Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ): وهو ظن السوء بأخيك المسلم، (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ): فكونوا على حذر حتى لا توقعوا فيه، (وَلَا تَجَسَّسُوا): لا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، مع أنه فيه، فإن لم يكن فيه، فبهتان، (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ)، تمثيل لما ينال من عرضه على أفحش وجه، (مَيْتًا)، حال من اللحم، أو الأخ، (فَكَرِهْتُمُوهُ)، الفاء فصيحة أي: إن عرض عليكم هذا فقد كرهتموه، فهو تقرير وتحقيق للأول، (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ): بليغ في قبول التوبة، (رَحِيمٌ)، روى الإمام أحمد، والبيهقي أنه قيل: يا رسول الله فلانة وفلانة صائمتان وقد بلغتا الجهدَ، فقال: " ادعها "، فقال لإحداهما: " قيئي "، فقاءت لحمًا ودمًا عبيطًا وقيحًا، وللأخرى مثل ذلك، ثم قال ﵊ إن هؤلاء صامتًا عما أحل الله، وأفطرتا عما حرم الله عليهما أتت إحدهما للأخرى، فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى): آدم وحواء فأنتم متساون في النسب، فلا تفاخروا به، (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا)، الشعب بالفتح رءوس القبائل، والطبقة الأولى، والقبائل تشعبت منه، (وَقَبَائِلَ)، هي دون الشعب
стр. 1892
كتميم من مضر، (لِتَعَارَفُوا): ليعرف بعضكم بعضًا لا للتفاخر، وفي الحديث " لتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحاكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل "، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، بين الخصلة التي بها فضل الإنسان غيره، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ): ببواطنكم. في الحديث " لينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " ومن ذلك ذهب من ذهب إلى أن الكفاءة في النكاح لا يشترط سوى الدين، (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا)، قيل: نزلت في قوم منافقين أظهروا الإيمان لأن يعطوا الصدقة، (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا): يعني كذبتم، (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، فإن الإسلام انقياد وإظهار للتوحيد، (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي
стр. 1893
قُلُوبِكُمْ)، حال من فاعل قولوا كأنه قال، لا تقولوا آمنا؛ بل قولوا حال كون قلوبكم لم يواطئ ألسنتكم أسلمنا، وزيادة ما في المعنى التوقع، فإن هؤلاء قد آمنوا بعد، (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ): سرًّا وعلانية، (لَا يَلِتْكُمْ): لا ينقصكم، (مِنْ أَعْمَالِكُمْ): من جزائها، (شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وعن ابن عباس، والنخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير: إن هؤلاء الأعراب ليسوا منافقين، لكن مسلمون ادعوا لأنفسهم أول ما دخلوا في الإسلام مقام الإيمان الذي هو أعلى من الإسلام، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم، فأدبهم الله، وأعلمهم أن ذلك مرتبة تتوقع منهم، ولم يصلوا إليها بعد، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا): لم يشكوا في الرسالة، وثم للتراخي الزماني أي: آمنوا، ثم لم تحدث ريبة كما تحدث للضعفاء بعد زمان، أو للتراخي الرتبي، (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ): في ادعاء الإيمان، (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ): أتخبرون الله به بقولكم: " آمنا "، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) أي: بأن أسلموا نزلت في بني أسد حين قالوا: يا رسول الله أسلمنا، وقاتلتك العرب ولم نقاتلك، (قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ) أي: بإسلامكم، فنزع الخافض، أو منصوب بتضمين الاعتداد أي: لا [تعدُّوا] عليَّ إسلامكم، (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): في ادعاء الإيمان أولاً نفى الإيمان عنهم وأثبت الإسلام، وأنكر منَّتهم عليه بالإسلام، ثم قال: بل لو صح
стр. 1894
ادعاؤهم الإيمان الذين هو أعلى من الإسلام فلله المنة عليهم بالهداية له، (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): ما غاب فيهما، (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): فكيف يخفى عليه دينكم؟!.
والحمد لله والمنة.
