← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) * * * (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ): قبل رجوع موسى، (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فتِنتمْ بهِ): ابتليتم بالعجل، (وَإِن ربَّكُمُ الرَّحْمَنُ): لا العجل، (فَاتَّبعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي): في الثبات على الدين (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ): لن نزال (عَلَيْهِ) على العجل بأن نعبده (عَاكفِينَ): مقيمين (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ): موسى بعدما

стр. 1192

رجع: (يَا هَارُون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا): بعبادة غير الله (أَلَّا تَتَّبِعَنِ) أي: عن أن تأتي عقبي فتخبرني عن ما أحدثوا، أو عن أن تتبعني في الغضب لله، والمقاتلة معهم، ولا مزيدة على الوجهين نحو (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) [الأعراف: ١٢]، (أَفعَصيْتَ أَمْرِي)، حيث وصيتك أخلفني ولا تتبع سبيل المفسدين، فرضيت، وسكنت وسكت (قَالَ) هارون: (يَبْنَؤُمَّ) ذكر الأم مع أنهما أخوان من أبوين، لأن ذكرها أرق وأبلغ في الحنو، (لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) أي: بشعره فإنه كان ﵇ شديد الغضب لله متصلبًا لم يتمالك حين رآهم مشركين (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: خشيت لو فارقتهم ليتفرقوا، وخشي بها لو قاتلتهم لصاروا أحزابًا مقاتلين بعضهم بعضًا، (وَلَمْ تَرْقبْ قَوْلِي) حين قلت اخلفني في قومي وأصلح أي: ارفق بهم (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)، ثم أقبل إليه، وقال له منكرًا ما طلبك له، وما شأنك، وما الذي حملك عليه (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ): علمت، وفطنت ما لم يعلموه، ولم يفطنوا له (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً) أي: مرة من القبض أطلق على المقبوض (مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) أي: من تربة موطئ فرس جبريل، (فَنَبَذْتُهَا): ألقيتها في الحلي المذاب نقل أن السامري كان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادته في نفسه، فلما رأى جبريل حين جاء لهلاك فرعون أخذ قبضة من أثر فرسه وألقى في روعه إنك إن ألقيتها في شيء فقلت له كن فكان، وعن بعض أخذ التراب حين جاء جبريل ليذهب بموسى إلى المناجاة (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ): زينت، (لِي نَفْسِي قَالَ): موسى له، (فَاذْهَبْ فَإِن لَكَ فِي الْحَيَاةِ): ما دمت حيًّا، (أَنْ تَقُولَ): مع كل من جاء إليك (لا مِسَاسَ)

стр. 1193

لا ما دمت حيًّا، (أَنْ تَقُولَ): مع كل من جاء إليك (لا مِسَاسَ) لا مخالطة بوجه فتكون وحشيًّا نافرًا منفردًا فإنه إذا اتفق أن يماس أحدًا حم الماس والممسوس فتحامى الناس وتحاموه (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا): لعذابك (لَنْ تُخْلَفَهُ): لن يخلفك الله وينجزه لك ألبتَّة، ومن قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفًا (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ): ظللت بحذف اللام الأولى (عَلَيْهِ عَاكِفًا): مقيمًا على عبادته (لَنُحَرِّقَنَّهُ): بالنار فإنه صار لحمًا ودمًا أو بالمبرد فهو مبالغة في حرقه إذا برد بالمبرد (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ): لنذرينه رمادًا أو مبرودًا (فِي الْيَمِّ نَسْفًا): وقد ذكر أنه لم يشرب أحد ممن عبده من ذلك الماء إلا اصفر وجهه كالذهب، (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)، نصبه بالتمييز أي: وسع علمه كل شيء لا العجل الذي هو مثل في الغباوة، ولو كان حيًّا (كَذَلكَ): مثل ذلك الاقتصاص (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ): أخبار، (مَا قَدْ سَبَقَ): من الأحوال تبصرة لك، وتنبيهًا (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا): ذِكْرًا كتابًا مشتملاً على ذكر أمور محتاج إليها، (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ): فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه (فَإِنَّهُ)، الضمير للشأن (يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا): عقوبة ثقيلة، (خَالِدِينَ فيْهِ): في الوزر، وإفراد أعرض وجمع خالدين نظرًا إلى اللفظ والمعنى (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا): ساء بمعنى بئس، وفيه ضمير مبهم يفسره حملا، والمخصوص بالذم محذوف أي: ساء حملا

стр. 1194

وزرهم واللام كهيت لك للبيان (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ) أي: المشركين (يَوْمَئِد زُرْقًا): زرق العيون قبيح المنظر وقيل: عميًا فإن حدقة الأعمى تزرق (يَتَخَافَتُونَ): يتشاورون، (بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ): ما لبثتم في الدنيا (إِلَّا عَشْرًا): عشر ليال استقصروا مدة مكثهم فيها مع أنَّهم آثروها على الباقى الدائم فتأسفوا عليها، وقيل: المراد مدة مكثهم في القبر أو مرادهم ما بين النفختين وهو أربعون سنة يرفع عنهم العذاب في تلك المدة استقصروها لهول ما عاينوا من القيامة (نَحْنُ أَعْلَمُ): منهم، (بِمَا يَقُولُونَ): في حال تناجيهم، (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً): أعدلهم رأيًا وقولاً (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا). * * * (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)

