فذهب به البحر فاغتمت، وذهب به النيل إلى دار فرعون فالتقطه آل فرعون (وَقَتَلْتَ نَفْسًا) أي: القبطي الذي استغاثه على الإسرائيلي (فَنَجَّيناكَ مِنَ الْغَمِّ): بأن غفر الله لك، وأمنك من القتل. (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا): ابتليناك ابتلاء أو جمع فتن يعني ضروبًا من الفتنة، وهي ما وقع عليه من الواقعات قبل النبوة (فَلَبِثْتَ): مكثت (سِنِينَ)
стр. 1177
أي: عشر سنين (في أَهْلِ مَدْيَنَ): منزل شعيب ﵇ على ثمان مراحل
من مصر. (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ): على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى فيه الأنبياء أو قدر قدرته في علمي (يَا مُوسَى وَاصْطَنَعتكَ لِنَفْسِي): اخترتك لرسالتي وأمري تمثيل لكمال قربه ووفور حبه (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخوكَ بِآيَاتِي): معجزاتي (وَلا تَنِيَا): ولا تقصرا ولا تفترا (فِي ذِكْري)، يعني لا تنسياني وقيل لا تقصرا في تبليغ ذكري ورسالتي (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى): تكبر، أمره بالذهاب وحده أولاً حيث قال: اذهب إلى فرعون وثانيًا: مع أخيه (فقولا لَه قَوْلاً لَيِّنًا): فلا تعنفا في قولكما كي لا تأخذه أنفة (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ): يذعن للحق (أَوْ يَخْشَى): أن يكون الأمر كما تصفان فيجر إنكاره إلى هلاكه يعني: اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ترتب الفائدة على سعيه فيجتهد بطوقه، قيل قبل النصح أولاً ثم أضله هامان (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا): أن يعجل علينا بالعقوبة (أَوْ أَنْ يَطْغَى): يجاوز الحد في الإساءة علينا أو فيك (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا): بالحفظ والعون (أَسْمَعُ): ما يجري بينكم (وَأَرَى): لست بغافل عنكما (فَأْتِيَاهُ): فأتياه مكثا في بابه حينًا طويلاً قيل: سنتين حتى أذن لهما (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ
стр. 1178
فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ): خل عنهم وأطلقهم (وَلَا تُعَذِّبْهُمْ): بالأعمال الشاقة (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ): ببرهان ومعجزة على رسالتنا (وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي: السلامة من عذاب الله عليه (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ): الرسل (وَتَوَلَّى): وأعرض عنهم، ومن لين المقال أنه ما قال: إن العذاب عليك إن كذبت وتوليت (قَالَ): بعدما أتياه، وقالا ما أُمرا به (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)، خص موسى بالنداء لأنه المتكلم، أو لأنه عرف أنه الأصل وهارون ممده، أو لما علم أن له رتة، ولهارون فصاحة حمله خبثه على ذلك (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ): صورته وشكله اللائق به (ثُمَّ هَدَى): هداه إلى منافعه وأعطى كل حيوان نظيره وزوجه ثم هداه كيف يأتي الذكر الأنثى، وقيل أي: أوجد الأشياء وقدر الأرزاق والآجال والأعمال، ثم الخلائق ماشون على قدر لا يقدر أحد عن الخروج منه، كما قال: (والذي قدَّرَ فهدى) [الأعلى: ٣]، وقيل أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى استعماله وعلى هذا خلقه مفعوله الأول، ولما كان الجواب بليغًا جامعًا مفحمًا بهت فلم ير إلا صرف الكلام عن الطريق الأول (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى): ما حالهم مع أن أكثرهم عابدو الأصنام. (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ ربي): أعمالهم محفوظة عنده (فِي كِتَابٍ): اللوح المحفوظ (لَا يَضِلُّ رَبِّي): لا يخطيء شيئًا. (وَلَا يَنْسَى): ولا يذهب عنه ويجازيهم أو لا يضل ربي الكافر حتى ينتقم منه ولا ينسى الموحد حتى يجازيه أو لما سأل عن سعادتهم وشقاوتهم
стр. 1179
