أو تفتدون به من العذاب، (وَلَا خُلَّةٌ)، حتى يعينكم، " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [الزخرف: ٦٧]، (وَلَا شَفَاعَةٌ)، حتى تتكلوا على شفعاء، إلا لمن أذن له الرحمن ورضى له قولاً، (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، قيل: وُضع الكافرون موضع التاركين للزكاة (١) تغليظًا، ويمكن أن يكون المراد منه: والكافرون هم الذين يضعون الأشياء غير موضعها، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم، في ألا تنفقوا، فتضعوا أموالكم غير موضعها، (اللهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ): هو المتفرد بالألوهية للكائنات، (الحَي): في نفسه لا يموت أبدًا، (القيوم): دائم القيام بتدبير الخلق، (لاَ تَأخُذُهُ سِنَةٌ): فتور يتقدم النوم، أي: لا تأخذه سنة بلا نوم، (وَلاَ نَوْمٌ): فلا يستغني ذكر أحدهما عن الآخر، وفي تقديم السّنة مراعاة ترتيب الوجود، وهو كالمبين للحي القيوم، (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): ملكًا وخلقًا، تقرير لقيوميته، وتفرده بالألوهية، (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، بيان
стр. 178
لعظمته وجلاله، ونفي لزعم الكفار أن الأصنام شفعاء، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم): ما قبلهم، أو أمور الدنيا، أو ما يعلمون، أو ما حضر عندهم، والضمير لما في السَّمَاوَات وما في الأرض، فإن فيهم العقلاء، (وَمَا خَلْفَهُمْ)، ما بعدهم، أو أمور الآخرة، أو ما لا يعلمون، أو ما غاب عنهم، (وَلاَ يُحِيطُونَ بشَيْءٍ منْ عِلْمِهِ): مْن معلوماته، (إِلا بمَا شَاءَ): أن يعلموا، (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، الكرسي: العلم، أو الكرسي المشهور وهو يدل على عظمته، وقيل: هو الملك
стр. 179
والسلطنة، (وَلَا يَئُودُهُ)، لا يثقله (١)، (حِفْظُهُمَا): السَّمَاوَات والأرض، والإضافة إلى المفعول، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ): ذاتًا وقدرًا وقهرًا، المتعالي عن الأنداد،
стр. 180
(الْعَظِيمُ): كل شيء دونه حقير، (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، نزلت في رجل مسلم له ابنان نصرانيان أراد إكراههما لدخولهما في الإسلام، فالحكم خاص بأهل الكتاب، أو منسوخ بآية القتال، وهو خبر بمعنى الأمر، وقيل: خبر حقيقة، إذ الإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيرًا، لكن قد تميز الإيمان من الكفر بالحجج والآيات، فلا يحتاج إلى الإكراه، ولهذا قال: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ): بالشيطان، (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ): طلب الإمساك من نفسه أو تمسك، (بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): من الحبل الوثيق المحكم، (لاَ انفِصَامَ لَهَا): المأمون من الإنقطاع، وهو الإيمان، (وَاللهُ سَمِيعٌ): بالأقوال، (عَلِيمٌ): بالنيات، (الله وَلِيُّ الذِينَ آمَنُوا): ناصرهم، ومتولي أمورهم، (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ): الجهل، وهو أجناس كثيرة، (إِلَى النُّورِ): الهدى والعلم، وهو واحد، والجملة خبر بعد خبر أو حال، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ): الشياطين يتولون أمورهم ويزينون الجهل لهم، (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ): الفطري، أو لما كان سببًا لعدم إيمانهم كأنه أخرجهم، (إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وعيد وتحذير.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
قاله عنادًا ومكابرة، وأوهم أنه الفاعل لذلك، وهذا القول أظهر، (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ)، أي: إذا كنت كما ادعيت من الإماتة والإحياء فمن هذا صفته هو المتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير الكواكب وحركاتها، وهذه الكواكب تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا تحيي وتميت فأت بها من المغرب!، (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ): أخرس في هذا المقام، وصار مبهوتًا مغلوبًا، (وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ): الذين ظلموا أنفسهم بالاتباع عن الحق، قيل: لا يهديهم محجة الاحتجاج، (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)، الأول في قوة قوله: أرأيت مثل الذي حاج، فعطف عليه بقوله: " أو كالذي "، وقيل: الكاف مزيدة والمار عزير، أو الخضر، أما القرية فالمشهور أنها