* * *
стр. 1895
سورة ق مكية
وهى خمس وأربعون آية وثلاث ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)
* * *
(ق)، مثل ص، وقد مر وقيل: من أسماء الله تعالى، أو معناه: قضي الأمر، أو مفتاح أسماء الله تعالى التي في أوائلها " ق " كـ القدير، وغيره، (وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ): ذي
стр. 1896
المجد والشرف، وجواب القسم مثل ما مر في ص، (بَلْ عَجِبُوا): الكافرون، (أَن جَاءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، فإنهم قالوا: الرسول إما ملك، أو من معه ملك، أو بشر لا يحتاج إلى كسب المعاش، (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، وضع الظاهر موضع المضمر للشهادة على أنَّهم في هذا القول مقدمون على الكفر، وهذا إشارة إلى مبهم يفسره ما بعده، وهو قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا) أي: أنرجع حين نموت [ونبلى]؟! (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ): عن العادة والإمكان، (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ): ما تأكل الأرض من أجساد موتاهم، ومن كان كذلك فهو قادر على رجعهم، (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ): حافظ لتفاصيل كل شيء، أو محفوظ من التغيير، وهو اللوح المحفوظ، (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ): القرآن، (لَمَّا جَاءَهُمْ) كأنه قال، بل جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو إنكار القرآن من غير تأمل وتوقف، (فَهمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ): مضطرب، فمرة قالوا: شعر ومرة: سحر، (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا): حين أنكروا البعث، (إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ) أي: كائنة فوقهم، (كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا): بالكواكب، (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ): من فتوق، بل ملساء لا فتق فيها ولا خلل، (وَالأرْضَ)، عطف على محل السماء، أو نصب بما أضمر عامله وتقديره، ومددنا الأرض فلينظروا إليها، (مَدَدْنَاهَا): بسطناها، ووسعناها قيل: فيه إشعار بأنها غير كُرّية، (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ): جبالاً ثوابت، (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج): صنف، (بَهِيجٍ): حسن، (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى)، مفعول له للأفعال المذكورة كأنه قال جمعت بين ذلك تبصرة، (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): راجع إلى ربه متفكر في بدائعه،
стр. 1897
(وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ): أشجارًا، (وَحَبَّ الْحَصِيدِ): حب الزرع الذي يحصد كالحنطة والشعير، (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ): طوالاً شاهقات، حال مقدرة، (لَهَا طَلْعٌ) هو أول ما يظهر قبل أن ينشق، (نَضِيدٌ): منضود بعضه على بعض في أكمامه، والمراد كثرة ما فيه من الثمر، (رِزْقًا لِلْعِبَادِ)، مفعول له لـ أنبتنا، (وَأَحْيَيْنَا بِهِ): بالماء، (بَلْدَةً مَيْتًا): أرضًا لا نماء فيها، (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ): من القبور، (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ)، أراد قومهم، (وَإِخْوَانُ لُوطٍ) أي: قومهم، وسماهم إخوانه لقرابته القريبة، (وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ)، سبق في الدخان، (كُلٌّ) أي: كل واحد من هؤلاء، (كَذَّبَ الرُّسُلَ): من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل، (فَحَقَّ وَعِيدِ): وجب عليهم عذابي، (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) أي: إنا أنعجز كما علموا عن بدء الخلق حتى نعجز عن الإعادة، (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: هم لا ينكرون قدرتنا، بل هم في شبهة من البعث.
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ
стр. 1898
مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ): ما يخطر بضميره، " ما " موصولة والباء صلة لـ توسوس أي: الذي تحدث نفسه به أو مصدرية، والباء للتعدية والضمير للإنسان، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) المراد قرب علمه منه فتجوز بقرب الذات،
стр. 1899
لأنه سبب أو المراد قرب الملائكة منه، (مِنْ حَبْلِ): عرق، (الْوَرِيدِ): عرق العنق،
стр. 1900
والإضافة بيانية، (إِذ يَتَلَقَّى): يتلقن بالحفظ، (الْمُتَلَقِّيَانِ): الملكان الحفيظان، إذ ظرف لأقرب، وفيه إشعار بأنه تعالى غني عن استحفاظ المَلكين لكن إقامتهما لحكمة، أو إذ تعليل لقرب الملائكة، (عَنِ الْيَمِينِ): قعيد، (وَعَنِ الشِّمَالِ قعيدٌ)، حذف المبتدأ من الأول لدلالة الثاني عليه، وقيل: الفعيل للواحد والجمع، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ): لدى القول، أو الإنسان، (رَقِيبٌ): ملك يرقبه، (عَتِيدٌ): حاضر، وهو يكتب كل شيء؟ فيثبت في القيامة ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره، أو لا يكتب إلا الخير والشر؟ فيه خلاف بين السلف، والقرآن يشعر بالأول، ولو قيل: المراد من قوله إلا لديه رقيب ملك يسمعه لا يحفظه، ويكتبه فقلنا: فالمناسب رقيبان، لأن السماعَ لا يختص بواحد، (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ): شدته، (بِالْحَقِّ)، الباء للتعدية أي: أتت بحقيقة الأمر الذي كنت تمتري فيه، (ذلِكَ): الحق، (مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ): تميل فلم تقربه، لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بشمول علمه وقدرته أعلمهم أن ما أنكروه يلاقون عن قريب فنبه على الاقتراب بلفظ الماضي، أو معناه جاءت سكرته متلبسة بالحكمة ذلك الموت مما كنت تفر منه، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أي: نفخة البعث، (ذلِكَ): النفخ أي: وقته، (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ): من الملك يسوقه إلى الله تعالى، (وَشَهِيدٌ): منه يشهد عليه بأعماله فمعه ملكان، وعن بعض المراد من الشهيد جوارحه، وكل نفس وإن كان نكرة صورة، لكن معرفة معنى، لأنه بمعنى النفوس فجاز أن يكون ذا الحال، (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) أي: يقال لكل نفس، فإن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا يقظة، (فَكَشَفْنَا
стр. 1901
عَنْكَ غِطَاءَكَ): حتى عاينته، (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ): نافذ لزوال الحاجب، وعن بعض الخطاب للكفار، والمراد من الغفلة الإنكار، (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي: قال الملك -الموكل عليه: هذا ما لدي من كتاب أعماله حاضرًا، وقال ملك- يسوقه: هذا شخص لدى حاضر قيل: القرين الشيطان، ومعناه هذا شيء عندي، وفي ملكتي عتيد لجهتم هيأته بإغوائي لها، وعتيد خبر بعد خبر إن جعلت ما موصولة وصفة لما إن جعلتها موصوفة، قيل: هذا إشارة إلى مبهم يفسره جملة " ما لدي عتيد " (أَلْقِيَا): يا أيها السائق، والشهيد، وقيل: الخطاب للملكين من خزنة النار، ومن قال: الشهيد جوارحه يقول: هو خطاب الواحد بلفظ التثنية على عادة العرب خليلي صاحبي، (فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ): معاند، (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): لما يجب عليه من الزكاة، أو لجنس الخير أن يصل إلى أهله، (مُعْتَدٍ): ظالم، (مُرِيبٍ): شاك في التوحيد، (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) " الذي " مبتدأ، أو " فألقياه " خبره أو بدل من " كل كَفَّار " والعذاب الشديد نوع من عذاب جهنم، فكان من باب عطف الخاص على العام، (قَالَ قَرِينُهُ): الشيطان الذي قيض له، (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ): ما أضللته، هذا جواب لقول الكافر، هو أطغاني، (وَلَكِنْ
стр. 1902
كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ): عن الحق يتبرأ منه شيطانه كما قال تعالى حكاية عنه: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) [إبراهيم: ٢٢] (قَالَ) الله تعالى: (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ)، الواو للحال أي: لا تختصموا عالمين بأني أوعدتكم على الطغيان بلسان رسلي، والباء مزيدة، أو للتعدية على أن قدم بمعنى تقدم، (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ): لا تبديل ولا خلف لقولي، وقيل: لا يغير القول على وجهه، ولا يمكن الكذب عندي وإني أعلم الغيب، (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)؛ فأعذبهم بغير جرم، قيل: جملة " ما يبدل " مفعول قدمت، و " بالوعيد " حال أي: قدمت إليكم هذا موعدًا لكم.
