← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ) يعني الأحزاب لما اجتمع المشركون وأَهل الكتاب كـ يدٍ واحدٍة لعداوة المؤمنين أمر عليه

стр. 1542

السلام بحفر الخندق بشورى سلمان فنزلوا وحاصووا المدينة قريبًا من شهر، (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا) أي الصَّبَا، (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا): من الملائكة أرسل تعالى بعد مدة من المحاصرة في ليلة مظلمة باردة ريحًا صرصرًا فنسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم، وقلعت خيامهم فماجت خيولهم بعضها ببعض فقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانبهم فارتحلوا خائفين خائبين، (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ): من حفر الخندق، (بَصِيرًا إِذْ جَاءوكم) بدل من جاءتكم، (مِّن فوْقِكُمْ): من أعلى الوادي من قبل المشرق، (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ): من قبل المغرب، (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ) مالت أبصار المسلمين عن سنتها حيرة لشدة الأمر، (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ): رعبًا وهذا مثل في الاضطراب، قيل: إذا انتفخت الرئة من فزع أو غضب ارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم، (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ

стр. 1543

صفحة فارغة

стр. 1544

الظُّنُونَا)، حتى قال بعض المنافقين: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر والآن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط، والألف زيدت تشبيهًا للفواصل بالقوافي، (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ): اختبروا فظهر المخلص من المنافق، (وَزُلْزِلُوا): أزعجوا، (زِلْزَالًا شَدِيدً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) شبهة لم تطمئن قلوبهم على الإيمان، (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا): وعدًا لا وفاء له، (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) وهم المنافقون: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ) كان اسمًا للمدينة أي: أهل المدينة، (لاَ مُقَامَ لَكُمْ): لا موضع قيام لكم هاهنا أي عند النبي المصطفى في مقام المرابط، (فارْجِعُوا): إلى بيوتكم، (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ) للرجوع فإنه كان ﵇ خارجًا من المدينة بحيث أسند المسلمون ظهورهم إلى سلع ووجوههم نحو العدو والخندق بينهم، (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ): غير حصينة نخاف عليها السراق، (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ): فإنها حصينة، (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا): من القتال، (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا) يعني: لو دخلت هذه العساكر المدينة من جوانبها، (ثُمَّ سُئِلُوا): سألت هذه العساكر من قال إن بيوتنا عورة، (الفِتْنَةَ): الردة ومحاربة المسلمين، (لَآتَوْهَا) لأعطوها، (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا): بالفتنة، (إِلَّا يَسِيرًا): تلبثًا يسيرًا قدر سؤال وجواب فأسرعوا الإجابة، (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ): من قبل

стр. 1545

تلك المحاربة، (لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ): لا يفرون من الزحف، (وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا): عن الوفاء به، (قُل لن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ) فإنه لابد لكل من الموت حتف أنفه أو قتل في وقتٍ معينٍ، (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ): بعد الفرار، (إِلَّا قَلِيلاً): زمانًا قليلاً يعني: لو فرضتم أنه ينفعكم لا ينفعكم إلا قليلاً، (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا): مصيبة، (أَوْ أَرَأدَ بكُمْ) عطف على من ذا تقديره أو من ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد بكم، (رَحْمَةً) أو عطف على أرادوا العصمة بمعنى المنع مجازًا ولا حذف، (وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا): ينفعهم، (وَلَا نَصِيرًا): يدفع ضرهم، (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ): الذين يعوقون المسلمين عن معاونة النبي ﵇، (مِنكُمْ)، وهم المنافقون، (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ) من ساكني المدينة: (هَلُمَّ إِلَيْنَا): قربوا أنفسكم إلينا فنحن في ظلال وثمار وراحة في بيوتنا، عن مقاتل: أرسلت اليهود إلى المنافقين فخوفوهم وقالوا: هلموا إلينا والمنافقون كانوا يخوفون المؤمنين يقولون انطلقوا معنا إلى إخواننا، أي: اليهود، (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ): الحرب مع المؤمنين، (إِلَّا قَلِيلًا): يخرجون ولا يبارزون إلا شيئًا قليلاً، أو معناه لا يحضرون إلا زمانًا قليلاً ثم يعتذرون ويرجعون قيل هذا من تتمة قولهم يعني؛ الذين قالوا لإخوانهم هلموا إلينا، والمؤمنون لا يحاربون الكفار إلا زمانًا قليلاً فيغلبون، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) بخلاء بالشفقة أو بالنفقة أو فى الغنائم نصب على الحال من فاعل لا يأتون وهو حال من ضمير القائلين أو هما حالان من ضمير القائلين، (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ): وقت الحرب، (رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ)، في أحداقهم، (كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ) أي: كدوران عين

стр. 1546

من يغشى عليه، (مِنَ الْمَوْتِ): من معالجة سكراته، (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ): ضربوكم، (بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ): لأجل الغنيمة وغيرها، (أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ) بخلاء على الغنيمة، أو ليس فيهم خير فهم جمعوا بين البخل والجبن وقلة الحياء وعدتم الوفاء، (أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ): أبطل جهادهم وصلاتهم وصيامهم ومثل ذلك، (وَكَانَ ذَلِكَ): الإحباط، (عَلَى اللهِ يَسِيرًا): هينًا، وهذا كما في الحديث " ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي واد أهلكه "، (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا): يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا، (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ): كرة ثانية مع ما رأوا من كيفية فرارهم وعدم ظهورهم وقرارهم، (يَوَدُّوا): تمنوا، (لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ): خارجون إلى البدو، (فِي الْأَعْرَابِ): حاصلون فيهم، (يَسْأَلُونَ): الناس، (عَنْ أَنْبَائِكُمْ) يعني: يتمنون أن لم يكونوا بينكم ويسألون الناس عما جرى عليكم، (وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ)، هذه الكرَّة ولم يفرُّوا ولم يرجعوا إلى المدينة، (مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا): رياء. * * * (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ

стр. 1547

وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧) * * * (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ): هو من باب التجريد جرد من نفسه الزكية شيئًا يسمى قدوة يقتدى به سيما في مقاساة الشدائد وثبات القلب في الحرب، (لمَن كَان) صلة لحسنة لا لأسوة لأنها قد وصفت أوصفة لها أو بدل بعض من لكم، (يَرْجُو اللهَ) أي: لقائه، (وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) أي: نعيمه أو يخاف عذابهما، (وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ

стр. 1548

وَرَسُولُهُ) عن ابن عباس وغيره يعنون قوله تعالى: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " [البقرة: ٢١٤]، (وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ): في الوعد، (وَمَا زَادَهُمْ) ذلك البلاء والضيق، (إِلَّا إِيمَانًا) باللهِ، (وَتَسْلِيمًا): انقيادًا لأوامره، (مِنَ الُمؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهدُوا اللهَ عَلَيْهِ) فثبتوا وقاتلوا، يقال: صدقه الحديث أي: قال له الصدق في الحديث والعاهد إذا وفي بالعهد فكأنه قال له الصدق، (فَمِنْهُم مَّن قَضىَ نَحْبَه)، النحب: المدة أي: استشهد كحمزة وأنس بن النضر، (وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ) أي: الشهادة، كعثمان - رضى الله عنهم - أو معناه، ومنهم من قضى نذره فإن أنس بن النضر لما غاب عن غزوة بدر نذر وقال: لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد ليرين الله ما أصنع، فقاتل يوم أحد حتى قتل، ووجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية، (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا): ما غيروا العهد شيئًا من البديل، والتغيير فيه تعريض على المنافقين بالتبديل، (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، اللام متعلق بمعنى قوله: " ولما رأى المؤمنون الأحزاب " كأنه قال: إنما ابتلاهم الله برؤية هذا الخطب ليجزي الصادقين، ويعذب المنافقين، أو متعلق بما بدلوا مع ما يفهم منه بالتعريض، كأنه قال: ما بدل المؤمنون وبدل المنافقون ليجزي، الآية، (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا): فيقبل توبة من تاب، (وَرَدَّ اللهُ الَّدينَ كَفَرُوا) أي: الأحزاب، (بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خيْرًا) هما حالان أي: المتغيظين غير ظافرين، (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) بالريح والملائكة، (وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا) على إيجاد ما شاء، (عَزِيزًا): غالبًا مطلقًا، (وَأَنزَلَ)

стр. 1549

الله، (الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ): عاونوا الأحزاب، (مًنْ أَهْلِ الكِتَابِ) يعني: بني قريظة نقضوا عهد رسول الله صلى الله كليه وسلم مع أن أباءهم نزلوا الحجاز قديمًا طمعًا في اتباع النبي الأمي المكتوب في التوراة، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، (مِن صيَاصِيهِمْ): حصونهم، (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْب): الخوف، (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ): رجالهم، (وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا): نساءهم وذراريهم، لما انهزمت الأحزاب رجع رسول الله إلى المدينة، وكان على ثناياه نقع الغبار جاء جبريل وقال: أو قد وضعت السلاح؟! لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة، وقاتلهم فخرجوا إلى حصونهم وحاصروهم خمسة وعشرين ليلةً ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وتقسيم أموالهم، (وَأَوْرَثكُمْ أَرْضَهُمْ): مزارعهم، (وَدِيَارَهُمْ): حصونهم، (وَأَمْوَالَهُمْ)، من النقود والمواشي، (وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا): خيبر أو مكة أو فارس والروم، أو كل أرض تفتح إلى القيامة، (وَكانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَدِيرًا). * * *

стр. 1550

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا): السعة والمال، (وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ): أعطيكن متعة الطلاق، (وَأُسَرِّحْكُنَّ): أطلقكن، (سَرَاحًا جَمِيلًا): طلاقًا من غير ضرار، (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ

стр. 1551

الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ) من: للتبيين (أَجْرًا عَظِيمًا) يستحقر دونه الدنيا برمتها، نزلت حين سألن ثياب الزينة، وزيادة النفقة بغيرة بعضهن على بعض، فلما نزلت بدأ بعائشة فاختارت الله ورسوله ثم خير سائرهن فاخترن كما اختارت، وأكثر أهل العلم على أنه لم يكن تفويض الطلاق فلم يقع بنفس الاختيار، بل لو اخترن الدنيا طلقهن، ثم الأكثرون على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لا يقع شيء ولو اختارت نفسها يقع واحدة رجعية عند الشافعي بائنة عند أبي حنيفة، (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ): كبيرة، (مُبَيِّنَةٍ): ظاهر قبحها، عن ابن عباس هي النشوز وسوء الخلق، (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ): ضعفي عذاب غيرهن، فإن الذنب أقبح من العارفين والشرط لا يقتضي الوقوع قال تعالى: " قل إن كان للرحمن ولد " [الزخرف: ٨١]، (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) هينًا، لا ينظر إلى كونهن نساء نبيه، بل هو السبب (وَمَن يَقْنُتْ): يطع، (مِنْكُنَّ لله وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ): مثلي ثواب غيرها، وتعمل بالتاء وبالياء محمول على معنى من وعلى لفظه، (وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)، في أعلى