بيت المقدس، حين خربه بختنصر، (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشهَا): ساقطة على سقوفها، أي: خرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو من خوى إذا خلا، أي: خالية مع سلامة عروشها، (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا): استبعادًا لتعميرها بعد شدة خرابها، والظاهر أن المراد به أهل القرية، فيكون استعظامًا لإحيائها، (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ)، أي: فألبثه ميتًا مائة عام، أراه آية في نفسه، (ثُمَّ بَعَثَهُ): بالإحياء، (قَالَ): الله له بواسطة ملك، أو بلا واسطة، (كَمْ لَبِثْتَ
стр. 183
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، كقول الظان، (قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ)، ذُكر أن معه عنبًا وتينًا وعصيرا، فالطعام الأولان، والشراب الأخير، (لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم يتغير لا العنب والتين تعفنا، ولا العصير استحال، أفرد الضمير، لأنهما كجنس واحد، (وَانظُرْ إلَى حِمَارِكَ)، كيف تفتت عظامه، حتى تعلم مكثك مائة سنة، (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ)، أي: وفعلنا ذلك لنجعلك، وقيل عطف على مقدر، أي: فعلنا ذلك ليزداد بصيرتك ولنجعلك، قيل: كان هو أسود الشعر وبنو بنيه شيب، (وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ): عظام الحمار، (كَيْفَ نُنشِزُهَا): نحييها، أو نرفعها، فنركب بعضها على بعض، والجملة حال من العظام، وكيف منصوب بـ ننشزها، (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ): ما أشكل عليه، قيل: تقديره لما تبين له أن الله على كل شيء قدير، (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ففاعل تبين مضمر يفسره ما بعده، أي: صار العلم عينيًّا بعدما كان غيبيًّا، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)، ذكروا لسؤاله أسبابًا منها، أنه لما قال لنمورد: ربي الذي يحيي ويميت، أحب أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، ومنها أنه رأى جيفة أكلتها السباع والطيور فسأل، (قَالَ): الله، (أَوَلَمْ تُؤْمِن): بأني قادر على الإحياء، قال له ذلك ليجيب بما أجاب، فيعلم الناس غرضه، أي: أتنكر ولم تؤمن؟، (قالَ بَلَى)، آمنت، (وَلَكِن)، سألت، (ليَطْمَئِنَّ قلبي)، بالمعاينة، (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)، اختلفوا في أنها ما هي، قيل: غرنوق وطاوس وديك وحمامة، (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، أي: قطعهن منضمات إليك، أو اضممهن إليك لتعرف شأنها لئلا تلتبس عليك بعد الإحياء، (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ): من الجبال التي بحضرتك، وكانت أربعة أو سبعة، (مِنْهُنَّ
(مَثلُ الذِينَ يُنفِقُونَ أَموالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ): في طاعته أو الجهاد أو هو والحج، (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) حث على الخير بعد أدلة التوحيد، وتقديره: مثل نفقتهم كمثل، أو مثلهم كمثل باذر حبة، (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) أي: يخرج منها ساق له سبع شعب لكل منها سنبلة فيها مائة حبة، وهذا تمثيل لا يجب وجوده (وَاللهُ يُضَاعِفُ): تلك المضاعفة، أو على تلك المصاعفة ويزيد عليها (لِمَن يَشَاءُ)، بحسب الإخلاص (وَاللهُ وَاسِعٌ): لا يضيق عليه الإنفاق (عَلِيمٌ): بقدر الإنفاق ونياتهم (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا): لا بقول ولا بفعل على من أعطوه (وَلاَ أَذًى): لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها، ثم للتفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى (لهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ ربهِمْ): بلا منة أحد (وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): من أهوال القيامة، (وَلاَ هُمْ يَحْزنونَ)، على ما فات منهم، (قوْلٌ معْرُوفٌ): كلام
стр. 186