* * *
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
стр. 1903
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)
* * *
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ)، نصبه بتقدير نحو: اذكر، أو بظلام، (هَلِ امْتَلاتِ وَتَقُولُ) جهنم: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)، تطلب المزيد، وفي الصحيح لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول هل من مزيد حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط "، أو تستبعد الزيادة لفرط كثرتهم فالاستفهام حينئذ للإنكار، أي: قد امتلأت، وعلى هذا إنما هو بعد ما يضع الرب فيها قدمه فينزوي، والسؤال والجواب على حقيقته، (وَأُزْلِفَتِ): قربت، (الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ)، نصب على الظرف أي: مكانًا غير بعيد بمرأى منهم بين يديهم أو حال، ومعناه التوكيد كعزيز غير ذليل، والتذكير لأن البعيد على زنة المصدر، أو لأن الجنة بمعنى البستان، (هَذَا) أي: يقال لهم هذا، (مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ): رجاع إلى الله تعالى، (حَفيظٍ): حافظ لأمر الله تعالى ولكل بدل من للمتقين (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ)، بدل بعد بدل أو بتقدير أعني أو
стр. 1904
هم، (بِالْغَيْبِ): غائبًا عن الأعين أي: خاف الله تعالى في سره أو غائبًا عن عقابه لم يراء أو حال من المفعول أي: خشى عقابه حال كون العقاب غائبًا، (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ): راجع إلى الله تعالى خاشع، (ادخُلُوهَا) أي: يقال لهم ذلك، (بِسَلام): سالمين من المكاره، أو مسلمين من الله تعالى وملائكته، (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود): يوم تقدير الخلود، (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا): مما لم يخطر ببالهم، (مَزِيدٌ وَكَمْ أَهْلَكنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ): جماعة من الناس، (هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشَّاَ): قوة، (فَنَقَّبُوا): تصرفوا، (فِى الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ): مفر لهم من قضاء الله تعالى، وهل نفعتهم القوة فأنتم أيضًا لا مفر لكم، أو معناه: فبحثوا وطلبوا، وفتشوا في البلاد هل من محيص من الموت، فلم يجدوا قيل: معناه فنقبوا وساروا أي: أهل مكة في أسفارهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصًا حتى يتوقعوا لأنفسهم، وقراءة الشاذة " فنقبوا " بصيغة الأمر تدل على هذا الوجه (إِنَّ فِي ذَلِكَ): المذكور في هذه السورة، (لَذِكْرَى): تذكرة، (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ): واع متفكر فإن من لا يعي فكأنه
стр. 1905
لا قلب له، (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ): أصغى [للقرآن]، (وَهُوَ شَهِيدٌ): حاضر بذهنه، فإن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، مر تفسيره، (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ): تعب وإعياء، وهذا رد قول اليهود: إن الله تعالى فرغ من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت، ويسمونه يوم الراحة، (فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ): المكذبون، (وَسَبِّحْ): نزهه، (بِحَمْدِ ربِّكَ): متلبسًا بحمده، (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) يعني: الفجر والعصر فإنهما وقتان فاضلان، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ): أعقاب الصلاة، والمراد التسبيح دبر الصلوات، أو المراد صلاة الفجر وصلاة العصر، وصلاة التهجد، وفي بدء الإسلام قبل الإسراء الفرائض هذه الثلاثة، ثم نسخت بخمس صلوات في ليلة الإسراء، والمراد من أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وعليه عمر، وعلي، والحسن، وابن عباس، وغيرهم ﵃ (وَاسْتَمِعْ): يا محمد لما أخبرك به من أحوال يوم القيامة، (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ): إسرافيل، (مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ): من السماء، وهي صخرة بيت المقدس أقرب أجزاء الأرض من السماء ينادي: أيتها العظام البالية، واللحوم المتمزقة إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، ونصب يوم بمقدار، أي: يخرجون من القبور، والدال عليه ذلك يوم الخروج، ويمكن أن يكون " واستمع " عطفًا على اصبر، أي: اصبر اليوم على مقالاتهم، واستمع يوم القيامة عجزهم وندامتهم، (يَوْمَ يَسْمَعون)، بدل من " يناد "، (الصَّيْحَةَ): نفخة البعث، (بِالْحَقِّ)، متعلق بالصيحة، (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ): من القبور بدل بعد بدل (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ): للجزاء، (يَوْمَ تَشَقَّقُ) أي: تتشقق بدل بعد بدل، أو ظرف للمصير، (الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا): مسرعين، (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا): لا على غيرنا، (يَسِيرٌ):
стр. 1906
فإنه لا يتيسر لغير من هو كامل القدرة، (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ)، تهديد للكفار، وتسلية له ﵊ (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ): فتجبرهم على الهداية إنما أنت منذر، (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ): فإن من أصرَّ على الكفر لا ينتفع به.
اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعودك.
* * *
стр. 1907
سورة الذَّارِيَاتِ مكية
وهي ستون آية وثلاث ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
* * *
(وَالذَّارِيَاتِ) أي: الرياح، فإنها تذرو التراب، وغيره، (ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ): السحاب، فإنها تحمل المطر، (وِقْرًا): حملا، (فَالْجَارِيَاتِ): السفن التي تجري في
стр. 1908
البحر، (يُسرًا) أي: جريًا ذا يسرٍ، أي: ذا سهولة، وعن بعض هي النجوم تجري بسهولة في أفلاكها، (فَالْمُقَسِّمَاتِ): الملائكة، (أَمْرًا): يقسمون الأمور بين الخلائق، (إِنَّمَا تُوعَدُونَ) أي: البعث جواب للقسم، وما مصدرية، أو موصولة، (لَصَادِقٌ)، هو كعيشة راضية، (وَإِنَّ الدِّينَ): الجزاء، (لَوَاقِعٌ): حاصل، (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ): الحسن والبهاء، أو لها حبك كحبك الرمل إذا ضربته الريح، وحُبكِ شعر الجعد، ولكنها لا يرى لبعدها، أو ذات الشدة، أو الصفاقة، أو النجوم، (إِنَّكُمْ): أيها المشركون، (فَي قَوْلٍ مختَلِفٍ): مضطرب لا يلتئم ولا يجتمع في أمر الدين جواب للقسم، (يُؤْفَكُ): يصرف، (عَنْهُ): عن الدين، أو عن ما توعدون، (مَنْ أُفِكَ): من صرف أي: يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا أشد منه، والمبالغة من إسناد الفعل إلى من وصف به، وهو قريب من قوله: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [طه: ٧٨] أو يصرف عن الهداية بسبب قول مختلف من صرف، فعن بمعنى السبب، والأجل، والضمير للقول، فإنهم كانوا يتلقون من يريد الإيمان يقولون: إنه ساحر مجنون كذا وكذا، فيصرفونه عن الإيمان، (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ): الكذابون ممن يختلف قولهم، والمراد من هذا الدعاء اللعن، (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ): جهل يغمرهم، (سَاهُونَ): غافلون، (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أي: متى وقوع يوم
стр. 1909
الجزاء، (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفتَنونَ): يحرقون، ونصب يوم على الظرف أي: يقع يوم، (ذُوقُوا) أي: يقال لهم ذلك، (فِتْنَتَكمْ): عذابكم، (هَذَا الَّذِي كُنتمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُون) أي: تستعجلون به في الدنيا سخرية.
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ): من النعيم راضين به، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ) أي: في الدنيا، (مُحْسِنِينَ): قد أحسنوا أعمالهم، (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ): ينامون، فما زائدة، ويهجعون خبر كان، وقليلاً إما ظرف أي: زمانًا قليلاً، ومن الليل إما صفة، أو متعلق بـ يهجعون، وإما مفعول مطلق أي: هجوعًا قليلاً، ولو جعلت ما مصدرية فما يهجعون فاعل قليلاً ومن الليل بيان، أو حال من الصدر، ومن للابتداء، وأما جعلها نافية أي: الهجوع في قليل من الليل منتف بمعنى إن عادتهم إحياء جميع أجزاء الليل، فلا نوم لهم أصلاً، أو إن عادتهم التهجد في جميع الليالي، فلا يمكن أن يناموا جميع ليل واحد فجائز عند من يجوز تقديم معمول ما النافية إذا كان ظرفًا، (وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفرُونَ وَفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ): نصيب، (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ): هو من ليس له في بيت المال سهم، ولا كسب له
стр. 1910
ولا حرفة، أو من لا يسأل الناس فيحسب غنيًّا، أو المصاب ماله، (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ): دلائل على قدرته وصنعه لا يدركها إلا من يطلب اليقين، لما ذكر المبين أحوال المصدقين بالبعث وأوصافهم عاد إلى ما كان فيه من إثبات القيامة والبعث، (وَفِي أَنْفُسِكُم): آيات هي عجائب ما في الآدمي، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ): بنظر الاعتبار، (وَفي السَّمَاءِ رِرقُكُمْ): المطر الذي هو سبب الرزق من جانب السماء، (وَمَا تُوعَدُون): الجنة، وقيل: الرزق في الدنيا والثواب في العقبى كله مقدر في السماء، (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ) أي: ما توعدون، أو المذكور من الآيات والرزق وغيرهما، (لَحَقٌّ): واقع، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) أي: مثل نطقكم، صفة لحق، ومن نصب مثل أراد حقًّا مثل نطقكم فكما أن نطقكم متحقق فهذا أيضًا كذلك.