أحال علمه إلى الله فكأنه قال: لا أعلم حالهم (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا): كالمهد، (وَسَلَكَ): حصل (لَكُمْ فِيهَا سُبُلا): تسلكونها (وَأَنزَلَ مِنَ السمَاءِ ماءً) أي: المطر (فَأَخْرَجنا بِهِ) قيل: تم كلام موسى وهذا من كلام الله، وقيل: من تمام كلام موسى لكن عدل إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيهًا على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال قدرته، وإيذانًا بأنه مطاع تذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، ويمكن أن يكون كلام موسى، فأخرج بصيغة الغيبة لكن لما حكى الله قوله حكاه لفظًا بلفظ حتى انتهى إلى قوله: " فأخرجنا " غير الأسلوب إلى التكلم تنبيهًا على عظم قدره، وأنه أمر لا يدخل تحت قدرة غيره (أَزْوَاجًا): أصنافًا (مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى)؛ مفترقات جمع شتيت والنبات مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع فلهذا جاز وصفه بـ شَتَّى التي هي جمع وقيل شيء صفة أزواجًا (كُلُوا) أي: فأخرجنا قائلين كلوا (وَارْعَوْا أَنعَامَكُمْ) أي كلوا أنتم من النبات وأسرحوا أنعامكم فيها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) ذوي العقول الناهية عن القبائح.
* * *
(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ
قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
* * *
(مِنْهَا): من الأرض (خَلَقْنَاكُمْ): فإن أب الكل منها وعن بعض الملك يأخذ من تراب الأرض الذي قدر أن يدفن فيها فيذره على النطفة فيخلق منها (وَفيهَا نُعِيدُكُمْ): بالموت (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ): يوم البعث (تَارَةً أُخْرَى).
(وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا) أي: الآيات التي ظهرت على يد موسى (فَكَذَّبَ): الآيات وقال إنَّهَا سحر، (وَأَبَى): قبولها (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى): فيبقى لك ديارنا (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ): مثل سحرك (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا) اسم مكان أو زمان (لا نُخْلِفُهُ) جعل المكان أو الزمان مخلفًا على الاتساع كيوم شهدناه (نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا) بدل من الموعد على الأول، وظرف لـ لا نخلفه على الثاني، وقيل مفعول أول لـ اجعل (سُوًى) منصفًا يستوى مسافته
стр. 1182
إلينا وإليك أو عدلاً أو مستوىً يتبين الناس وما فيه فيه، (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ): يوم عيد لهم، وعن ابن عباس ﵁ يوم عاشوراء إذا كان الموعد اسم زمان فهو ظاهر، وأما إن كان اسم مكان فهو كما تقول يوم عرفة في جواب أين أراك؟ أي: في عرفة فإن له مكانًا معينًا معروفًا (وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ)، عطف على اليوم والزينة (ضُحًى): في وقت الضحوة جهارًا في محضر الخلائق ليتضح الحق على رءوس الأشهاد ويشتهر، (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ) هو كما تقول ذهب يفعل كذا أي شرع فيه (فَجَمَعَ كَيْدَهُ): ما يكاد به من السحرة وآلاتها (ثُمَّ أَتَى): الموعد (قَالَ لَهُمْ): للسحرة (مُوسَى) وفي عددهم اختلاف كثير قيل سبعون رجلاً، وقيل ثمانون ألفًا أو ثلاثون أو تسعة عشر ألفًا، أو خمسة عشر ألفًا، أو اثنا عشر ألفًا (وَيْلَكُمْ لا تَفتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا)، بأن تخيلوا للناس ما لا حقيقة له، فتقولوا إنه مخلوق لله وأن تدعوا معجزاته سحرًا أو تدعوا له ندا (فَيُسْحِتَكُمْ): يستأصلكم (بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ): خسر (مَنِ افْتَرَى): على الله (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) أي: تشاجر السحرة سرًّا من فرعون في أمرهم فقائل منهم يقول ليس هذا بساحر إنما هو كلام نبي وقائل يقول بل هو ساحر (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) أي: تناجوا فيما بينهم (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، تفسير لـ أَسَرُّوا النَّجْوَى وهذا من اسم إن لغة من يجعل التثنية غير مختلف في الرفع والنصب والجر، أو تقديره أنه هذان لساحران (١) (يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِن أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتكُم الْمُثْلَى): بملككم وعيشكم الذي أنتم فيه أو بأشراف قومكم أو بدينكم الذي هو أمثل الأديان، (فأَجْمِعوا كَيْدَكُمْ) أي: أحكموا واعزموا كلكم على كيدهما مجتمعين لهما (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا): مصطفين فإنه أهيب في عين الرائين، وهذا قول بعض السحرة لبعضهم (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى): فإن
