← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

سورة النَّجْمِ مكية وهي إحدى أو اثنتان وستونَ آية وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلله الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) * * * (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) أقسم بالثريا إذا غاب، أو بجنس النجم إذا انقض، ورمي به الشياطين، أو بالقرآن وقد نزل منجمًا إذا نزل من السماء، أو بالنجوم إذا انتثرت يوم القيامة، وعن السلف: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق، (مَا ضَلَّ): ما عدل عن الطريق المستقيم، (صَاحِبُكُمْ): صلى الله عليه

стр. 1927

وسلم، (وَمَا غَوَى): وما اعتقد باطلاً كما تزعمون، (وَمَا يَنْطِقُ): بالقرآن، (عَنِ الْهَوَى) أو ما يقول قولاً عن هوى وغرض، (إِنْ هُوَ): ليس ما ينطق به، (إِلا وَحْيٌ): من الله تعالى، (يُوحَى): إليه، وفي الحديث أنه قال ﵇: " لا أقول إلا حقًّا "، (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى): جبريل فإنه شديد قواه، (ذُو مِرَّةٍ): ذو قوة شديدة، ومنظر حسن أو إحكام في العقل، (فَاسْتَوَى): جبريل واستقام على صورته التي خلقه الله تعالى عليها، وما رآه غيره من الأنبياء على صورته، (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى): أفق السماء قد سد الأفق، وهذا قبل الإسراء، (ثُمَّ دَنَا): جبريل إلى محمد، وهبط إلى الأرض بعدما رده الله تعالى إلى صورة آدمي، (فَتَدَلَّى): تعلق به وليس المراد منه الإسراء، وكأن هذه الرؤية في أوائل البعثة بعد أن جاء إليه في حراء قيل: فى " فتدلى " إشارة منه إلى أنه ما تجاوز عن مكانه فإنه استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة، (فَكَانَ): جبريل، (قَابَ): مقدار، (قَوْسَيْنِ)، يعني مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، (أَوْ أَدْنَى): على تقديركم، والغرض نفي ما زاد عليه، (فَأَوْحَى): جبريل، (إِلَى عَبْدهِ): إلى عبد الله تعالى، (مَا أَوْحَى): جبريل فيه تفخيم للموحى به، أو المعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده ما أوحى بواسطة جبريل، وحاصل المعنى متحد، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) أي: فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل، أو ما كذب الفؤاد ما رآه بفؤاده أي: الله تعالى، وفي الحديث " رأيته بفؤادي

стр. 1928

مرتين ثم قرأ (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (أَفَتُمَارُونَهُ): تجادلونه من المراء، (عَلَى مَا يَرَى): من صورة جبريل، ولتضمينه معنى الغلبة عدى بعلى، (وَلَقَدْ رَآهُ): جبريل في صورته، (نَزْلَةً أُخْرَى): مرة أخرى، وعن أبي هريرة ﵁ وجم غفير من السلف أنه رأى جبريل في صورته مرتين والمرة الأخيرة ليلة الإسراء نصب بالمفعول فيه، (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى): هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش إليها ينتهي علم الخلائق لا يعلم أحد ما وراءها، (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)، فيه تعظيم لما يغشاها، وفي الحديث " أنه غشاها نور الربِّ، وألوانًا لا يدري ما هي، والملائكة مثل الغربان يعبدون " ما يغشى فاعل يغشى، وإذ ظرف لـ رآه أو لما زاغ عند من يجوز تقديم ما بعد ما إذا كان ظرفًا، (مَا زَاغَ): ما مال، (الْبَصَرُ) أي: بصر النبي ﷺ عما رآه (وَمَا طَغَى): ما تجاوزه، وهذا وصف أدبه ﷺ (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ ربِّهِ): بعض عجائبه، (الْكُبْرَى)، صفة الآيات، أو هو المفعول ومن آيات ربه حال مقدم، ثم اعلم أنه قد ورد في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن قوله " ولقد رآه بالأفق المبين "، " ولقد رآه نزلة أخرى " فقال: " إنما ذاك جبريل لم يره في صورته إلا مرتين "، وفي مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربَّك؟ قال: [نُورٌ] أَنَّى أَرَاهُ "، وفي