стр. 1552

عليين من الجنة، (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) أي: لستن كجماعةٍ واحدة من جماعات النساء، وأصل أحد وحد بمعنى: واحد، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه التذكير والتأنيث والواحد وما وراءه، (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ): راعيتنَّ التقوى، (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ): لا تكلمن كلامًا لينًا خنثًا، يعني لابد لكن من الغلظة في المقالة مع الأجانب، (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ): فجور أو نفاق، (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) يرتضيه الدين والإسلام من غير خضوع، (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) من وقر أو من قرَّ، والأمر منه اقْرُرْنَ أو اقْرَرْنَ حذفت الأولى من الرائين بعد نقل حركتها إلى ما قبلها كظلن وظللن، (وَلاَ تَبَرَّجْنَ) التبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، (تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى): جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق في الإسلام، أو الأولى لا أخرى لها كما قيل في أهلك عادًا الأولى، أو الأولى: زمن داود وسليمان أو زمن نمرود، فإن المرأة تلبس درعًا من لؤلؤ وتخرج عارضة نفسها على الرجال، (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ) في جميع ما أمركن ونهاكن، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ): خبائث القلب، أو ما ليس لله فيه رضا، (أَهْلَ البَيْتِ) نصب على النداء أو على المدح، (وَيُطَهِّرَكُمْ) عن الذنوب، (تَطْهِيرًا) في مسلم (إن عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا جاءوا فأدخلهم النبي ﷺ -

стр. 1553

في كساء من شعر أسود كان عليه، ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم " الآية، وفي مسند الإمام أحمد وغيره بروايات عن أم سلمة: " أنه ﵇ كان في بيتها، فجاء علي وفاطمة وابناهما وجلس عنده على كساءٍ خيبري فأنزل الله هذه الآية، فأخذ فضل الكساء وغطاهم به ثم أخرج يده وألوى إلى السماء، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيني فأذهب الرجس عنهم، وطهرهم تطهيرًا، قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله، فقال: (إنك إلى خير، إنك إلى خير) "، والأحاديث التي هى أصرح في هذا المعنى كثيرة، والأصوب أن أزواجه المطهرات من أهل بيته، وإذا كان أزواجه من أهل بيته فهؤلاء أحق وأولى بهذه التسمية، وهذا مثل ما نقلنا في آية " لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى " [التوبة: ١٠٨]، (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ) أمرهن أن لا ينسين النعمة الجليلة القدر، وهي ما يتلى في بيوتهن من الْكِتَاب الجامع بين أمرين، (إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) فلذلك خيركن ووعظكن. * * * (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ

стр. 1554

فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) * * * (إِن المُسْلِمِينَ): المنقادين لأمر الله، (وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ): المصَدقين بما يجب التصديق به، (وَالْمُؤْمناتِ وَالْقَانِتِينَ): المداومين على الطاعة، (وَالْقَانِتَاتِ

стр. 1555

وَالصَّادِقِينَ) في جميع الأحوال، (وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ): على المصائب، (وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ): المتواضعن لله، (وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ): المحسنين إلى الناس، (وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ) عن سعيد بن جبير من صام بعد الفرض ثلاثة أيام من كل شهر دخل في الصائمين، (وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) عن الحرام، (وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) في الحديث " من أيقظ امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات "، (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً)، لذنوبهم، (وَأَجْرًا عَظِيمًا) عن أم

стр. 1556

سلمة أنها قالت: " قلت يا نبي الله ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال، فنزلت "، (وَمَا كانَ): ما صح، (لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) أي: أن يختاروا من أمر الله ورسوله ما شاءوا، بل يجب عليهم اتباع اختيار رسول الله وترك رأيهم، وجمع ضمير لهم علي المعنى فإن المؤمن والمؤمنة وقعا تحت النفي، (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) لما خطب النبي ﵇ زينب بنت جحش ابنة عمته لمولاه زيد بن حارثة فامتنعت نزلت ثم أجابت، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ): بالإسلام، (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ): بالعتق وهو زيد اشتراه في الجاهلية وأعتقه وتبناه، (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) زينب حين قال: أريد أن أطلقها، (وَاتَّقِ اللهَ) فيها ولا تطلقها، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) أي: شيئًا الله مظهره، وهو علمه بأن زيدًا سيطلقها وهو ينكحها، فإن الله قد أعلمه بذلك أو ميل قلبه إليها وإلى طلاقها، فإن نفسه الأقدس مالت إليها بعد أن تزوجها زيد (١)، (وَتَخْشَى النَّاسَ): تكره