* * *
стр. 1911
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)
* * *
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ)، فيه تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما عرفه بالوحي، (الْمُكْرَمِينَ): عند الله تعالى، وعند إبراهيم ﵇ والضيف للواحد، والجمع؛ لأنه في الأصل مصدر والحكاية قد تقدمت في سورة " هود "، و " الحجر " (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ)، ظرف للحديث، أو بتقدير اذكر، (فَقَالُوا سَلَامًا):
стр. 1912
نسلم عليكم سلامًا، (قَالَ سَلامٌ) أي: عليكم سلام عدل إلى الرفع، ليدل على الثبات، فعمل بقوله تعالى: (فحيوا بأحسن منها) [النساء: ٨٦]، (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي: أنتم قوم لا نعرفكم، (فرَاغَ): ذهب، (إِلَى أَهْله): بخفية، فمن أدب المضيف أن يخفي إتيانه بالضيافة عن الضيف، (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) مَشوي، (سَمينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ): منه، ذكره بصيغة العرض تلطفًا في العبارة، (فأَوْجَسَ): أضمر، (مِنْهُمْ خِيفَةً): خوفًا، لما رأى أنَّهم لا يأكلون (قَالُوا لا تَخَفْ): إنا رسل الله تعالى، (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ)، هو إسحاق، (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ) أي: جاءت صارة صائحة، أو أخذت في الصيحة كقولك: أقبل يشتمني، ولا إقبال ولا إدبار، ْ (فَصَكَّتْ): لطمت، (وَجْهَهَا): تعجبًا كما هو عادة النساء من الأمر الغريب، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي: أنا (قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ ربُّكِ) أي: قال الله مثل ما بشرناه فواقع ألبتَّة، فكذلك مفعول قال، (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ قَالَ) إبراهيم: (فَمَا خَطْبُكُمْ): ما شأنكم؟ (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ): قوم لوطِ، (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طينٍ) أي: السجيل، (مُسَوَّمَةً): معلمة مكتوبًا على كل حجر اسم من يهلك به، (عنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا): في قرى قوم لوط، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): بلوطٍ، (فَمَا وَجَدْنا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ): أهل بيت، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هم لوط، وأهل بيته إلا امرأته، ولو قلنا إن كل مؤمن مسلم من غير عكس لصح معنى الآية، فلا يستدل عليها باتحاد مفهوميهما، (وَتَرَكْنَا فِيهَا): في القرى، (آيَةً): علامة، (لِلَّذِينَ يَخَافُونَ
стр. 1913
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ): وقد بقي فيها آثار العذاب، (وَفِي مُوسَى)، عطف على فيها أي: وجعلنا في موسى آية، فهو من قبيل علفتها تبنًا وماءً باردًا وقيل: عطف على وفي الأرض، (إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): معجزة ظاهرة، (فَتَوَلَّى): أعرض، (بِرُكْنِهِ)، الباء للتعدية، أي: أعرض به نحو: نأى بجانبه، أو للسببية أي: بسبب جنوده وملكه، (وَقَالَ سَاحِرٌ): هو ساحر لما يظهر منه خارق العادة، (أَوْ مَجنونٌ): لما يدعي خلاف العقل، (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ): طرحناهم، (فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ): حال كونه آت بما يلام عليه من الكفر والفجور، (وَفِي عَادٍ): آية، (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرّيحَ الْعَقِيمَ): المفسدة التي لا تنتج نفعًا، (مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ): مرت، (عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ): كالشيء البالي المتفتت، (وَفِي ثَمُودً): آية، (إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ)، وذلك حين عقروا الناقة قيل لهم: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) [هود: ٦٥] وعلى هذا فالفاء في قوله: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْر ربِّهِمْ) مرتب على تمام القصة، كأنه قيل: وجعلنا فِي ذلك الزمان آية، ثم أخذ في بيانه، فقال: (فعتوا). فلا يرد أن ما قيل لهم: تمتعوا، مؤخر عن استكبارهم، أو المراد من قوله: " إذ قيل لهم " إلخ فيهم آية، إذ متعناهم في الدنيا مدة وهديناهم، فعصوا واستحبوا العمى على الهدى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) بعد ثلاثة أيام (وَهُمْ يَنْظُرُونَ): إليها عيانًا، (فَمَا
стр. 1914
اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ) فيهربوا من عذاب الله تعالى، (وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ): ممتنعين منه، (وَقَوْمَ نُوحٍ)، عطف على محل في عاد، وقراءة الجر يؤيده، أو نصب بمقدر أي: أهكلنا، أو اذكر، (مِنْ قَبْلُ): من قبل هؤلاء، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
* * *
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
* * *
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ): بقوة، (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ): لقادرون، أو وسعنا السماء، (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا): بسطناها ومهدناها لعبادي، (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ): نحن، (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ): من الأجناس، (خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ): نوعين كالسماء والأرض، والليل
стр. 1915
والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)، مرتب على مجموع بناء السماء وغيره، (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) أي: فقل لهم فروا إليه من عقابه بطاعته، (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ): ما يجب أن يحذر، أو بين كونه منذرًا من الله بالمعجزات، (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، كرر للتأكيد، (كَذَلِكَ) أي: الأمر مثل ما أخبرتك من تكذيب الأمم رسلهم، (مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا) في شأنه: (سَاحِرٌ أَوْ مَجنون أَتَوَاصَوْا بِهِ) أي: أوصى بعضهم بعضًا بهذا القول حتى اتفقوا على كلمة واحدة؟ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ): تشابهت قلوبهم، ولهذا اتفقوا على تلك الكلمة لا لتواصيهم، (فَتَوَل): أعرض، (عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ): على الإعراض بعد ما بلغت رسالتك، (وَذَكِّرْ): لا تدع الوعظة، (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: من هو مؤمن فِي علم الله تعالى أو من آمن بزيادة بصيرته، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: إلا لأجل العبادة فإنهم خلقوا بحيث يتأتى منهم العبادة، وهدوا إليها، فهذه غاية كمالية
стр. 1916
لخلقهم وتعوق البعض عن الوصال إليها لا يمنع كون الغاية غاية، وأما قوله: (ذرأنا لجهنم) [الأعراف: ١٧٩] فلام العاقبة نحو: لدوا للموت، أو إلا لنأمرهم بالعبادة، أو ليقروا بي طوعًا أو كرهًا أو المراد منهم المؤمنون، (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) أي: يُطْعِمُونِي أي: ليس شأني مع عبادي كشأن السادة مع العبيد، وقيل إن يرزقوا أنفسهم، أو أحدًا من خلقي وإسناد الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله تعالى وإطعام العيال إطعامه، وفي الحديث القدسي " استطعمته فلم يطعمني " (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ): لجميع خلقه، (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ): المتين المبالغ فِي القوة، (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا): نصيبًا من العذاب، (مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ): من الأمم السوالف، (فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ)، كما قالوا: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ): يوم القيامة.