حسن ورد جميل، (وَمَغْفِرَةٌ): عفو عن ظلم، أو تجاوز عن استطالة السائل، (خَيْرٌ مِّن صَدَقَة يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌ)؛ عن إنفاق كل منفق، (حَليمٌ): لا يعجل في العقوبة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا)، ثواب (صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ)، أي: كإبطال المنافق الذي ينفق، (رِئَاءَ النَّاسِ)، نصب على المفعول له أي: كمن يتصدق لأجل مدحة الناس وشهرته بالصفات الجميلة، مظهرًا أنه يريد وجه الله، (وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ) أي: مثل المرائي، أو مثل من أتبع إنفاقه منًّا أو أذى، (كَمَثَلِ صَفْوَانٍ): حجر أملس، (عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ): مطر كبير القطر، (فَتَرَكَهُ صَلْدًا): أملس نقيًّا من التراب، كذلك أعمال المرائين تضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال مما يرى الناس
كالتراب (لا يَقْدِرُون)، الضمير للذي ينفق، باعتبار المعنى فإنهم كثيرون (عَلَى شَيْءٍ مما كسَبوا)، لا ينتفعون بما فعلوا (وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافرِينَ)، الخير وفيه إيماء إلى أن الرياء من صفة الكفار، فعلى المؤمن أن يحذر عنها (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ): تصديقًا وتيقنًا من أصل أنفسهم أن الله سيجزيهم على ذلك، أو يثبتون أين يضعون صدقاتهم (كَمَثَلِ جَنَّةٍ)، أي: مثلهم في الزكاة (١) كمثل بستان، (بِرَبْوَةٍ): بموضع مرتفع،
стр. 187
زاد ابن عباس والضحاك: فيها الأنهار (أَصَابَهَا وَابِلٌ): مطر شديد (فَئَاتَتْ): أعطت، (أُكُلَهَا): ثمرتها، (ضِعْفَيْنِ)، بالنسبة إلى غيرها من البساتين (فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) أي: فيصيبها طل وهو المطر الصغير القطر، يعني: نفقاتهم زاكية عند الله، وإن كانت تتفاوت بسبب أحوالهم، كما أن الجنة تثمر قَلَّ المطر أو كَثُرَ، أو يضعف ثواب صدقاتهم قلَّت النفقة أو كثرت (وَاللهُ بما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، تحذير عن الرياء وترغيب في الإخلاص (أَيَوَدُّ)، الهمزة للإنكارَ (أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، هما لما كان أشرف وأنفع الأشجار جعل الجنة منهما تغليبًا لهما، ثم ذكر سائر الأشجار ليدل على التغليب (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ): كبر السن، فإن الفقر فيه أصعب، والواو للحال بتقدير: قد (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ): صغار ونسوان (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ): ريح عاصف (فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)، فصار أحوج ما كان إليها عند الشيخوخة وكثرة ضعاف الأولاد، والمثل لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم نكص على عقبيه فعمل آخر عمره بالمعاصي، حتى أغرق أعماله، أو للمنافق والمرائي
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا): تصدقوا، (مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ): حلاله وخياره (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، أي: من طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمار والمعادن، (وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ): لا تقصدوا الرديء، (مِنْه تُنفقُون)، حال من الفاعل، أو من المفعول، ومنه متعلق به، والضمير للخبيث، أي تخصونه بالإنفاق، أو منه حال من الخبيث، والضمير للمال، كانت الأنصار يعلقون أقناء البسر على حبل في مسجد المدينة للفقراء، فتعمد الرجل منهم إلى الحشف، فأدخله مع أقناء البسر، فأنزل الله فيمن فعله " ولا تيمموا " إلخ، (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)، أي: والحال أنكم لا تأخذونه في حقوقكم، إلا
стр. 190
بإغماض بصر ومساهلة، فلا تجوزوا في حق الله ما لا تجوزون في حقوقكم، عن ابن عباس ﵄ معناه: لو كان لكم على أحد حق، فجاء بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ)، عن إنفاقكم (حَمِيدٌ)، بقبوده وإثابته، (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ): يخوفكم الفقر لتبخلوا ولا تنفقوا في مرضات الله، (وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ): بالبخل، أو المعاصي مطلقًا، (وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ)، الوعد للخير والشر، أي: يعدكم جزاء إنفاقكم مغفرة ذنوبكم، (وَفَضْلًا)، خلفًا أفضل مما أنفقتم (وَاللهُ وَاسِعٌ): واسع الفضل (عَلِيمٌ): بالإنفاق، (يُؤْتِي الحِكْمَةَ): تفسير القرآن، أو الإصابة في القول، أو خشية الله، أو الفهم، أو السنة، أو الفقه في الدين، أو العقل، أو النبوة، (مَن يَشَاءُ)، مفعول أول، (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، فِي الحديث " لا حسد إلا في