стр. 1557

قالتهم وتعييرهم، (وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) فلا تأمر بما تعلم يقينًا أنه لا يتم، أو فلا تظهر بلسانك ما تحب بقلبك غيره، فإن الأنبياء ﵈ مأمورون بتساوي الظاهر والباطن، (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ منْهَا وَطَرًا): حاجة، (زَوجْنَاكَهَا) بعد طلاقها وانقضاء عدتها بلا ولي من بشر ولا شاهد ولا مهر، ولهذا تقول افتخارًا: زوجني الله من فوق سبع سماوات والسفير جبريل، (لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاج أَدْعِيَائِهِمْ) بالبنوة، (إِذَا قَضَوْا مِنْهُن وَطَرًا) أي: دخلوا عليهن، قيل قضاء الوطر: كناية عن الطلاق يعني لئلا يظن أن حكم الأدعياء حكم الأبناء، فإنه جاز أن يتزوج موطوءة دعيه، (وَكَان أَمْرُ اللهِ): قضاءه، (مَفْعُولًا): مكونًا لا محالة، (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ): قدر وقسم له، (سُنَّةَ اللهِ): سن ذلك سنة، (فِى الذينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) من الأنبياء أي: كثرة الأزواج سنة الأنبياء وطريقتهم من قبل، (وَكَان أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا): قضاءه قضاء مقضيًّا، (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ)، صفة مادحة للذين خلوا، (وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ) فلا يمنعهم شيء من الإبلاغ بوجه فيه تهييج، بأن يسلك هو ﵇ طريقتهم، ولذلك قالت عائشة: لو كتم محمد ﵇ شيئًا من

стр. 1558

الوحي لكتم " وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ "، (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا): كافيًا للمخاوف، (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ من رِّجَالِكُمْ) حتى يثبت بينه وبينه ما بين الوالد والولد من حرمة المصاهرة وغيرها، والمراد ولده لا ولد ولده، وأما قاسم وإبراهيم وطاهر مع أنَّهم لم يبلغوا مبلغ مبلغ الرجال، فما كانوا من رجالهم، (وَلَكِن رسُولَ اللهِ) أي: ولكن كان رسول الله، (وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ): آخرهم، وعيسى ﵇ ينزل بدينه مؤيدًا له، (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فهو أعلم حيث يجعل رسالته. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (٤٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ

стр. 1559

يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)، في الحديث (أكثروا ذكر الله حتى يقال مجنون)، وعن ابن عباس رضى الله عنه: ما فرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً): أول النهار، (وَأَصِيلًا) وآخره خصوصًا، وعن بعض: المراد صلاة الصبح والعصر أو

стр. 1560

العصر والعشائين، (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ): يتعطف الله وملائكته عليكم ويترحمون، فإن استغفارهم تعطف سيما وهم مستجابوا الدعوة، (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ): من ظلمات الكفر والمعاصي، (إِلَى النُّورِ): نور الإيمان والطاعة، (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ) إضافة المصدر إلى المفعول، (يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ) في الجنة أو عند الموت، (سَلامٌ) أي: يسلم الله عليهم وعن قتادة تحية بعضهم بعضًا في الدار الآخرة (سلام)، (وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا): الجنة ونعيمها، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) لله بالوحدانية أو على الناس بأعمالهم في القيامة، وهو على الثاني حال مقدرة، (وَمُبَشِّرًا) للمؤمنين، (وَنَذيرًا)، للكافرين، (وَدَاعِيًا) للخلق، (إِلَى اللهِ): إلى توحيده وطاعته، (بِإِذْنِهِ): بتيسيره قيد الدعوة به، إيذانًا بأنه أمر صعب لا يتيسر إلا بإعانته، (وَسِرَاجًا مُنِيرًا): بينًا أمره يستضاء به عن الجهالة، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على محذوف، مثل: فراقب أحوال الناس، وصفه بخمسة أوصاف وحذف مقابل الأول لأن الباقي كالتفصيل له، فيكون وبَشِّرِ في مقابلة مبشرًا، (بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا) كتضعيف الحسنات، (وَلاَ تُطِع الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) دم واثبت على ما أنت عليه، وهو مع قوله، (وَدَعْ أَذاهُمْ) مقابل لـ نذيرًا أي: دع إيذاءهم إياك اصبر عليها ولا تغتم به، أو إيذاءك إياهم ولا تجازيهم، (وَتَوَكلْ عَلَى اللهِ) مقابل لـ داعيًا، فإن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا): موكولاً إليه الأمور وهو مقابل لـ سراجًا فإن من جعله برهانًا جدير بأن يكتفى به، وجاز أن يكون دع في مقابلة داعيًا، فإن الداعي للخلائق لابد له من الصبر، والمواساة حتى يتم له الأمر، وتوكل في مقابلة سراجًا وكفى بالله تأييد وتأكيد

стр. 1561

للتوكل، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ): تجامعوهن، (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا): تستوفون عددها، وقوله: (المؤمنات) تحريض على نكاحهن، وظاهر الآية إن العدة بعد الجماع لا بمجرد خلوة، وأن الطلاق بعد النكاح، وعليه جمهور السلف، (فَمَتِّعُوهُنَّ) بنصف الصداق إن كان لهن صداق، وإلا فالمتعة على قدر حاله، وعن بعض المتعة غير النصف وهو أمر ندب، وعن بعض أمر وجوب، (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) من غير ضرار ومنع حق، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ): مهورهن وتعجيل إعطاء المهر سنة، (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ): مما غنّمك الله من دار الحرب، (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ

стр. 1562

وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ) لا كالنصارى فإنهم لا يتزوجون امرأة بينه وبينها سبعة أجداد، ولا كاليهود يتزوج أحدهم ابنة أخيه وأخته، (اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ) إلى المدينة لا يحل له غير المهاجرات، وعن بعض معناه: اللاتي أسلمن، (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) دون غيرها، نصبها بـ أحللنا لأن معنى أحللنا قضينا أو أعلمنا حلها، فلا ينافي الماضي الشرط المستقبل، أو نقول أحللنا جواب الشرط بحسب المعنى والحقيقة، فهو أيضًا مستقبل، (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) أي: طلب نكاحها يعني هبتها نفسها منه لا توجب حلها إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، عدل إلى الغيبة ثم إلى الخطاب بقوله: (خَالِصَةً لكَ مِن دُون الُمؤْمِنِين) للإيذان بأنه مما خص به لشرف النبوة والخطاب أدخل في التخصيص، والاسم في التعظيم والأصح أنه ينعقد في حقه ﵇ بلفظ الهبة من غير ولي وشهود ومهر، وعند بعض لا ينعقد في حقه أيضًا إلا بلفظ الإنكاح واختصاصه في ترك المهر فقط، ونصب خالصة على المصدر المؤكد لمضمون جملة " امرأة مؤمنة " إلخ، أو على الحال من ضمير " وهبت " أو تقديره: هبة خالصة لك (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ)، من حصرهم في أربع نسوة واشتراط عقد ومهر وشهود، (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، من توسيع الأمر فيها، (لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ)، متعلقه خالصة أي: اختصصتك بأشياء في التزوج لئلا يكون عليك ضيق فقوله: " قد علمنا " إلى " أَيْمَانُهُمْ " معترضة بين خالصة ومتعلقها، (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا) للزلات، (رحِيمًا) بالتوسعة، (تُرْجِي) تؤخر، (مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ): من نسائك ومن الواهبات، (وَتُؤْوِي): تضم، (إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ): من نسائك والواهبات، يعني: أنت بالخيار في أمرهن قد

стр. 1563

حطَّ عنك القسم فلا يجب عليك بعد، وفي أمر الواهبات إن شئت قبلت وإن شئت رددت، (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ): طلبت وأردت إصابتها، (مِمنْ عَزَلْتَ): من النساء اللاتي عزلتهن عن القسمة، (فَلاَ جُنَاحَ عَيكَ) في ذلك، (ذَلِكَ) التفويض إلى مشيئتك من غير وجوب القسم، (أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) أي: أقرب إلى قرة عيونهن، وقلة حزنهن ورضاهن جميعًا، فإنه إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا فرحن به، وحملن جميلتك في ذلك واعترفن بعدلك وكمال إنصافك في قسمك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بفسحة من الله لك ورضاه، فتطمئن نفوسهن، وعن بعض معناه تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء، ومن ابتغيت ممن طلقت بالرجعة فلا إثم، والتفويض إلى رأيك أقر لرضاهن، لأنك لو لم تطلقهن حملن في ذلك جميلتك " وكلهن " تأكيد لفاعل " يرضين "، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) من الميل إلى بعضهن مما لا يمكن دفعه، (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) فلا يؤاحذكم بما في قلوبكم، (لاَ يَحِل لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)، من بعد هؤلاء التسع فلا يجوز لك العشرة فما فوقها، (وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِن مِنْ أَزْوَاج): بأن تطلق واحدة من هؤلاء وتتزوج بدلها أخرى، (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسنهُنَّ) أي: مفروضًا إعجابك بهن، حال من فاعل تبدل، وعن

стр. 1564

كثير من السلف: لما خيرن بين الدنيا والآخرة فاخترن الآخرة كما تقدم جازاهن الله بتحريم التزويج لغيرهن، ثم نسخ حكم هذه الآية كما دل عليه الأحاديث الصحاح وأباح له التزوج أي عدد أراد لكن لم يقع منه بعد ذلك لتكون المنة له ﵇ وعن بعض معناه: لا يحل لك النساء من بعد الأجناس الأربعة التي مر ذكرها في قوله: " إنا أحللنا " الآية، فلا يحل له عربية غير بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، ولا غير مهاجرة وإن كانت قريبة، ولا غير مؤمنة فقوله " ولا أن تبدل بهن " على هذا تأكيد بخلافه في المعنى الأول، (إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) استثناء متصل من النساء المتناول للأزواج والإماء، أو منقطع، (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) فلا تتخطوا عما حدَّ لكم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ

стр. 1565

وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) أي: إلا وقت أن يؤذن لكم أو إلا مأذونًا، أو إلا بأن يؤذن لكم، (إِلَى طَعَامٍ) متعلق بـ يؤذن لتضمينه معنى يدعى، (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ): غير منتظرين إدراكه أو وقته، حال من ضمير لكم، نهى عن جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد، يعني: لا ترقبوا طبخ الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضوا للدخول فإنه مذموم، (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا): اخرجوا من بيته ولا تمكثوا فيه، (وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ

стр. 1566

لِحَدِيثٍ) أي: لحديث بعضكم بعضًا عطف على ناظرين، (إنْ ذلِكُمْ) المكث، (كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ): من إخراجكم، (وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) أي: الله لا يمتنع ولا يترك الحق ترك الحيي منكم، يعني: إن إخراجكم حق ينبغي أن لا يتسحيي منه، نزلت حين تزوج زينب، وأولم، فلما طعموا جلس ثلاثة منهم متحدثين، فخرج ﵇ من منزله ثم رجع ليدخل وهم جلوس، وكان ﵇ شديد الحياء فرجع، (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا): حاجة، (فَاسْأَلُوهُنَّ) المتاع، (مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)، أي: ستر، هذه آية الحجاب نزلت في ذي القعدة من السنة الخامسة أو الثالثة من الهجرة، (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) من وساوس الشيطان والريبة، (وَمَا كَانَ): ما صح، (لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) بوجه، (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) نزلت في رجل من الصحابة همَّ أن ينكح بعض نسائه إن قبض، واختلف في المطلقة بعد الدخول، هل تحل؟ على قولين، أما مطلقته قبل الدلخول فلا نزاع في حلها، (إِنَّ ذَلِكُمْ) إيذاءه ونكاح نسائه، (كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا إِن تُبْدُوا شَيْئًا) كنكاحهن على ألسنتكم، (أَوْ تُخْفُوهُ)، في صدوركم، (فَإِنَّ اللهَ كَانَ بكُلّ شَيْءٍ عَلِيمًا)، قيل: لما نزلت الحجاب قال رجل: ما لنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا، فنزل قوله: (إن تبدوا شيئًا) الآية، (لاَ جُنَاحَ) لا إثم، (عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) أي: في ألا يحتجبن من هؤلاء سئل عكرمة والشعبي: عن سبب ترك ذكر العم والخال؟ فقالا: لأنهما يصفانها لبنيهما، وقيل: لأنهما بمنزلة الوالدين فلا حاجة، (وَلاَ نِسَائِهِنَّ) أي: المؤمنات، (وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ):

стр. 1567

من العبيد والإماء، وقد مر بسطه في سورة النور، (وَاتَّقِينَ اللهَ) في السر والعلانية، (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) لا يخفى عليه شيء (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ): يترحمونه ويعظمونه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) قولوا: اللهم صل على محمد وسلم، (إِن الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ) فينسبون إليه ما لا يليق بكبريائه كقولهم: (يد الله مغلولة) [المائدة: ٦٤]، (وَرَسُولَهُ) بالطعن فيه وفيما يتعلق به، أو المراد من إيذائهما فعل ما يكرهانه، (لَعَنَهُمُ اللهُ): أبعدهم من رحمته، (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا)، يعني: عذابًا جسديَّا وروحانيًّا، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الُمؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا): بغير جناية واستحقاق للأذى، (فقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانا وَإِثْمًا مُّبِينًا) عن مقاتل: نزلت فى الذين يؤذون علي بن أبي طالب، ويسبونه، وفي الترمذي " قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟، قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قال: أفرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: (إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ".

стр. 1568

* * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الجلباب: رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجههن وأبدانهن، (ذلِكَ أَدْنَى): أقرب، (أَنْ يُعْرَفْنَ) أنهن حرائر ويميزن من الإماء، (فَلَا يُؤْذَيْنَ) بالتعرض لهن، كان ناس من الفساق يتعرضون للإماء حين كانت تخرجن في الليالي، فأُمرت الحرائر بإرخاء الجلباب لتتميز الحرائر من الإماء، (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا) لما سلف من ترك التستر، (رحِيمًا) بعباده حيث يأمرهم بجزئيات مصالحهم، (لَئِن لَمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ): عن نفاقهم، (وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم

стр. 1569

مَّرَضٌ): ضعف إيمان، وهم الزناة عن فجورهم، (وَالْمُرْجِفون): المخبرون على غير حقيقة عن فعلتهم، (فِي الْمَدِينَةِ) وهم الذين يخبرون عن سرايا المسلمين بأخبار سوء، (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ): نسلطنك عليهم ونأمرنك بقتالهم، (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا): في المدينة عطف على لنغرينك بـ ثم، كأنه قال: لئن لم ينتهوا ليحصل لهم خطبان عظيمان الثاني أعظم عليهم فإن الجلاء من الأوطان أعظم المصائب، (إِلَّا قَلِيلًا): زمانًا قليلاً وذلك بأن يضطروا إلى الجلاء، (مَلْعُونينَ) نصب على الذم، وقيل: حال من فاعل يجاورون بأن دخل إلا على الظرف والحال معًا يعني: لا يجاورن فى زمن من الأزمنة وفي حال من الأحوال إلا قليلاً ملعونين وفيه ضعف، (أَيْنمَا ثُقِفُوا): وجدوا، (أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) وهذا الحكم فيهم على جهة الأمر، وكأن المنافقين والفجار والمرجفين كانوا قومًا واحدًا هم المنافقون، ذكرهم الله بثلاث خصائلهم، (سُنَّةَ اللهِ) أي: سن الله سنته، (فِى الَّذينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) في الذين ينافقون الأنبياء، أن يقتلوا حيث وجدوا، (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا): تغييرًا، فإنه لا يغير سنته، (يَسْألكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ): عن وقت قيامها؟ (قُل إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ) لم يطلع عليه أحدًا، (وَمَا يُدْرِيكَ)؟ أي شيء يعلمك وقتها، (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونَ قَرِيبًا)، تذكير قريبًا لأن الساعة بمعنى اليوم، أو لأنه صفة محذوف،

