Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
عليه السلام والمؤمنين، (اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا): تخرجه من أماكنه، (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ): في سمتها، (كيْفَ يَشَاءُ): سائرًا وواقفًا مطبقًا وغيره إلى غير ذلك، (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أي: تارة يبسطه وتارة يجعله قطعًا، (فَتَرَى الْوَدْقَ): المطر، (يَخْرُجُ): في التارتين، (مِنْ خِلالِهِ): وسطه، (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) فاجأوا بالاستبشار، (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم): المطر، (مِن قَبْلِهِ) تكرير للتأكيد ومعنى التأكيد الدلالة على بعد عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم، (لَمُبْلِسِينَ) آيسين، عن بعض الفضلاء إن الظرف الأول لـ مبلسين، والثاني لـ ينزل، أي: ينزل من قبل وقت نزوله كما إذا كنت معتادًا لعطاء من أحد في وقت معين فتأخر عن ذلك الوقت، ثم أتاك به فتقول: قد كنت آيسًا من قبل أن تجيئني بهذا من قبل هذا الوقت، (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ): الغيث، (كَيْفَ يُحْيي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ) أي: من هو محيي الأرض، (لَمُحْييِ الْمَوْتَى): بعد إماتتهم، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا): مضرة، (فَرَأَوْهُ) الضمير لأثرها أي: النبات والزرع، (مُصْفَرًّا): من الجائحة، (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ) من بعد اصفرار الزرع، (يَكْفُرُونَ) وأما المؤمنون فيفرحون بنزول الرحمة لا فرح بطر ويشكرون ويرون الجائحة من شؤم أنفسهم ويستغفرون، واللام موطئة للقسم، وقوله " لَظَلُّوا " جواب له ساد جزاء الشرط، (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى): والكفار في عدم جدوى السماع مثلهم، (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) الأصم
стр. 1507
المقبل ربما يفطن من الكلام بمعونة مشاهدة القرائن شيئًا منه بخلاف المدبر، (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) والكفار كمن لا عين له يضل الطريق وليس لوسع أحد أن ينزع عنه العمى، ويجعله بصيرًا، (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا): ما ينفعع الإسماع إلا لمن علم الله أنه يصدق بآياته وما طبع على قلبه، (فَهُم مُّسْلِمُونَ): منقادون لما تأمرهم.
* * *
(اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)
* * *
(اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً)، يعني: ابتدأكم ضعافًا كقوله: " خلق الإنسان من عجل " [الأنبياء: ٣٧] يعني أساس أمرهم
стр. 1508
وما عليه جبلتهم الضعف، (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً): رجح إلى حالة الطفولية، (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ) فإن هذا الترديد في هذه الأحوال أظهر دليل على صانع عليم قدير، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ): القيامة، (يُقْسِمُ): يحلف، (الْمُجْرِمُونَ): المشركون، (مَا لَبثُوا) في الدنيا، (غَيْرَ سَاعَةٍ) واحدة، ومقصودهم بذلك عدم الحجة عليهم وأنَّهم لم ينظروا، أو لم يمهلوا ليؤمنوا أو مرادهم ما لبثوا في قبورهم، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الصرف، (كَانُوا يُؤْفَكُونَ)، عن الصدق في الدنيا أراد الله تفضيحهم فحلفوا على ما تحقق كذبه على الكل، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيمَانَ): ردًّا عليهم، (لَقَدْ لَبثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ): في علم الله أو اللوح المحفوظ، (إِلَى يَوْمِ البَعْثِ) يعني: مبين في كتاب الله أنكم لبثتم من ساعة، بل إلى يوم البعث، ومعلوم أنه مدة ممتدة، وعن بعض معناه: الذين أوتوا العلم في كتاب الله يعني: الذين قرءوا في القرآن، " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " [المؤمنون ١٠٠] قالوا للمنكرين: لقد لبثتم في البرزخ إلى يوم البعث، وقيل: معناه لبثتم في تصديق كتاب الله إلى يوم القيامة، (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) أي: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، (وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): لا يطلب منهم إزالة غضب الله عليهم بالتوبة، (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ): بينا لهم من كل مثل يرشدهم إلى التوحيد والبعث، (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ) أي آية كانت، (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ
стр. 1509
كَفَرُوا): من فرط عنادهم، (إِنْ أَنتُمْ) أي: ما الرسول والمؤمنون، (إِلَّا مُبْطِلُونَ): مزورون، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الطبع، (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون): فلا يدخلها إيمان ولا إيقان والأصل على قلوبهم وضع المظهر موضع المضمر لبيان جهلهم، (فَاصْبِرْ): على أذاهم، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ): فينصركم ولو بعد حين، (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ): لا يحملنك على الخفة والجزع، (الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ): المشركون.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
* * *
стр. 1510
سورة لقمان مكية
قيل إلا ثلاثًا من قوله: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام)
وهي أربع وثلاثون آية وأربع ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)
* * *
(الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) المشتمل على الحكم، أو المحكم آياته قيل: وصف كتاب الله بصفة الله على الإسناد المجازي، (هُدًى) حال عن الآيات،
стр. 1511
(وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ): أيقنوا بالدار الآخرة، والجزاء فيها فرغبوا إلى الله وأخلصوا العمل، (أوْلَئِكَ ًهُدًى مِّن ربِّهِمْ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ): في الدارين، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ)، من يحب الغناء ويختاره، والمزامير على حديث الحق أو يشتري المغنيات ويرغب الناس في سماعها أي: ذات لهو الحديث أو نزلت في من اشترى كتب أخبار سلاطين العجم، ويحدث بها قريشًا فيختارون استماعه على
