(وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) فيها اشتباه في الدلالة لكثير من الناس إلا للمهرة من العلماء، وهذا يظهر فضلهم، وهن المنسوخة، والمقدم والمؤخر منه، والأمثال والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، أو الحروف التي فِي أوائل السور (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) عدول عن الحق، كاليهود، وقالت: الحروف المقطعة بيان مدة أجل هذه الأمة (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) يتعلقون به لينزلوه على مقاصدهم الفاسدة، وأما المحكم فتركوه لأنه لا نصيب لهم فيه. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ): الإضلال. (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) على ما يشتهونه أو بطلب حقيقته وما يئول أمره إليه. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) أي ما هو
стр. 212
الحق، أو حقيقته. (إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) اختلفوا في الوقف على " الله " عند أكثر السلف أن تأويل بعض الآيات لا يعلمه أحد إلا الله، ومن القراء من يقف على قوله: " والراسخون في العلم "، وهو قول مجاهد وربيع بن أنس، وروي عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) خبر الراسخون إن جعلته مبتدأ، وإلا فهو استئناف أو حال. (كُلٌّ): من المتشابه، والمحكم. (مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وما يتعظ بالقرآن ولا يفهمه إلا ذوو العقول السليمة، وفي الحديث حين سئل عن الراسخين: " من برت يمينه وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم ".
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): من مقال الراسخين أي: لا تملها عن الحق إلى اتباع لمتشابه بتأويل غير مراد الله. (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا): إلى الإيمان بالمحكم، والمتشابه. (وهَبْ لَنَا
стр. 213
من لدنك رحمة) تثبت بها قلوبنا (إنك أنت الوهاب): بكل سؤل. (ربنا إنك جامع الناس ليوم): لجزاء يوم أو في يوم. (لا ريب فيه): في وقوعه. (إن الله لا يخلف الميعاد).
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
(لَن تُغنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا) أي: لا يدفع عنهم شيئًا من عذاب الله أو ما أجزأ عنهم وما كفاهم من رحمة الله شيئًا من الإجزاء على أن يكون شيئًا مصدرًا. (وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ): حطبها.
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) متعلق بـ لن تغني أي: لن تغني عنهم كشأن آل فرعون يعني: مثل ما لم تغن عنهم، أو استئناف أي: صنيعهم وسنتهم كصنيع آل فرعون. (وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) عطف على آل فرعون. (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): حال بإضمار قد أو استئناف، وقيل: الذين من قبلهم مبتدأ وكَذَّبُوا خبره (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) تهويل وتشديد للمؤاخذة.
(قُل): يَا محمد. (للذِينَ كفَرُوا سَتُغلَبُونَ): في الدنيا. (وتحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ) جهنم وهو استئناف أو تمام ما يقال لهم لما رجع (رسول الله ﷺ من بدر حذر اليهود أن ينزل عليهم ما نزل على قريش، فقالوا: لا يغرنك أن قتلت أغمارًا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت الناس فنزلت إلى قوله: " لعبرة لأولى الأبصار "، وقيل: الخطاب لقريش.
(قَدْ كَانَ لَكُمْ): أيها اليهود وقيل: أيها المشركون والمؤمنون. (آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا): يوم بدر. (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ
стр. 216
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) الجملة حال، وتقاتل خبر لـ فئة أو صفة لها، والجملة خبرها أي: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثلي عدد المسلمين أو المشركين، ليحصل لهم الرعب، والمسلمون كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر، وهم ما بين تسع مائة إلى ألف، وهذا في أول الأمر وأما في حال القتال فكل من المسلمين والكافرين قللوا الآخر كما قال تعالى: " وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ " (الأنفال: ٤٣)، إلخ. لتقدموا عليهم، ويقضي الله أمرًا كان مفعولاً أو يرى المسلمون الكافرين مثلي عدد المسلمين مع أنَّهم أكثر ليقوى قلوبهم بوعد الله، وهو قوله: " فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ " [الأنفال: ٦٦]. أو مثلي عدد المشركين ليتوكلوا أو يطلبوا الإعانة من الله، وحين القتال قللهم الله في أعينهم حتى سأل بعض المسلمين بعضهم: هل تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. (رَأْيَ العَيْنِ): رؤية ظاهرة معاينة. (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ): نصره (إِنَّ فِي ذلِكَ): أي: التقليل والتكثير وغلبة القليل عليهم.