стр. 191
اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها "، (وَمَا يَذّكرُ): ما يتعظ بالآيات، (إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ): ذوو العقول، (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نفَقَةٍ)، قليلة أو كثيرة، حق أو باطل (أَوْ نَذَرْتُم مِّن نذْرِ)، في طاعة، أو معصية (فإن الله يَعْلَمُهُ)، فيجازيكم عليه (وَمَا لِلظَّالِمِينَ): الذين يضعون المال في غير موضعه، (مِنْ أَنْصَارٍ): ينصرونهم ويمنعونهم من العقوبة، (إِن تُبْدُوا الصدقَات فَنِعِمَّا هِيَ): إن أظهرتموها فنعم شيئًا إبداؤها (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ)، تعطوها مع إخفائها، (فَهُوَ)، أي: إخفاؤها، (حيْرٌ لكُمْ)، والآية عامة في كل صدقة، لكن عن ابن عباس ﵄، أن السر في التطوع أفضل من العلانية بسبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفًا، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ) أي: الله، أو الإخفاء، ومن قرأ مجزومًا فهو عطف على محل جواب الشرط (مِّن سَيِّئَاتِكُمْ)، " من " للتبعيض، أو لتبيين الجنس، أي يكفر شيئًا، هو السيئات (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، ترغيب في الإخفاء (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ) أي لا يجب عليك جعل الناس مهديين، فإنه ليس في يدك وقدرتك، ولكن الهداية من الله، (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) أي: ثوابه، فلا تمنوا على أحد، (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)، الواو حال، أو عطف، يعني: المؤمن لا ينفق إلا لمرضات الله،
стр. 192
وقيل: نفي في معنى النهي، قال عطاء الخراساني: معناه: إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله، فإنك مثاب لنيتك، سواء كان السائل مستحقًا أو غيره، برًا أو فاجرًا (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَ إِلَيْكُمْ): ثوابه، (وَأَنتمْ لاَ تُظْلَمُونَ)، فلا ينقص ثواب صدقاتكم، " كان رسول الله ﷺ يأمر بأن لا يتصدق إلا على المسلمين، حتى نزلت ليس عليك هداهم، فأمر بالصدقة بعدها على كل سائل من كل دين "، وهذا في التطوع، أما الواجب، فلا يجوز صرفه إلى الكافر (لِلْفُقَراءِ) أي: الصدقات لهم، وهم الأولى والأحق، وإن جاز صرفها إلى غيرهم كما علم من الآية الأولى (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، حبسوا أنفسهم في الجهاد، أو أصحاب الصفة، الذين انقطعوا بكليتهم إلى الله (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ): ذهابًا فيها للتجارة لاشتغالهم بالجهاد، أو بالله (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ) بحالهم، (أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) من أجل
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) أي: يعُمُّون الأحوال بالخير، نزلت في ربط الخيل يعلفونها دائماً في سبيل الله، أو في علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - كان له أربعة دراهم فتصدق درهمًا ليلاً، ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًا، ودرهمًا علانية، (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ ربِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في القيامة، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): على ما فات عنهم، قال تعالى: " لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ " [الأنبياء: ١٠٣]، (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا) لما ذكر الأبرار المخرجين للصدقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالظلم، وعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأكل أعظم المنافع، والربا شائع في المطعومات، (لَا يَقُومُونَ) من قبورهم، (إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ) أي: إلا قيامًا كقيام المصروع، (مِنَ الْمَسِّ)، أي: الجنون، وهو متعلق بـ لا يقومون، أو بيقوم، وفي الحديث " مر عليه
стр. 195