стр. 1512
استماع القرآن، (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): عن دينه، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من فاعل يضل قال قتادة رضى الله عنه: بحسب المرء من الجهل أن يختار حديث الباطل على الحق أو يشريه بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة، (وَيَتَّخِذَهَا) أي: سبيل الله، (هُزُوًا): سخرية، (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ): لإهانتهم الحق، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى): أعرض عنها، (مُسْتَكْبِرًا) متكبرًا، (كَأَنْ) أي: كأنه، (لَمْ يَسْمَعْهَا)، حال أي: مشابهًا حاله بحاله أو استئناف، (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)، ثقلاً مانعًا عن الاستماع بدل من كان أو حال من فاعل لم يسمع أو استئناف، (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فيه تهكم، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ) مصدر مؤكد لنفسه، (حَقًّا) مؤكد لغيره، (وَهُوَ العَزِيزُ): الغالب المطلق، (الحَكِيمُ): في أفعاله، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا): صفة لعمد يعني لها عمد غير مرئية أو استئناف أي: ترونها لا عمد لها، (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ): جبالاً شوامخ، (أَن تَمِيدَ) كراهة أن تميد (بكُمْ) فإن الأرض كانت تضطرب قبل خلق الجبال، فلا يمكن السكون على وجهها، َ (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ): من كل صنف كثير النفع، (هَذَا خَلْقُ اللهِ): مخلوقه، (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ
стр. 1513
دُونِهِ) أي: آلهتكم حتى استوجبوا عندكم عبادتها ونصب ماذا بـ خلق أو ماذا مبتدأ وخبر أي: ما الذي خلق وحينئذ أو أروني معلق عنه، (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بضلال ليس بعده ضلال.
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لله وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) الأصح، بل الصحيح أنه ما كان نبيًّا، بل كان عبدًا صالحًا أدرك داود ﵇، وعن كثير من السلف: إنه عبد
стр. 1514
أسود آتاه الله تعالى الحكمة، وعن بعض: إن الله خيره بين النبوة، والحكمة، فاختار الحكمة فإن فيها السلامة، (أَنِ اشْكُرْ)، أي: لأن أو مفسرة فإن إيتاء الحكمة في معنى القول، (لله وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ): نفعه لا يعود إلا إليه، (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِي): لا يحتاج إلى شيء، (حَمِيدٌ): حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد، (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ)، تصغير إشفاق، (لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، نقل أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال بهما حتى أسلما، (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ): برعايتهما، (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ): تضعف ضعفًا فوق ضعف أو ذات وهن على وهن، (وَفِصَالُهُ): فطامه، (فِى عَامَيْنِ)، أي: في انقضائهما، وذلك أقصى مدة الرضاع عطف على الجملة الحالية التي هي تهن وهنًا على وهن لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المتاعب في حمله، وفصاله إيجابًا للتوصية بها خصوصًا، (أَنِ اشْكُرْ) تفسير لوصينا
стр. 1515
أو علة له، (لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فأجازيك، (وَإِن جَاهَدَاكَ): بالغاك وحرضاك، (عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: ما ليس بإله يعني: ما ليس لك علم باستحقاقه للإشراك تقليدًا للوالدين فـ " ما ليس " مفعول تشرك، (فَلَا تُطِعْهُمَا): في ذلك، (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) أي: صحابًا معروفًا مشروعًا حسنًا بخلق جميلٍ وحلمٍ وبرٍ ومروة، (وَاتبِعْ): في دينك، (سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ): رجع، (إِلَيَّ): بالتوحيد والطاعة، (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي: المولود والوالدين، (فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): بجزاء عملكم والآيتان أعني: ووصينا إلى هنا وقعتا في أثناء وصية لقمان على سبيل الاستطراد تأكيدًا لما في وصيته من النهي عن الشرك، وقد نقل أنهما نزلتا حين قالت أم سعد لسعد حين أسلم: لتدعن دينك أو لأدع الطعام والشراب حتى أموت، فأجاب: والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا بشيء إن شئت كلي وإن شئت لا تأكلي، (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا) أي: الخصلة السيئة قيل: إن لقمان قال ذلك في جواب ابنه حين قال له: إن عملت
стр. 1516
خطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؛ (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ): في أخفى مكان وأحرزه، وعن بعض إن المراد منها: صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)، أو في أعلى مكان أو أسفله، (يَأْتِ بِهَا اللهُ): يحضرها يوم القيامة للجزاء، (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ): يصل علمه إلى كل خفي، (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ): من الشدائد، (إِنَّ ذَلِكَ): الصبر أو المذكور كله، (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: مما عزمه الله أي قطعه وأوجبه من الأمور، وهو مصدر للمفعول أي من معزوماتها أو مفروضاتها، (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ): لا تمله، (لِلنَّاسِ)، كما يعمله المتكبرون، يعني: لا تعرض عن الناس بوجهك إذا كلموك تكبرًا، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) أي: لا تمرح مرحًا أو للمرح والبطر كما قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس) [الأنفال: ٤٧]، (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ): ذي تكبر، (فَخُورٍ): يفتخر على
стр. 1517
الناس، ولا يتواضع، (وَاقْصِدْ في مَشْيِكَ): توسط بين الدبيب والإسراع، (وَاغْضُضْ): وانقص وأقصر، (مِن صَوْتِكَ إِن أَنكَرَ الأَصْوَاتِ): أوحشها، (لَصَوْتُ الحَمِيرِ) أي: لصوت ذلك الجنس من الحيوان، فإنه صوت رافع لا فائدة فيه.