стр. 1195

فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) * * * (وَيَسْأَلُونَكَ): يا محمد (عَنِ الْجِبَالِ): هل تبقى يوم القيامة أو تزول، (فَقُلْ يَنسِفُهَا): يقلعها من أصلها (رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا): يدع أماكنها ومقارها من الأرض، (قَاعًا). منبسطًا من الأرض (صَفْصَفًا): ملساء منصوبان بالحال، (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا): اعوجاجًا قليلاً لا يدرك إلا بالقياس (وَلَا أَمْتًا): نتوءًا أي: لا واديًا ولا رابية (يَوْمَئِذٍ): يوم إذ نسفت (يَتَّبِعونَ الدَّاعِيَ): حيث ما أمرهم بادروا إليه أو الداعي إلى المحشر (لا عِوَجَ لَه): لا يعوج له مدعوٌّ ولا يعدل عنه (وَخَشَعَت): سكنت أو خفضت (الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ): لمهابته، (فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا): صوت وطء أقدامهم إلى المحشر أو صوتًا خفيًّا (يَوْمَئذٍ لا تَنْفَعُ الشفَاعَةُ إِلا): شفاعة (مَنْ أَذِنَ له الرَّحْمَن)، أو لا تنفع الشفاعة

стр. 1196

أحدًا إلا من أذن في أن يشفع له (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا): رضي الله قوله عن ابن عباس يعني من قال لا إله إلا الله، أو رضى قوله لأجله أو رضي لمكانته عند الله قوله في الشفاعة،

стр. 1197

(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): ما تقدمهم من الأحوال، (وَمَا خَلْفَهُمْ): ما يستقبلون يعني أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا): لا يحيط علمهم بمعلومات الله أو الضمير للموصول (وَعَنَتِ) خضعت وذلَّت، (الْوُجُوهُ): وجوه العالمين (لِلْحَيِّ): الذي لا يموت (الْقيومِ): الذي هو قيم كل شيء، (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا): من أشرك بالله فإن الشرك لظلم عظيم (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ): بعض الطاعات (وَهُوَ مُؤْمِنٌ): إذ الإيمان شرط صحة الطاعة (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا): بأن يزاد على سيئاته، (وَلا هَضمًا): بأن ينقص من حسناته، (وَكَذَلِكَ) أي: مثل ذلك الإنزال عطف على كذلك نقص، (أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا): كررنا، (فِيه مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): من المعاصي أي ليكونوا بحيث يرجى منهم التقوى، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُم): القرآن (ذِكْرًا): عظة واعتبارًا بذكر العقاب للأمم الماضية فيشغلهم عن المعاصي (فَتَعَالَى اللهُ): جل الله في ذاته

стр. 1198

وصفاته، (الْمَلِكُ): الذي جميع الكائنات تحت سلطانه، (الْحَقُّ): وعده ووعيده، أو الثابت في ذاته وصفاته، (وَلا تَعْجَلْ بالْقُرْآنِ) أي: بقراءته (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيهُ) أي: لا تقرأه حين يقرأ جبريل، بل أنصت فإذا أتم قراءته عليك فاقرأه بعده، وعن بعض: لا تبلغ، ولا تمله على أصحابك حتى يتبين لك معانيه (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا): بالقرآن ومعانيه، (وَلَقَدْ عَهدنَا إِلَى آدَمَ): أمرناه، يقال في وصايا الملوك وأوامرهم عهد إليه، وعزم عليه، (مِنْ قَبْلُ): قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدى فكذبوك (فَنَسِيَ) أي: وصيناه أن لا يقرب الشجرة فترك ما وصى به، وقيل: لم يعتني بالعهد حتى غفل عنه، (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمً): تصميم رأى حيث أطاع عدوه، والوجود إن كان بمعنى العلم فله عزمًا مفعولاه، وإن كان بمعنى الوجود المناقض للعدم فله إما ظرف لغو، أو حال من عزمًا. * * * (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)

стр. 1199

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) * * * (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) أي: اذكر حاله في ذلك الوقت حتى تعلم أنه ترك المأمور ولم يَكن ذَا عَزم، (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)، مستأنفة أي: أظهر الإباء واستكبر (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) يعني: كونا على وجه لا يؤثر فيكما غوايته (مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى): فتتعب في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد بلا كلفة، وأسند الشقاءَ إليه وحده لأن طلب الرزق على الرجل، (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا)، من قرأ أنك بالفتح فهو عطف على أن لا تجوع قال أبو البقاء: تقع أن المفتوحة معمولة للمكسورة لما فصل بينهما، نحو: إن عندنا أن زيدًا منطلق، وعلى أي حال جاز في المعطوف عليه ما لا يجوز في المعطوف (وَلَا تَضْحَى): لا تصيبك الشمس وأذاها (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) أي: شجرة من أكل منها صَار مخلدًا لا يموت (وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى): لا يزول، (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا) أي: أخذا يلزقان على سوآتهما للتسَتر (مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) عن ابن عباس ذَاك ورق التين، (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ): بأن خالف أمره، (فَغَوَى): أخطأ طريق الحق، ولم ينل مراده، ويجوز أن يقال " وعصى آدم " ولا يجوز أن يقال آدم عاصٍ لأنه لا يقال عاص إلا لمن اعتاد العصيان كما لا يقال من خاط ثوبه مرة خيَّاط (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ): اصطفاه، (فَتَابَ عَلَيْهِ): قبل توبته (وَهَدَى): هداه إلى الثبات على التوبة (قَالَ) الله: (اهْبِطَا