السلام ليلة الإسراء على قوم بطونهم كالبيوت، وأخبر أنَّهم أكلة الربا "، (ذَلِكَ) أي: العقاب، (بِأنهُمْ): بسبب أنَّهم، (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا): اعترضوا على أحكام الله، وقالوا: البيع مثل الربا، وإذا كان الربا حرامًا فلا بد أن يكون البيع كذلك، (وَأَحَل اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الربا) يحتمل أن يكون تتمة كلام المعترض المشرك، ويحتمل أن يكون من كلام الله ردًّا عليهم، أي: اعترضوا، والحال أن الله فرق بين هذا وهذا، وهو الحكيم العليم، (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ): بلغه وعظ من الله، (فَانْتَهَى): فاتعظ وتبع النهي حال وصول الشرع إليه، (فَلَهُ مَا سَلَفَ) من المعاملة، أي: له ما كان أكل من الربا زمن الجاهلية، (وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ): يحكم يوم القيامة بينهم، وليس من أمره إليكم شيء، (وَمَنْ عَادَ) إلى
стр. 196
تحليله وأكله، (فأوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لكفرهم، (يَمْحَقُ اللهُ الربا): يذهب بركته، فلا ينتفع في الدنيا والآخرة؛، قد ورد: " ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة "، (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): يكثرها وينميها، وقد ورد " إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أَحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد "، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ): لا يرتضي، (كُلَّ كَفَّارٍ): مصر على تحليل الحرام (أَثِيمٍ): فاجر بارتكابه، (إِن الذِينَ آمَنُوا)، بما جاء من الله، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) عطفهما على الأعم لشرفهما َ، (لَهُمْ أَجرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من آت، (وَلاَ هُمْ يَحْزنونَ) على فائت، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ
стр. 197
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رأس المال بعد الإنذار، إن كنتم مؤمنين بشرع الله، كان بين ثقيف وبني مخزوم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، طلبت ثقيف فتشاجروا فنزلت، (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) ولم تذروا ما بقي من الربا، (فَأْذَنوا): فاعلموا، (بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)، يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، أو لابد للإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم الحرب والسلاح، (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ) بأخذ الزيادة، (وَلَا تُظْلَمُونَ) بوضع رءوس الأموال، وقيل فهم منه أن المصر، أي: على التحليل ليس له رأس ماله، لأنه مرتد وماله فيء، (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ): وقع غريم ذو عسرة، (فَنَظِرَةٌ) أي: فعيكم تأخير، (إِلَى مَيْسَرَةٍ): يسار، لا كفعل الجاهلية إذا حل الدين، يطالب إما بالقضاء وإما بالربا، (وَأَنْ تَصَدَّقُوا) بإبراء رأس المال، (خَيْرٌ لَكُمْ): أكثر ثوابًا، وقيل: خير مما تأخذونه، (إِنْ كُنتُم تَعْلَمُونَ) ما فيه من الأجر، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ): يوم القيامة، أو يوم الموت، (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: جزاء ما عملت، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بنقص ثواب وهذه آخر آية نزلت من القرآن، عاش النبي ﷺ بعدها تسع ليال، أو واحد وثلاثين يومًا.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ
(وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ) أي: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته، كما نفعه الله بتعليمها، أو مثل ما علمه من كتابة الوثائق، قال عطاء ومجاهد: واجب على الكاتب أن يكتب، (فَلْيَكْتُبْ) أمر بما بعد النهي عن الإباء تأكيدًا، قيل: جاز أن يتعلق كما علمه الله به، فالنهي مطلق والأمر مقيد، (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): الإملال والإملاء واحد، أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) أمر بأن يقر بمبلغ المال من غير نقصان، (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا): محجورًا عليه بتبذير ونحوه، (أَوْ ضَعِيفًا): صبيًا، أو مجنونًا، (أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ) بخرس، أو جهل باللغة، (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ): الذي يلي أمره، من وكيل، أو قسيم، أو مترجم، (بِالْعَدْلِ): بالصدق، (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ)، اطلبوا