стр. 1929

رواية لغير مسلم " رأيت نورًا "، وكان سؤال عائشة بعد الإسراء، فلا يمكن أن يقال كأن نفي الرؤية قبل الإسراء، وما قيل إنه ﵊ خاطبها على قدر عقلها فخطأ مردود قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: لا يصح في أنه رأى ربه ببصره شيء عن الصحابة، وأما ما قال البغوي: ذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، ففيه نظر، والحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال ﵊: " رأيت ربي " فهو مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد أيضًا، وقد ثبت عن كثير من السلف نفي رؤية البصر، والله أعلم، (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ): صخرة بيضاء عليها بيت بالطائف له

стр. 1930

سدنة يعظمونه اشتقوا اسمها من لفظ الله يعنون مؤنثه - تعالى الله عن ذلك، (وَالْعُزَّى)، من العزيز شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف، (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، كانت بين مكة والمدينة يهلون منها للحج أفرد هذه الثلاثة بالذكر وإن كان في جزيرة العرب طواغيت كثيرة عليها بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة، لأنها أشهر من غيرها، وأعظم عندهم، والأخرى ذم وهي المتأخرة في الرتبة، و " أفرأيتم " عطف على أفتمارونه، وإدخال الهمزة لزيادة الإنكار يعني: أبعد هذا البيان تستمرون على المراء فترون اللات والعزى ومناة أولاد الله أخس أولاد أي الإناث وقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى)، دال على ثاني مفعولي أفرأيتم، ومعناه أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد، وتجعلون لله، وتختارون له البنات فإنهم يقولون: الملائكة وهذه الأصنام بنات الله - تعالى عن ذلك، (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى): جائرة، ومن قرأ بالهمزة، فهو من ضأزه إذا ظلمه، (إِنْ هِيَ): ما الأصنام، (إِلا أَسْمَاءٌ): ليس لها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الألوهية لها، (سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ): بهواكم، (مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ): برهان تتعلقون به، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ): أنفسهم، (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى): الرسول

стр. 1931

والقرآن فتركوه، (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)، الهمزة للإنكار أي: بل ليس له كل ما يتمناه كما يتمنون شفاعة الآلهة، (فَلله الْآخِرَةُ وَالْأُولَى): يعطي ما يشاء لمن يشاء. * * * (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) * * * (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ) أي: كثيرًا منهم مع علو رتبتهم، (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا): من الإغناء، (إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ): في الشفاعة، (لِمَنْ يَشَاءُ): من الناس، أو من الملائكة، (وَيَرْضَى) ترجون شفاعة الأنداد الجماد

стр. 1932

عند الله، (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى): قائلين هم بنات الله، (وَمَا لَهُمْ بهِ): ما يقولون، (مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ): من العلم، (شَيْئًا): فإن العقائد والمعارف اليقينية، لا تدرك بالظن أصلاً، (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى): أعرض، (عَنْ ذِكْرِنَا): فلم يتدبر، ولم يتأمل، (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا): ولا تجادله ولا تدعه إلى الهدى، (ذَلِكَ): أمر الدنيا، (مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ): لا يتجاوزونه، وفي الدعاء المأثور " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا " (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ): فلا يجيب، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى): فيجيب تعليل للأمر بالإعراض، (وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): خلقًا، (لِيَجْزِيَ)، علة لقوله: (وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: خلق العالم لهذا أو علة لقوله: " وهو أعلم بمن ضل " إلخ، فإن نتيجة العلم بهما جزاءهما، وقوله: (وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ) إلح معترضة بيان لكمال قدرته، (الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) أي: بعقابه، أو بسببه، (وَيَجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى): بالمثوبة الحسنى، أو لسبب الأعمال الحسنى، (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ)، هي ما عليه وعيد شديد، (وَالْفَوَاحِشَ): من الكبائر خصوصًا،