(لَعِبْرَةً): عظة. (لأُوْلِي الأَبْصَارِ): لذوى البصائر.
стр. 217
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) أي: المشتهيات سماها شهوات مبالغة. (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ) القناطر المال الكثير. (الُمقَنطَرَةِ) ذكرت للتأكيد كبدرة مبدرة أو القنطار ألفا أوقية أو ألف دينار أو ألف ومائتا دينار، وقيل غيرها. (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ): عطف على النساء. (الْمُسَوَّمَةِ): الراعية، والمطهمة الحسان أو الغرة والتحجيل وقيل غيرهما. (وَالأَنعَامِ) الإبل، والبقر، والغنم. (وَالْحَرْثِ ذلِكَ): إشارة إلى ما ذكر. (مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنيا): وهي فانية. (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: المرجع والثواب وفيه تزهيد من الدنيا. (قلْ): يا محمد. (أَؤنَبِّئكمَ بِخَيْرٍ من ذَلِكمْ) أأخبر بخير مما زين للناس؟! (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): الشرك. (عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا): من تحت أشجارها.
(الأَنهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مطَهرَةٌ): من الحيض وسائر الدنس. (وَّرضْوَانٌ منَ
стр. 218
اللهِ): فلا يسخط عليهم أبدًا. (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) بأعمالهم وأحوالهم، فيعطيهم ما يستحقونه.
(الذينَ يَقُولُونَ): مرفوع أو منصوب بالمدح. (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا): بإيماننا لك. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). (الصَّابِرِينَ): على الشرع.
(وَالصَّادِقِينَ): في اللسان. (وَالْقَانِتِينَ): المطعين الخاضعين. (وَالْمُنفِقِينَ): من أموالهم في أموالهم في جهات الخير. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) فإنها وقت الإجابة، أو المصلين، قيل: هو الذي يصلي الصبح بالجماعة (شَهِدَ
стр. 219
اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): بأن نصب أدلة التوحيد أو بين الله أو حكم الله (وَالْمَلاِئكَةُ وأُولو العِلْمِ) بالإقرار، وهذه مرتبة جليلة للعلماء. (قَائِماً بِالْقِسْطِ): بالعدل في أحكامه، وهو حال من الله. (لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ): كرره تأكيدًا، وليبنى عليه قوله (العَزِيزُ) فلا يرام جنابه عظمةً. (الحَكِيمُ) فلا يصدر عنه شيء إلا على وفق الاستقامة. (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) جملة مؤكدة للأولى أي: لا دين مقبول عنده سوى الإسلام، وهو اتباع سيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ) مطلقًا
стр. 220
أو اليهود في دين الإسلام بأنه حق أو باطل (إِلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العِلْمُ): بحقية الإسلام. (بَغْيًا): حسدًا. (بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ) بما أنزلهِ في كتابه (فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) المجازاة.
(فَإِنْ حَاجُّوكَ): جادلوك في الدين، والتوحيد. (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ): أخلصت نفسي وعبادتي له. (وَمَنِ اتَّبَعَنِ): عطف على الضمير المتصل يعني: ديني دين التوحيد الذي ثبت عندكم أيضًا وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني. (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ): الذين لا كتاب لهم من العرب (أَأَسْلَمْتُمْ) لما وضحت الحجة لكم أم أنتم بعد على الكفر؟ وفي هذا النوع من السؤال تعيير لهم،
نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ) كأهل الكتاب كفروا بنعت محمد ﷺ وآية الرجم. (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ): كبني إسرائيل قتلوا أربعين نبيًّا في ساعة من أول النهار وفعل آباؤهم فعلهم، وذلك لأن الأنبياء على طريقتهم راضون عن فعلهم. (بِغيرِ حَقٍّ): أي: عندهم أيضًا وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى.
(وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ): بالعدل (مِنَ النَّاسِ): قام مائة وسبعون رجلاً من بني إسرائيل أمروا على من قتل الأنبياء بالمعروف فقتلوا في آخر النهار.
(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) اعلم أن من لم يجوز الفاء في خبر إن قال: خبره " أولئك الذين " نحو قولك زيد فافهم رجل صالح.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ): بطلت. (فِي الدُّنْيَا) لأنها لم تحقن دماءهم وأموالهم (وَالْآخِرَةِ): ما استحقوا ثوابًا (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ): ليدفعوا عنهم العذاب.