شاهدين، أن يشهدوا على الدين، (مِن رِّجَالِكُمْ): رجال المسلمين، (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ) أي: إن لم يكن الشهيدان رجلين، (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أي: فالمستشهد رجل وامرأتان، وهذا مخصوص بالأموال عند الشافعي، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) لعلمكم بعدالتهم، (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) أي: إن نسيت إحدى المرأتين الشهادة، ذكرتها الأخرى، فهو علة اعتبار العدد، والعلة في الحقيقة التذكير، ولما كان الضلال سببًا له نزل منزلته، (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) لأداء الشهادة، وعند بعض معناه: إذا دعوا للتحمل، وحينئذ تسميتهم شهداء باعتبار المشارفة، وما زائدة ومنه علم أن تحمل
стр. 200
الشهادة فرض كفاية، (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ) أي: لا تملوا، ولا تمنعكم الملالة أن تكتبوا الحق، (صَغِيرًا أَوْ كبِيرًا): قليلاً كان الحق أو كثيرًا، (إِلَى أَجَلِهِ): إلى وقت حلوله، (ذلِكُمْ) إشارة إلى أن تكتبوه، (أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ): أعدل، (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ): أثبت لها، وهما مبنيان من أقسط وأقام على مذهب سيبويه، (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي: أقرب في ألا تشكوا، لأن ترجعوا بعد الشك في كتابتكم، (إِلا أَن تَكُونَ) التجارة، (تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) استثناء من الأمر بالكتابة، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إياها، يداً بيد، ومن قرأ: (تِجَارَةٌ) بالرفع فعنده كان تامة، أو تديرونها خبر كان، (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) مطلقًا مؤجلاً، أو معجلاً، وهذا الأمر محمول على الندب، وعند الشعبي والحسن للوجوب لكن نسخ، (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) نهي عن الضرار بهما، مثل أن يكلفا ترك حاجاتهم ومهامهم ولا يعطى جعل
стр. 201
الكاتب، وعلى هذا يضار مبني للمفعول، أو معناه فيهما عن الضرار بزيادة ونقصان، وتحريف وتغيير، فعلى هذا يكون مبنيًا للفاعل، (وَإِنْ تَفْعَلُوا) ما نهيتم عنه، (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي: لاحق لازم بكم، (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة أمره، (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) أحكامه وشرائعه، (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) تكرار لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلال كل منها، ولأنه أدخل في التعظيم، (وَإِنْ كنتُمْ عَلَى سَفَرٍ) أي: مسافرين، (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) يكتب لكم، (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) أي: فليؤخذ بدل الكتابة، رهان مقبوضة في يد صاحب الحق، وعند بعض السلف أن الرهن لا يجوز إلا في السفر، والحديث يرده، (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا): بعض الدائنين بعض المديونين، (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) سمى الدَّين أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان منه، (وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ) في الخيانة، (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) قلبه فاعل آثم، أو مبتدأ، وآثِمٌ خبره، والجملة خبر إن، وإسناده إليه للمبالغة، كقوله: هذا مما عرفه قلبي، ولئلا يظن أنه من آثام اللسان، بل من آثام القلب، الذي هو أشرف الأعضاء، قال ابن عباس
الآخرة، لما نزلت غمت الصحابة " فقالوا هلكنا، فقلوبنا ليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا سعنا وأطعنا، فقالوها " فنزلت " آمن الرسول " إلى " عليها ما اكتسبت " فنسختها، وتجاوز لهم عن حديث النفس وصرح بنسخها أكثر السلف، وبعضهم صرحوا بعدم نسخها، وقالوا: يخبرهم الله يوم القيامة بما أخفوا في أنفسهم، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ أهل الشك والنفاق، فمعنى المحاسبة: الإخبار، وعن عائشة رضى الله عنها " أن رسول الله ﷺ قال حين سألت عن الآية: هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه الله من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها، فيفزع