← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المشركين حيث وجدتموهم " الآية [التوبة: ٥]، والأكثرون على أنها محكمة، ثم قال بعضهم التخيير بين القسمين فلا يجوز قتله، والأكثرون منهم وهو قول أكثر السلف على التخيير بين المنِّ والمفاداة والقتل والاسترقاق، (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْب أَوْزَارَهَا): أثقالها وآلاتها أي: لا يبقى حرب، وهو بأن لا يبقى كافر، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله) [الأنفال: ٣٩] قيل: حتى تضع الحرب آثام أهلها بأن يتوبوا، أو شرك أهلها وقبائحهم، (ذَلِكَ) أي: الأمر ذلك، (وَلَوْ يَشَاءُ الله لانتَصَرَ): لانتقم، (مِنْهُمْ): بأن أهلكهم من غير قتال، (وَلَكِنْ) شرع لكم الجهاد، (لِيَبْلوَ): الله تعالى، (بَعْضَكمْ بِبَعْضٍ): فيمحص ويخلص المؤمنين بالجهاد، ويمحق الكافرين فهو من البلية، أو من الابتلاء أي: الاختبار قال تعالى: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللهُ " الآية [آل عمران: ١٤٢]، (وَالَّذِينَ قُتِلُوا): جاهدوا، (فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ): يضيع، (أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ): إلى سبل السلام، (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ): حالهم فيما بقي من عمرهم، وفي الآخرة، (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ): بينها لهم لكل منهم يعرف منزله، وفي البخاري " والذي نفس محمد بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله كان في الدنيا " وعن بعض: طيبها لهم من العَرْف وهو طيب الرائحة قيل: عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ)

стр. 1857

أي: في دينه، (يَنصُرْكُمْ): على عدوكم، (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ): في الجهاد والطاعات، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)، مفعول مطلق وجب حذف فعله أي: تعس أو أتعسه الله تعالى تعسًا أي: أهلكه إهلاكًا، والجملة خبر الذين كفروا كأنه قال والذين كفروا أهلكهم الله (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)، عطف على ناصب تعسًا، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ): القرآن، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ): استأصل، (اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي: ولمطلق الكافرين أمثال تلك العاقبة، فيه وعيد لقريش، (ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى): ناصر، (الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ): لا ناصر لهم، ولكن هو مولاهم بمعنى مالكهم. * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ

стр. 1858

فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩) * * * (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ): في الدنيا بها، (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ): لا يهتمون بالحل، والحرمة، ولا بالقلة والكثرة لا شكر ولا حمد، (وَالنَّارُ مَثْوًى): منزل، (لَهُمْ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) أي: وكم من أهل قرية، (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ): مكة، أي: من أهلها، (الَّتِي أَخْرَجَتْكَ): كانوا سبب خروجك، (أَهْلَكْنَاهُمْ): بأنواع العذاب، (فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ)، معناه على المضي أي: لم يكن لهم ناصر فهو كالحال المحكية نزلت حين قال ﵇ في الغار ملتفتًا إلى مكة: " أنت أحَبُّ بلاد الله إلى الله وأَحَبُّ بلاد الله إليَّ ولولا أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك "،

стр. 1859

فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ): حجة، (مِنْ رَبِّهِ): كالقرآن والدلائل، (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا)، جمع الضمير باعتبار المعنى، (أَهْوَاءَهُمْ): لا حجة لهم أصلاً، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: وعدها، (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ): غير متغير طعمه ولا ريحه، (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ): لم يصر حامضًا ولا قارصًا، (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ): طيبة الطعم والرائحة لا فيها غول، وهي تأنيث لَذ، وهو اللذيذ أو مصدر وصف به للمبالغة، (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى): من الشمع والوسخ، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) أي: بعضه، (وَمَغْفِرَةٌ)، عطف على معنى من كل الثمرات، (مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ): من شدة الحرارة، واعلم أن " مثل الجنة " مبتدأ خبره " كمن هو خالد " بتقدير في الخبر والمبتدأ على حاله أي: كمثل جزاء من هو خالد أو في المبتدأ، أو الخبر على حاله أي: مثل أهل الجنة كمن هو خالد وقوله " فيها أنهار " إما صلة لا بعد صلة، أو استئناف، أو مثل مبتدأ، وفيها أنهار خبره من غير احتياج بتقدير أي: صفتها هذه،