стр. 223
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ): كاليهود ومن للتبعيض. (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ): التوراة أو القرآن. (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) قيل: نزلت في الرجم سألوا محمدًا ﵊ حد المحصن فحكم بالرجم فما صدقوه فطلب التوراة، فلما أتوا بها ستروا آية الرجم بأكفهم، وابن سلام (١) رفع كفهم عنها وقرأها على اليهود فغضبوا وانصرفوا، أو نزلت لما قالوا: كان إبراهيم يهوديًا. فلما قيل لهم هلموا التوراة فأبوا، وعن ابن عباس وقتادة إنهم دعوا إلى القرآن فأعرضوا عنه. (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ)، ثم لاستبعاد توليهم مع العلم. (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) قوم عادتهم الإعراض أو معرضون عن كتابهم. (ذَلِكَ) أي: الإعراض. (بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ): قلائل، أربعين يومًا بعدد أيام عبادة العجل أو سبعة أيام بإزاء كل ألف سنة يوم أي: الإعراض بسبب تسهيلهم عذاب الله (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) كقولهم: " لن تمسنا النار " وأن الله وعد يعقوب أن لا يعذب ذريته. (فَكَيْفَ): يكون حالهم (إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ): لجزاء يوم. (لا رَيْبَ فِيهِ): لا شك في وقوعه مع أنَّهم كذبوا رسلهم، وقتلوهم، وافتروا. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: جزاءه. (وَهُمْ) أي: كل نفس لأنه في معنى كل إنسان. (لَا يُظْلَمُونَ) بنقصان الحسنات وتضعيف السيئات. (قُلِ اللهُمَّ): يا الله. (مَالِكَ
المُلْكِ): لك الملك كله وهو نداء ثانٍ عند من يجعل الميم مانعا من الوصفية. (تؤْتِي
стр. 224
الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ): كمحمد وأصحابه أو الملك بمعنى النبوة. (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ): أن تنزع منه كاليهود، وصناديد قريش (١). (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ): إذلاله كاليهود والمشركين. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) اكتفى بالخير، لأنه المرغب فيه أو لأن الكلام في الملك والنبوة وهما خير، أو لأن الخير مقضى بالذات إذ ما من شر إلا وفيه أنواع الخير أو لمراعاة الأدب في الخطاب وتقديم الخبر للحصر. (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ): من الخير والشر. (قَدِيرٌ)، وهذه الآية إرشاد إلى شكر نعمه، من تحويل الملك والنبوة والعز للمسلمين، والذل لليهود، وقيل: نرلت لما فتح مكة ووعد رسول الله ﷺ فتح ملك فارس والروم وقالت اليهود والمنافقون: هيهات.
(تُولِجُ) تدخل أي: بالتعقيب أو بالزيادة والنقص. (اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): كالحيوان من النطف والنطف منه، والبيض من الطير وعكسه أو كالمؤمن من الكافر وعكسه.
(وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ): فمن قدر على مثل ذلك قدر على كل شيء. (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ): نهوا عن موالاتهم بصداقة، أو قرابة أو غيرهما (مِن دُونِ الُمؤْمِنِينَ) إشارة إلى أنَّهم الحقيق بالمحبة. (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ): اتخاذهم أولياء بأن يظهر عليهم أسرار المسلمين. (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ): من دين الله
стр. 225
وولايته. (فِي شَيْءٍ): فإن محبتي متعاديين لا تجتمعان. (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب أن يتقى فيكون تقاة مفعولاً به وجاز أن تضمن تتقوا معنى تحذروا فيكون معدى بـ من، وتقاة مصدر نهوا عن الموالاة في جميع الأوقات إلا وقت المخافة فإنه جازت المداراة حينئذ باللسان. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) يعني عن عقاب يصدر عن نفسه، وهذا غاية التحذير كما يقال: احذر غضب السلطان نفسه، (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) فاحذروا كل الحذر.
(قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ): من ولايتهم وغيرها، (أَوْ تُبْدُوهُ) قيل: إن تخفوا ما في قلوبكم من تكذيب رسول الله ﷺ أو تظهروه بحربه، (يَعْلَمْهُ اللهُ): يحفظه الله حتى يجازيكم (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ): فكيف لا يعلم سركم وجهركم؟! (وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على عقوبة متخذي الولاية لهم كأنه قال: " يحذركم نفسه " فإنه متصف بعلم ذاتي محيط بجميع الكون وقدرة ذاتية تعم المقدورات. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) أي: جزاء ما عملت أو صحائفه، وعامل يوم " تود " أي: تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم أمدًا يوم تجد الخير والشر حاضرين عنده، ولو للتمني وجملة " لو أن بينها " كالبيان للتمني أو تقديره: اذكر يوم تجد، و (تَوَدُّ) حال من فاعل عملت أو ما عملت مبتدأ لا عطف على ما عملت
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي): نزلت حين سجدوا للأصنام زعمًا منهم أن الباعث لعبادتهم حب الله، وقيل: نزلت لما قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه وقيل: نزلت في وفد نجران لما قالوا نعبد المسيح حبًّا لله. (يُحْبِبْكُمُ اللهُ) أي: يرض
стр. 228
عنكم ويثبكم، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ): والجزم لجواب الأمر يعني يحصل لكم فوق ما طلبتم كما قيل: " ليس الشأن أن تحِب إنما الشأن أن تحَب " (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): باتباعكم للرسول.
(قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا): عن الطاعة. (فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ): لا يرضى عنهم أتى بالظاهر بدل المضمر دلالة على أن التولي كفر. (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى): بالرسالة (آدَمَ ونوحًا) ونوح أول رسول بعثه لما عبد الناس الأوثان. (وآلَ إِبْرَاهيمَ) منهم سيد البشر ﵊ (وَآلَ عِمْرَانَ): هو والد مريم أو والد موسى وهارون. (عَلَى الْعَالَمِينَ): ومن العالمين الملائكة.
стр. 229
(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) حال أو بدل من نوح والآلين أي: إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. (وَاللهُ سَمِيعٌ): لأقوال الناس، (عَلِيمٌ) بأعمالهم فيصطفي مستقيم القول والعمل. (إِذ قَالَتِ) مفعول لاذكر، قيل: ظرف لـ سميع وعليم أي: سميع عليم بقول امرأة عمران وبنتها إذ قالت (امْرَأَتُ عِمْرَانَ): هي أم مريم. (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي) أوجبت على نفسى أن يكون ما في بطني لك لا أستخدمه، (مُحَرَّرًا) حال أي: معتقًا مخلصًا للعبادة قيل: كانت لا تحمل فرأت طائرًا يُطعم فرخه؛ فاشتهت الولد؛ فدعت؛ فاستجيب دعاؤها، (فَتَقَبَّلْ مِنِّي): ما نذرت، (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ): بقولي، (العَلِيمُ): بنيتي.
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) تأنيث الضمير لأن ما في البطن كان أنثى. (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) قالته تحسرًا وعذرًا مما نذرت فإنها ترجو ذكرًا، ولذلك حررته، وأنثى حال عن مفعول وضعت. (وَاللهُ أَعْلَمُ بمَا وَضَعَتْ): هو قول الله تعظيمًا لموضوع كان آية للعالمين، وقرئ: " وَضَعْتُ " فيكوَن من كلامها تسلية لنفسها لعل للهِ فيها سرًّا، (وَلَيْسَ الذكَرُ كَالأُنثَى) فيما نذرت لما فيها من الحيض والنفاس وعدم القوة، وقيل: هو قول الله أيضًا أي: ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ): عطف على إني وضعتها أنثى قيل: معنى المريم في لغتهم العابدة. (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ): أجيرها بحمايتك، (وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ): المطرود، في الحديث: " ما من مولود يولد؛ إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مسه إياه،
стр. 230
إلا مريم وابنها (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا): رضي بها مكان الذكر. (بِقَبُولٍ حَسَنٍ): بوجه حسن يقبل به النذائر، (وَأَنْبَتَهَا): رباها، (نَبَاتًا حَسَنًا) بشكل مليح، ومعرفة وطاعة بالله وكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام، (وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا)؛ لتقتبس منه علمًا وعملاً، وكان زوج خالتها أو زوج أختها وقرئ بتشديد الفاء ونصب زكريا على أن يكون مفعولاً ثانيًا والفاعل هو الله. (كلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ) أي الغرفة التي بنى لها في المسجد، (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا): فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس، أو
стр. 231
صحفا فيها علم والأول أصح، (قَالَ يَا مَريمُ أنى لَكِ هَذا): من أين لك في غير أوانه والأبواب مغلقة؟! (قَالَتْ هُوَ منْ عِندِ اللهِ)، فلا يستبعد قيل: هي كعيسى تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثديًا ويأتي رزقها من الجنة (١)، (إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)؛ لكثرته وسعة جوده، وهو يحتمل أن يكون من كلام الله، أو من كلامها.