لها، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير "، فعلى هذا المحاسبة المؤاخذة، لكن المحاسبة إما في الدنيا، وإما في الآخرة، (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) مغفرته، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) تعذيبه، (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من المحاسبة وغيرها، (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) وجه نزول الآية قد ذكرناه وهو أنهم قالوا: " سمعنا وأطعنا " لا كما قال أهل الكتاب: " سمعنا وعصينا " (البقرة: ٩٣) قوله: " والمؤمنون " عطف على الرسول، (كُل): من الرسول والمؤمنين، (آمَنَ بِاللهِ وَمَلاِئكَتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) يقولون، (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) في الإيمان بهم، ولا نقول: " نؤمن ببعض ونكفر ببعض " [النساء: ١٥٠]، (وَقَالُوا سَمِعنا)، قول الله، (وَأَطَعْنَا) أمره، نسأل، أو اغفر،
стр. 204
(غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ): المرجع بعد الموت، (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ما يسعه قدرتها ويتسع فيه طوقها، لا ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، (لَهَا مَا كَسَبَتْ): من خير، (وَعَلَيْهَا مَا اكْتسَبَتْ): من شر، ولما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي أَجَدُّ واعْمَلُ فيه، جعلت لذلك مكتسبة فيه بخلاف الخير، فإنها لما لم تكن فيه كذلك وصفت بما ليس فيه الاعتمال، فقال: كسبت، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) سألوا الله التجاوز عنهما فأجاب، ففي الحديث " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان "، وأما دعاؤنا حينئذ بهما، فيمكن أن يكون لإدامة الوعد، وأن يجعلنا ممن وعد له التجاوز عنهما، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا): تكاليف شاقة، تأصر صاحبه: تحبسه في مكانه، وإن أطقناها، (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَ)، مثل الذي حَمَّلْتَهُ إياهم فيكون صفة إصرا وهو التكاليف الشاقة وما أصابهم من المحن، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ):
стр. 205
من المصائب، والتشديد هاهنا لتعديته إلى مفعول ثان، (وَاعْفُ عَنَّا): امح عنا ذنوبنا، (وَاغْفِرْ لَنَا): واستر لنا عيوبنا، (وَارْحَمْنَا) في الدنيا، فلا توقعنا في ذنب (١) آخر، (أَنْتَ مَوْلانَا): ولينا وناصرنا، (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وفي الحديث: " في آخر كل دعوة من هذه الدعوات، قال الله تعالى: فعلت ونعم "، وفي الحديث، " فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي ولم يعطها أحد بعدي.
والحمد لله حقَّ حمده.
(الحَيُّ) الذي يصح أن يعلم أو يقدر (القيوم) دائم الحفظ للكائنات (نَزَّلَ عَلَيْكَ
стр. 208
الْكِتَابَ): القرآن. (بِالْحَقِّ): بالصدق، أو بالعدل؛ وهو حال (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيه) من الكتب أنه من عند الله (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ) على موسى (وَالإِنجِيلَ) على عيسى (من قَبْلُ) من قبل تنزيل القرآن (هُدًى لِّلنَّاسِ) في زمانهما (وَأَنزَلَ الفُرْقَان) الفارق بين الحق والباطل، وهو جنس الكتب الإلهية عَمَّ بعد ما خص ذكر الثلاثة، أو القرآن كرر ذكره بوصفه تعظيمًا له (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) يوم القيامة (وَاللهُ عَزِيزٌ) غالب لا يغلب (ذُو انْتِقَامٍ) عقوبة على من خالف الرسل (إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) قيده
стр. 209
بهما، إذ الحس لا يتجاوز عنهما (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) من الصور المتنوعة (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ) الغالب في الأمور (الحَكِيمُ) في الأفعال (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) القرآن (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)
стр. 210
واضحات الدلالة (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أصله يرد إلِيها غيرها، وهن ناسخ القرآن، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به أو قوله: " قل تعالوا "، والآيتان بعدها، وقوله: " وقضى ربك " (الإسراء: ٢٣)، إلى ثلاث آيات بعدها، والآيات كلها في تكاملها كآية واحدة، أو كل واحدة منهن أم الكتاب.