стр. 1570

أى: شيئًا أو زمانًا قريبًا، أو لأنه بوزن فعيل الذي يستوى فيه الصيغ، (إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا): نارًا شديدة الإيقاد، (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا): يحفظهم، (وَلَا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ): تصرف من جهة إلى جهة كلحمة تدور في القدر إذا غلت، أو المراد طرحها في النار مقلوبين منكوسين، (يَقُولُونَ) هو ناصب يوم: (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا): هم الذين لقنوهم الكفر، (فَأَضَلونَا السَّبِيلاْ رَّبنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذَاب) أي: من عذابنا، أو من هذا العذاب الذي عذبتهم به، فإنهم أحقاء لزيادة لعذاب، (وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا): هو أشد اللعن وأعظمه. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (٦٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣) * * *

стр. 1571

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) حين نسبوه إلى برص وأدرة لفرط تستره حياء، أو حين نسبوه إلى قتل أخيه هارون، (فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا)، بأن أظهر براءته من مضمون مقولهم مؤداه بمعجزة، (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا) ذا وجاهة ومنزلة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا): قاصدًا إلى الحق عدلاً صوابًا، (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) بالقبول يعني يتقبل حسناتكم أو يوفقكم للأعمال الصالحة، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فإن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير، (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، أظفر بالخير كله، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ)، الطاعة والفرائض، (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 1572

وَالْجِبَالِ)، بأن قلنا لهن: هل تحملن الأمانة وما فيها؟ قلن بعد أن أنطقهن الله: وأى شيء فيها؟، قلنا: إن أحسنتن أثبناكن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا طاقة لنا ولا نريد الثواب، (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ): خفن، (مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ): آدم لما عرضنا عليه، (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا) لنفسه بتحمله ما يشق عليها، (جَهُولًا) بوخامة عاقبته، عن كثير من السلف: ما كان بين قبول الأمانة، وبين خطيئته إلا قدر ما بين العصر إلى الليل (١)، ذكر الزجاج وبعض العلماء أن الأمانة في حق السماوات والأرض والجبال الخضوع والانقياد لمشيئة الله وإرادته، وفي حق بني آدم الطاعة والفرائض، ومعنى " أبين أن يحملنها " على هذا: أدَّين الأمانة ولم يخنَّ فيها، وخرجن عن عهدتها، وحملها الإنسان خان فيها وما خرج عن عهدتها، يقال: فلان حامل الأمانة ومحتملها، أي لا يؤديها إلى صاحبها، وقد نقل عن الحسن مثل ذلك، والظلومية والجهولية باعتبار الجنس، قال الإمام الرازى: أي من شأنه الجهل والظلم،

стр. 1573

كما تقول: الماء طهور والفرس جموح، (لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) تعليل للعرض يعني عرضناها ليظهر نفاقهم فيعذبهم ويظهر إيمانهم فيتوب عليهم، ويعود بالرحمة والغفران عليهم إن حصل منهم تقصير وللإشارة إلى تقصير الأكثرين، قال: " ويتوب الله " أو تعليل للحمل واللام للعاقبة، (وَكَانَ اللهُ غَفورًا رحِيمًا)، حيث يقبل التوبة ويثيب. والحمد لله على لطفه وفضله. * * *

стр. 1574

سورة سبأ مكية قيل إلا قوله (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) الآية وهى أربع وخمسون آية وست ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) * * *

стр. 1575

(الْحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأرْضِ) كلها منه نعمة وفضلاً، فهو الحقيق بالحمد وحده في الدنيا، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) لأن ما في الآخرة أيضًا خلقه، وهم المنعم عليه فيها بلا وساطة أحد، (وَهُوَ الْحَكِيَمُ الْخَبيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) يدخل، (فِى الأرْضِ): كالدفائن والأموات والبذور، (وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا): كالحيوان والنبات، (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّماء)، كالمطر والملك والأرزاق، (وَمَا يَعرُجُ فِيهَا) كالملك والأعمال الصالحة، (وَهُوَ الَرَّحِيمُ الْغَفُورُ): للمقصرين في شكر تلك النعم، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ): القيامة، إنكارًا للبعث، (قُلْ بَلَى وَرَبِّي) إثبات لما نفوه بآكد وجه، (لَتَأْتِيَنَّكُمْ): الساعة، (عَالِمِ الْغَيْبِ)، بالجر صفة ربي، وبالرفع على تقدير هو عالم وصفه بهذه من بين الصفات لأن السَاعة من أدخل المغيبات في الخفية، (لا يَعْزُبُ): لا يبعد، (عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرة فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ): مقدار أصغر نملة، (وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مبينٍ) هو كلام منقطع عما قبله بالرفع، أو الفتح كلا حول ولا قوة إلا بالله، (لِيَجْزِيَ): الله، (الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِِ) متعلق بقوله: " لتأتينكم " (أُولَئِكَ لَهُمْ مَغفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): في الجنة بلا تعب ومنَّة، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا): بالإبطال، (مُعَاجِزينَ): مفوتين على زعمهم يحسيون أنَّهم يفوتوننا، (أُولَئِكَ