стр. 1860

أو مبتدأ خبره محذوف أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة ثم أخذ يبين، وعلى هذين الوجهين كمن هو خالد خبر محذوف أي: المنفي الذي له تلك الجنة كمن هو خالد، والقرينة وعد المتقون، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ): المنافقون يحضرون ويسمعون كلامه الأشرف، (حَتى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ): علماء الصحابة، (مَاذَا قَالَ): محمد، (آنِفًا): الساعة استهزاءً وإعلامًا بأنا ما كنا ملتفتين إليه مستمعين له، وآنفًا ظرف بمعنى أول وقت يقرب منا، (أُولَئِكَ الذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ): ختم عليها فلا يدخل فيها الهدى، (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ): الله، أو قول الرسول، (هُدًى): وفقهم على تكثير الحسنات وتقليل السيئات، (وَآتاهُمْ تَقْوَاهُمْ): أعانهم على التقوى أو أعطاهم ثواب التقوى أو بين لهم ما يتقون، (فَهَلْ يَنظُرُون): ينتظرون، (إِلا السَّاعَةَ) أي: لا يؤخرون الإيمان إلا لانتظار القيامة، (أَنْ تَأتِيَهُمْ بَغتَة)، بدل اشتمال من الساعة، (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) كالعلة كأنه قال لا ينتظرون إلا إتيانها بغتة؛ لأنه قد جاء أشراطها، وبعد مجيء الأشراط لابد من وقوع الساعة، ومن أشراطها مبعث رسول الله ﷺ (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ): فمن أين لهم التذكر والاتعاظ إذا جاءتهم الساعة؟ يعني حينئذ لا تنفعهم، (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: إذا علمت حال الفريقين فاثبت على التوحيد، (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، ذكره

стр. 1861

للتوطئة والتمهيد لقوله: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، فالمقصود الاستغفار لهم، وأمره به لتستن به أمته، (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ). متصرفكم بالنهار، (وَمَثْوَاكُمْ):

стр. 1862

مستقركم في الليل، أو متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة، أو متقلبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم مقامكم في الأرض أو في القبور. * * * (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)

стр. 1863

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) * * * (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا): هلا، (نزِّلَتْ سُورَةٌ): تأمرنا بالجهاد، (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ): غير منسوخة، (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ): الأمر به، (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): من كان له ضعف دين، (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ): عند الموت، (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أي: كنظر من أصابته الغشية عند الموت من رعبهم وجبنهم، (فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي: كان الأولى بهم طاعة الله، وقول معروف بالإجابة، أو معناه فالويل لهم من الولي، وأصله أولاه الله ما يكرهه، واللام مزيدة أي: هذا الويل لهم، ثم قال (طاعة) أي: أمرهم طاعة أو طاعة

стр. 1864

خير لهم، (فَإِذَا عَزَمَ): جد، (الأمْرُ): وفرض القتال، (فَلَوْ صَدَقُوا الله): في الإيمان والطاعة، (لَكَانَ): الصدق، (خَيْرًا لَهُمْ)، وعن بعضهم إذا عزم الأمر حضر القتال فلو صدقوا الله: أخلصوا له النية لكان خيرًا لهم، (فهَلْ عَسَيتُمْ): يتوقع منكم، (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ): بمعنى الإعراض أي: أعرضتم عن الدين أو رجعتم عن الجهاد، (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ): أن تعودوا إلى أمر الجاهلية، أو بمعنى الولاية أي: تأمرتم أن تظلموا ولم تعدلوا فدخلت هل على ما يتضمنه عسى من معنى التوقع يعني: هم لضعف دينهم بحيث يتوقع من عرفهم ذلك منهم، ويقول لهم هل عسيم، (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ): فلا يستمعون الحق ولا يهتدون، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ): فيتعظون بمواعظه، (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أي: أم يتدبرون لكن عليها القفل، فلا يدخل فيها الحق، وتنكير قلوب للتهويل كأنه قيل لا يقادر قدرها في القسوة والإقفال، أو لأن المراد قلوب بعض، وإضافة الأقفال للدلالة على أقفال مناسبة لها لا تجانس الأقفال المعهودة، وقيل: أم منقطعة والهمزة للتقرير، (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ): رجعوا إلى كفرهم وهم المنافقون، (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى): بالمعجزات، أو هم كفار أهل الكتاب كفروا بمحمد ﵊ بعد ما عرفوه من كتابهم، (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ): زين وسهل، (لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ): مد لهم في الآمال، أو أمهلهم الله تعالى، وقراءة أُملِي على فعل المتكلم يدل على الثاني أي: وأنا أمهلهم ولا أعجلهم بالعقوبة، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ): المنافقين، (قَالُوا): سرًّا، (لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ)، هم المشركون، أو كفار أهل الكتاب، أو قال كفار أهل الكتاب للمشركين: (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ): بعض أموركم في عداوة الإسلام، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ): أفشا الله تعالى أسرارهم وأفضحهم، (فَكَيْفَ): يعملون، (إِذَا تَوَفتْهُمُ الْمَلائكَةُ يَضْرِبُونَ

стр. 1865

وُجُوهَهمْ وَأَدْبَارَهُمْ): ليستخرجوا أرواحهم بالقهر، (ذلِكَ): التوفي الموصوف (بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ): من الكفر وعداوة الإسلام، (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ): ما يرضاه، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ): حسناتهم التي عملوا. * * * (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨) * * *

стр. 1866

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): نفاق، (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ): يبرز ويظهر، (أَضْغَانَهُمْ): أحقادهم، وأم منقطعة، والهمزة للإنكار، (وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ): عرَّفناهم بأشخاصهم، (فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ): بأن جعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها، لكن لم يفعل سترًا منه على خلقه، وعن ابن عباس ﵄ ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أحد من المنافقين يعرفهم بسيماهم، فكأنه ﵁ حمله على أنه وعد بالوقوع دال على الامتناع فيما سلف " ولام الجواب كررت في المعطوف، (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) هو إزالة الكلام عن جهته إلى تورية فكان بعد ذلك ما تكلم منافق عند رسول الله ﷺ إلا استدل بفحوى كلامه على فساد باطنه، وهو جواب قسم محذوف، والواو لعطف القسمية على الشرطية، (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): نعاملكم معاملة المختبر بالتكاليف، (حَتَّى نَعْلَمَ): نرى ونميز، (الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ): على مشاقها، (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ): نعلم أو [نُظْهِر] أحوالكم وأعمالكم أو نختبر أخباركم عن الإيمان أنه عن صدق القلب أو عن اللسان وحده، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا): الناس، (عَنْ سَبيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ): خاصموه، (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّوا الله شَيْئًا): من المضرة إنما يضرون أنفسهم، (وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ): ثواب حسناتهم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكمْ): بالردة، والنفاق أو بالرياء والمنِّ والأذى أو بالكبائر،

стр. 1867

وعن أبي العالية: كنا معاشر الصحابة نرى أنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت " ولا تبطلوا أعمالكم "، فخفنا أن يبطل الذنب العمل، وعن ابن عمر ﵄ قريب منه، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، دل بمفهومه على أنه قد يغفر الذنوب لمن لم يمت على الكفر، (فَلا تَهِنُوا): تضعفوا، (وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): ولا تدعوهم إلى الصلح حال كونكم الأغلبين، (وَاللهُ مَعَكُمْ): بالنصر، (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، منصوب بنزغ الخافض أي: لن يفردكم الله منها بأن يضيع، أو بالمفعول لتضمين معنى السلب، (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ): لا أصل لها ولا ثبات، (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ): ثواب أعمالكم، (وَلا يَسْأَلْكُمْ): ربكم، (أَمْوَالَكُمْ) أي: شيئًا منها، فإنه غني عنها، والأمر بالصدقات لنفعكم ما أريد منهم من رزق، أو جميع أموالكم، بل يسأل شيئًا يسيرًا منها، (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ): يطلب منكم جميعه، (تَبْخَلُوا): فلا تُعطوا، (وَيُخْرِجْ): الله، (أَضْغَانَكُمْ): عداوتكم على من يطلب منكم، (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ)، مبتدأ وخبر أي: أنتم هؤلاء الموصوفون وحنيئذ قوله: (تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا)، استئناف مقرر لذلك، أو هؤلاء موصول، وتدعون صلته، (فِي سَبِيلِ اللهِ): طرق الخير، (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ): ضرر البخل راجع إليها، (وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ): فلا يأمركم إلا بما يسد احتياجكم، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا)، عطف على وإن تؤمنوا، (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ): يقم مقامكم قومًا آخرين، (ثُمَّ لَا يَكُونُوا

стр. 1868

أَمْثَالَكُمْ): في التولي؛ بل سامعين طائعين، وفي الحديث " من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب ﵇ يده على كتف سلمان، ثم قال: هذا وقومه، ولو كان الدِّين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " وعن الحسن: هم العجم، وعن عكرمة: فارس والروم. ولله الحمد والمنَّة. * * *

стр. 1869

سورة الفتح مدنية وهي تسع وعشرون آية وأربع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلله جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلله جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) * * * (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) الفتح: صلح الحديبية، وما فتح الله تعالى على باطنه

стр. 1870

الأشرف، وروي محيي السنة أنه لما نزل قال عمر ﵁ أو فتح هو يا رسول الله؛ قال: " نعم، والذي نفسى بيده " وهو صلح بسببه خير الدنيا والآخرة فيه بيعة الرضوان، وظهور الإسلام، وانتشار العلم، وهو سبب لفتح مكة نزلت في طريق الرجوع إلى المدينة، (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ): لما كان ذلك الفتح متضمنًا لأمور عظيمة القدر عند الله تعالى كان سببًا للغفران، فجمع له عز الدارين، (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ): من يجوز الصغائر على الأنبياء فمعناه ظاهر، وإلا فجميع ما فرط منك، ويفرط وسماه ذنبًا تغليظًا، وعن بعض ما تقدم في الجاهلية، وما تأخر مما لم يعمله كما تقول مبالغة: ضرب من لقيه ولم يلقه، وعن بعض ما تقدم أي: ذنوب أبويك آدم وحواء وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك، (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًاا): يثبتك عليه، أو في تبليغ الرسالة، (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا): فيه عز، (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ): الطمأنينة والوقار، (فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ): كما أنزل على الصحابة يوم الحديبية، واطمأنت قلوبهم بالصلح فانقادوا لله تعالى (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ): يقينًا مع يقينهم، وإيمانًا بما أمر النبي ﵇ ورآه من المصلحة مقرونًا مع إيمانهم باللهِ ورسوله، (وَلله جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): هو المدبر والمتصرف فيهم، (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا): فما أمر رسوله من الصلح لمصلحة وحكمة، (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