والحمد لله على الهداية.
* * *
стр. 1917
سورة والطور مكية
وهى تسع وأربعون آية وفيها ركوعان
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)
* * *
стр. 1918
(وَالطورِ) أقسم بجبل كلم الله تعالى موسى ﵇ عليه بالأرض المقدسة، وأرسل منه موسى، (وَكَتابٍ مَسْطُورٍ): مكتوب، (فِي رَقٍّ): صحيفة، (مَنْشُورٍ): مبسوط، والمراد اللوح المحفوظ، أو ما كتبه الله تعالى لموسى من الألواح، أو دواوين كرام الكاتبين، والتنكير للتعظيم، (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ): بيت في السماء السابعة بحيال الكعبة يطوف به ملائكتها، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، والذي في السماء الدنيا اسمه بيت العزة، (وَالسَّقْفِ الْمَرْفوعِ) أي: السماء، أو العرش، (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)، هو بحر تحت العرش منه ينزل مطر يحيا به الأجساد فى قبورها يوم المعاد، أو البحر الذي في الدنيا، وهو مسجور أي: موقد يصير نارًا يوم القيامة محيطة بأهل الموقف أو مملوء، أو ممنوع مكفوف أي: عن الأرض أن يغرق، وفى مسند الإمام أحمد قال ﵇: " ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يتأذن الله تعالى أن ينفضح عليهم فيكفه الله تعالى "، (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ): نازل على الكافرين، (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ): من أحد يدفعه، (يَوْمَ تَمُورُ): تضطرب، (السَّمَاءُ مَوْرًا) يعني لأجل التشقق ظرف لواقع، (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا): فتصير
стр. 1919
هباءً منبثا، (فَوَيْلٌ) أي: إذا وقع العذاب فويل، (يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي: يلعبون في الخوض في الباطل، أو هم في خوض في الباطل يلعبون بدينهم، (يَوْمَ يُدَعُّونَ): يدفعون ويساقون، (إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا): دفعًا بعنف، (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ): يقال لهم ذلك تقريعًا، (أَفَسِحْرٌ هذَا) أي: يقال لهم ذلك كنتم تقولون للوحي المنذر عن هذه النار هذا سحر، فهذا الذي هو مصداقه سحر أيضًا دخلت الهمزة بين المعطوفين، والمشار إليه النار، وذكر لأنه فى تأويل المصداق، (أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ): لهذا كما كنتم لا تبصرون ما يدل عليه، وهذا تهكم وتقريع، (اصْلَوْهَا): ادخلوها، (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا): فإنه لا محيص ولا مناص، (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ)، خبر محذوف أي: الأمر أن الصبر وعدمه مستو عليكم في عدم النفع، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: لأن الجزاء واقع لا محالة، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ): متلذذين، (بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ): أعطاهم (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)، عطف على ما أتاهم بشرط أن تجعل ما مصدرية، وإلا فحال بإضمار قد، (كُلُوا وَاشْربوا هَنيئًا) أي: يقال لهم كلوا أكلاً أو طعامًا واشربوا شربًا أو شرابًا هنيئًا لا تنغيص فيه، (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): بدله، أو بسببه، (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ): موضوعة بعضها إلى جنب بعض، (وَزَوَّجْنَاهُمْ
стр. 1920
بحُورٍ عِينٍ)، الباء لمعنى الوصل في التزويج، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، يخبر تعالى عن كمال إحسانه إلى المؤمنين بأن الأولاد إذا اتبعوا آباءهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقر أعينهم بهم، فيجمع بينهم بأن يرفع ناقص العمل بالكامل لا ينقص ذلك من عمله، ومنزلته ليساوي بينه وبين ذلك، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ): نقصناهم، (مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ): شيئًا من النقص، وفي الطبراني قال ﷺ : " إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه، وزوجته، وولده فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به "، وعن بعض معناه: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان أي: البالغون ألحقنا بهم ذريتهم الذين لم يبلغوا الإيمان، وماتوا بالصغر بإيمان آبائهم، وفي الحديث: " سألت خديجة عن ولديه ما بالهما في الجاهلية؟ فقال ﵇: " في النار "، قالت: فولدي منك، قال: " فى الجنة "، ثم قال: " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) " الآية، فعلى هذا الذين آمنوا مبتدأ وقوله: " ألحقنا بهم ذريتهم " خبره، (كل امْرِئٍ بمَا كَسَبَ رَهِينٌ): مرهون بعمله عند الله تعالى إن عمل صالحًا فكَّها، وإلا أهلكها، (وَأَمْدَدْنَاهُمْ): زدناهم وقتًا بعد وقت، (بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ): يتعاطون ويأخذ بعضهم من بعض، (فِيهَا كَأْسًا): خمرًا، (لَا لَغْوٌ): لا يتكلمون بلغو الحديث، (فِيهَا): في أثناء شربها، (وَلَا تَأْثِيمٌ): ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله،
стр. 1921
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ): بالخدمة، (غِلْمَانٌ لَهُمْ): مماليك لهم، (كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ): مصون في الصدف من صفائهم وبياضهم، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ): عن أحوالهم التي كانت لهم في الدنيا يتذاكرون ويتحدثون بما مضى عليهم، (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا): في الدنيا، (مُشْفِقِينَ): خائفين من عذاب الله تعالى، (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا): بالرحمة، (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ): حرارة نار جهنم، (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ): في الدنيا، (نَدْعُوهُ): نتضرع إليه ونعبده، (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ): المحسن، (الرَّحِيمُ).