стр. 1183
من غلب، (قَالُوا يَا مُوسَى)، بعدما جمعوا كيدهم وأتوا، (إِمَّا أَن تُلْقِيَ): عصاك أولاً، (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى)، ما بعد أن منصوب بمحذوف أي: اختر إلقاءك أو إلقاءنا أو مرفوع أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. (قَالَ بَلْ أَلْقُوا)، قيل: لما علم ميلهم إلى البدء أمرهم به وليشعر علية تغيير نظمهم عن إما أن تلقي إلى أو أن نكون أول من ألقى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ)، إذا للمفاجأة أي: فألقوا فإذا حبالهم (وَعِصِيُّهُمْ)، جمع عصى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)، وتحريكها ما كان إلا بحيلة وحاصل الكلام فألقوا ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ومن قرأ تخيل بالتاء فقوله: أنها تسعى بدل اشتمال من ضميره الراجع إلى الحبال والعصي قيل لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليهما الشمس اضطربت. (فَأَوْجَسَ): أضمر (فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى): من أن يلتبس الأمر على القوم فلا يتبعونه وقيل من: طبع البشرية ظن أنها تقصده (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)، وهذا مشعر ومؤيد للوجه الأول، وإلا فالمناسب أن يقال لا تخف إنك آمن (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ) لم يقل عصاك تحقيرًا لها أي العويدة التي في يدك ولا تبال بعصيهم (تَلْقَفْ) تبتلع جواب الأمر وقراءة تلقف بالرفع أي: تتلقف فبالحال أو الاستئناف. (ما صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا) أي: إن الذي زوروا (كَيْدُ سَاحِرٍ)، وحد الساحر لأن المراد به الجنس، وقراءة سِحْرٍ كعِلْمُ فِقْهٍ بأن الإضافة للبيان أو جعل الساحر سحر للمبالغة (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى): حيث كان (فأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا)
стр. 1184
أي: ألقى موسى عصاه فتلقفت فألقى ذلك السحرة على وجوههم ساجدين لله (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَموسَى)، وعن بعض لما سجدوا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها (قَالَ) فرعون: (آمَنتمْ به) أي: لموسى واللام لتضمين معنى الاتباع (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكمْ): في اتباعه (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ): أستاذكم (الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) أي: مختلفات من اليد اليمني ومن الرجل اليسرى، ومن للابتداء، فإن القطع ناشئ من مخالفة العضو العضو. أي: من وضع المخالفة فقد لابس المخالفة أيضًا وقيل من أجل خلاف ظهر منكم (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي: عليها شبه تمكن المصلوب بالجذوع [بتمكن] المظروف بالظرف، فقال: في جذوع (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا): أنا أو موسى وأراد به الهزء فإنه لم يكن من التعذيب في شيء وقيل أينا أي؛ أنا أو رب موسى الذي آمنتم به (أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَن نُؤْثِرَكَ): نختارك، (عَلَى مَا جَاءَنَا) الضمير لما (مِنَ الْبَيِّنَاتِ): المعجزات (وَالَّذِي فَطَرَنَا)، عطف على ما جاءنا وقيل قسم (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) أي: قاضيه يعني اصنع ما تصنع (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَ) أي: إنما لك تسلط في دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل، وأمر بتعليم