стр. 1200

مِنْهَا): من الجنة والهبوط النزول إلى الأرض (جَميعًا)، لما كانا أصلي البشر خاطبهما مخاطبتهم (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ): متعادين بالحسَد وأنواع العداوات (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى): كتاب ورسول (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ): في الدنيا، (وَلا يَشقَى): في الآخرة الشرط الثاني مع جوابه جواب للشرط الأَول، وما مزيدة أكدت به " إن " التي للشك وعلم منه أن إرسال الرسل غيرٍ واجب عقلاً، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي): عن اتباع القرآن، (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)، المراد عذاب القبر، وقد وَرد أن المعيشة الضنك أنه يسلط عَليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة أو في الدنيا بأن لا طمأنينة له فلا يزال في نصب من خوف القلة وما برح في تعب من هم إلا زيد في الدنيا أخذت بمجامع همه أو في النار، والضنك الضيق مصدر وصف به يستوى فيه المذكر والمؤنث (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى): أعمى البصر أو لا حجة له (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ): مثل ذلك فعلت أنت ثم فسره فقال: (أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا): َ تركتها وأعرضت عنها، (وَكَذَلكَ): مثل تركك إياها (الْيَوْمَ تُنْسَى): تترك على عماك (وَكَذَلكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ): في مخالفة الله، (وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّه وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ): من ضنك العيش، (وَأَبْقَى) قيل: معناه عذاب الآخرة بعد العمى، وهو النار أشد وأبقى (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ)، فاعل " يهْد " جملة " كم أهلكنا "

стр. 1201

بواسطة مضمونها أي كثرة إهلاكنا لأن كم لا يعمل فيه ما قبله أو فاعله ضمير لله، والجملة في تأويل المفعول أي: أفلم يبين الله لهم مضمون هذه الجملة، وعند البصريين فاعله مضمر يفسره كم أهلكنا (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ)، والحال إنهم [يترددون في] مساكنهم الخالية حين سفرهم إلى الشام فإن ديار ثمود ولوط بين الشام ومكة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى): لذوى العقول الناهية عن التغافل والتعامي. * * * (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥) * * * (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ): حكم بتأخير عذابهم، (لَكَانَ لِزَامًا): لكان العذاب لازمًا لهم كما لزم الكفار الماضين، وهو مصدر لازم وصف به (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) عطف على كلمة أي لولا أجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم، والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب، وقيل عطف على ضمير كان أي: لكان العذاب العاجل وأجل مسمى لازمين لهم، (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) المراد

стр. 1202

من التسبيح الصلاة، وقيل على ظاهره، وبحمد ربك في موضع الحال (قَبْلَ طُلُوع الشَّمْس): الصبح، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا): العصر، وقيل الظهر والعصر (وَمِنْ آناء الليلِ): ساعاته (فسَبِّحْ) أي: التهجد أو المغرب والعشاء، وتقديم من آناء الليل لاختصاصه بمزيد مزية فإن أفضل الطاعات أحمزها والليل للاستراحة، والنفس فيه مولعة إلى النوم والعبادة فيه أبعد من الرياء (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) يعني: التطوع في أجزاء النهار كالتهجد في آناء الليل أو صلاة الظهر فإنها نهاية النصف الأول وبداية النصف الأخير (لَعَلَّكَ تَرْضَى) أي: سبح في تلك الأوقات طمعًا في أن تنال ما به رضاك من المقام المحمود (وَلا تَمُدَّنَّ): نظر، (عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ): نظر استحسان وغبطة، (أَزوَاجًا منهُمْ): أصنافًا من الكفرة، وقيل منهم مفعول متعنا، و " أزواجًا " حال من ضمير به (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): زينة وبهجة زائلة، نصب على الضم نحو، أتاني زيد الفاسق، أو ثاني مفعوليَ متعنا لتضمن معنى الإعطاء (لِنَفْتنَهُمْ): نختبرهم، (فيهِ) أو لنجعل ذلك فتنة وبلاء لهم لأن يمدوا في طغيانهم (وَرِزْقُ رَبِّكَ): في المعاد أو ما رزقك من العلم والنبوة (خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأْمُرْ أَهْلَكَ): أهل بيتك أو أمتك (بالصَّلاةِ)، ولا تهتموا بأمر المعيشة (وَاصْطَبِرْ): وداوم، (عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا): أَن ترزق أحدًا (نَحْنُ نَرْزُقُكَ)، ففرغ بالك للصلاة وفي الحديث إذا أصابه ﵇ خصاصة نادى أهله: " يا أهلاه صلوا وصلوا وفي الحديث القدسي: " يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ

стр. 1203

صدرك غنى وأسد فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك " (وَالْعَاقِبَةُ): المحمودة، (لِلتَّقْوَى): لذويه قد نقل أنها نزلت لما استسلف ﵇ من يهودي فأبى إلا برهنٍ فضاق صدره الأشرف (وَقَالُوا) المشركون: (لوْلا): هلا، (يَأتينَا): محمد، (بِآيَةٍ): دالة على رسالته، (مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)، وهي القرآن المعجز الذي هو أعظم المعجزَات المهيمن على سائر الكتب السماوية فإن القرآن معجز دون سائر الكتب ظهر على يد أُميِّ لا يعرف القراءة والكتابة، ولا يدارس أهلهما ﷺ (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ): محمد، أو القرآن، (لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ): بعذاب الدنيا (وَنَخْزَى): بعذاب الآخرة (قُلْ كُلٌّ) أي: كل واحد منا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ): منتظر دوائر الزمان على صاحبه، (فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ): المستقيم، (وَمَنِ اهْتَدَى): إلى الحق " من " في الموضعين للاستفهام مبتدأ على أن الفعل معلق عن الجملة الاستفهامية، ولو جوزت حذف صدر الصلة وقررت من هو أصحاب الصراط لجاز أن يكون موصولة أي: من هو أصحاب الصراط؟ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * * *

стр. 1204

سورة الأنبياء مكية مائة واثنتا عشرة آية وسبع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) * * * (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ): للكفار، (حِسَابُهُمْ)، فإنه قد ظهر خاتم الأنبياء، الذي هو من علامات آخر الزمان، (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ): عن الحساب، (مُّعْرِضُونَ): عن التفكر فيه، والإيمان به، (مَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ)، المراد من الذكر الطائفة النازلة من

стр. 1205

صفحة فارغة

стр. 1206

القرآن، (مِنْ رَبِّهِمْ)، صفة لذكر أو صلة يأتيهم، (مُحْدَثٍ): تنزيل، جديد إنزاله، (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) حال من فاعل استمعوه، أي: [ليستهزءوا] به، (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) حال كونهم مشغولين بدنياهم، لا يصغون إلى القرآن، ذو الحالين واحد، أو حال من فاعل يلعبون، (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) بالغوا في إخفائها أو تناجوا وأخفوا نجواهم، فلا يفطن أحد لتناجيهم، (الذِينَ ظَلَمُوا) بدل من فاعل أسروا، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ خبره أسروا النجوى، وضع الذين ظلموا موضع هؤلاء

стр. 1207

تسجيلاً على فعهلم بأنه ظلم، (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) هذا الكلام كله في موضع النصب بدل من النجوى، أو مفعول لقول مقدر، استدلوا على كذبه في النبوة بأنه بشر، لأن زعمهم أن الرسول لا يكون إلا ملكًا، فلا بد أن تكون المعجزة بمقتضى عقيدتهم سحرًا، فلذلك قالوا إنكارًا: أفتحضرون السحر وأنتم تعاينون أنه سحر، (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ): جهرا كان أو سرًا، (فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) فكيف يخفى عليه نجواهم، ومن قرأ قال فهو حكاية قول رسول الله ﷺ ، (وَهُوَ السمِيعُ العَليمُ): فلا يخفى عليه شيء، (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) اقتسم المشركون القول في القرآن، فقيل: سحر وقيل: تخاليط أحلام وأباطيل خيلت إليه، وخلطت عليه، وهذا أبعد فسادًا من الأول، وقيل: هو مفترى اختلقها من تلقاء نفسه، وهذا أفسد من الثاني، وقيل: كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها، وهو أفسد من الثالث، لأنه كذب مع علاوة فلذلك جاء ببل تنزيلاً من الله لأقوالهم في درج الفساد، (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) أي: كما أرسل به الأولون، كاليد البيضاء، والناقة وغيرهما، (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن): أهل، (قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها لما جاءتهم الآيات المقترحة، (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ): لو جئتهم بها مع أنَّهم أعتى من الذين اقترحوا الآيات وعهدوا الإيمان بها، وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بمقترحاتهم للإبقاء عليهم، إذ لو أتى به لم يومنوا، فنستأصلهم كمن قبلهم، (وَمَا أَرْسلْنَا قَبْلَكَ

стр. 1208

إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) فما لهم ينكرون زاعمين أن الرسول لا يكون بشرًا، (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ): أهل الكتاب، والمشركون يشاورونهم في أمر النبي ﷺ ويثقون بقولهم، (إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، أن الرسل بشر، (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) أثبت لهم ثلاثة أشياء هي لا تكون للملك، وهي لبشر تحقيقًا لنفى الملكية عنهم ولإثبات البشرية لهم: كونهم أجسادًا، والجسد جسم ذو لون، والملك لصفائه لا يوصف باللون، كما لا يطلق الجسد على الماء والهواء، ووحد الجسد لإرادة الجنس، وأنَّهم أكلوا الطعام، وأنَّهم يموتون في الدنيا، وموت الملك لا يكون إلا بعد انقراض الدنيا، أو لأن المشركين اعتقدوا خلود الملك، (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوَعْدَ) أي: في الوعد، (فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَشَاءُ): ومن في إبقائه حكمة، (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ): في الكفر، (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ):

стр. 1209

يا قريش، (كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ): صيتكم وشرفكم أو موعظتكم وذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ): فتؤمنون به. * * * (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

стр. 1210

وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) * * * (وَكَمْ قَصَمْنَا): أهلكنا والقصم: الكسر الشديد، (مِنْ قَرْيَةٍ): من أهلها، (كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا): مكانها، (قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا): أدركوا، وشاهدوا شدة عذابنا، (إِذَا هُم مّنْهَا يَرْكُضُون): يهربون بسرعة، والركض ضرب الدابة بالرجل، (لاَ تَرْكُضُوا) أي: قيل لهم لا تركضوا، (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ): من التلذذ والتنعم والإتراف: إبطار النعمة، (وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) غدًا من أعمالهم، أو تسألون شيئًا من دنياكم فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم، فإنهم أهل ثروة ينفقون رئاء الناس، تهكم بهم الملائكة بهذا القول، ووبَّخَهم وقيل: يسألكم خدمكم في أموركم، كيف نأتي ونذر كعادة المنعمين، أو يسألكم الناس في مهامهم ويستشفون بتدابيركم، (قَالُوا): حين رأوا العذاب، (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ): ندموا حين لا ينفعهم الندم، (فَمَا زَالَت تِّلْكَ): المقالة، أي: الاعتراف بالظلم، (دَعْوَاهُمْ): دعوتهم نحو: آخر دعواهم أن الحمد لله، (حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا): مثل [زرع] محصود، (خَامِدِينَ) ميتين من

