← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

لَهُمْ عَذَابٌ منْ رِجْزٍ): سيئ العذاب، (أَلِيمٌ): مؤلم، (وَيَرَى): يعلم، (الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، كمؤمني أهل الكتاب، أو كالصحابة ومن تبعهم، (الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: القرآن، (هُوَ الْحَقَّ)، ثاني مفعولي يرى والضمير فصل، وقراءة الرفع على أنهما مبتدأ وخبر والجملة ثاني مفعوليه، قيل ويرى عطف على ليجزي أي: ليرى أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عيانًا كما علموه الآن برهانًا، (وَيَهْدِي): القرآن، أو الذين أوتوا العلم، (إِلَى صِرَاطِ الْعَزيز الْحَمِيدِ) هو دين الإسلام، (وَقَالَ الذِينَ كَفرُوا) أي: بعضهم لبعض، (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ) يعنون أصدق الصادقين ﵊ (يُنَبِّئُكُمْ): يحدثكم بمحال عجيب، (إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ): فرقتم وقطعتم كل تفريق وتقطيع ولما كان ما بعد إن لا يعمل فيما قبله فعامل إذا محذوف يدل عليه قوله: (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: تنشأون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا ترابًا، (أَفْتَرَى) أي: أفترى، (عَلَى اللهِ كَذِبًا): اختلق عليه قاصدًا للكذب، (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ): فيتفوه بما لا يعقله وجاز أن تكون منقطعة كأنَّهم قالوا: دعوا حديث الافتراء فإن ها هنا ما هو أهم منه فإن العاقل لا يفتري المحال، بل جنونه يوهمه ذلك، (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ): عن الصواب ولذلك يترددون في أنه مفتر أو مجنون، ولولا ذلك لعلموا أنه أصدق وأعلم الصادقين والعالمين وصف الضلال بما هو صفة للضال حقيقة للإسناد

стр. 1577

المجازي، (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: أعموا فلم ينظروا إلى أن السماء والأرض محيطتان بهم لا يستطيعون الخروج من أقطارهما ولم يخافوا أن نخسف بهم أو نسقط عليهم قطعة من السماء لكفرهم؟ (إِنَّ فِي ذَلِكَ): فيما يرون من السماء والأرض، (لَآيَةً): دلالة، (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): راجع إلى ربه مطيع لكثرة تأمله. * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ

стр. 1578

وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) * * * (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) جمع له بين النبوة والملك والجنود والمعجزات الظاهرة، (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي: قلنا يا جبال رجِّعي معه التسبيح، أو النوحة أي: سبِّحي معه إذا سبَّح بدل من " آتينا " (وَالطَّيْرَ)، عطف على محل جبال أو مفعول معه لـ أَوِّبِي كان إذا سبَّح تسبِّح معه الجبال والطير وتجاوبه بأنواع اللغات، (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ): كالطين والشمع يصرفه بيده من غير نارٍ ولا ضرب مطرفة، (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) أي: أمرناه أن اعمل دروعًا واسعات، (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ): لا تجعل المسامير دقاقًا ولا غلاظًا قيل أي: قدر في نسجها تناسب حلقها فإن دروعه لم تكن مسمرة، (وَاعْمَلُوا) أي: داود وآله، (صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): فلا يضيع عمدكم، (وَلِسُلَيْمَانَ) أي: وسخرنا له، (الرِّيحَ)، وقراءة رفع الريح على تقدير

стр. 1579

ولسليمان الريح مسخرة، (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ): مسيرها بالغداة إلى انتصاف النهار مسيرة شهر وبالعشي كذلك ففى اليوم الواحد تجري مسيرة شهرين، (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ): أسال معدن النحاس فينبع كما ينبع الماء من العين، (وَمِنَ الْجِنِّ)، حال متقدمة أو خبر لقوله: (مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)، والجملة عطف على الريح، (بِإِذْنِ رَبِّهِ): بأمره، (وَمَنْ يَزِغْ): يعدل، (مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا): الذي هو طاعته، (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) يدركه الصاعقة فتحرقه أو المراد عذاب الآخرة، (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ)، البناء الرفيع والمساجد والقصور، (وَتَمَاثِيلَ): صور الملائكة والأنبياء واتخاذها مباح في شريعتهم، (وَجِفَانٍ)، جمع جفنة أي: قصعة، (كَالْجَوَابِ)، جمع جابية وهي الحوض الكبير، (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ): ثابتات كالجبال أثافيها منها قيل كان يأكل في جفنة ألف رجل (اعْمَلُوا) حكاية ما قيل لهم، (آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) أي: الجن يعملون لكم فاعملوا أنتم شكرًا، والشكر على ثلاثة أضرب بالقلب وباللسان وبالجوارح فقال:

стр. 1580

" اعملوا " لينبه على التزام الأنواع الثلاثة أو مصدر لاعملوا لأن فيه معنى اشكروا، أو معناه اعملوا طاعة الله للشكر أو شاكرين، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ): المبالغ الباذل وسعه فيه، (فَلَمَّا قَضيْنَا عَلَيْهِ) أي: على سليمان، (الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ) أي: الجن، (عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ): الأرضة، (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ): عصاه، (فَلَمَّا خَرَّ): سليمان، (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)، كان من عادته أنه يعتكف في مسجد بيت المقدس سنة وسنتين وأقل وأكثر، فلما علم قرب أجله قال: اللهم غم موتي على الجن حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، ثم دخل المحراب واتكأ على عصاه وقبضه ملك الموت والجن يرونه قائمًا يحسبونه حيًّا وهم في أعمالهم الشاقة، فلما أكلت الأرضة عصاه خرَّ سليمان فعلمت الجن أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة نحوًا من سنة فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في أي موضع هي فيه، وتبين إما بمعنى ظهر لازم فيكون أن مع صلتها بدل اشتمال من الجن كما تقول تبين زيد جهله أي: ظهر جهل الجن للإنس، وإما متعدٍ أي: علموا أنَّهم كانوا كاذبين في ادعاء علم الغيب، ولو علموا