стр. 1185
السحر لهم كارهين، وهم الذين قالوا ذلك، وقيل لما رأى السحرة عصاهُ يحرس موسى وهو نائم قالوا لفرعون: إن هذا ليس بساحر فأبى إلا المعارضة (وَاللهُ خَيْرٌ): جزاءً أو لنا منك (وَأَبْقَى) عقابًا أو لنا فإنك فانٍ. (إِنَّهُ) الضمير للشأن (مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا): بأن يموت كافرًا (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا): فيستريح (وَلَا يَحْيَى): حياة مرضية وهذه الجملة إما من تمام قول السحرة وإما ابتداء كلام من الله، وفي مسلم وغيره وإما أناس تصيبهم النار بذنوبهم، وليسوا من أهلها فيميتهم إماتة حتى يصيروا فحمًا يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) وفي مسند أحمد والترمذي: قال ﵇: " في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة " (جَنَّاتُ
(يَبَسًا) أي: طريقًا يابسًا (لا تَخَافُ دَرَكًا) أي: من أن يدركك فرعون حال من ضمير فاضرب، أو صفة ثانية لطريقًا، أي: طريقًا لا تخاف ديه (وَلَا تَخْشَى)، من قرأ لا تخفْ بالجزم فلا تخشى إما استئناف، أي: وأنت لا تخشى، أو عطف على لا تخف والألف زائدة للفاصلة كالظنونا (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) حين أسرى موسى ببني إسرائيل من مصر، وثاني مفعوليه محذوف، أي: أتبعهم فرعون نفسه متلبسًا بجنوده أو الياء صلة، أي: أتبعهم جنوده وقيل أتبع بمعنى اتبع (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ): في هذا الإبهام من التفخيم ما لا يخفى (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى): رد عليه حيث قال: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) [غافر: ٢٩] (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)، خطاب لهم بعد إهلاك فرعون على إضمار قلنا (قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) لمناجاة نبيكم، وإنزال التوراة عليكم (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) شيء مثل الترنجبين من السماء ينزل عليهم (وَالسَّلْوَى): طائر يسقط عليهم فيأخذون بقدر الحاجة، وذلك في التيه (كُلُوا) أي: قائلين كلوا (مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ): من لذائذه أو حلالاته (وَلا تَطْغَوْا فِيهِ): بأن تكفروا نعمتي فتنفقوا في معصيتي ولم تشكروا (فَيَحِل عَلَيْكُمْ): يلزمكم، ومن قرأ يَحُلَّ فمعناه ينزل (غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى): هلك، وعن ابن
стр. 1188
عباس في جهنم قصر يرمى الكافر من أعلاه فيهوى أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: (فَقَدْ هَوَى)، (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ): عن الشرك، (وَآمَنَ): بما يجب الإيمان به، (وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمً اهْتَدَى): استقام على الطريق المستقيم (وَمَا أَعْجَلَكَ) سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها، وهو مبتدأ أو خبر (عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسى قَالَ)، وذلك حين اختار سبعين رجلاً من قومه فذهبوا إلى الطور للمناجاة وأخذ التوراة، فعجل من بينهم شوقًا إلى ربه، وتقدم وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل قال مجيبًا لربه: (هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) أي: هم بالقرب مني " وعلى أثرى " إما حال أو خبر بعد خبر، (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى): لتزدد عني رضا فإن المسارعة إلى امتثال الأمر أمثل، (قَالَ) الله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) الذين خلفتهم مع هارون، وهم ستمائة ألف إلا السبعين الذين اختارهم للمناجاة (مِنْ بَعْدِكَ): بعد خروجك (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ): بأن دعاهم إلى عبادة العجل بعد اتخاذهم (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ): بعد أخذ التوراة (غَضْبَانَ):
стр. 1189