стр. 1211

خمدت النار، وهما بمنزلة مفعول واحد، كرأيته حلوًا حامضًا، وخامدين حال أو صفة، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، بل لنجزى الذين أساءُوا بما عملوا ونجزي الذين أحسنوا بالحسني، (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا): لو أردنا اتخاذ ما يلعب ويتلهى به، لاتخذناه من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارًا ولا موتًا ولا بعثًا ولا حسابًا، أو لو أردنا أن نتخذ زوجة أو ولدًا لاتخذنا من الحور العين أو الملائكة، أو لاتخذناه من عندنا بحيث لا يظهر لكم ويستر عنكم، فإن زوجة الرجل وولده يكونان عنده لا عند غيره، واللهو: المرأة والولد بلسان اليمن، وهو رد على النصارى في أم المسيح، أو المسيح، أو في المسيح، قيل: لو أردنا اتخاذ لهو لقدرنا عليه ومن لدنا، أي: من جهة قدرتنا لكن الحكمة صارفة عنه، (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) أي: إن كنت فاعلاً لذلك، أو إن نافية، فالجملة كالنتيجة للشرطية، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ): نغلِّبُ الحق الذي منه الجد على الباطل الذي منه اللهو، (فيَدْمَغُهُ): يمحقه، جعل الحق كجرم متين صلب، قذف ورمى به على حيوان

стр. 1212

ضعيف فشق دماغه، وبل إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب، (فَإِذَا هُوَ): الباطل، (زَاهِقٌ): هالك والزهوق ذهاب الروح، (وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ): مما تصفون الله به مما لا يليق بعظمته، (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): خلقًا وملكًا، (وَمَنْ عِندَهُ)، أي: الملائكة المقربون، فإنهم منزلون لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، أو لأنَّهُم في محل ظهور سلطانه، وهو السماوات، وهو مبتدأ خبره قوله: (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ) لا يعيون ولا يتعبون قيل: " ومن عنده " عطف على " من في السَّمَاوَات "، أفرده بالذكر للتعظيم، أو المراد: من في العرش والكرسي، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفتُرُون): دائبون في التسبيح، عن كعب الأحبار: التسبيح لهم كالنفس لبني آدم، (أَمِ اتخَذُوا) منقطعة، والهمزة لإنكار اتخاذهم، (آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ)، ظرف لاتخذوا أو صفة لآلهة، (هُمْ يُنشِرُونَ) أي: اتخذوا آلهة هم قادرون وحدهم على إحياء الموتى، والمراد تجهيلهم والتهكم بهم، والكفرة وإن لم يكونوا يدعون ذلك

стр. 1213

للأصنام، لكن لما أثبتوا الألوهية لهم يلزمهم إثبات ذلك فإنه ممكن، والإله لا بد أن يكون قادرًا على الممكنات، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ) أي: غير الله، صفة لا بدل لفساد المعنى واللفظ، قال صاحب المغني: إذا اختلف الموصوف والصفة إفرادًا أو غيره، فالوصف للتأكيد لا للتخصيص، كما قالوا: عندي عشرة إلا درهمًا، لزم عليه تسعة، ولو قال: إلا درهم بالرفع فقد أقر له بعشرة، فمعنى الآية: لو كان الإله غير واحد ألبتَّة، والصفة تأكيد، لأن كل متعدد غير واحد ألبتَّة، (لفَسَدَتَا) لأن الملك يفسد بتدبير مالكين لما يحدث، بينهما من الاختلاف والتمانع عادة، (فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ): المحيط بجميع الأجسام، (عَمَّا يَصِفُون): من الشريك والولد، (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) لانفراده في عظمته وسلطانه، (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وهو سائل خلقه عما يعملون، فإنهم عبيد، (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) كرره استقباحًا لشأنهم واستعظامًا لكفرهم، (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) من جهة عقل أو نقل، أن له شريكًا،

стр. 1214

(هَذا ذكر مَن مَّعِيَ) أي: عظة أمتي، (وَذِكر مَن قَبْلِي) من الأمم السالفة، فهذا إشارة إلى الكتب السماوية، أي: هذا كتاب الله، فاطلبوا، هل تجدون فيها أن له شريكًا، أو إشارة إلى القرآن وحده، أي: القرآن فيه ذكر أمتي وذكر أمم قبلي، إنهم مطالبون بالتوحيد، ممنوعون عن الشرك، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الحَقَّ): لا يميزون بينه وبين الباطل، (فهُم مُّعْرِضُونَ)، عن التوحيد واتباع الرسل، من أجل ذلك. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ): وحدي، (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) من العرب من قال: الملائكة