стр. 1871

الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)، في الصحيحين " لما نزل " ليغفر لك الله " إلخ قالوا: هنيئًا مريئًا يبن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت إلى قوله تعالى: " فوزًا عظيمًا " فعلى هذا الظاهر أنه أيضًا علة " لـ إنَّا فتحنا "، أو لجميع ما ذكر، وقيل: لما دل عليه " ولله جنود السَّمَاوَات والأرض " من معنى التدبير أي: دبر ما دبر وسكن قلوبهم ليعرفوا نعمه ويشكروها، فيدخلوا الجنة، ويعذب المنافقين والكافرين لما غاظهم من ذلك وكرهوا، (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا)، و " عند " حال من الفوز مقدم، (وَيُعَذِّبَ)، عطف على يدخل، (الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ): يظنون أن لن ينصر الموحدين أي: ظن

стр. 1872

الشيء السوء، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: عليهم خاصة ما يظنونه بالمؤمنين يحيط بهم إحاطة الدائرة بما فيها، والإضافة بمعنى من، (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا): جهنم، (وَلله جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا): فلا أحد يمنعه من الانتقام الذي فيه الحِكَم، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا): على أمتك في القيامة، (وَمُبَشِّرًا): للمؤمنين، (وَنَذِيرًا): للكافرين، (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، الضمير للأمة على أن جعل خطابه في " إنا أرسلناك " منزلاً منزلة خطابهم، (وَتُعَزِّرُوهُ): تعظموه، (وَتُوَقِّرُوهُ): تجلوه، (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا): تنزهوه غدوة وعشيًّا، (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ): في الحديبية، وهي بيعة

стр. 1873

الرضوان، (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ)، نحو (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: ٨٠] (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) استئناف مؤكد له على سبيل التخييل يعني: يد رسوله يده، وعن بعض: نعمة الله تعالى عليهم بالهداية فوق ما صنعوا من البيعة، أو كناية عن أن كمال القدرة والقوة لله تعالى فيكون مقدمة لقوله: (فَمَنْ نَكَثَ): نقض العهد، (فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ): عليه وباله، (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). * * * (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ قُلْ لَنْ

стр. 1874

تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧) * * * (سَيَقولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ): الذين وعدوا أن يرافقوا رسول الله ﷺ إلى مكة عام الحديبية فتثاقلوا وأخلفوا الوعد، (شَغَلَتْنَا): عن الوفاء بالوعد، (أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا): إذ ليس لنا من يقوم بأمرهم إذا خرجنا، (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا): على التخلف (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ): تكذيب لهم من الله تعالى، (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) أي: لا أحد يدفع ضره ولا نفعه فليس الشغل بالأهل والمال عذرًا، فلا ذاك يدفع الضر إن أرادوه، ولا ملاقاة العدو تمنع النفع إن أراد بكم نفعًا، واللام في لكم للبيان أو للصلة، (بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا): فيعلم قصدكم في التخلف، (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا): قالوا: هم أكلة رأس لقريش، فهم يستأصلونهم، (وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) أي: إنهم أكلة رأس، (وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا): هالكين عند الله تعالى أو فاسدين لسوء العقيدة، (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) أي: لهم، (سَعِيرًا)،

стр. 1875

التنكير للتهويل، (وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): له الاختيار المطلق في الأشياء، (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ). لا يجب عليه شيء، (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا): لمن تاب وآمن فالغفران من دأبه، (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُون): المذكورون، (إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا) أي: غنائم خيبر، (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ): إلى خيبر، (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ): فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن ييسر لهم [خيبر]، ويعوضهم من مكة مغانم خيبر لا شريك لهم فيها، (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا): في خيبر، نفي بمعنى النهي، (كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن تسألوا الخروج معهم، فإنه حكم بأن تكون غنيمته لأهل الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب، (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا): في أن نصيب الغنائم، وليس أمرًا من الله تعالى، (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا): إلا فهمًا قليلاً، وهو فهمهم لبعض أمر دنياهم، ردٌ من الله تعالى لهم، (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ)، كرر تسميتهم بهذا الاسم للشناعة، (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ): هوازن وثقيف، وذلك في عهد النبي ﷺ أو بني حنيفة وأصحاب مسيلمة، وذلك في خلافة أبى بكر ﵁ أو أهل فارس، وذلك في خلافة عمر ﵁ (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي: أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام جملة مستأنفة للتعليل والأصح أن لا تقبل الجزية من

стр. 1876

المشركين، وقيل الإسلام الانقياد، فيشمل الجزية، (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ): عام الحديبية، (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)، لما أوعد على التخلف نفى الحرج عن هؤلاء، (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا). * * * (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ

стр. 1877

يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) * * * (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وهم ألف وأربعمائة على الأصح، (إِذْ يُبايِعُونَكَ): بالحديبية على أن يكونوا متفقين على قتال قريش، فإنهم هَمُّوا [بقتل] عثمان ﵁ وهو رسولُ رسولِ الله ﷺ إليهم (تَحْتَ الشَّجَرَةِ)، أي: سمرة (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ): من الإخلاص، (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ): الطمأنينة، (عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ): جازاهم، (فَتْحًا قَرِيبًا)، هو الصلح، وما هو سبب له من فتح خيبر ومكة ثم فتح سائر البلاد، (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا): عقار خيبر وأموالها، (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا): غالبًا، (حَكِيمًا): مراعيًا للحكمة، (وَعَدَكمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأخُذُونَهَا)، هي الفتوح إلى يوم القيامة (فَعَجَّلَ لَكُمْ

стр. 1878

هَذِهِ): غنيمة خيبر، أو صلح الحديبية، (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ)، هم لما خرجوا إلى خيبر همت اليهود أن يغيروا على عيال المسلمين بالمدينة، فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب، أو المراد أيدى قريش، لأجل صلح حديبية، (وَلِتَكُونَ): هذه الكفة وسلامة عيالكم والغنيمة المعجلة، (آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ): على صدقك، عطف على محذوف أي: لتكون سببًا للشكر، ولتكون آية، (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا): التوكل وتفويض الأمور إليه، (وَأُخْرَى)، عطف على هذه، وهي مكة أو فارس والروم، أو خيبر، وهذا على قول من فسر " عجل لكم هذه " بصلح [الحديبية]، (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا): لشوكتهم، (قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا): استولى، ففتحها لكم، وجاز أن يكون أخرى مبتدأ، ولم تقدروا صفتها، وقد أحاط خبرها، (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا): من أهل مكة عام الحديبية، (لَوَلَّوُا الأدْبَارَ): لانهزموا، (ثمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا): يحرسهم وينصرهم، (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: سن الله تعالى سنة الأنبياء المتقدمين أن عاقبة أعدائهم الخزي والهزيمة، (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ): كفار مكة، (عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ): مَنَّ الله تعالى بصلح الحديبية، وحفظ المسلمين عن أيدي الكافرين، وعن القتال بمكة، وهتك حرمة [المسجد] الحرام، وأما ظفرهم على المشركين فهو أن سبعين أو ثمانين أو ثلاثين رجلاً متسلحين هبطوا من جبل التنعيم يريدون غرة النبي ﵊ فدعا عليهم فأخذوا، وعفا

стр. 1879

عنهم فأطلقوا، وأما ما ذكر أن ابن أبي جهل خرج في عسكر يوم الحديبية، فبعث خالد بن الوليد، فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة، ففيه شيء، وكيف لا وخالد بن الوليد لم يكن أسلم!؛ بل كان طليعة للمشركين يومئذ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره، (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا): فيجازيكم، (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ): منعوكم عن الزيارة ومنعوا الهدى، وهى سبعون بدنة (مَعْكُوفًا): محبوسًا، (أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ): مكانه الذي يحل فيه نحره، (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) أي: المستضعفون بمكة، (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ): لم تعرفوهم لاختلاطهم بالمشركين، (أَنْ تَطَئُوهُمْ): أن توقعوا بهم وتقتلوهم في أثناء القتال بدل اشتمال من رجال ونساء، أو من مفعول لم تعلموهم، (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ): مكروه كوجوب الدية، والتأسف عليهم، وتعيير الكفار بأنَّهم قتلوا أهل دينهم، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: تطئوهم غير عالمين بهم، وجواب لولا محذوف، والمعنى: لولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم وإهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم، لما كفَّ أيديكم عنهم، والفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف ولا يقاس، أو معناه معرة حاصلة من غير سبق علم وتوجه ذهن، (لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: (تأخر العقوبة، وكف) أيديكم عنهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال: (لَوْ تَزَيَّلُوا): لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم، (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) قيل: هذا جواب لولا، و " لو

стр. 1880

تزيلوا " كالتكرير لـ (لولا رجال)؛ لأن مرجعهما واحد، (إِذْ جَعَلَ الذِينَ كَفَرُوا) ظرف لعذبنا، أو صدوكم، (في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ): الأنفة، (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ): التي تمنع قبول الحق، (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ): وقاره، (عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ): حتى صالحوهم، فلم يدخلهم ما دخلهم من الحمية، فيعصوا الله تعالى في قتالهم، فإنه قد هم المؤمنون أن يأبوا كلام رسول الله في الصلح، ودخلوا من ذلك في أمر عظيم كادوا أن يُهلَكوا، ويدخل الشك في قلوب بعضهم حتى إنه قال ﵇ ثلاث مرات: قوموا وانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل ثم أنزل الله تعالى السكينة عليهم فاطمأنوا، (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى): اختار كلمة الشهادة لهم، أو بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه لما أمر ﵊ عليًّا ﵁ أن يكتب في كتاب الصلح " بسم الله الرحمن الرحيم " قالوا: لا نعرف هذا اكتب باسمك