* * *
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِمَا
стр. 1518
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)
* * *
(أَلَمْ تَرَوْا أَن الله سَخَّرَ لَكُم مَّا في السَّمَاوَاتِ): بأن جعله أسباب منافعكم، (وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ): أوفى وأتم، (عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً): محسوسة وما تعرفونه، (وَبَاطِنَةً): معقولة وما لا تعرفونه، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ) أى: مع هذا بعض الناس يجادل في صفاته وإرساله للرسل، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) غير مستند بحجة عقلية، (وَلاَ هُدًى وَلاَ كتابٍ منِيرٍ) أي: ولا نقلية من اتباع رسول وكتاب واضح مضيء، بل قلدوا جهالهم كما قال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ): أيتبعونهم ويقلدونهم؟ ولو كان الشيطان يدعوهم إلى جهنم! (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ): انقاد لأوامر الله وتوكل عليه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ): في عمله باتباع الشرع، (فقَدِ استمسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى): اعتصم بأوثق حبل، مثل حال المتوكل المطيع بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاستمسك بأوثق عروة من حبل مأمون انقطاعه، (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأمورِ): مرجعها إليه، (وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ)، فإنه بإرادتنا ولا يضرك، (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) يعني:
стр. 1519
لا يضرك كفرهم، ونحن ننتقم منهم فعليهم ضره، (إِن اللهَ عَلِيمٌ بذَات الصُّدُورِ): فيجازيهم عليه فضلاً عن أعمالهم الظاهرة، (نمَتِّعُهُمْ): زمانًا، (قليلاً) أو تمتيعًا قليلاً، (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ): نلجئهم في الآخرة، (إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ): شديد ثقيل على المعذب، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لله)، إذ قامت الحجة عليكم باعترافكم، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): أن ذلك إلزام لهم، (للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ) المطلق لا يحتاج إلى عبادة عابد، (الحَمِيدُ): المستحق للحمد وإن لم يحمد، (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ)، عطف على محل (أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ) فإنه في المعنى فاعل لثبت المقدر بعد لو، (يَمُدُّهُ) أي: البحر وهو حال أو البحر مبتدأ ويمده خبره، والواو للحال من غير ضعف، (مِنْ بَعْدِهِ) أي: بعد ذلك البحر، (سَبْعَةُ أَبْحُرٍ)، فاعل يمده وهى للتكثير لا للحصر، وقد نقل أن في العالم سبعة أبحر محيطة بالعالم، (مَا نَفِدَتْ
стр. 1520
صفحة فارغة
стр. 1521
كَلِمَاتُ اللهِ) يعني لو ثبت أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات علم الله وحكمته لما نفدت ونفدت الأقلام والمداد وهو كقوله:
стр. 1522
(نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) نزلت حين قال أحبار اليهود: يا محمد بلغنا أنك تقول، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كُلًّا، فقالوا: إنك تتلوا إنا قد أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء، فقال ﵇: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم، وهذا يقتضي أن الآية مدنية، والمشهور أنها مكية، قال بعض السلف: أمر اليهود وفد قريش أن يسألوه وهو بمكة، (إِذ اللهَ عَزِيزٌ): لا يعجزه شيء، (حَكِيمٌ): في جميع شئونه، (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها، فإنه يكفى في الكل تعلق الإرادة، (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ): يسمع ويبصر كل مسموع ومبصر لا يشغله شأن عن شأن، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): فيطول النهار ويقصر الليل، (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ): منهما، (يَجْرِي): في فلكه، (إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى): إلى وقت معين الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر، أو الأجل المسمى يوم القيامة فحيئذ ينقطع جريهما، (وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَلِكَ) أي: اختصاصه تعالى بسعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، (بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) لسبب أنه الثابت إلاهيته، (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
стр. 1523
الْبَاطِلُ): إلاهيته، (وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) مترفع ومتسلط على كل شيء أو معناه ذلك الذي أوحى إليك بسبب بيان أنه هو الحق وأن إلهًا غيره باطل وأنه على كبيرٌ أن يشرك به.