стр. 1215

بنات الله، (سُبْحَانَهُ) عن ذلك، (بَلْ) هم، (عِبَادٌ مكْرَمُونَ) وليسوا بأولاد، (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ): لا يقولون شيئًا حتى يقول الله، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم، كما هو طريق الأدب، (وَهُم بِأَمرِهِ يَعْمَلُونَ) لا يعملون بما لا يأمرهم، ولا يبعد أن يكون ذلك كالدليل على أنَّهم غير الأولاد فإن الأولاد لا يكون كذلك، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ): يحيط علمه بجميع أحوال عباد مكرمين مما قدموا وأخروا، (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى): أن يشفع له، (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) مرتعدون لا يأمنون مكر الله، والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس، والخشية خوف مع تعظيم، (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ): من الملائكة، وهذا على سبيل الفرض، (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) قيل: أراد إبليس حيث دعا الخلق إلى عبادة نفسه دون عبادة ربه، (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ): المشركين. * * * (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً

стр. 1216

وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١) * * * (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا) أي: جماعة السماوات، وجماعة الأرض كانتا مرتوقتين يعني جميعهما في أول الأمر متصل متلاصق بعضهما ببعض، (فَفَتَقْنَاهُمَا)، فصارت السماوات سبعًا، والأرض كذلك، أو كانتا رتقًا لا تمطر ولا تنبت ففتقنا بالمطر والنبات، فعلى هذا المراد من السماوات سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الأفق، أو جميع السماوات على أن للكل مدخلاً في الإمطار، والرتق هو الضم والالتحام، فإن قلت متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلت: الفتق مشاهدة عارض يفتقر إلى مؤثر واجب، والرتق ممكن أخبر به القرآن المعجز فهم لو نظروا لعلموا، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، أي: كل شيء موجود أصله من الماء، فإن الله خلق الماء قبل الأشياء، ثم خلقها منه، أو خلقنا كل حيوان من الماء، أى: من النطفة، أو صيرنا كل شيء له نوع حياة كحيوان ونبات من الماء، ولابد له

стр. 1217

منه نحو خلق الإنسان من عجل فعلى هذا جعل متعدٍ إلى مفعولين، (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): جبالاً ثوابت، (أَنْ تَميدَ): كراهة أن تميد، (بِهِمْ): وتضطرب، (وَجَعَلْنَا فيهَا): في الرواسى، (فِجَاجًا). مسالك وطرقًا واسعة، (سُبُلاً)، يعني: لما خلقنا الجبال حالت بين البلدان، فجعلنا فيها فجوة، وطرقًا ليسلك فيها من بلد إلى آخر، وسبلاً إما مفعول وفجاجًا حال، أو هو مفعول وسبلاً بدل، (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ): إلى مصالحهم، (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا): على الأرض، (مَّحْفوظًا): من أن يقع على الأرض أو من الشياطين بالشهب، (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ)، لا يتفكرون فيما خلق فيها من الآيات، كالشمس والقمر والكواكب وغيرها، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ) أي: كل واحد منهما، (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يسرعون على فلكه، كالسابح في

стр. 1218

الماء، والفلك الجنس نحو كساهم الأمير حلة، والجمع باعتبار كثرة مطالعها وجمع العقلاء للوصف بفعلهم، وهو السباحة والجملة حال منهما. (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ)، نزلت حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون، استدل به بعضهم على عدم بقاء الخضر، (أَفَإِنْ مِتَّ) الهمزة للإنكار، والفاء لتعلق الشرط بما قبله، (فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) أي: مرارته، (وَنَبْلُوكم): نعاملكم معاملة من يختبركم، (بِالشَّرِّ): بالمصائب تارة، (وَالْخَيْرِ): بالنعم أخرى، (فِتْنَةً): ابتلاء لننظر من يصبر ومن يجزع ومن يشكر ومن يكفر مصدر مؤكد من غير لفظه، (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) لنجازيكم، (وَإِذَا رَآكَ الذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ) إن نافية، (إِلا هُزُوًا) مهزوء به، (أَهَذَا) أي: قالوا أهذا، (الَّذِي يَذْكرُ آلِهَتَكُمْ) أي: بسوء، (وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ): بصفاته الحسنى كالتوحيد، (همْ كافرونَ) لا يصدقون به، فهم أحق بأن يهزأ بهم، (خُلِقَ الإِنسَان مِنْ عَجَلٍ): لفرط استعجاله كأنه خلق منه، قيل: لما ذكر المستهزئين وقع في النفس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك ولهذا قال (سَأريكمْ آياتِي): نقماتي في

стр. 1219

الدنيا والآخرة، (فلا تَسْتَعجلُونِ): بالإتيان بها وقيل: هذا جواب المشركين حين استعجلوا بالعذاب، (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ): وقت وعد العذاب أو القيامة، (إِن كُنتمْ): أيها المؤمنون، (صَادِقِينَ لَوْ يَعْلَمُ الذِينَ كَفَرُوا)، وضع موضع يعلمون دلالة على ما أوجب لهم ذلك، (حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ): مفعول به ليعلم أي: لو يعلمون الوقت الذي يحيط بهم النار فلا يقدرون على دفعها، ولا يجدون ناصرًا والجواب محذوف، أي: بما استعجلوا، (بَلْ تَأْتِيهِمْ) أي: لا يعلمون بل تأتيهم العدة أو القيامة أو النار، (بَغتَةً): فجأة مصدر، لأنها نوع من الإتيان أو حال، (فَتَبْهَتُهُمْ): تحيرهم، (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ): يمهلون، (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِّن قَبْلِكَ): يا محمد فليس بشيء بدع منهم فلا تغتم، (وحَاقَ): أحاط، (بِالذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم): من الأمم السالفة، (ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون) أي: جزاء ما فعلوا، أو هم استهزءوا بعذاب وعدهم الرسل إن لم يؤمنوا، فأحاط بهم ذلك العذاب فسيحيط بمن يتخذك هزوًا. * * * (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ

стр. 1220

عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) * * * (قُلْ): للمستهزئين، (مَن يَكْلَؤُكُم): يحفظكم، (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ): من عذابه، أو من بمعنى البدل نحو لا ينفع ذا الجد منك الجد، وفي لفظ الرحمن إشارة إلى أن لا حافظ سوى رحمته، (بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ ربِّهِم مُّعْرِضُونَ): لا يخطر ببالهم ذكر ربهم فضلاً عن أن يخافوا منه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه، (أَمْ لَهُمْ): بل لهم، (آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم): من العذاب، (مِنْ دُونِنَا) حال من فاعل تمنع، أو صفة بعد صفة، كأنه قال: لا تسأل عنهم؛ لأنَّهُم لا يصلحون للسؤال لغفلتهم عنا، بل لإقبالهم على نقيضنا، (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) سيما نصر غيرهم مستأنفة تبين إبطال ما اعتقدوه، (وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ): يجارون، يقال: فلان لك جار وصاحب من فلان، أي: (مجير) منه، أو يصحبون بخير وتأييد، (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) إضراب عن بيان بطلان ما هم عليه، ببيان ما غرهم فحسبوا أنَّهم على شيء، وهو أنه -

стр. 1221

تعالى - متعهم زمنًا طويلاً في الدنيا فقست قلوبهم وظنوا أنها لا تزال، (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ): أرض الكفرة، (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) بأن نخرب ديارهم ونسلط المسلمين عليها، (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)، أم المؤمنون، (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ): بما أوحى إليَّ أو بأمر الله، (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ): من قرأ لا تسمع من باب الإفعال، على خطاب النبي، فالصم الدعاء مفعولاه، (إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) ظرف ليسمع أو الدعاء، واللام في الصم للعهد والمشركون صم آذان قلوبهم عن آيات الله، (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ): رائحة وشيء قليل، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء، مع أن البناء للمرة، (مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) دعوا على أنفسهم بالويل وأقروا بظلمهم، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ)، جمعه لكثرة ما يوزن به ولاختلافه، (الْقِسْطَ): ذوات القسط أو نحو رجل عدل، (لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): لأجل جزائه أو لأجل أهله، أو اللام بمعنى في، (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا): من الظلم أو من العمل، (وَإِنْ كَانَ): العمل، (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا): أحضرنا لنجازي بها، ومن قرأ: مثقال بالرفع فكان تامة، (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) لكمال

стр. 1222

علمنا وعدلنا مفعول كفى محذوف، أي: كفينا العالمين حال كوننا حاسبين لا يحتاجون إلى محاسب غيرنا، (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ). الكتاب الجامع لكونه، فارقا بين الحق والباطل وضياء في القلب، وذكرًا يتعظ به المتقون، أو الفرقان النصر على الأعداء والضياء التوراة، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، صفة للمتقين، (بِالْغَيْبِ)، حال من الفاعل، أو من المفعول، (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ): القيامة، (مُشْفِقُونَ): خائفون، (وَهذَا): القرآن، (ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) استفهام توبيخ. * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ

стр. 1223

بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) * * * (وَلَقَدْ آتيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ): الاهتداء لوجوه الصلاح، والإضافة ترشد إلى أنه رشد له شأن، (مِنْ قَبْلُ): من قبل موسى أو من قبل البلوغ، (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ): علمنا أنه أهل لما آتيناه، (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) ظرف لـ آتينا، أو لـ رشده، أو تقديره

стр. 1224

اذكر من أوقات رشده وقت قوله لأبيه: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ): الصور التي لا روح فيها، (التِي أَنتم لَهَا عَاكِفُونَ) عدى العكوف باللام لتضمن معنى العبادة، فإن العكوف يستعمل بعلى، (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ): فقلدناهم، (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: المقلِّدون والمقلَّدون منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) أي إما تقوله جد أم هزل، فإنهم استعجبوا واستبعدوا تضليله آباءهم، (قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إضراب عن كونه لاعبًا بإقامة البرهان على ما ادعاه، (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) قيل الضمير للتماثيل، أو للسماوات والأرض، (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ): المذكور من التوحيد، أو على أنه خالقهن، (مِنَ الشَّاهِدِينَ): المتحققين له المبرهنين عليه، (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ): أمكرنَّ بها في كسرها، (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا): عنها، (مُدْبِرِينَ): إلى عيدكم حين كانت البلدة خالية، وإنما قاله سرًّا، ولم يسمع إلا رجل واحد فأفشاه عليه، (فَجَعَلَهُمْ) أي: الأصنام، (جُذَاذًا): مقطوعًا، فعالاً بمعنى مفعول أو جمع جذيذ، (إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ): للأصنام،