(هُنَالِكَ) في ذلك المكان أو الوقت الذي رأى الأشياء في غير أوانها، وعلم منزلتها، وكرامتها على الله، (دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ): طمع في الولد من العاقر، ورغب في أن يكون له ولد. (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ): من غير أسباب ظاهرة (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كما وهبتها لأم مريم العجوز العاقر (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) مجيبه.
(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) أي: جنس الملائكة فإن المنادي جبريل وحده، (وَهُوَ قَائِمٌ): في الصلاة، (يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ الله) أي: بأن الله، (يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد من صلبك اسمه يَحْيَى سمي به لأنه أحياه الله بالإيمان، (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) أي: بعيسى سمي بالكلمة لأنه أوجده بخطاب كن دون أب، وهو أول من صدق عيسى، كانا ابني خالة، وكانت أم يَحْيَى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك، وقيل بكلمة من الله أي: بكتاب الله، (وَسَيِّدًا): حليمًا يفوق في الخلق والكرم والدين، (وَحَصُورًا): لا يأتي النساء أو الذي لا يولد له أو الذي لا ينزل الماء وقيل
стр. 232
والدين، (وَحَصورًا): لا يأتي النساء أو الذي لا يولد له أو الذي لا ينزل الماء وقيل حصورًا في حبس النفس عن الشهوات، وفي الحديث: " كل ابن آدم يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدًا وحصورًا " ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها فقال: " كان ذكره مثل هذه القذاة ". (وَنَبِيًّا): ناشئا، (مِنَ الصَّالِحِينَ) أو كائنا ممن لم يأت ذنبًا. (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) استبعاد من حيث العادة واستعظام أو اشفهام عن كيفية حدوثه، (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
стр. 233
وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): لا تلد. (قَالَ): أي الملك، (كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل، فكذلك متعلق يفعل وقيل: " كذلك الله " مبتدأ وخبر و " يفعل ما يشاء " بيان أو تقديره: الأمر كذلك، و " الله يفعل " بيان. (قَالَ رَبّ اجْعَل لّي آيةً) علامة أستدل على وجود الولد، فأزيد في العبادة شكرًا لك، (قَالَ): الله، (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) أي: لا تقدر عليه مع أنك سوى صحيح تقدر الحمد والتسبيح، (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا): إشارة بنحو يد ورأس وحاجب، والاستثناء متصل جعله من جنس الكلام؛ لأنه فهم من الرمز ما يفهم من الكلام أو منقطع (وَاذْكُر ربَّكَ كَثِيرًا): في أيام الحبسة، (وَسَبّحْ بِالْعَشِيِّ): آخر النهار. (وَالإِبْكَارِ): أول النهار.
* * *
(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ
(وَإِذْ قَالَتِ المَلائكَةُ) أي: جبريل وهو من جنس الملك، (يَا مَريمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ) اختارك أولاً لشرفك، (وَطَهَّرَكِ): من الأكدار والوساوس، وقيل من الحيض أو من تهمة اليهود (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ): مطلقًا أو على عالمي زمانها، (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أمرت بالخشوع والطاعة وغاية الخضوع والصلاة مع الجماعة، وجماعة الرجال أفضل أو كوني معهم، قيل ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة حتى نزل الماء الأصفر في قدميها، (ذلِكَ): القصص، (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ): من الغيوب التي لا تعرفها إلا بالوحي، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقلامَهُمْ): ليعلموا، (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): في كفالتها وذلك أن أمها يوم ولدتها أتَت بها سدنة بيت المقدس وقالت: " دونكم هذه النذيرة فإني حررتها فتنافس الأحبار
стр. 236
فيها لأنها ابنة إمامهم فأقرعوا بالأقلام التي يكتبون بها التوراة عليها؛ فخرجت القرعة لزكريا فكفلها.