стр. 1881

اللهم، (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا): من غيرهم، (وَأَهْلَهَا): وكانوا أهلها في علم الله تعالى، (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). * * * (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) * * * (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا) أي: في رؤياه، فهو من نزع الخافض، وذلك أنه ﵊ رأى في المنام قبل الحديبية أنه وأصحابه يدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين غير خائفين، فأخبر أصحابه ففرحوا فلما صدوا عن البيت شق ذلك عليهم فنزلت، (بِالْحَقِّ)، حال من الرؤيا أي: متلبسة بالحق، فإنها كائنة لا محالة، وتحقيقها في العام المقبل، (لتَدْخُلُنَّ)، جواب قسم محذوف، (الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ)، الاستثناء، لأجل تعليم العباد لا للشك، (آمِنِينَ)، حال، والشرط معترض، (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) أي: محلقًا بعضكم،

стр. 1882

ومقصرًا آخرون حال مقدرة لأن الدخول ما كان في حال الحلق، (لَا تَخَافُونَ)، حال مؤكدة، (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا): من الحكم والمصالح، (فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ) أى: من دون دخولكم المسجد، (فَتْحًا قَرِيبًا) هو [صلح] الحديبية على الأصح كما ذكرنا في أول السورة، أو هو فتح خيبر، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى): متلبسًا بالعلم النافع، (وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ): ليعليه، (عَلَى الدِّينِ): على جنسه، (كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا): إنك مرسل بالحق، أو إن ما وعده كائن، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)، جملة تامة مبينة للمشهود به، أو تقديره هو محمد، ويكون قوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ): الصحابة، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، جملة معطوفة على جملة، أو محمد مبتدأ، أو رسول الله عطف بيان، والذين معه عطف على محمد، و " أشداء " إلخ خبرهما، أي: يغلظون على المخالفين يتراحمون فيما بينهم، (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) أى: علامتهم في وجوههم، و " من أثر " إما حال من ضمير في الخير، أو بيان

стр. 1883

لسيما أي: يوم القيامِة يكونون منوري الوجوه، أو المراد خشوعهم وتواضعهم، أو صفاؤهم أو صفرة اللون من السهر أو أثر التراب على الجباه فإنَّهم كانوا يسجدون على الأرض من غير حائل، (ذَلِكَ): المذكور، (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) أي: صفتهم العجيبة في الْكِتَابين، (كَزَرْعٍ) أي: هم كزرع أو " مثلهم في الإنجيل " مبتدأ وهو خبره أو ذلك إشارة مبهمة، وهو تفسيرها، (أَخْرَجَ شَطْأَهُ): فِراخه، (فَآزَرَهُ): قَوَّاه، (فَاسْتَغْلَظَ): صار من الدقة إلى الغلظ، أو المراد المبالغة في الغلظ كما في استعصم، ونظائره، (فَاسْتَوَى): فاستقام، (عَلَى سُوقِهِ): على قصبه، (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ): لحسن منظره، وعن قتادة: مثل أصحابه في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً، ثم يزدادون، وعن بعض: إن أصل الزرع رسول الله ﷺ والشطء الصحابة ﵃ (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)، علة للتشبيه، أو تقديره قواهم ليغيظ، وقيل: علة لقوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ) أي: مِن الصحابة، ومن للبيان، (مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا). والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ. * * *

стр. 1884

سورة الحجرات مدنية وهى ثماني عشرة آية وفيها ركوعان * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) * * *

стр. 1885

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: لا تتقدموا بين يدي أمرهما وفيهما، ولا تقطعوا أمرًا قبل حكمهما به؛ بل كونوا تابعين لأمر الله تعالى، ورسوله، يقال: تقدم بين يدي أمه وأبيه أي: عجل بالأمر والنهي دونهما، فهو لازم، وقراءة " لا تَقدموا " بفتح التاء يؤيده، أو المفعول محذوف أي: أمرًا عن ابن عباس - رضى الله عنهما - لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، (وَاتَّقُوا اللهَ): في التقدم، (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ): لأقوالكم، (عَلِيمٌ): بأحوالكم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ): لا تجاوزوا أصواتكم عن صوته، (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ): جهرًا، (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)، بل اجعلوا أصواتكم معه أخفض من أصوات بعضكم من بعض، أو لا تخاطبوه باسمه وكنيته، بل خاطبوه بالنبي والرسول، كقوله (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) [النور: ٦٣] نزلت في أبي بكر وعمر ﵄ حين تماريا في محضر رسول الله ﷺ حتى ارتفعت أصواتهما، فكان أبو بكر وعمر بعد ذلك يُسرَّانه، (أَنْ تَحْبَطَ)