стр. 1576

لَهُمْ عَذَابٌ منْ رِجْزٍ): سيئ العذاب، (أَلِيمٌ): مؤلم، (وَيَرَى): يعلم، (الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، كمؤمني أهل الكتاب، أو كالصحابة ومن تبعهم، (الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: القرآن، (هُوَ الْحَقَّ)، ثاني مفعولي يرى والضمير فصل، وقراءة الرفع على أنهما مبتدأ وخبر والجملة ثاني مفعوليه، قيل ويرى عطف على ليجزي أي: ليرى أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عيانًا كما علموه الآن برهانًا، (وَيَهْدِي): القرآن، أو الذين أوتوا العلم، (إِلَى صِرَاطِ الْعَزيز الْحَمِيدِ) هو دين الإسلام، (وَقَالَ الذِينَ كَفرُوا) أي: بعضهم لبعض، (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ) يعنون أصدق الصادقين ﵊ (يُنَبِّئُكُمْ): يحدثكم بمحال عجيب، (إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ): فرقتم وقطعتم كل تفريق وتقطيع ولما كان ما بعد إن لا يعمل فيما قبله فعامل إذا محذوف يدل عليه قوله: (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: تنشأون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا ترابًا، (أَفْتَرَى) أي: أفترى، (عَلَى اللهِ كَذِبًا): اختلق عليه قاصدًا للكذب، (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ): فيتفوه بما لا يعقله وجاز أن تكون منقطعة كأنَّهم قالوا: دعوا حديث الافتراء فإن ها هنا ما هو أهم منه فإن العاقل لا يفتري المحال، بل جنونه يوهمه ذلك، (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ): عن الصواب ولذلك يترددون في أنه مفتر أو مجنون، ولولا ذلك لعلموا أنه أصدق وأعلم الصادقين والعالمين وصف الضلال بما هو صفة للضال حقيقة للإسناد

стр. 1577

المجازي، (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: أعموا فلم ينظروا إلى أن السماء والأرض محيطتان بهم لا يستطيعون الخروج من أقطارهما ولم يخافوا أن نخسف بهم أو نسقط عليهم قطعة من السماء لكفرهم؟ (إِنَّ فِي ذَلِكَ): فيما يرون من السماء والأرض، (لَآيَةً): دلالة، (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): راجع إلى ربه مطيع لكثرة تأمله. * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ

стр. 1578

وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) جمع له بين النبوة والملك والجنود والمعجزات الظاهرة، (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي: قلنا يا جبال رجِّعي معه التسبيح، أو النوحة أي: سبِّحي معه إذا سبَّح بدل من " آتينا " (وَالطَّيْرَ)، عطف على محل جبال أو مفعول معه لـ أَوِّبِي كان إذا سبَّح تسبِّح معه الجبال والطير وتجاوبه بأنواع اللغات، (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ): كالطين والشمع يصرفه بيده من غير نارٍ ولا ضرب مطرفة، (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) أي: أمرناه أن اعمل دروعًا واسعات، (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ): لا تجعل المسامير دقاقًا ولا غلاظًا قيل أي: قدر في نسجها تناسب حلقها فإن دروعه لم تكن مسمرة، (وَاعْمَلُوا) أي: داود وآله، (صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): فلا يضيع عمدكم، (وَلِسُلَيْمَانَ) أي: وسخرنا له، (الرِّيحَ)، وقراءة رفع الريح على تقدير

стр. 1579

ولسليمان الريح مسخرة، (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ): مسيرها بالغداة إلى انتصاف النهار مسيرة شهر وبالعشي كذلك ففى اليوم الواحد تجري مسيرة شهرين، (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ): أسال معدن النحاس فينبع كما ينبع الماء من العين، (وَمِنَ الْجِنِّ)، حال متقدمة أو خبر لقوله: (مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)، والجملة عطف على الريح، (بِإِذْنِ رَبِّهِ): بأمره، (وَمَنْ يَزِغْ): يعدل، (مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا): الذي هو طاعته، (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) يدركه الصاعقة فتحرقه أو المراد عذاب الآخرة، (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ)، البناء الرفيع والمساجد والقصور، (وَتَمَاثِيلَ): صور الملائكة والأنبياء واتخاذها مباح في شريعتهم، (وَجِفَانٍ)، جمع جفنة أي: قصعة، (كَالْجَوَابِ)، جمع جابية وهي الحوض الكبير، (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ): ثابتات كالجبال أثافيها منها قيل كان يأكل في جفنة ألف رجل (اعْمَلُوا) حكاية ما قيل لهم، (آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) أي: الجن يعملون لكم فاعملوا أنتم شكرًا، والشكر على ثلاثة أضرب بالقلب وباللسان وبالجوارح فقال:

стр. 1580

" اعملوا " لينبه على التزام الأنواع الثلاثة أو مصدر لاعملوا لأن فيه معنى اشكروا، أو معناه اعملوا طاعة الله للشكر أو شاكرين، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ): المبالغ الباذل وسعه فيه، (فَلَمَّا قَضيْنَا عَلَيْهِ) أي: على سليمان، (الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ) أي: الجن، (عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ): الأرضة، (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ): عصاه، (فَلَمَّا خَرَّ): سليمان، (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، كان من عادته أنه يعتكف في مسجد بيت المقدس سنة وسنتين وأقل وأكثر، فلما علم قرب أجله قال: اللهم غم موتي على الجن حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، ثم دخل المحراب واتكأ على عصاه وقبضه ملك الموت والجن يرونه قائمًا يحسبونه حيًّا وهم في أعمالهم الشاقة، فلما أكلت الأرضة عصاه خرَّ سليمان فعلمت الجن أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة نحوًا من سنة فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في أي موضع هي فيه، وتبين إما بمعنى ظهر لازم فيكون أن مع صلتها بدل اشتمال من الجن كما تقول تبين زيد جهله أي: ظهر جهل الجن للإنس، وإما متعدٍ أي: علموا أنَّهم كانوا كاذبين في ادعاء علم الغيب، ولو علموا
следующие страницы →