стр. 1581

لعلموا موته حين وقع فلم يلبثوا في الأعمال الشاقة التي هي العذاب المهين بعد مدة، (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ): اسم قبيلة، (في مَسْكَنِهِمْ): موضع سكناهم، وهو باليمن أو مسكن كل واحدٍ منهم، (آيةٌ): دالة على وجود قادر مختار على ما يشاء، (جَنَّتَانِ)، بدل من آية أو خبر محذوف هو هي، (عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) أي: جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، وكل واحدة منهما في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة والآية قصتهما، (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ)، حكاية ما قال لهم الأنبياء أو لسان الحال، (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ)، كانت أرخص البلدان أو أطيبها في الهواء، ولم يكن فيها ذباب ولا شيء من الهوام، (وَرَبٌّ غَفُورٌ): لمن شكره استئناف لبيان موجب الشكر أي: هذه بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رَبٌّ غَفُورٌ، (فَأَعْرَضُوا): عن الشكر إلى عبادة الشمس، وكذبوا الأنبياء (قَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) العرم: الوادي أو الماء الغزبر أو الصعب أو الجُرَذ، وهو نوع من الفأر الذي نقب عليهم السد (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ): أراك قيل: كل شجر ذي شوك أو كل نبت مر فهو خَمْطٍ، والأكل الثمر وأصله أُكُل أُكُلٍ خَمْطٍ فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، (وَأَثْلٍ) هو الطرفاء أو

стр. 1582

شجر يشبهه عطف على أكل، فإن الأثل لا أكل له، (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) هو أجود أشجارهما وتسمية البدل جنة للمشاكلة، وفيه من التهكم، كان قدام قريتهم سد عظيم يجتمع خلفه الماء فيستعملونه على قدر حاجتهم، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليه الجرذ فنقبه وغرقهم، (ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ بِمَا كفَرُوا): بكفرهم أو بكفرانهم (وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ): هل يعاقب إلا البليغ في الكفر، أو الكفران أو هل نجازي بمثل هذا الجزاء إلا الكفور، (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)، هى قرى الشام، (قُرًى ظَاهِرَةً): متواصلة يرى بعضها من بعض بحيث أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل ماء وزاد، (وَقَدَّرنَا فيهَا السَّيرَ): بحيث يقيلون من اليمن إلى الشام فى قرى ويبيتون في أخرى، (سيرُوا) أي: قلنا لهم: سيروا، (فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ): لما مكنوا من السير في رغدٍ وأمن كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم إن شاءوا في الليل، وإن شاءوا في النهار فإن الأمن في كلا الوقتين حاصل، (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، لما بطروا النعمة وملوا العافية طلبوا مفاوز يحتاجون في قطعها إلى زاد ورواحل وسيرٍ في حرور ومخاوف ويمكن أن يكون ذلك لئلا يتمكن الفقراء من تلك السفرة، فيتطاولون عليهم وهذا كما طلب بنو إسرائيل الفوم والعدس بدل المن والسلوى، (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): بالبطر، (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ): لمن بعدهم فصاروا ضرب مثل يقال: تفرقوا أيدي سبأ، (وَمَزَّقْنَاهُمْ): فرقناهم في الأرض، (كُلَّ مُمَزَّقٍ): كل تفريق بعض إلى الشام، وبعض إلى عمان، وبعض إلى العراق، وهكذا، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ): عن المعاصي، (شَكُورٍ): على النعم وهو المؤمن

стр. 1583

فإنه إذا أُعطي شكر وإذا ابتلي صبر، (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) أي: حقق ظنه فيهم، وأما على قراءة تخفيف الدال فبتقدير في ظنه أو يظن ظنه نحو فعلته جهدك أو لأن صدق نوع من القول عدى إليه بنفسه كصدق وعده، وكلام السلف دال على أن ضمير عليهم لبني آدم لا لأهل سبأ خاصة عن بعضٍ منهم أن إبليس لما قال: لأضلنهم ولأغوينهم، لم يكن مستيقنًا أن ما قاله يتم فيهم، وإنما قاله ظنًّا فلما أطاعوه صدق عليهم ما ظنه، (فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) من بيانية أي: فريقًا هم المؤمنون، وقيل للتبعيض والمراد غير العاصين منهم، (وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: ما كان تسليطنا إياه عليهم بالوسوسة والإغواء، (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ): ليتميز المؤمن من الشاك، أو لنعلم علمًا وقوعيًّا فإنه كان معلومًا بالغيب أو ليتعلق علمنا تعلقًا يترتب عليه الجزاء، فالمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة، (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ): محافظ. * * * (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ

стр. 1584

شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) * * * (قلِ): يا محمد لمشركي قومك، (ادعُوا الذِينَ زَعَمتمْ) أي: زعمتموهم آلهة، (مِنْ دون اللهِ): من الملائكة، والأصنام ليكشفوا عنكم ضركم ويعينوكم ويرزقوكم، (لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ): من خير وشر، (فِى السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ)، جملة لا يملكون إما استئناف جواب عن المشركين لأنه أمر متعين لا يقبل المكابرة وإما حال عن الذين زعمتم، (وَمَا لَهُمْ فيهِما مِنْ شِرْكٍ): من شركة، (وَمَا لَه): لله، (منْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ): من عوين، فإنه هو المستقل في جميع الأمور لا شريك ولا معين له، (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ) أي: شفاعة شافع لمشفوع، (إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ): أن يشفع، أو أن يشفع له، (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قلُوبِهِمْ): أزيل الفزع

стр. 1585

وكشف عنها، (قَالُوا مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ)، توجيهه على رأى المتأخرين أن حتى غاية لما فهم من السابق من أن ثمة انتظارًا وتربصًا للإذن، كأنه قيل: يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم بكلمة تكلم بها رب العزة قال بعضهم لبعض - على وجه السؤال: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، وأما كلام السلف هو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي أرعد أهل السماوات من الهيبة، فيلحقهم كالغشى فإذا جلى عن قلوبهم سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟

стр. 1586

قالوا: القول الحق، أي: المطابق للواقع يعني: أخبر بعضهم بعضًا بما قال الله من غير زيادة ونقصان، وفي البخاري والترمذي وابن ماجه أحاديث صريحة في هذا المعنى، وعلى هذا طباق الآية مشكل ويمكن أن يقال: إن المشركين يعبدون الملائكة زاعمين أنهم شفعاء لهم فبين سبحانه مقام عظمته وجبروته أن لا يجترئ أحد منهم أن يشفع لأحد إلا بإذنه فهم خلف سرادق الهيبة متحيرون متربصون حتى إذا أزيل عنهم الفزع قالوا: (ماذا قال ربكم) الآية، كأنه قال: لا تنفع الشفاعة إلا لمن لا يثبت عند سماع كلام الحيِّ ولا يقدر التكلم حتى إذا أزيل الفزع وعن بعض السلف معناه: حتى إذا نزع الغفلة عن قلوب المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا بالوحي؟ قالوا " الحق " فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وعلى هذا أيضًا توجيهها مشكل اللهم إلا أن يقال معناها: قل يا محمد للمشركين ادعوا آلهتكم أي: اعبدوهم، فيكون الأمر للتهديد، حتى إذا نزع الغفلة عن قلوبهم، ويكون حتى غاية لعبادتهم، ويكون قوله عن قلوبهم التفات من الخطاب، والله أعلم، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): له العلو والكبرياء، (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قلِ الله): إذ لا يجحد ذلك إلا معاند، (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ):

стр. 1587

أي أحد الفريقين ممن يتوحد الرازق بالعبادة، وممن يشرك به الجماد لعلى أحد الأمرين إما مستعل على ذروة الهدى أو منغمس في حضيض الضلال، وليس هذا على سبيل الشك، بل على الإنصاف في الحجاج، وهو أبلغ من التصريح في هذا المقام، (قُلْ لا تُسْألونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا): من الصغائر والزلات، (وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ): من الكفر والمعاصي وهذا أيضًا من الإنصاف في غايته، حيث أسند الإجرام إلى نفسه، والعمل إليهم، (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا): في المحشر، (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ): يفصل ويَحْكُم، (وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ) أي: أروني بأي صفة ألحقتموهم بالله حال كونهم شركاء على زعمكم، وهذا استفسار شبهتهم بعد إلزام الحجة، (كَلَّا) ردع عن المشاركة، (بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): فاين هؤلاء الأذلاء عن هذه الصفات، وضمير هو لله أو للشأن، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ): إلا إرسالة عامة، نحو: ما قمت إلا طويلاً، والأظهر ما

стр. 1588

اختاره ابن مالك من أنه حال عن المجرور، ولا بأس بالتقديم لأن استعمال الفصحاء وارد عليه، (بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ): القيامة، أو المبشر به والمنذر عنه، (إِن كُنتمْ صَادِقِينَ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ)، الإضافة بيانية، (لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ)، إذا فاجأكم، وهذا جواب إنكارهم القيامة لوحظ في الجواب المقصود من سؤالهم لا ما يعطيه ظاهر اللفظ. * * * (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) * * *

стр. 1589

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ): كالتوراة والإنجيل، أو المراد منه يوم القيامة، (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ): للحساب، (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ). في التلاوم، والجدال لرأيت العجب، فجواب لو مقدر، (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا): الأتباع، (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا): المتبوعين، (لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ): فإنكم أضللتمونا، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أنكروا أنهم أضلوهم، وأتبتوا أنهم آثروا الضلال باختيارهم، (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، إضراب عن إضرابهم أي: بل مكركم بنا بالليل، والنهار هو السبب في ضلالنا والإضافة على الاتساع، (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا) أي: أضمر الفريقان التابع والمتبوع، أو أظهروا فإن الهمزة تصلح للإثبات والسلب، (النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا): في أعناقهم لكفرهم، (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: إلا على أعمالهم، فهو بنزع الخافض، (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا): أغنياؤها ورؤساؤها، وهذا تسلية لنبيه ﵇ وإثبات لمبادرة الأغنياء بالإنكار، فهم المضلون، (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، زعموا أن