* * *
(فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ
стр. 1922
مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)
* * *
(فَذَكِّرْ): يا محمد، (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ) أي بإنعام الله عليك حال من ضمير (بِكَاهِنٍ): كما يقولون، (وَلَا مَجْنُونٍ): فلا تبال بكلامهم، ولا تذر عن التذكير (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ)، بل أيقولون، والهمزة لإنكار أنه لشاعر، (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ): حوادث الدهر، فيهلك كما هلك الشعراء قبله فنستريح، والمنون الدهر أو الموت، (قُلْ تَرَبَّصُوا): انتظروا هلاكي، (فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ): هلاككم، (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُم): عقولهم، (بِهَذَا): الذي يقولون فيك من الأقوال الباطلة المتناقصة، (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغون): مجاوزون الحد فهو الذي حملهم على فيك الأقوال، فالهمزة هاهنا للتقرير، وفي البواقي كلها للإنكار، (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ): اختلق القرآن من عند نفسه متعمدًا، (بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ): فينسبونه إلى تلك الأشياء، (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ): القرآن (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ): إن محمدًا تقوله،
стр. 1923
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ): من غير ربٍّ، ومحدثٍ أي: لا خالق لهم، أو من أجل لا شيء أي: عبثًا، (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ): لأنفسهم، فلذلك لا يسمعون كلام خالقهم ولا رسالته، (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ): يشكون حين يقولون الله خلقهن، فإنهم لو أيقنوا لما أعرضوا عنه، (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ ربِّكَ): خزائن قدرته، (أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ): الغالبون على الأشياء المحاسبون للخلائق، (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ): منصوب إلى السماء، (يَسْتَمِعُونَ) أي: ما يجري في السماء، (فِيهِ) أي: صاعدين فيه فيعرفون حقية ما هم عليه، (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): حجة
стр. 1924
ظاهرة على صحة الاستماع، (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ)، فيه تسفيه لأحلامهم على آكد وجه، (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا): على الرسالة، (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ): محملون الثقل من التزام غرم، فلذلك لم يتبعوك، والمغرم أن يلتزم ما ليس عليه، (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ): اللوح المحفوظ، (فَهُمْ يَكْتُبُونَ): ما فيه، ويخبرون به الناس أو علم الغيب، فهم يحفظونه، (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا): مكرًا بك، الهمزة هاهنا أيضًا للتقرير، (فَالَّذِينَ كَفَرُوا): من وضع الظاهر موضع المضمر، أو أراد كل الكافرين، (هُمُ الْمَكِيدُونَ): الذين يحيق بهم الكيد ويعود وباله عليهم، (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ): ينصرهم، (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكونَ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا): قطعة، (مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا): لعذابهم، (يَقُولُوا): عنادًا، (سَحَابٌ مَرْكُومٌ)، هذا سحاب تراكم بعضها على بعض، وهذا جواب قولهم (فأسقط علينا كسفًا من السماء) [الشعراء: ١٨٧]، (فَذَرْهُمْ): في غمرتهم، (حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيه يُصْعَقُونَ): يوم القيامة عند النفخة الأولى، (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا): من الإغناء، (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا): من وضع الظاهر موضع المضمر، أو أراد العموم، (عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ): دون عذاب الآخرة في الدنيا، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون): (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة: ٢١]، لكن لا يعلمون أن المصائب للتنبيه، فلا ينيبون، (وَاصْبِرْ
стр. 1925
لِحُكْمِ رَبِّكَ): ما قدر لك من وصول المكروه، (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا): بحيث نراك، ونحفظك ونرعاك، وجمع العين لجمع الضمير، (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ): إلى الصلاة، " سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك " أو من نومك أو من كل مجلس (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ): اذكره بالعبادة والصلاة، (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ): إذا أدبرت النجوم، والمراد ركعتي الفجر.