* * *
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
* * *
(أَلَمْ تَرَ أَن الفُلْكَ تَجْرِى فِي البَحْرِ بِنعْمةِ اللهِ): برحمته وإحسانه، (لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) أي: لكل مؤمن فقد ورد " الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر " أو لأن كون الفلك وأحوالها آية لا يدرى كما هى إلا كثير الصبر والشكر ممن ركبها فلم يقلق فيها وتأمل في غرائبها ثم إذا خرج منها ما كفر، (وَإِذَا غَشِيَهُم): علاهم، (مَوْجٌ كَالظُّلَلِ): كالجبال والسحاب، (دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): لا يدعون معه غيره تركوا التقليد واتبعوا الفطرة،
стр. 1524
(فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ): متوسط في العمل لا يعمل بكل ما عهد ولا يترك كله، (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ)، الختر: أشد الغدر، (كَفُورٍ) للنعم والحاصل أن الناجي من البحر قسمان قسم بين بين، وقسم ينكر نعم الله، وأما العامل بجميع ما عهد فقليل نادر، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي): لا يقضي، (وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ): فيه، (وَلَا مَوْلُودٌ) مبتدأ، (هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، خبره قيل: تغيير للأسلوب بطريق التأكيد لقطع أطماع المؤمنين أن ينفعوا آباءهم الكفرة في الآخرة فإن آباء أكثر الصحابة ماتوا على الجاهلية، (إِنَّ وَعْدَ اللهِ): بالجزاء، (حَقٌّ): لا يمكن خُلفه، (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ): الشيطان فينسيكم عقابه ويطمعكم في رحمته بلا طاعة، (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): علم وقت قيامها عنده لا يعلمه غيره وعنده خبر علم الساعة والجملة خبر إنَّ، (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)، الظاهر أنه عطف على خبر إن ولا شبهة أن المقصود اختصاص هذا العلم لا محض القدرة على الإنزال واسم الله الجامع إذا وقع مسند إليه ثم
стр. 1525
بني عليه الخبر على إرادة تقوى الحكم أفاد تخصيصًا لا سيما إذا كان عطفًا على المختص كما حققه الزمخشري في مواضع، (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ): أنه ذكر أو أنثى لا يعلم أحد وقت نزول الغيث إلا عند أمر الله به فإنه يعلم حينئذ الملك ومن شاءه من خلقه وكذلك لا يعلم أن ما في الرحم ذكر أو أنثى إلا حين ما أمر بكونه ذكر أو أنثى شقيًّا أو سعيدًا، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا): خيرًا أو شرًّا عطف على جملة إن الله، أثبت اختصاصه به تعالى على سبيل الكناية على الوجه الأبلغ، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وإن استوفى حيلها وإذا كان حال شيء أخص به فكيف هو من معرفة ما عداهما، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ): فلا يخفى عليه خافية، وفي الحديث (مفاتح الغيب خمس) وتلا هذه الآية.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
стр. 1526
سورة السجدة مكية
قيل إلا ثلاث آيات من قوله " أفمن كان مؤمنًا "
وهي ثلاثون أو تسعٍ وعشرون آية وثلاث ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)
* * *
(الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) هو خبر (الم) إن كان (الم) اسمًا للسورة، والتنزيل بمعنى: المنزل، وإلا فخبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره قوله: (لاَ رَيبَ فيهِ) لأن نافي الريب معه، وهو كونه معجزًا، وقوله: (مِن رَّبِّ العَالَمِينَ) خبر ثان أو هو الخبر و (لا ريب
стр. 1527
فيه) اعتراض لا محل له وضمير فيه لمضمون الجملة يعني: لا ريب في كونه منزلاً من رب العالمين، (أَمْ يَقولونَ): بل أيقولون، (افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أثبت أولاً أن تنزيله من الله وأن ذلك لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك بقوله: (أم) إنكارًا لقولهم، وتعجيبًا منه لظهور بطلانه ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من الله، (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) فإنه ما أتاهم رسول منهم مبعوث إليهم ينذرهم، (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) بإنذارك، َ (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) قد مر في سورة الأعراف، (مَا
стр. 1528
مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ)، لا ولي ولا شفيع لكم من دون الله، حال مقدم، (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) بمواعظ الله، (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ): يدبر أمر الدنيا منزلاً من السماء إلى الأرض إلى يوم القيامة، فإن السماء محل حكم الله ومنه ينزل الأمور، (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) ذلك الأمر كله، أي: يصير إلى الله لأن يحكم فيه، (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وهو من يوم القيامة الذي كله خمسون ألف سنة، يوم يعرض فيه الأعمال أو معناه نزول الملك بتدبير الدنيا وعروجه في يوم واحد من أيام الدنيا ولو قطعه أحد من بني آدم لما قطعه في ألف سنة لأن المسافة بين السماء والأرض خمسمائة فالنزول والعروج لا يمكن إلا بألف سنة، والملائكة يقطعونها في يوم واحد فعلى هذا ضمير إليه للسماء أو ينزل قضاءه وقدره من السماء إلى الأرض ثم يرفع الأعمال إلى ديوانها فوق السماء بيوم واحد مع أن المسافة مسافة ألف، قيل: معناه يدبر من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض يبين ما تحت
стр. 1529