عليهم (أَسِفًا) الأسِفُ الشديد الغضب أو الحزين، (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) بأن يعطيكم التوراة، ووعدكم على لساني خير الدارين (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) أي: الزمان في انتظار ما وعدكم الله (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ) يجب (عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) أي: وعدكم إياي بالثبوت على الدين واتباع هارون (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا): عن قدرتنا واختيارنا، ولو لم يسول لنا السامري لما أخلفناه (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا): حمالاً، (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ): من حلي القبط (فَقَذَفْنَاهَا): في النار وذلك أنَّهم لما خرجوا من مصر كانت معهم ودائع من حلي آل فرعون، فقال هارون: " لا يحل لكم الوديعة، ولسنا برآدين إليهم "، فأمرهم أن يقذفوها في حفيرة ويوقد عليها النار، فلا تكون الودائع لنا ولا لهم أو أمرهم بذلك ليصير الحلي كحجر واحد حتى يرى فيها موسى حين رجوعه
стр. 1190
ما يشاء، وقيل الآمر بذلك السامري لا هارون (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) أي: أراهم أنه أيضًا ألقى حليًّا في يده وإنما ألقى التربة التي أخذها من تربة حافر فرس جبريل (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا): من تلك الحلي المذاب، (لَهُ خُوَارٌ): صوت العجل عن ابن عباس، لا والله ما كان له صوت، وليس له روح إنما كانت تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، والصوت من ذلك (فقالُوا) أي: السامري والضلَّال منهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) أي: فنسيه موسى هاهنا، وذهب يطلبه، أو فنسي أن يذكركم أن هذا إلهكم أو فنسى السامري ما كان عليه من الإسلام وتركه (أَفَلا يَرَوْنَ)، من كلام الله ردًّا عليهم، وبيانًا لسخافة رأيهم (أَلَّا يَرْجِع) أي: أنه لا يرجع (إِلَيْهِمْ قَولاً): لا يجيبهم، ولا يكلمهم (وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا): لا يقدر على إضرارهم وإنفاعهم أو على دفع ضرهم، وإيصال نفعهم.
* * *
(وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي
رجع: (يَا هَارُون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا): بعبادة غير الله (أَلَّا تَتَّبِعَنِ) أي: عن أن تأتي عقبي فتخبرني عن ما أحدثوا، أو عن أن تتبعني في الغضب لله، والمقاتلة معهم، ولا مزيدة على الوجهين نحو (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) [الأعراف: ١٢]، (أَفعَصيْتَ أَمْرِي)، حيث وصيتك أخلفني ولا تتبع سبيل المفسدين، فرضيت، وسكنت وسكت (قَالَ) هارون: (يَبْنَؤُمَّ) ذكر الأم مع أنهما أخوان من أبوين، لأن ذكرها أرق وأبلغ في الحنو، (لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) أي: بشعره فإنه كان ﵇ شديد الغضب لله متصلبًا لم يتمالك حين رآهم مشركين (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: خشيت لو فارقتهم ليتفرقوا، وخشي بها لو قاتلتهم لصاروا أحزابًا مقاتلين بعضهم بعضًا، (وَلَمْ تَرْقبْ قَوْلِي) حين قلت اخلفني في قومي وأصلح أي: ارفق بهم (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)، ثم أقبل إليه، وقال له منكرًا ما طلبك له، وما شأنك، وما الذي حملك عليه (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ): علمت، وفطنت ما لم يعلموه، ولم يفطنوا له (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً) أي: مرة من القبض أطلق على المقبوض (مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) أي: من تربة موطئ فرس جبريل، (فَنَبَذْتُهَا): ألقيتها في الحلي المذاب نقل أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادته في نفسه، فلما رأى جبريل حين جاء لهلاك فرعون أخذ قبضة من أثر فرسه وألقى في روعه إنك إن ألقيتها في شيء فقلت له كن فكان، وعن بعض أخذ التراب حين جاء جبريل ليذهب بموسى إلى المناجاة (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ): زينت، (لِي نَفْسِي قَالَ): موسى له، (فَاذْهَبْ فَإِن لَكَ فِي الْحَيَاةِ): ما دمت حيًّا، (أَنْ تَقُولَ): مع كل من جاء إليك (لا مِسَاسَ)