стр. 1590

ذلك من محبة الله لهم، فلا يعذب المحب حبيبه، (قُلْ): ردًّا لحسبانهم، (إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ): يضيق لمن يشاء، فلا البسط للرضى ولا التضييق للسخط، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): فيحسبون كثرة الأموال والأولاد شرفًا على البت. * * * (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) * * *

стр. 1591

(وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي) أي: بالخصلة التي، (تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى): فإنها خصلة واحدة هي التقوى أو ما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم قربة، (إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، كلام السلف يدل على أن الاستثناء منقطع أي: لكن من آمن وعمل صالحًا، (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ): أن يضاعف حسناتهم إلى عشر إلى سبعمائة ضعف، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والجزاء يتعدى إلى مفعولين، (بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ): غرفات الجنة، (آمِنُونَ): من المكاره قيل: الاستثناء متصل من مفعول تقربكم أي: ما جماعة الأموال والأولاد بالتي تقرب أحدًا إلا من آمن فإن أموال المؤمن الصالح تصرف بوجوه الخير، وأولاده بتربية أبيه يعلمون الدين، أو من أموالكم وأولادكم على حذف المضاف، أي: إلا مال وولد من آمن، (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا): بردها، (مُعَاجِزِينَ): يحسبون أنهم يعجزوننا، (أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ): يوسع عليه تارة، َ (وَيَقْدِرُ لَهُ): تارة أخرى، (وَمَا أَنْفَقْتمْ مِن شَيْءٍ): في رضى الله، (فهوَ يُخْلِفُهُ) يعوضه في الدارين، أو في أحدهما، (وَهو

стр. 1592

خَيْرُ الرَّازقِينَ) فإنه هو رازق بلا غرض وعوض، بل هو الرزاق وحده والغير وسط في الإيصال، (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ): الكفار، (جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاِئكَةِ): توبيخًا للكفرة، (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)، فإن كثيرًا من الكفار يدعون عبادة الملك، (قَالُوا سُبْحَانَكَ): من أن نثبت لك شريكًا، (أَنْتَ وَلِيُّنَا): أنت الذي نواليه، (مِنْ دُونِهِمْ): لا موالاة بيننا وبينهم، فلا نرضى بمحبتهم وعبادتهم، (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ): فإنَّهم مطيعون للشياطين في الشرك، فيعبدونهم، (أَكْثَرُهُمْ): أكثر الإنس، (بِهِمْ): بالشياطين، (مُؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَفْعًا وَلا ضَرًّا) إذ الأمر كله في ذلك اليوم ظاهرًا وباطنًا بيد الله، (وَنَقُولُ)، عطف على " لا يملك " (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ

стр. 1593

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا): القرآنية، (بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا) أي: محمد، (إِلا رَجُلٌ يريدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ): يمنعكم، (عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا) أي: القرآن، (إِلَّا إِفْكٌ) غير مطابق للواقع، (مُفْتَرًى): على الله، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ) أي: القرآن، (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، ينسبونه إلى الاختراع والكذب، ثم الى السحر لما فيه من الإعجاز الدال على الصدق، (وَمَا آتيْنَاهُمْ) أي: قريشًا، (مِنْ كتُبٍ يَدْرُسونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ)، وكانوا يقولون: لو جاءنا نذير، وأنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا، قيل معناه ليس لهم كتاب ولا رسول قبلك حتى يقولوا نحن نتبع كتابنا ونبينا ولا نتبعك، فليس لهم عذر باطل أيضًا في عدم اتباعك، (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): من الأمم الماضية، (وَمَا بَلَغُوا): هؤلاء، (مِعْشَارَ مَا آتيْنَاهُمْ): من طول الأعمار وكثرة الأموال وقوة الإجرام، (فَكَذَّبُوا رُسُلِي)، عطف على كذب عطف مقيد على مطلق أي: فعلوا التكذيب، فكذبوا رسلي كما يقول: أقدمت على الضرب فضربته، قيل: عطف على ما بلغوا والضمير لأهل مكة أي: ما بلغوا معاشرهم فكذبوا رسلي ونفي

стр. 1594

رسول واحد نفي جميع الرسل كما تقول: ما بلغت معشار علم زيد، فتفضل عليه، (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) النكير: تغيير المنكر، أي: فحين كذب الذين من قبلهم رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري لهم فليحذر هؤلاء عن مثل ما وقع عليهم. * * * (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) * * * (قل إنما أعظكم): أرشدكم، (بواحدة): بخصلة واحدة، (أن تقوموا لله)، المراد بالقيام لله الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة، والفكر خالصًا له من غير هوى ولا عصبية عطف بيان أو بدل من واحدة أو خبر لمحذوف أي: هي أن تقوموا،

стр. 1595

(مَثْنى وَفُرَادَى): اثنين اثنين أو واحدًا واحدًا فإن الازدحام يشوش الفكر، (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا): في أمر محمد، (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)، كلام مستأنف للتبيه من الله على جهة النظر قيل: معناه تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم جنون، وقيل: ما استفهامية، أى: تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون، (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ): قدام، (عَذَابٍ شَدِيدٍ)، عن مقاتل معناه: ثم تتفكروا في خلق السَّمَاوَات والأرض حتى تعلموا وحدانيته، ثم ابتدأ وقال " ما بصاحبكم من جنة " (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)، أي: أي شيء سألتكم من أجر التبليغ وأدعى استحقاقه؟! (فَهُوَ لَكُمْ) أي: فذلك الشيء ملككم، وأنا معترف بذلك كما تقول: إن أعطيتني شيئًا فخذه، فالمراد نفي الطمع بالكلية أو ما موصولة، أي: الذي سألتكم فهو لنفعكم قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى " [الشورى: ٢٣] " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا " [الفرقان: ٥٧] (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ

стр. 1596

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): فيعلم صدقي، (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ): يرمي به ويلقيه على من يشاء من عباده قال تعالى " يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده (عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، صفة لـ رَبِّي تابع لمحله، أو خبر بعد خبر، أو خبر لمحذوف أو بدل من ضمير يقذف، َ (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ) القرآن والإسلام، (وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ) أي: الكفر، (وَمَا يُعِيدُ) أي: هلك الكفر بالكلية، فإن من خاصة صفات الحي إما أن يبدئ فعلا أو يعيده، فإذا لم تكن له تلك الصفة لم تكن له الحياة، وعن بعض السلف: إن الباطل إبليس أي: هو لا يبدئ أحدًا ولا يعيده، بل المبدئ والباعث هو الله، وقيل: لا يبدئ الباطل لأهله خيرًا ولا يعيده يعني: لا ينفعهم في الدارين، (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي): وبال ضلالي عليها، لأنها هي السبب للضلال، (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي): فإن الخير كله من الله، ولولا توفيق الله لما حصل الاهتداء، فإن النفس والشيطان لا يأمران إلا بالشر، (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ): فيسمع قول ضال ومهتد، (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا): في القيامة، أو عند البعث، أو عند عذابهم في الدنيا لرأيت أمرًا هائلاً، فجواب لو مقدر، (فَلَا فَوْتَ): لهم منا ولا نجاة، (وَأُخِذُوا)، عطف على لا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا، (مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ): من الموقف إلى النار، أو من القبور، أو من ظهر الأرض إلى

стр. 1597

بطنها قيل: هو كناية عن سهولة الأمر، أي: أخذناهم أخذًا يسيرًا علينا، (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ): بالله أو بمحمد أو بيوم القيامة عند البعث، أو عند العذاب، (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ): من أين لهم تناول الإيمان؟ (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)، فإن التوبة والإيمان لا يكونان إلا في الدنيا، وهم في الآخرة، وهو تمثيل لطلبهم ما لا يكون فإن التناوش تناول سهل لشيء قريب، فإذا كان الشيء بعيدًا يستحيل الوصول إليه، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - طلبوا الرجعة إلى الدنيا، (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفونَ بِالْغَيْبِ): يرمون بالظن بما لم يظهر لهم، (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ): وهو بعدهم عن علم ما يقولون كأنهم رموا إلى شيء بعيد في ظلمة ثم يزعمون أنَّهم ضربوه يعني: وقد كفروا وظنوا ظنونًا واعتقدوها، (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ): الإيمان أو من شهواتهم الدنيوية، (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ): بأشباههم، (مِنْ قَبْلُ): من كفرة الأمم السالفة، (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ): مشكل فيه مبالغة كما لا يخفى، والله أعلم. * * *

стр. 1598

سورة فاطر مكية وهى خمس وأربعون آية وخمس ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) * * * (الْحَمْدُ لله فَاطِرِ): مبدع، (السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا): بينه وبين أنبيائه، قيل: بينه وبين خلقه بإيصال آثار صنعه إليهم، (أُولِي): ذوي، (أَجْنِحَةٍ): متعددة، (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ): يسرعون نحو ما أمرهم الله به، صفات

стр. 1599

لـ (أَجْنِحَةٍ)، (يَزِيدُ في الْخَلْقِ) أي في خلق الأجنحة، وغيرها كحسن الصوت والعقل، (مَا يَشَاءُ)، في الحديث: " رأى ليلة المعراج جبريل ﵉ وله ستمائة جناح بين كل [جناحين] كما بين المشرق والمغرب "، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا يَفْتَحِ اللهُ): ما يرسل ويطلق، (لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ): كهداية ورزق ومطر، (فَلا مُمْسِكَ لَهَا): يمنعها، (وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه): يطلقه لما فسر الشرطية في الأول بالرحمة لبيان رحمته وأبهم في الثاني أنث الضمير في الأول دون الثاني، (مِنْ بَعْدِهِ): بعد إمساكه، (وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب، (الْحَكِيمُ): فى أفعاله، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا): احفظوا واشكروا، (نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ) أنكر أن يكون لغيره في النعم مدخل يستحق أن يشرك في الشكر، وقراءة رفع غير بأن يكون صفة تابعًا للمحل، أو فاعل خالق، أو خبره، وخبر خالق محذوف على الأولين، (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ)، كلام مبتدأ أو صفة بعد صفة، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): فهو الخالق الرازق وحده، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد؟ (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ): فليس ببدع، (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ): عظام محترمون، (مِنْ قَبْلِكَ): فاصبر كما

стр. 1600

صبروا، (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ): فيجازي كلًّا بما يستحقه، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ): بالحشر وغيره، (حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا): فيذهلنكم التلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة، (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ): الشيطان، فيحثكم على المعاصي بإنكار الآخرة، وبوعد التوبة والمغفرة، (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ): من قديم الزمان، (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا): ولا تغتروا بأمانيه، (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ): أشياعه، (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ): لأن يشاركوه في المنزل والمنزلة، (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)، بيان لحال موافقيه ومخالفيه. * * * (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلله الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ

стр. 1601

سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) * * * (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا): رأى الباطل حقًّا، (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ): لا تهلكها (عَلَيْهِمْ)، متعلق بـ لا تذهب، (حَسَرَاتٍ)، مفعول له وجواب " أفمن زين " محذوف تقديره كمن وفق فرأى الحق حقًّا والبَاطل باطلاً، ويدل عليه قوله: " فإن الله يضل " إلى آخره، أو تقديره ذهبت نفسك عليهم للحسرة، فيدل عليه قوله: فلا تذهب إلخ، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ): ليس بغافل عن صنيعهم، وهو الذي أراده فاصبر على مراد الله تعالى، (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ)، صيغة المضارع حكاية للحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة البديعة، ونعم ما قيل اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار

стр. 1602

الفعل، (سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا)، التفت إلى ما هو أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصنع، (به): بالمطر، وهو مفهوم من الكلام أو بالسحاب، فإنه السبب أيضًا، (الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)، في الحديث " ينزل من تحت العرش مطر فيعم الأرض جميعًا، وينبت الأجساد من قبورها كما ينبت الحب في الأرض "، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلله الْعِزَّةُ جَمِيعًا): فيطلبها منه بطاعته، فإن كلها له قال تعالى " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا " [مريم: ٨١]، (إِلَيْهِ): إلى الله، (يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ): الذكر والدعاء والتلاوة، (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ): أداء الفرائض، (يَرْفَعُهُ) أي: يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، ويجعله في محل القبول ولولاه لم يقبل، أو يرفع الكلم الطيب العمل الصالح لا يقبل عمل بدون كلم التوحيد، أو العمل الصالح أي: الخالص الله

стр. 1603

يرفعه، (وَالذِينَ يَمْكُرُون) هم المراءون والمنافقون يوهمون أنَّهم في طاعة الله، وعن بعض نزل فيمن تشاور ومكر في حبس رسول الله، وإخراجه، وقتله، (السَّيِّئَاتِ) أى: المكرات والسيئات، أو مفعول به لتضمين يمكرون معنى يعملون، (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ): يبطل، ويفسد ويظهر من يخسر عن قريب، (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ): بخلق آدم منه، (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ): بخلق ذريته منها، (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا): ذكرانًا وإناثًا، (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ): إلا معلومة لله حال من أنثى فاعل تحمل، (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ): ما يمد في عمره من مصيره إلى الكبر، (وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ): لغيره بأن يعطى لأحد عمر ناقص من عمر معمر، أو الضمير للمنقوص وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو الضمير للمعمر على التسامح المشهور اعتمادًا على فهم السامع نحو: لك عندي درهم، ونصفه قيل: معناه لا يطول ولا يقصر عمر إنسان إلا في كتاب، فإنه مكتوب في اللوح: إن فلانًا إذا حج -مثلاً- فعمره ستون -مثلاً- وإلا فأربعون، وإذا حج فقد عمر، وإلا فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو ستون، (إِلَّا فِي كِتَابٍ): صحيفة كتب في بطن أمه أو اللوح المحفوظ، (إِنَّ ذَلِكَ): الحفظ، أو الزيادة والنقصان (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ)، هذا بيان قدرة أخرى عظيمة، (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ): يكسر

стр. 1604

العطش، (سَائِغٌ): مريء، (شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ): يحرق بملوحته، (وَمِن كُلٍّ): من البحرين، (تَأكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا): السمك، (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً): اللآلئ، (تَلْبَسُونهَا): الحلية من الأجاج لا من العذب، ولا يلزم من عطف تستخرجون على تأكلون أن يكون الاستخراج من كلٍّ قيل: البحران مثلان للمؤمن، والكافر، ثم إن قوله " ومِن كُلٍّ " إلخ إما استطراد أو تتميم لتفضيل المشبه به على المشبه، ونظيره قوله: " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار " [البقرة: ٧٤]، (وَتَرَى الْفُلْك فيهِ): في كلِّ، (مَوَاخرَ): شواق للماء بجريها، (لِتَبْتَغُوا)، متعلق بمواخر، (مِنْ فَضْلِهِ): من فضل الله بالتجارة، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): نعمه، (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ): يزيد من هذا في ذاك ومن ذاك في هذا، (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى): إلى يوم القيامة، (ذَلِكُمُ اللهُ ربُّكُمْ) أى: ذلك الموصوف بتلك الصفات المذكورة الله، (لَهُ الْمُلْكُ): وحده، (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ): من ملك أو صنم، (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ): القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ): فإنهم جماد، (وَلَوْ سَمِعُوا): على الفرض، (مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ): لعجزهم عن الإنفاع، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ): يتبرءون منكم قائلين: ما كنتم إيانا تعبدون، (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ): لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير عالم به، ولا عالم أعلم من الله وهو الذي أخبركم. * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ

стр. 1605

كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، زيادة قيد الحميد ليعلم أنه جواد منعم فإن الغنى بدون الجود غير محمود، (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ): فإنه غير محتاج إليكم، (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) غير عاصين مطيعين، (وَمَا ذلِكَ عَلَى الله بعَزِيزٍ): بعسير، (وَلا تَزِرُ): لا تحمل، (وَازِرَةٌ): نفس آثمة، (وِزْرَ): نفس، (أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا) أي: وإن تدع نفس أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يحمل بعض ما عليها، (لَا يُحْمَلْ مِنْهُ): من وزره، (شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ): المدعو، (ذَا قُرْبَى): من أب وأم وابن وأخ وغيرهم، (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ

стр. 1606

يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ): غائبين عن الناس في السر، أو غائبين عن عذابه، أو حال عن المفعول، (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ): فهم المنتفعون بالإنذار، (وَمَنْ تَزَكَّى): عن دنس المعاصي، (فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى): يتطهر، (لِنَفْسِهِ): نفعها لها، (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ): فيجزيه، (وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى): الكافر، (وَالْبَصيرُ): المؤمن، (وَلَا الظُّلُمَاتُ): الباطل، (وَلا النُّورُ): الحق، (وَلَا الظِّلُّ): الثواب والجنة، (وَلا وَلَا الْحَرُورُ): العقاب والنار، والحرور: السموم، وتكرير لا على الشقين لمزيد التأكيد، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ): المؤمنون، (وَلَا الْأَمْوَاتُ): الكفار، تمثيل آخر لهما،

стр. 1607

وقيل المراد العلماء، والجهال، (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ): سماع قبول، (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) أي: الكفار المصرين فإنهم كالأموات في عدم الانتفاع بالموعظة، (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ): فما عليك إلا الإنذار، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ) أي: محقًّا أو محقين، وقيل: إرسالاً مصحوبًا بالحق، (بَشِيرًا): للمؤمنين، (وَنَذِيرًا): للكافرين، (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ): أهل كل عصر، (إِلَّا خَلَا): مضى، (فِيهَا نَذِيرٌ): نبي ينذرهم من عقاب الله، ومتى بقيت آثار النذارة صدق أن تلك الأمة لم تخل عن نذير، ولهذا لما اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله سيد الكونين - عليهما الصلاة والسلام (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ): فلا تحزن لأنه ليس ببدع، (فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ)، من باب التنازع والعمل للثاني، (بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ): الكتب، (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ): الواضح المبين، العطف لتغاير الوصفين، (ثُمَّ أَخَذْتُ): أهلكت، (اَلذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ): إنكاري، وتغييري لهم بالعقوبة. * * * (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)

стр. 1608

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) * * * (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا): هيآتها كالصفرة والخضرة، أو أجناسها كالرمان والتفاح، (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ) أي: ذو جدد أي خطط، وطرائق جملة من مبتدأ وخبر، (بِيضٌ): كالعروق، (وَحُمْرٌ) يعني: بعضها أبيض، وبعضها أحمر، (مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا): أجناسها بالشدة والضعف، (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) يقال: أسود غربيب أي: شديد السواد عطف على بيض أصله سود غرابيب حذف الموصوف ثم فسر به، وعن عكرمة: هي الجبال الطوال السود،

стр. 1609

(وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ) أي: الأمر كذلك كما بين ولخص، أو مختلف ألوانه اختلافًا كذلك أي: كاختلاف الثمار والجبال، (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، لما قال ألم تعلم إنزال المطر وآثاره، واختلاف هيئات الأجناس الذي هو من آثار صنع الله، أتبع ذلك كذلك " إنما يخشى الله " إلخ، كأنه قال الأمر كما ذكر لكن إنما ينجع الخطاب ويؤثر فيمن في يخشى الله بالغيب، فوضع موضعه إنما يحشى الله من عباده العلماء تعريضًا لجهل الكفرة، ومن يدعي العلم ولم يخش الله وتنويها برفع منزلة العلماء العاملين ويلزم من الجمع المحلى باللام المفيد للعموم أن من لم يخش لم يكن عالمًا قال مسروق: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلا، (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ): فيتمكن من الانتقام، (غَفُورٌ): للعصاة فحقه أن يخشى ويرجى، (إِن الّذِينَ يَتْلُونَ كتَابَ اللهِ): يداومون قراءته أو متابعته، (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً): في جميع أحوالهم، (يَرْجُونَ تِجَارَةً): يطلبون ثواب طاعة وهو خبر إن، (لَنْ تَبُورَ): لن تهلك بالخسران، (لِيُوَفِّيَهُمْ):، علة للتلاوة والإقامة والإنفاق، أو متعلق بـ لَنْ تَبُورَ، (أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ): على الأجر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، (إِنَّهُ غَفُورٌ): لفرطاتهم،

стр. 1610

شَكُورٌ): لطاعاتهم، (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ)، من للتبيين يعني القرآن، (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ): من الكتب السماوية، (إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ): عالم بالبواطن والظواهر، ولهذا اجتباك وأنزل عليك هذا الكتاب، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا): حكمنا بتوريثه منك أو عبر بالماضي عن المضارع لتحققه، (الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا): آلك وأصحابك ومن بعدهم من أمتك، (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): لتقصيرهم في العمل به، وهم يحبسون في طول المحشر حتى يصيبهم الهم الطويل، ثم يدخلون الجنة، وفي الحديث " هم الذين يقولون الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ " ويدل على ما فسرنا الأحاديث الكثيرة، (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ): لأنَّهُم يعملون به في أغلب أحوالهم، وهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، (ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ): بالطاعات هم الأولياء والأبرار، (بِإِذْنِ اللهِ): بأمره، وإرادته وهم يدخلون الجنة من غير حساب، أخر السابقين لقلتهم، وللترقي من الأدنى، وعن عائشة حين سأل عقبة عن تلك الآيات " يا بني كلهم في الجنة أمَّا السابق فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ وشهد له بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه، وأما الظالم فمثلي ومثلكم "، وهذا منها - رضى الله عنها - من باب التواضع، وهضم النفس