(إِذ قَالَتِ المَلائكَة) أي: جبريل بدل من إذ يختصمون على أن الاختصام، والبشارة في زمان متسع أو من إذ قالت، (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ): من الله أى: عيسى، (اسْمُه) ذكر ضمير الكلمة؛ لأن المسمى مذكر، (المَسِيحُ) معرَّب مسيحا بالعبرية أي: المبارك قال بعض السلف لكثرة سياحته سمي به، أو لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برئ، (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) نسبه إلى أمه حيث لا أب له، (وَجِيهاً): له وجاهة ومكانة (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) نصب وجيهًا ومن المقربين على الحال من كلمة؛ لأنها نكرة موصوفة، (وَيكَلِّمُ النَّاسَ)، عطف
стр. 237
على وجيها، (فِي الْمَهْدِ): طفلاً وهو آية (وَكَهْلاً) بالمرة، وقيل إنه رفع شابًّا فامراد كهلاً بعد نزوله فهو آية أخرى قيل: في ذكر " وكهلاً " بشارة لمريم ببقائه أو إشارة إلى أنه لا يصل إلى سن الشيخوخة أو إلى أن كلامه فِي الحالتين من جنس واحد، (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي: في قوله وعمله عطف على وجيهًا أو على في المهد.
(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) استبعاد عادي؛ لأنها كانت محررة لله والمحررة لا تتزوج أبدًا. (قَالَ): جبريل، (كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي يخلق مثل ذلك الأمر، (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: احدث فيحدث، كان تامة، والمراد تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف أو القول حقيقي، (وَيُعَلِّمُهُ
стр. 238
الْكِتَابَ) أي: الكتابة أو جنس الكتب المنزلة وهو عطف على يبشرك أو وجيها أو كلام مبتدأ من تمام بشارة مريم، (وَالْحِكْمَةَ): الفهم أو معاني كلام الله وقد مر، (وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) نزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى، وكان يحفظهما. (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) تقديره ويجعله رسولاً مخبرًا بأني قد جئتكم أو عطف على وجيهًا أو كهلاً وطفلاً مضمنا معنى النطق كأنه قال: وناطقًا بأني، وتخصيص بني إسرائيل بتخصيص بعثته بهم أو للرد على من قال: إنه ليس مبعوثًا إليهم، (أَني أَخْلُقُ لَكُم) أقدر وأصور (مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ): مثل صورته بدل من " أني قد جئتكم " أو من آية أو تقديره: هي أني أخلق (فَأَنفُخُ فِيهِ) أي: في المثل، فالضمير له كاف (فَيَكونُ طَيْرًا يِإِذْنِ اللهِ) أي: حيًّا طيارًا بإذن الله، (وأُبْرِئُ الأَكْمَهَ): من ولد أعمى، وقيل من يبصر نهارًا لا ليلاً، وقيل بالعكس، (وَالْأَبْرَصَ وَأُحْييِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ) تكرار " بإذن الله " لدفع وهم الألوهية فإن الإحياء ليس من فعل البشر، (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ): الآن، (وَمَا
стр. 239
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ): للغد، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): مصدقين للحق.
(وَمُصَدِّقًا) منصوب بفعل مقدر أي: وجئتكم مصدقًا (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ): لكتاب أنزل من قبلي، (مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ) تقديره: وقد جئتكم لأحل، قيل عطف على معنى مصدقًا نحو: جئتك معتذرًا ولأطيب قلبك، (بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)، في شرع موسى كالشحوم، ولحوم الإبل، وغيرهما، وفيه دلالة على أن شرعه نسخ بعض شرع موسى، وهو الصحيح من القولين، (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ): حجة على صدقي، (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ): فيما أقول.
(إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ): لما أظهر المعجزة شرع في الدعوة، وقيل الآية قوله: " إن الله ربي وربكم " فإنه المجمع عليه بين الأنبياء والفارق بين النبي والساحر، (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: طريق مشهود له بالاستقامة، (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ): تحقق عنده تحقق المحسوسات، (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ) أي: من يتبعني إلى الله أو إلى بمعنى مع وقيل بمعنى في أو اللام أو تقديره: من أنصاري ذاهبًا إلى الله أو في الدعوة إلى الله، (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ) من الحور، وهو البياض الخالص، وحواري الرجل خالصته، وقيل: كانوا قصارين سموا بذلك لبياض أثوابهم، وقيل: ملوكًا لا يلبسون إلا البيض، (نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ) أي: أنصار دينه، (آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا
стр. 240
مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) مع أمة محمد ﷺ وقيل: مع الأنبياء فإنهم شهداء لأتباعهم، وقيل: مع الشاهدين بوحدانيتك، (وَمَكَرُوا) أي: الذين أحس منهم الكفر في قتل عيسى، (وَمَكَرَ اللهُ): جازاهم على مكرهم حين رفع عيسى، وألقى شبهه على أحد، فأخذوه، وقتلوه، (وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أقواهم وأقدرهم.
* * *
(إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ
стр. 241
مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
* * *
(إَذْ قَالَ اللهُ) ظرف لمكر الله، (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) المراد من الوفاة ها هنا النوم، وعليه الأكثرون أو في الآية تقديم وتأخير تقديره إني رافعك إليَّ ومتوفيك يعني بعده أو توفاه الله ثلاث ساعات حين رفعه إليه أو سبع ساعات (١) ثم أحياه أو متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت أي: قابضك من الأرض وافيًا لم ينالوا منك شيئًا من توفيت مالي، (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) إلى محل كرامتي، (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ
стр. 242
كَفَرُوا): من سوء جوارهم، (وَجَاعِلُ الذِينَ اتَّبَعُوكَ): هم المسلمون من أمة محمد ﵊ ومن تبعه من النصارى. أو الحواريون، (فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
стр. 243
يَوْمِ الْقِيَامَةِ): بالغلبة والعزة وإلى الآن لم تسمع غلبة اليهود، (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ): أيها التابعون والكافرون، (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من أمر عيسى ودينه.
(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا) بالسبي والقتل والجلاء وهو بيان حال الفريقين لا تفصيل الحكم الأخروي، لأنه ينافيه قوله: في الدنيا، (وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
(وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ): بلا نقص، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ): لا يرحمهم فهو سبحانه لا يظلم.
(ذلِكَ): ما سبق من القصص، (نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ): حال من مفعول نتلو، أو خبر ذلك ونتلوه حال والعامل معنى الإشارة أو خبر بعد خبر، (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي من القرآن المحكم الممنوع عن الباطل أو من اللوح المحفوظ، أو من الذكر المشتمل على الحكم. (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ): شأنه الغريب كشأنه، (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) أي: خلق قالبه من تراب، والجملة مفسرة للتمثيل، (ثمَّ قَالَ لَهُ كن): بشرًا، (فَيَكُون) حكاية حال ماضية شبه الغريب وهو ما لا أب له بالأغرب وهو ما لا أمَّ ولا أبَ له ليكون أحسم لمادة شبهة الخصم. (الحَقُّ مِن ربك) أي: هو الحق أو الحق المذكور من الله، (فَلاَ تَكُن مِّنَ الُممْتَرِينَ) خطاب للنبي ﵊ والمراد ثباته ونهي غيره عن الشك.
стр. 244
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ): في عيسى، (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العِلْمِ)، بأنه عبد الله ورسوله، (فَقُلْ تَعَالَوْا): هلموا، (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، أنفسنا: رسول الله، وعلي بن أبي طالب عليهما الصلاة والسلام، والعرب تسمى ابن عم الرجل نفسه، وأبناءنا: الحسن، والحسين، ونساءنا: فاطمة رضى الله عنهم هكذا ذكره السلف، وقيل: معناه يدع كلٌّ مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة، وقدم الأبناء والنساء على النفس؛ لأن الرجل يقدمهم على نفسه ويفدى بنفسه لهم، (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) نتضرع في الدعاء أو نتلاعن من الابتهال الالتعان (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) الفاء على المعنى الأول ألصق، وسبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة في وفد نجران النصارى يحاجون في عيسى يزعم بعضهم أنه وهو الله، وبعضهم أنه ولد الله وبعضهم أنه ثالث ثلاتة، فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى بضع وثمانين آية، فخرج رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي ودعاهم إلى المباهلة فقالوا: دعنا
стр. 245
ننظر، فاستشاروا فقال كبيرهم: ما لاعَنَ قوم نبيًا قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإني أراهم وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزال، فأتوا وقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألاَّ نلاعنك، ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ونبذل لك الخراج.