تصرفه وسلطانه، ثم يرفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بين السماء والأرض خمسمائة وسمك السماء خمسمائة أخرى، (ذلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) ما غاب عنكم وما حضر، (العَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُل شَيْءٍ خَلَقَهُ) أتقنه وأحكمه وأوفر عليه ما يستعده على وفق الحكمة، وخَلْقَه بدل اشتمال، وفي قراءة فتح اللام جملة فعلية صفة لكل شيء، (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ): آدم، (مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ): ذريه، (مِن سُلالَةٍ)، سلالة الشيء: ما استل منه، (مِّن مَّاءٍ مَّهِين): حقير مبتذل، (ثُمَّ سَوَّاهُ): قوَّمه، والضمير لآدم أو لنسله، (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) أضافه إلى نفسه تشريفًا، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا فتشكروا، (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) ما زائدة أي: تشكرون شكرًا قليلاً، (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) بأن تمزقت أجسامنا وصرنا ترابًا أو غبنا فيها، (أَإِنَّا) تكرار الهمزة لتأكيد التعجب والإنكار، (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) العامل في إذًا نُبْعَثُ الدال عليه أئنا لفي خلق جديد فإن ما بعد إن لا يعمل فيما قبله، (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ): بالبعث، (كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ): يستوفي روحكم ويميتكم، (مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ): بقبض روحكم، في الحديث
стр. 1530
(إن ملك الموت قال: يا محمد ما في الأرض بيت مدر ولا شعر إلا أنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات حتى إني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم)، (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ): للجزاء.
* * *
(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)
* * *
стр. 1531
(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ): مطأطئوها، (عِنْدَ رَبِّهِمْ)، حياءً وندمًا، (رَبَّنَا)، أي: قائلين: ربنا، (أَبْصَرْنَا) ما كذبناه، (وَسَمِعْنَا) منك تصديق رسلك، قيل معنى أبصرنا وسمعنا: أيقنا حقيقة الأمر، (فَارْجِعْنَا)، إلى الدنيا، (نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) جواب لو محذوف أي: لو ترى لرأيت العجب العجاب، ولو وإذ كلاهما للمضي فإن المترقب من الله بمنزلة الموجود، (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا): ما تهتدي به من الإيمان والأعمال الصالحة، (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) سبق وعيدي وهو (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) الذين هم في علم الله أشقياء، (أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا) أي: يقال لهم ذلك على سبيل التقريع، (بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ) أي: جازيناكم جزاء نسيانكم فهو على المقابلة أو النسيان بمعنى: الترك، (وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وهذه الآية جواب عن قولهم: (فارجعنا نعمل صالحًا) يعني: لو أردنا لهديناكم في الدنيا لكن ما أردنا، فذوقوا العذاب المقدر بسبب كسبكم العقائد الفاسدة والأعمال القبيحة، وهذا إما مفعول ذوقوا، أو صفة يومكم، وايم الله إنَّهَا لكسرت أنياب المعتزلة لكن من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا): وعظوا، (بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا): سقطوا على وجوههم ساجدين خوفًا (وَسَبَّحُوا): سبحوه عما لا يليق بجلاله، (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ): حامدين له شكرًا، (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)، عن طاعته فيتبعون رسله، (تَتَجَافَى): ترتفع وتتنحى،
стр. 1532
(جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ): عن الفرش، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ): داعين إياه، (خَوْفًا) من عقابه، (وَطَمَعًا) في ثوابه، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ): في مصارف الخير، والمراد التهجد وقيام الليل وفي الأحاديث الصحاح ما يدل عليه، وعن بعض هو صلاة العشاء والصبح فِي جماعة، وعن بعض هو صلاة الأوابين بين العشائين، وعن بعض: هو انتظار صلاة العتمة، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) ما موصولة مفعول تعلم بمعنى: تعرف، وفي الحديث القدسي (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ونعم ما قيل: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم، (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ): مما تقر به عيونهم، (جَزَاءً) أي: أخفى للجزاء أو جوزوا جزاء، (بمَا كانُوا يَعْمَلُونَ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا): خارجًا عن طاعة ربه، (لا يَسْتَوُونَ) في المثوبة والمنزلة، جمعه للحمل على المعنى، نزلت في عليٍّ ﵁ والوليد أخي عثمان من أمه بينهما تنازع فقال لعلي: إنك صبي وأنا والله أبسط لسانًا وأحد سنانًا وأشجع منك جنانًا، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق، (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى) هي المأوى الحقيقي لا الدنيا، (نُزُلًا): هو ما يحضر للنازل قبل الضيافة، منصوب على الحال من
стр. 1533
جنات، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقوا فَمَأوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا): تمنوا، (أَنْ يَخرُجُوا مِنْهَا): فصعدوا إلى أبواب جهنم، (أعِيدُوا فِيهَا): إلى أسفل دركاتها، (وَقِيلَ لَهُمْ)، إهانة: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى): مصائب الدنيا، (دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ): عذاب الآخرة، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): يتوبون عن الكفر، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) يعني: ومن أظلم ممن أذقناه المصائب الدنيوية مدة متطاولة وأريناه فيها الآيات، ثم بعد تلك الدة خاتمة أمره الإعراض، فثم وقع موقعه، لكن في سورة الكهف ذكر بالفاء لأنه ما بين أولاً إلا جدالهم مع الرسل واتخاذ الآيات هزوًا فما هو إلا أنَّهم حين رأوا رسلهم وآياتهم أنكروا بادئ الأمر من غير تأمل، (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ): المشركين (مُنْتَقِمُونَ).