стр. 1193
لا ما دمت حيًّا، (أَنْ تَقُولَ): مع كل من جاء إليك (لا مِسَاسَ) لا مخالطة بوجه فتكون وحشيًّا نافرًا منفردًا فإنه إذا اتفق أن يماس أحدًا حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا): لعذابك (لَنْ تُخْلَفَهُ): لن يخلفك الله وينجزه لك ألبتَّة، ومن قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفًا (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ): ظللت بحذف اللام الأولى (عَلَيْهِ عَاكِفًا): مقيمًا على عبادته (لَنُحَرِّقَنَّهُ): بالنار فإنه صار لحمًا ودمًا أو بالمبرد فهو مبالغة في حرقه إذا برد بالمبرد (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ): لنذرينه رمادًا أو مبرودًا (فِي الْيَمِّ نَسْفًا): وقد ذكر أنه لم يشرب أحد ممن عبده من ذلك الماء إلا اصفر وجهه كالذهب، (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)، نصبه بالتمييز أي: وسع علمه كل شيء لا العجل الذي هو مثل في الغباوة، ولو كان حيًّا (كَذَلكَ): مثل ذلك الاقتصاص (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ): أخبار، (مَا قَدْ سَبَقَ): من الأحوال تبصرة لك، وتنبيهًا (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا): ذِكْرًا كتابًا مشتملاً على ذكر أمور محتاج إليها، (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ): فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه (فَإِنَّهُ)، الضمير للشأن (يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا): عقوبة ثقيلة، (خَالِدِينَ فيْهِ): في الوزر، وإفراد أعرض وجمع خالدين نظرًا إلى اللفظ والمعنى (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا): ساء بمعنى بئس، وفيه ضمير مبهم يفسره حملا، والمخصوص بالذم محذوف أي: ساء حملا
стр. 1194
وزرهم واللام كهيت لك للبيان (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ) أي: المشركين (يَوْمَئِد زُرْقًا): زرق العيون قبيح المنظر وقيل: عميًا فإن حدقة الأعمى تزرق (يَتَخَافَتُونَ): يتشاورون، (بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ): ما لبثتم في الدنيا (إِلَّا عَشْرًا): عشر ليال استقصروا مدة مكثهم فيها مع أنَّهم آثروها على الباقى الدائم فتأسفوا عليها، وقيل: المراد مدة مكثهم في القبر أو مرادهم ما بين النفختين وهو أربعون سنة يرفع عنهم العذاب في تلك المدة استقصروها لهول ما عاينوا من القيامة (نَحْنُ أَعْلَمُ): منهم، (بِمَا يَقُولُونَ): في حال تناجيهم، (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً): أعدلهم رأيًا وقولاً (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا).
* * *
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)
стр. 1195
فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)
* * *
(وَيَسْأَلُونَكَ): يا محمد (عَنِ الْجِبَالِ): هل تبقى يوم القيامة أو تزول، (فَقُلْ يَنسِفُهَا): يقلعها من أصلها (رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا): يدع أماكنها ومقارها من الأرض، (قَاعًا). منبسطًا من الأرض (صَفْصَفًا): ملساء منصوبان بالحال، (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا): اعوجاجًا قليلاً لا يدرك إلا بالقياس (وَلَا أَمْتًا): نتوءًا أي: لا واديًا ولا رابية (يَوْمَئِذٍ): يوم إذ نسفت (يَتَّبِعونَ الدَّاعِيَ): حيث ما أمرهم بادروا إليه أو الداعي إلى المحشر (لا عِوَجَ لَه): لا يعوج له مدعوٌّ ولا يعدل عنه (وَخَشَعَت): سكنت أو خفضت (الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ): لمهابته، (فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا): صوت وطء أقدامهم إلى المحشر أو صوتًا خفيًّا (يَوْمَئذٍ لا تَنْفَعُ الشفَاعَةُ إِلا): شفاعة (مَنْ أَذِنَ له الرَّحْمَن)، أو لا تنفع الشفاعة