стр. 1611

وعن بعض الظالم لنفسه كافر أو منافق فحينئذ ضمير منهم للعباد لا للذين اصطفينا والأول أصح، (ذَلِكَ): التوريث، وقيل السبق، (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ): العظيم، (جَنَّاتُ عَدْنٍ)، مبتدأ، (يَدْخُلُونَهَا)، والضمير للمصطفين، وفي الشواذ جنات بالنصب على شريطة التفسير، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا)، خبر بعد خبر، أو حال مقدرة من حلية المرأة إذا جعلت لها حليًّا، (مِنْ أَسَاوِرَ) جمع سوار، ومن للتبعيض، (مِنْ ذَهَبٍ)، بيان لأساور، (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب عطف على محل من أساور، (وَلبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ): هموم الدارين، (إِن رَبَّنَا لَغَفُور): للذنوب، (شَكُور): للطاعة، (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ): الإقامة، (مِنْ فَضْلِهِ): إذ لا يجب عليه شيء، (لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ): تعب، (وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ): كلال، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، مقابل للذين اصطفينا، (لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ): بموت فيها، (فَيَمُوتُوا)، جواب النفي منصوب بإضمار أن، (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ): مثل ذلك الجزاء، (نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ): مبالغ

стр. 1612

في الكفر أو الكفران، (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ) من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة، (فِيهَا): قائلين: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) أي: عملاً صالحًا، (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، بدل أو صفة وفائدته التحسر، والاعتراف بالذنب، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ)، جواب من الله لهم، (مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)، ما موصولة، ومن فاعل يَتَذَكَّرُ والأصح الذي يدل عليه الأحاديث أنه ستون سنة وعن زين العابدين: إنه سبع عشر سنة، وعن كثير: إنه أربعون، (وَجَاءَكُمُ)، عطف على معنى أو لم نعمركم كأنه قال عمرناكم وجاءكم، (النَّذِيرُ): الرسول، أو الشيب، (فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ). * * * (إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا

стр. 1613

خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥) * * * (إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فلا يخفى عليه أحوالهم، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، تعليل له أي: إذا علم مضموات الصدور فكيف يخفى عليه شيء آخر؟! (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ) جمع خليفة أي: خلفاء قوم آخرين أورثكم أرضهم وملككم مقاليد التصرف، وسلطكم فيها، (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ): لا يضر غيره، (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًاا): أشد البغض، وهم يحسبون أن آلهتهم شفعاءهم، (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا): وهم

стр. 1614

يحسبون أنَّهم على شيء إلا أنَّهم هم الخاسرون، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي) بدل من أرأيتم أو تأكيد أرأيتم لأنه بمعنى أخبروني عن شركائكم، (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ): هل استبدوا بخلق شيء حتى استحقوا العبادة؟! (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَات): شركة مع الله في خلقها، (أَمْ آتيْنَاهُمْ) أى: الأصنام، أو المشركين، (كِتَابًا): بأَنهم شركائي، (فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ): حجة واضحة، (مِنْهُ): من ذاك الكتب، الظاهر أنه للترقي فإن الاستبداد بخلق جزء من الأرض أقل دلالة من أن يكونوا شركاء في خلق السماوات، ثم إيتاء كتاب من الله أدل وأدل، وأم منقطعة، (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ)، بدل من " الظالمون "، (بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا)، فإن الأخلاف والأتباع اعتمدوا على قول الرؤساء والأسلاف بأنهم شفعاء عند الله، (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا) أي: كراهة الزوال، أو يمنعها من الزوال، أو يمنعها من الزوال فإن الإمساك منع، (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)، الجملة المنفية ساد مسد الجوابين، و " من " الأولى زائدة والثانية ابتدائية، (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا): لا يعاجل بالعقوبة مع تلك القدرة التامة،

стр. 1615

(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ): قبل مبعث محمد ﵇، (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، مفعول مطلق أى قسمًا غليظًا، (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ): نبي، (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ): أى من الأمة التي هي إحدى الأمم أي: أفضلهم وأهداهم تقول: فلان واحد القوم وأوحدي العصر، ولهذا قال الضحاك: معناه من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل أو من اليهود والنصارى وغيرهم، (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ): مجيئه، (إِلَّا نُفُورًا): عن الحق، (اسْتِكْبَارًا)، بدل من نفورًا أو مفعول له وقيل استكبروا استكبارًا، (فِى الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ)، من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل قوله: (وَلَا يَحِيقُ): يحيط، (الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ): بالماكر، (فَهَلْ يَنْظُرُونَ): ينتظرون، (إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ): سنة الله فيهم بتعذيب المكذبين جعل استقبالهم لذلك انتظارًا له منهم، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا): فيصل العذاب ألبتَّة، ويصل إليهم لا إلى غيرهم، (أَوَلَمْ يَسِيَرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ): فإنه يشاهد آثار العذاب من آثارهم، (وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ): ليسبقه، ويفوت عنه، (مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا): ظهر الأرض، (مِنْ دَابَّةٍ): بشؤم معاصيهم، وقيل:
следующие страницы →