стр. 1225

قطعهن بفأس، واستبقى الكبير، ووضع الفأس على عنقه، (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ): إلى كبيرهم، (يَرْجِعُونَ): فيعتقدون أنه هو الذي كسرهن حسدًا عليهن، أو إلى إبراهيم فيحاجهم بأنه فعله كبيرهم، أو إلى الله بتوحيده عند تحققهم عجز آلهتهم، (قَالُوا): حين انصرفوا من العيد، (مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا) القائل. من سمع قوله: (لأكيدن أصنامكم) وهذا كما يقال: أكرمني بنو فلان، وإنما المكرم من بينهم رجل: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ): بعيبهم، (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) مرفوع بـ يقال لأن المراد به الاسم، (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ): بمرأى منهم بحيث يتمكن صورته في أعينهم، (لَعَلهُمْ يَشْهَدُون): عليه أنه الفاعل، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، أو يحضرون عقابه، وكان هذا هو المقصود الأكبر له لأن يبين لهم في محفل عظيم، وفور جهلهم وقلة عقلهم في عبادة الجماد، (قَالُوا): حين أتوا به، (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) أراد أن يتفكروا فيعترفوا بعدم نطقهم، وأن هذا

стр. 1226

لا يصدر عن صنم جماد، فتقوم الحجة عليهم، وفي الصحيحين: " إن إبراهيم لم يكذب غير ثلاث "، قيل: أسند إلى الكبير لأن غاية تعظيمهم إياه لسبب لمباشرة إبراهيم، فأسند إلى السبب، (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ): بالملامة، أو راجعوا عقولهم وتفكروا، (فقَالُوا): قال بعضهم لبعض (إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالِمُون): بهذا السؤال، أو لما أنكم تركتم الأصنام بلا حافظ، أو بعبادتكم من لا يتكلم، (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ): أطرقوا رءوسهم من الحيرة والخجل، أو انقلبوا إلى المجادلة بعد ما أقروا على أنفسهم بالظلم، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليًا على أعلاه، (لَقَدْ عَلِمتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ) أي: قالوا لقد علمت إلخ فكيف نسألهم، (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ): إن عبدتموه، أو تركتموه، (أُفٍّ لَكُمْ) هو صوت المتضجر، أي: قبحًا ونتنًا لكم، واللام لبيان المتأفف به، (وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا): أنتم مجانين لا تفهمون قبح مثل هذا الصنع، قالوا حين عجزوا عن الجواب (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا

стр. 1227

آلِهَتَكُمْ): بإهلاك عدوهم، (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ): ناصرين لآلهتكم، أو إن كنتم فاعلين شيئًا، (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا) أي: باردًا فيه ما لا يخفى من المبالغة، (وَسَلامًا): يسلم من حَرَّك، (عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، جمعوا له حطبًا وأوقدوا نارًا وقد ذكر أنَّهم جمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا حتى إن كانت امرأة تمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبًا لإبراهيم، ثم أوقدوا نارًا كادت الطير في الجو تحرق ورموه بالمنجنيق فيها، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله جبريل قائلاً: ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا، فقال: سل ربك، فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالى "، فما أحرقت منه سوى وثاقيه وكان في النار سبعة أيام وقيل خمسين، وقيل أربعين وهو ابن ست عشر، وكان يقول: ما أنعم أيامي في النار، وقيل: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت، وما من دابة إلا تطفئ النار سوى الوزغ ولهذا عد من الفواسق، (وَأَرَادُوا به كَيْدًا) مكرًا في إهلاكه، (فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرينَ): أخسر كل خاسر، (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا): ابن أخيه من أرض العراق، (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) أي: الشام، فإن أكثر الأنبياء بعثوا فيه، فانتشرت في العالم بركتهم قيل: كل ماء

стр. 1228

ينبع في العالم فأصله من الشام، أو المراد مكة، (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) أي: عطية حال منهما، أو النافلة ولد الولد، أو هو طلب ولدًا فأعطي إسحاق وزاده يعقوب نافلة، فيكون حالاً من يعقوب للقرينة، (وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهمْ أَئِمَّة): يقتدى بهم، (يَهْدُونَ): الناس بالحق، (بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ) لأن يحثوا عليه، (وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ) من عطف الخاص على العام للتفضيل، (وَكَانُوا لنا عَابِدِينَ): موحدين مخلصين. (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا) الفصل بالحق بين الخصوم، (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) وهي قرية سدوم، كان عمل أهلها اللواط، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا): في أهل رحمتنا أو في جنتنا، (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). * * * (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا

стр. 1229

فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) * * * (وَنُوحًا إِذْ نَادَى) أي: اذكر نوحًا إذ دعا على قومه بالهلاك وإذ نادى بدل من نوحًا، (مِن قَبْلُ): من قبل المذكورين، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ): دعاءه، (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ): الذين آمنوا به، (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): تكذيبهم وأذاهم، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يؤذونه ويوصون بمخالفته قرنًا بعد قرن، (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): جعلناه منتصرًا منهم، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ)، فاسقين، (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ): فلم يبق على وجه الأرض منهم أحد، (وَدَاوُودَ

стр. 1230

وَسُلَيْمَانَ) أي: اذكرهما، (إِذْ يَحْكُمَانِ) بدل منهما، (فِي الْحَرْثِ) كان ذلك كرمًا انثنت عناقيده، وقيل زرعًا، (إِذ نفَشَتْ): رعت ليلاً، (فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ): فأفسدته، (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ):) عالمين، وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو لأن الاثنين جمع، (فَفَهَّمْنَاهَا) أي: الحكومة، أو الفتوي، (سُلَيْمَانَ) دون داود، فإنه حكم بأن الغنم لصاحب الكرم بدل إفساده وحكم سليمان بدفع الكرم لصاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فينتفع بَدَّرها ونسلها وصوفها فإذا صار الحرث كما كان يأخذ كل منهما ماله، (وَكُلًّا): من داود وسليمان، (آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) قال بعض
следующие страницы →