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 1534
صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
* * *
(وَلَقَدْ آتيْنَا مُوسَى الكتاب) كما آتيناك، (فَلاَ تَكُن فِي مِريةٍ): شك، (مِنْ لِقَائِهِ) أي: من لقاء موسى ربه فاطمع أنت أيضًا فيه، فالإضافة إلى المفعول، هكذا فسره النبي ﵇، رواه الطبراني أو من لقائك موسى ليلة المعراج أو من تلقى موسى الكتاب بالرضاء والقبول، قيل: معناه آتينا موسى مثل ما آتيناك فلا تك في شك من أنك أوتيت مثله، فالضمير للكتاب الذي أريد به الجنس، أي: لقائك الكتاب نحو " وإنك لتلقى القرآن " [النمل: ٦]، (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَني إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ) الناس، (بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) على أوامر الله ومصائبه التي قدرها عليهم، (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) وكأن هذه الآية وعد وتسلية لنبيه ﵊ وإرشاد لأصحابه وأمته، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ): يقضي فيميز المحق من المبطل، (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من أمور دينهم، (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) عطف على مقدر مثل: ألم ينبههم، (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ) فاعل " يهد " ما يدل عليه ذلك الكلام، كأنه قال: أولم يهد لهم كثرة إهلاكنا، وكم منصوب بـ أهلكنا، وله صدر الكلام لا يعمل فيه ما
стр. 1535
قبله، (يَمْشُونَ) أهل مكة، (فِي مَسَاكِنِهِمْ) حين يسافرون للتجارة، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ): سماع اتعاظ، (أَوَلَمْ يَرَوْا) أي: ألم يسمعوا ولم يروا؟، (أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ): التي قطع نباتها، (فَنُخْرِجُ بِهِ): بالماء، (زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ): من الزرع، (أَنْعَامُهُمْ) من أوراقه، (وَأَنفُسُهُمْ) من حبوبه، (أَفَلاَ يُبْصِرُونَ) فيستدلون على كمال القدرة، (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ) أي: في أي وقت يكون النصر كما تزعم يا محمد؟ (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أن لكم وقتًا علينا تنتقمون منا، (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ): وهو يوم حلول سخط الله وعقابه، كان في نياتهم أنه لو نزل عليهم من السماء بلاء لآمنوا حين يرونها، (وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ): يمهلون، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) ولا تبال بكلامهم، (وَانتَظِرْ) موعد النصر، (إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ) حوادث الزمان عليك، قيل: انتظروا عذابهم إنهم منتظرون ذلك أيضًا، ولذلك لم يؤمنوا، وعن بعض الآية منسوخة وكان ﵇ لا ينام بالليل حتى يقرأ (تبارك) و (الم تنزيل).
والحمد للهِ وحده.