стр. 211
(وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) فيها اشتباه في الدلالة لكثير من الناس إلا للمهرة من العلماء، وهذا يظهر فضلهم، وهن المنسوخة، والمقدم والمؤخر منه، والأمثال والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، أو الحروف التي فِي أوائل السور (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) عدول عن الحق، كاليهود، وقالت: الحروف المقطعة بيان مدة أجل هذه الأمة (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) يتعلقون به لينزلوه على مقاصدهم الفاسدة، وأما المحكم فتركوه لأنه لا نصيب لهم فيه. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): الإضلال. (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) على ما يشتهونه أو بطلب حقيقته وما يئول أمره إليه. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) أي ما هو
стр. 212
الحق، أو حقيقته. (إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) اختلفوا في الوقف على " الله " عند أكثر السلف أن تأويل بعض الآيات لا يعلمه أحد إلا الله، ومن القراء من يقف على قوله: " والراسخون في العلم "، وهو قول مجاهد وربيع بن أنس، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) خبر الراسخون إن جعلته مبتدأ، وإلا فهو استئناف أو حال. (كُلٌّ): من المتشابه، والمحكم. (مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وما يتعظ بالقرآن ولا يفهمه إلا ذوو العقول السليمة، وفي الحديث حين سئل عن الراسخين: " من برت يمينه وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم ".
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): من مقال الراسخين أي: لا تملها عن الحق إلى اتباع لمتشابه بتأويل غير مراد الله. (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا): إلى الإيمان بالمحكم، والمتشابه. (وهَبْ لَنَا
стр. 213
من لدنك رحمة) تثبت بها قلوبنا (إنك أنت الوهاب): بكل سؤل. (ربنا إنك جامع الناس ليوم): لجزاء يوم أو في يوم. (لا ريب فيه): في وقوعه. (إن الله لا يخلف الميعاد).
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
(لَن تُغنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا) أي: لا يدفع عنهم شيئًا من عذاب الله أو ما أجزأ عنهم وما كفاهم من رحمة الله شيئًا من الإجزاء على أن يكون شيئًا مصدرًا. (وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ): حطبها.
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) متعلق بـ لن تغني أي: لن تغني عنهم كشأن آل فرعون يعني: مثل ما لم تغن عنهم، أو استئناف أي: صنيعهم وسنتهم كصنيع آل فرعون. (وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) عطف على آل فرعون. (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): حال بإضمار قد أو استئناف، وقيل: الذين من قبلهم مبتدأ وكَذَّبُوا خبره (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) تهويل وتشديد للمؤاخذة.
(قُل): يَا محمد. (للذِينَ كفَرُوا سَتُغلَبُونَ): في الدنيا. (وتحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ) جهنم وهو استئناف أو تمام ما يقال لهم لما رجع (رسول الله ﷺ من بدر حذر اليهود أن ينزل عليهم ما نزل على قريش، فقالوا: لا يغرنك أن قتلت أغمارًا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت الناس فنزلت إلى قوله: " لعبرة لأولى الأبصار "، وقيل: الخطاب لقريش.
(قَدْ كَانَ لَكُمْ): أيها اليهود وقيل: أيها المشركون والمؤمنون. (آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا): يوم بدر. (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