(إِن هَذَا) أي: قصص عيسى ومريم، (لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ): دون ما ذكروه، (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللهُ) ردًّا على النصارى في تثليثهم، (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) فلا أحد يساويه في القدرة، والحكمة، فلا إله غيره، (فَإِن تَوَلَّوْا) عما أوحيت إليك، (فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ)، وضع المظهر موضع المضمر، دلالة على أن الإعراض عن التوحيد (١) والحجج إفساد للدين.
لا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله، أو لا نسجد لأحد، قيل: كما اتخذت النصارى عيسى واليهود عزيرًا، (فَإِنْ تَوَلَّوْا): عن إجابة التوحيد، (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): مقرون بالتوحيد دونكم.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) تنازعت نصارى نجران، وأحبار اليهود فى أن كلاًّ منهما ادعوا أن إبراهيم منهم، (وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ)، الجملة حالية أي: اليهودية والنصرانية حدثتا بنزولهما على موسى وعيسى،
стр. 248
وإبراهيم قبلهما بدهر طويل، فكيف يكون عليهما؟!! (أَفَلاَ تَعْقِلُون): فتدعون المحال.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ): ها: حرف تنبيه، وقيل: أصله أأنتم على الاستفهام التعجبي، فقلبت هاء وأنتم مبتدأ خبره هؤلاء، والجملة التي بعده مبينة للأولى، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين، وحاججتم صلته، وقيل: هؤلاء نداء أي: أنتم يا هؤلاء الحمقى جادلتم عنادًا فيما وجدتموه في كتابكم، ولكم به علم، (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ): ولم يذكر في كتابكم من دين إبراهيم، فإنه ربما يجادل الرجل فيما يعلم عنادًا لكن فيما لا يعلم لا يبحث عنه إلا فهمًا وطلب علم، (وَاللهُ يَعْلَمُ): شأنه، (وَأَنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانيًّا)، صرح بما دلت عليه الحجة، (وَلَكِن كان حَنِيفًا): مائلاً عن الباطل إلى الحق، (مُسْلِمًا): منقادًا لله (وَمَا كَانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ) تعريض بهم لإشراكهم به عزيرًا والمسيح ورد على مشركي قريش في زعمهم أنَّهم على دين إبراهيم، (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ)، أقربهم وأحقهم به، (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ): على دينه، (وَهَذَا النبِيُّ وَالذِينَ آمَنُوا): من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم في الحديث: " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي " ثم قرأ الآية، (وَاللهُ وَلِيُّ الُمؤْمِنِينَ): ينصرهم لإيمانهم برسله.
стр. 249
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: اليهود حين دعوا بعض الصحابة إلى اليهودية (لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) لو بمعنى أن، (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)، فإن المؤمنين لا يقبلون قولهم، ويحصل لهم إثم (وَمَا يَشْعُرُون) اختصاص ضرره بهم.
(يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ): من التوراة والإنجيل أو القرآن، (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ): صدقها. (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ): تخلطونه بما تخترعونه حتى لا يميز بينهما، أو لم تجعلونه ملتبسًا بسبب خلط الباطل الذي تكتبون في خلاله أو تخلطون الإيمان بعيسى بالكفر بمحمد، (وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ): نعت محمد ﵊، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): عالمون بحقية ما تكتمون.
* * *
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ
стр. 250
مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
* * *
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، أوله سمي وجهًا لأنه أول ما يواجهه الناظر، (وَاكْفُرُوا آخرَهُ لَعَلهُمْ) أي: المؤمنين (يَرْجِعُون): عن الإسلام، أطلع الله نبيه على مكيدة اليهود، فإنهم اشتوروا أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح فإذا جاء آخر النهار ارتدوا؛ ليقول المسلمون: ما رجعهم إلى دينهم إلا اطلاع نقيصة في ديننا ولعلهم يرجعون عن الإسلام.
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ): لا تعترفوا، ولا تظهروا التصديق إلا لأشياعكم، (قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ): يهدى من يشاء، (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ)، متعلق بلا تؤمنوا أي: لا تعترفوا بأن يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والمعجزات، ولا بأن يغالبوكم بالحجة يوم القيامة إلا لأشياعكم،