* * *
стр. 1536
سورة الأحزاب مدنية
وهى ثلاث وسبعونَ آية وتسع ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (٣) مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)
* * *
(يَا أَيُّهَا النَّبِى اتَّقِ الله): اثبت عليه، (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) نقل أن بعض قريش نزلوا على منافقي المدينة بأمان النبي ﵇ وقالوا للنبي ﷺ : ارفض
стр. 1537
ذكر آلهتنا بسوء، وقل إنَّهَا تشفع لمن عبدها ندعك وربك فأخرجهم النبي عن المدينة فنزلت، (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا): فهو أحق أن يطاع ويتبع، (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): فلا تخالفوه، ومن قرأ يعملون بالياء فمعناه إنه خبير بمكائد الكفار والمنافقين فلا تبال فإنه يدفعها عنك، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا): حافظًا موكولاً إليه كل أمر، (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) لم ير في حكمته أن يجعل لأحد قلبين لأن القلب سلطان ولا يليق بمملكة إلا سلطان واحد، (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ) والمظاهرة مثل أن تقول: أنت كظهر أُمي وفي الجاهلية بالمظاهرة تحصل الفرقة الأبدية وتصير كالأم، وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب والتباعد، (أُمَّهَاتِكُمْ): إن أمهاتكم إلا اللائي ولدنكم والأمهات مخدومات والزوجات خادمات، (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ). الذين تدعونهم ولدًا، (أَبْنَاءَكُمْ)، فإن البنوة أمر ذاتي والتبني عارضي فكيف يكون هو إياه، فحاصله أنه تعالى كما لم ير في حكمته أن يجعل لأحد قلبين فيفعل بأحدهما غير ما يفعل بالآخر لئلا يكون أحطهما فضلة غير محتاج إليه فيؤدي إلى اتصاف شخص بالعلم، والظن والمحبة والكراهة وغيرهما في حالة واحدة ولم ير أيضًا أن تكون امرأة لرجل مخدومة وخادمة وأن يكون رجل دعيًّا غير أصيل وابنًا أصيلاً وعن بعض السلف إن الأولين للثالث أي: كما لا يكون لرجل قلبان، ولا يصير غير الأم أُمًّا كذلك لا يكون الدعي ابنًا فلا تسموا زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ الذي تبناه قبل النبوة زيد بن محمد (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) [الأحزاب: ٤٠]، وعن كثير من السلف إن الأول
стр. 1538
نزل في شخص يقال له ذو القلبين يقول: لي قلبين أعقل بكلٍّ، أفضل من عقل محمد، وعن بعض: لما سها ﵇ في صلاته قال المنافقون: له قلبان، قلب معهم، وقلب معكم، (ذلِكمْ): إشارة إلى المجموع أو إلى الأخير، (قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) لا حقيقة له، (وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ): المطابق للواقع، (وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ): طريق الحق، (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) انسبوهم إليهم، وفي إفراده بالذكر إشعار إلى ما نقلنا من أن الأولين للثالث، (هوَ)، راجع إلى مصدر ادعوهم، (أَقْسَطُ) من القسط بمعنى العدل، (عِندَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ) حتى تنسبوهم إليهم، (فَإِخْوَانُكُمْ) أي: فهم إخوانكم، (فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ): أولياءكم فيه فقولوا أخي ومولاي، (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ): إثم، (فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ): فيما فعلتموه مخطئين على النسيان أو سبق اللسان، (وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبكمْ): ما تعمدت عطف على ما أخطأتم أي: وعليكم جناح فيما أو مبتدأ مقدر خبره أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح، (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) في الحديث " ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم " وفي الحديث (إن في القرآن المنسوخ، ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)، (النبِيُّ أَولى بِالْمُؤمِنِينَ مِنْ أَنفْسِهِمْ): في أمور الدارين قال عمر: لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﵇:
стр. 1539
(لا يا عمر: حتى أكون أحب إليك من نفسك) فقال: (والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء حتى من نفسي)، فقال: (الآن يا عمر)، وعن بعض المفسرين معناه: النبي أولى من بعضهم ببعضهم في وجوب طاعته عليهم، (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ): في التوقير وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر والخلوة والأصح أن لا يقال هن أمهات المؤمنات، وفي الشواذ وهو أبٌ لهم، (وَأُولُو الْأَرْحَامِ): ذوو القرابات، (بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ): في الميراث، (فى كتابِ اللهِ): في حكمه، أو في اللوح المحفوظ، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) صلة لـ أَوْلَى أي: هم بحق القرابة أولى بالميراث منهم بحق الإيمان والهجرة قال الزبير: أنزل الله فينا معشر قريش والأنصار خاصة وذلك لما قدمنا المدينة قدمنا ولا مال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإخوان فواخيناهم وأورثناهم حتى أنزل الله فينا هذه الآية فرجعنا إلى مواريثنا، (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) الاستثناء منقطع أى: لكن فعلكم إلى أحبائكم معروفًا جائز يعني: ذهب الميراث وبقي البر والإحسان والوصية، (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) أي: هذا الحكم في الكتاب القديم
стр. 1540
الذي لا يبدل مَسْطُورًا وإن كان تعالى شرع خلافه في وقت لما له من الحكمة البالغة، (وَإِذْ أَخَذْنَا) أي: اذكره، (مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ): في إقامة دينه وإبلاغ رسالته والتعاون والإنفاق، (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)، صرح بأسماء أولي العزم الخمسة من بينهم وقدم ذكر خاتم الأنبياء لشرفهم وشرفه عليهم الصلاة والسلام، (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)، عهدًا شديدًا مؤكدًا، (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) أي: فعلنا ذلك ليسأل الله الذين صدقوا عهدهم من الأنبياء عن تبليغهم تبكيتًا للكفار وقيل عن تصديقهم إياهم، (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا)، عطف على ما دل عليه ليسأل كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)