* * *
стр. 1926
سورة النَّجْمِ مكية
وهي إحدى أو اثنتان وستونَ آية وثلاث ركوعات
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلله الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)
* * *
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) أقسم بالثريا إذا غاب، أو بجنس النجم إذا انقض، ورمي به الشياطين، أو بالقرآن وقد نزل منجمًا إذا نزل من السماء، أو بالنجوم إذا انتثرت يوم القيامة، وعن السلف: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق، (مَا ضَلَّ): ما عدل عن الطريق المستقيم، (صَاحِبُكُمْ): صلى الله عليه
стр. 1927
وسلم، (وَمَا غَوَى): وما اعتقد باطلاً كما تزعمون، (وَمَا يَنْطِقُ): بالقرآن، (عَنِ الْهَوَى) أو ما يقول قولاً عن هوى وغرض، (إِنْ هُوَ): ليس ما ينطق به، (إِلا وَحْيٌ): من الله تعالى، (يُوحَى): إليه، وفي الحديث أنه قال ﵇: " لا أقول إلا حقًّا "، (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى): جبريل فإنه شديد قواه، (ذُو مِرَّةٍ): ذو قوة شديدة، ومنظر حسن أو إحكام في العقل، (فَاسْتَوَى): جبريل واستقام على صورته التي خلقه الله تعالى عليها، وما رآه غيره من الأنبياء على صورته، (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى): أفق السماء قد سد الأفق، وهذا قبل الإسراء، (ثُمَّ دَنَا): جبريل إلى محمد، وهبط إلى الأرض بعدما رده الله تعالى إلى صورة آدمي، (فَتَدَلَّى): تعلق به وليس المراد منه الإسراء، وكأن هذه الرؤية في أوائل البعثة بعد أن جاء إليه في حراء قيل: فى " فتدلى " إشارة منه إلى أنه ما تجاوز عن مكانه فإنه استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة، (فَكَانَ): جبريل، (قَابَ): مقدار، (قَوْسَيْنِ)، يعني مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، (أَوْ أَدْنَى): على تقديركم، والغرض نفي ما زاد عليه، (فَأَوْحَى): جبريل، (إِلَى عَبْدهِ): إلى عبد الله تعالى، (مَا أَوْحَى): جبريل فيه تفخيم للموحى به، أو المعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده ما أوحى بواسطة جبريل، وحاصل المعنى متحد، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) أي: فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل، أو ما كذب الفؤاد ما رآه بفؤاده أي: الله تعالى، وفي الحديث " رأيته بفؤادي
стр. 1928
مرتين ثم قرأ (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (أَفَتُمَارُونَهُ): تجادلونه من المراء، (عَلَى مَا يَرَى): من صورة جبريل، ولتضمينه معنى الغلبة عدى بعلى، (وَلَقَدْ رَآهُ): جبريل في صورته، (نَزْلَةً أُخْرَى): مرة أخرى، وعن أبي هريرة ﵁ وجم غفير من السلف أنه رأى جبريل في صورته مرتين والمرة الأخيرة ليلة الإسراء نصب بالمفعول فيه، (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى): هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش إليها ينتهي علم الخلائق لا يعلم أحد ما وراءها، (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)، فيه تعظيم لما يغشاها، وفي الحديث " أنه غشاها نور الربِّ، وألوانًا لا يدري ما هي، والملائكة مثل الغربان يعبدون " ما يغشى فاعل يغشى، وإذ ظرف لـ رآه أو لما زاغ عند من يجوز تقديم ما بعد ما إذا كان ظرفًا، (مَا زَاغَ): ما مال، (الْبَصَرُ) أي: بصر النبي ﷺ عما رآه (وَمَا طَغَى): ما تجاوزه، وهذا وصف أدبه ﷺ (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ ربِّهِ): بعض عجائبه، (الْكُبْرَى)، صفة الآيات، أو هو المفعول ومن آيات ربه حال مقدم، ثم اعلم أنه قد ورد في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن قوله " ولقد رآه بالأفق المبين "، " ولقد رآه نزلة أخرى " فقال: " إنما ذاك جبريل لم يره في صورته إلا مرتين "، وفي مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربَّك؟ قال: [نُورٌ] أَنَّى أَرَاهُ "، وفي
стр. 1929
رواية لغير مسلم " رأيت نورًا "، وكان سؤال عائشة بعد الإسراء، فلا يمكن أن يقال كأن نفي الرؤية قبل الإسراء، وما قيل إنه ﵊ خاطبها على قدر عقلها فخطأ مردود قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: لا يصح في أنه رأى ربه ببصره شيء عن الصحابة، وأما ما قال البغوي: ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، ففيه نظر، والحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﵊: " رأيت ربي " فهو مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد أيضًا، وقد ثبت عن كثير من السلف نفي رؤية البصر، والله أعلم، (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ): صخرة بيضاء عليها بيت بالطائف له
стр. 1930
سدنة يعظمونه اشتقوا اسمها من لفظ الله يعنون مؤنثه - تعالى الله عن ذلك، (وَالْعُزَّى)، من العزيز شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف، (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، كانت بين مكة والمدينة يهلون منها للحج أفرد هذه الثلاثة بالذكر وإن كان في جزيرة العرب طواغيت كثيرة عليها بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة، لأنها أشهر من غيرها، وأعظم عندهم، والأخرى ذم وهي المتأخرة في الرتبة، و " أفرأيتم " عطف على أفتمارونه، وإدخال الهمزة لزيادة الإنكار يعني: أبعد هذا البيان تستمرون على المراء فترون اللات والعزى ومناة أولاد الله أخس أولاد أي الإناث وقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى)، دال على ثاني مفعولي أفرأيتم، ومعناه أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد، وتجعلون لله، وتختارون له البنات فإنهم يقولون: الملائكة وهذه الأصنام بنات الله - تعالى عن ذلك، (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى): جائرة، ومن قرأ بالهمزة، فهو من ضأزه إذا ظلمه، (إِنْ هِيَ): ما الأصنام، (إِلا أَسْمَاءٌ): ليس لها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الألوهية لها، (سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ): بهواكم، (مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ): برهان تتعلقون به، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ): أنفسهم، (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى): الرسول
следующие страницы →