стр. 1886

أي: كراهة أو خشية أن تحبط، (أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ): بحبطها، وفي الصحيح " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يكتب له بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض " (١) وقد مر، (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ): يخفضون، (أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى): أخلصها، فلم يبق لغير التقوى فيها حق يقال: امتحن الذهب إذا أذابه وأخرج خبثه، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن لأجل حصول التقوى، أو كناية عن صبرهم، وثباتهم على التقوى التي جَرَّبها ومرنها عليها، (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ): عظيمة، (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)، الجملة خبر ثان لـ إنَّ أو استئناف، (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) أي: من جهة وراء حجرات نسائه (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقلُونَ) إذ العقل يقتضي الأدب سيما مع مثله، (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا): لو ثبت صبرهم، (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ): الصبر، (خَيْرًا لَهُمْ): من الاستعجال، (وَاللهُ عفُورٌ رَحِيمٌ)، حيث يقتصر على النصح لمسيء الأدب، ولو تاب ليغفره نزلت في وفد بني تميم أتوا وقت الظهيرة، ونادوا على الباب حتى استيقظوه، وقالوا: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، أو

стр. 1887

في وفد بني العنبر حين سبيت ذراريهم، وأتى بهم فجاء رجالهم يفدون الذراري، وقدموا وقت الظهيرة، فجعلوا يصيحون، وينادون: يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا): تفحصوا صدقه، وقراءة " فتثبتوا " معناه توقفوا إلى أن يتبين الأمر (أَنْ تُصِيبُوا) أي: كراهة إصابتكم، (قوْمًا): بُرآء، (بِجَهَالَةٍ): جاهلين بحالهم، (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، نزلت في الوليد بن عقبة بُعث إلى بني المصطلق لأخذ زكاتهم، فرجع من الطريق لخوف منهم للعداوة التي بينه وبينهم في الجاهلية، وقال: إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتلي، فقصد رسول الله ﷺ أن يغزوهم فجاء وفد منهم وكذبوه، (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) أي: واعلموا أن فيكم لا في غيركم رسول الله ﷺ على حال لو أطاعكم في كثير من آرائكم لوقعتم في جهد ومصيبة، نزَّلهم منزلة من لا يعلم أنه بين أظهرهم، وجملة " لو يطيعكم " حال إما من الضمير المستتر، أو البارز في " فيكم " (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)،

стр. 1888

ولذلك تطيعونه أنتم لا هو يطيعكم، فلا تُوقعون في عنت، (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)، وعن بعض المفسرين: إن قوله " ولكنَّ اللهَ " استثناء لقوم آخرين صفتهم غير صفتهم، كأنه قال فيكم الرسول على حال يجب تغييرها، وهي إرادتكم أن يتبعكم، ولو فعل لعنتم، ولكن بعضهم الموصوفين بأن الله تعالى زين الإيمان في قلوبهم لا يريدون أن يتبعهم أولئك هم الذين أصابوا [الطريق] السوي، وعن بعضهم: إن معناه إن فيكم الرسول فعظموه، ولا تقولوا له باطلاً، ثم لما قال ما دل على أنَّهم جاهلون بمكانه مفرطون فيما يجب من تعظيم شأنه اتجه لهم أن يسألوا ماذا فعلنا حتى نسبنا إلى التفريط، وماذا ينتج من المضرة فأجاب إنكم تريدون أن يتبعكم، ولو اتبعكم لعنتم، فعلى هذا جملة " لو يطيعكم " استئنافية، (فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَة) نصب على أنه مفعول له لـ حَبَّبَ، أو لـ كَرَّه أو مفعول مطلق لهما فإن التحبيب فضل، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا): تقاتلوا، (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا): بالنصح نزلت حين قال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك، في جواب عبد الله بن أبي حين قال لرسول الله ﷺ وهو راكب الحمار: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فاستبا، فتقاتل الصحابة قوم ابن أبي، بالجريد، والنعال، أو في الأوس، والخزرج لما بينهما من القتال بالسعف أو في رجلين من الأنصار تقاتلا بالنعال، (فَإِنْ بَغَتْ): تعدت، (إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي): الطائفة التي

стр. 1889

صدرت منها البغي، (حَتَّى تَفِيءَ): ترجع، (إِلَى أَمْرِ اللهِ): حكمه، (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ)، قيد بالعدل هاهنا لأنه مظنة الحيف لما أنه بعد المقابلة، (وَأَقْسطُوا): اعدلوا في الأمور، (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة): من حيث الدين، (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، عدل من بينهم إلى بين أخويكم للدلالة على أن المصالحة بين الجماعة أوكد وأوجب إذا لزمت بين الأقل، فبين الأكثر ألزم، (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون). * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ

стр. 1890

لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ)، القوم للرجال خاصة، (عَسَى أَنْ يَكُونوا): المسخور بهم، (خَيْرًا مِنْهُمْ): من الساخرين استئناف علة للنهي، واكتفى " عسى " بالاسم عن الخبر، (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ): عند الله، (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ): لا يعب بعضكم بعضًا، وإن عيب أخيه عيب نفسه، أو لأن المؤمنين كنفس واحدة، واللمز الطعن باللسان، (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ): لا يدعوا بعضكم بعضًا باللقب السوء والنبز مختص باللقب السوء عرفًا، (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) يعني: إن السرية واللمز والتنابز فسوق، وبئس الذكر الذي هو الفسوق بعد الإيمان يعني: لا ينبغي أن يجتمعا، فإن الإيمان يأبى الفسوق، أو كان في شتائمهم: يا يهودي، يا فاسق، لمن أسلم فنهوا عنه، وقال: بئس تشهير الناس بفسق كانوا فيه بعدما اتصفوا بضده، (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ): عما نهى عنه، (فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 1891

الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ): وهو ظن السوء بأخيك المسلم، (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ): فكونوا على حذر حتى لا توقعوا فيه، (وَلَا تَجَسَّسُوا): لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، مع أنه فيه، فإن لم يكن فيه، فبهتان، (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ)، تمثيل لما ينال من عرضه على أفحش وجه، (مَيْتًا)، حال من اللحم، أو الأخ، (فَكَرِهْتُمُوهُ)، الفاء فصيحة أي: إن عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، فهو تقرير وتحقيق للأول، (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ): بليغ في قبول التوبة، (رَحِيمٌ)، روى الإمام أحمد، والبيهقي أنه قيل: يا رسول الله فلانة وفلانة صائمتان وقد بلغتا الجهدَ، فقال: " ادعها "، فقال لإحداهما: " قيئي "، فقاءت لحمًا ودمًا عبيطًا وقيحًا، وللأخرى مثل ذلك، ثم قال ﵊ إن هؤلاء صامتًا عما أحل الله، وأفطرتا عما حرم الله عليهما أتت إحدهما للأخرى، فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى): آدم وحواء فأنتم متساون في النسب، فلا تفاخروا به، (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا)، الشعب بالفتح رءوس القبائل، والطبقة الأولى، والقبائل تشعبت منه، (وَقَبَائِلَ)، هي دون الشعب

стр. 1892

كتميم من مضر، (لِتَعَارَفُوا): ليعرف بعضكم بعضًا لا للتفاخر، وفي الحديث " لتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحاكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل "، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، بين الخصلة التي بها فضل الإنسان غيره، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ): ببواطنكم. في الحديث " لينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " ومن ذلك ذهب من ذهب إلى أن الكفاءة في النكاح لا يشترط سوى الدين، (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا)، قيل: نزلت في قوم منافقين أظهروا الإيمان لأن يعطوا الصدقة، (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا): يعني كذبتم، (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، فإن الإسلام انقياد وإظهار للتوحيد، (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي

стр. 1893

قُلُوبِكُمْ)، حال من فاعل قولوا كأنه قال، لا تقولوا آمنا؛ بل قولوا حال كون قلوبكم لم يواطئ ألسنتكم أسلمنا، وزيادة ما في المعنى التوقع، فإن هؤلاء قد آمنوا بعد، (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ): سرًّا وعلانية، (لَا يَلِتْكُمْ): لا ينقصكم، (مِنْ أَعْمَالِكُمْ): من جزائها، (شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وعن ابن عباس، والنخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير: إن هؤلاء الأعراب ليسوا منافقين، لكن مسلمون ادعوا لأنفسهم أول ما دخلوا في الإسلام مقام الإيمان الذي هو أعلى من الإسلام، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم، فأدبهم الله، وأعلمهم أن ذلك مرتبة تتوقع منهم، ولم يصلوا إليها بعد، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا): لم يشكوا في الرسالة، وثم للتراخي الزماني أي: آمنوا، ثم لم تحدث ريبة كما تحدث للضعفاء بعد زمان، أو للتراخي الرتبي، (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ): في ادعاء الإيمان، (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ): أتخبرون الله به بقولكم: " آمنا "، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) أي: بأن أسلموا نزلت في بني أسد حين قالوا: يا رسول الله أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، (قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ) أي: بإسلامكم، فنزع الخافض، أو منصوب بتضمين الاعتداد أي: لا [تعدُّوا] عليَّ إسلامكم، (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): في ادعاء الإيمان أولاً نفى الإيمان عنهم وأثبت الإسلام، وأنكر منَّتهم عليه بالإسلام، ثم قال: بل لو صح

стр. 1894

ادعاؤهم الإيمان الذين هو أعلى من الإسلام فلله المنة عليهم بالهداية له، (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): ما غاب فيهما، (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): فكيف يخفى عليه دينكم؟!. والحمد لله والمنة. * * *

стр. 1895

سورة ق مكية وهى خمس وأربعون آية وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) * * * (ق)، مثل ص، وقد مر وقيل: من أسماء الله تعالى، أو معناه: قضي الأمر، أو مفتاح أسماء الله تعالى التي في أوائلها " ق " كـ القدير، وغيره، (وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ): ذي
следующие страницы →