стр. 1541
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ) يعني الأحزاب لما اجتمع المشركون وأَهل الكتاب كـ يدٍ واحدٍة لعداوة المؤمنين أمر عليه
стр. 1542
السلام بحفر الخندق بشورى سلمان فنزلوا وحاصووا المدينة قريبًا من شهر، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا) أي الصَّبَا، (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا): من الملائكة أرسل تعالى بعد مدة من المحاصرة في ليلة مظلمة باردة ريحًا صرصرًا فنسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم فماجت خيولهم بعضها ببعض فقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانبهم فارتحلوا خائفين خائبين، (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ): من حفر الخندق، (بَصِيرًا إِذْ جَاءوكم) بدل من جاءتكم، (مِّن فوْقِكُمْ): من أعلى الوادي من قبل المشرق، (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ): من قبل المغرب، (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ) مالت أبصار المسلمين عن سنتها حيرة لشدة الأمر، (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ): رعبًا وهذا مثل في الاضطراب، قيل: إذا انتفخت الرئة من فزع أو غضب ارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم، (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ
стр. 1543
صفحة فارغة
стр. 1544
الظُّنُونَا)، حتى قال بعض المنافقين: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر والآن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط، والألف زيدت تشبيهًا للفواصل بالقوافي، (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ): اختبروا فظهر المخلص من المنافق، (وَزُلْزِلُوا): أزعجوا، (زِلْزَالًا شَدِيدً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) شبهة لم تطمئن قلوبهم على الإيمان، (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا): وعدًا لا وفاء له، (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) وهم المنافقون: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ) كان اسمًا للمدينة أي: أهل المدينة، (لاَ مُقَامَ لَكُمْ): لا موضع قيام لكم هاهنا أي عند النبي المصطفى في مقام المرابط، (فارْجِعُوا): إلى بيوتكم، (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ) للرجوع فإنه كان ﵇ خارجًا من المدينة بحيث أسند المسلمون ظهورهم إلى سلع ووجوههم نحو العدو والخندق بينهم، (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ): غير حصينة نخاف عليها السراق، (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ): فإنها حصينة، (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا): من القتال، (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا) يعني: لو دخلت هذه العساكر المدينة من جوانبها، (ثُمَّ سُئِلُوا): سألت هذه العساكر من قال إن بيوتنا عورة، (الفِتْنَةَ): الردة ومحاربة المسلمين، (لَآتَوْهَا) لأعطوها، (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا): بالفتنة، (إِلَّا يَسِيرًا): تلبثًا يسيرًا قدر سؤال وجواب فأسرعوا الإجابة، (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ): من قبل
стр. 1545
تلك المحاربة، (لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ): لا يفرون من الزحف، (وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا): عن الوفاء به، (قُل لن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ) فإنه لابد لكل من الموت حتف أنفه أو قتل في وقتٍ معينٍ، (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ): بعد الفرار، (إِلَّا قَلِيلاً): زمانًا قليلاً يعني: لو فرضتم أنه ينفعكم لا ينفعكم إلا قليلاً، (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا): مصيبة، (أَوْ أَرَأدَ بكُمْ) عطف على من ذا تقديره أو من ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد بكم، (رَحْمَةً) أو عطف على أرادوا العصمة بمعنى المنع مجازًا ولا حذف، (وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا): ينفعهم، (وَلَا نَصِيرًا): يدفع ضرهم، (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ): الذين يعوقون المسلمين عن معاونة النبي ﵇، (مِنكُمْ)، وهم المنافقون، (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ) من ساكني المدينة: (هَلُمَّ إِلَيْنَا): قربوا أنفسكم إلينا فنحن في ظلال وثمار وراحة في بيوتنا، عن مقاتل: أرسلت اليهود إلى المنافقين فخوفوهم وقالوا: هلموا إلينا والمنافقون كانوا يخوفون المؤمنين يقولون انطلقوا معنا إلى إخواننا، أي: اليهود، (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ): الحرب مع المؤمنين، (إِلَّا قَلِيلًا): يخرجون ولا يبارزون إلا شيئًا قليلاً، أو معناه لا يحضرون إلا زمانًا قليلاً ثم يعتذرون ويرجعون قيل هذا من تتمة قولهم يعني؛ الذين قالوا لإخوانهم هلموا إلينا، والمؤمنون لا يحاربون الكفار إلا زمانًا قليلاً فيغلبون، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) بخلاء بالشفقة أو بالنفقة أو فى الغنائم نصب على الحال من فاعل لا يأتون وهو حال من ضمير القائلين أو هما حالان من ضمير القائلين، (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ): وقت الحرب، (رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ)، في أحداقهم، (كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ) أي: كدوران عين
следующие страницы →