стр. 1933

(إِلَّا اللَّمَمَ) (١) أي: الصغائر، فالاستثناء منقطع أو إلا بمعنى غير صفة وحرف التعريف في الموصوف للجنس، فهو في حكم النكرة، وقد ورد أنه قال ﵊: " إن تغفر اللهم اغفر جما فأيُّ عبد لك ما ألَمَّا " أو اللمم من الكبائر، والمعنى يجتنبون من الكبائر كلها مطلقًا إلا القليل منها بمعنى أنه يلم بها مرة أو مرتين، فيتوب عن قريب فلا يجعلها عادة، وهو قول كثير من السلف، (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ): فلا تيأسوا بكثرة المعاصي، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ): في ابتداء خلق أبيكم من تراب، (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ)، جمع جنين، (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ): لا تمدحوها، ولا تنسبوها إلى الطهارة، ولا تعجبوا بطاعاتكم، وفي صحيح مسلم عن ابن

стр. 1934

عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت زينب بنت أبى سلمة إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، فقال: " لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم " (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى): فربما تنسبون أحدًا إلى التقوى، والله يعلم أنه ليس كذلك، وكذلك ورد في الحديث الصحيح " إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك ". * * * (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا

стр. 1935

مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا (٦٢) * * * (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى): أعرض عن الحق، (وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى): أنفق قليلاً وبخل بالباقي، (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ) بأن إنفاقه ينفد ما في يده، (فهُوَ يَرَى): عيانًا ويعلم ذلك، (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى): أقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام، والكمال قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) [البقرة: ١٢٤] وتقديم صحف موسى لأنها أشهر، (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تؤاخذ نفس آثمة بمأثم نفس أخرى، ولا يحمله عنها أحد وإن مخففة من المثقلة بدل ما في صحف، أو تقديره أعني أن لا تزر، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ

стр. 1936

إِلَّا مَا سَعَى): لا يثاب أحد بفعل غيره أيضًا، ومن هذه استنبط الإمام الشافعي أن ثواب القراءة لا تصل إلى الموتى، وأما من سنَّ سنة حسنة، أو سيئة فله أجرها وأجر من

стр. 1937

عمل بها ووزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فلأنه سببها ودل عليها، وفي الصحيح " من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا "، أو معناه لا يملك شيئًا غير ذلك، وإن كان قد يحصل له بفضل الله، وبدعاء الغير، وصدقته له نفع لكن هو لا يملك ذلك، (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى): في ميزانه، (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) أي: يجزى الإنسان سعيه الجزاء الأوفر، فليس له أن يبخل، وينقص العمل، والضمير المرفوع للإنسان والمنصوب للسعي، ونصب الجزاء بأنه مفعول مطلق، أو بنزع الخافض أي: بالجزاء الأوفى كما يكون صفة للمجزي يكون صفة للحدث أي: المصدر لملابسته له قيل نزلت في [الوليد بن المغيرة] آمن فعيره المشركون، فقال: أخشى عذاب الله، فضمن أحد من المشركين أن يتحمل عنه العذاب إن أعطاه كذا مالاً فارتدَّ وأعطى بعض ما شرط، وبخل بالباقي، ومعنى (أعنده علم الغيب فهو يرى) أنه يعلم تمكين الله تعالى إياه عن أن يحمل عنه العذاب وباقي الآية ظاهر الملائمة حينئذ، (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى): المرجع، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ): في الدنيا أو الآباء، (وَأَحْيَا): في الآخرة أو الأبناء في الدنيا أيضًا، (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى): تدفق في الرحم، (وَأَنَّ عَلَيْهِ): وفاء بوعده، (النَّشْأَةَ الْأُخْرَى): الإحياء بعد الموت، (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى): بإعطاء المال، (وَأَقْنَى): أعطى القنية هي أصول مال اتخذه لنفسه لا للبيع أي: ملكهم المال، وجعله عندهم مقيمًا لا يحتاجون إلى بيعه، وقيل: أفقر، وكان من أخذ مالاً لا للبيع فهو فقير لا يبيع ولا يشترى، (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى): كوكب وقاد خلف الجوزاء [كانت] (١) تعبد في الجاهلية، (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى): قوم هود وعاد الأخرى إرم، (وَثَمُودَ)، عطف على عادًا، (فَمَا أَبْقَى): أي: الفريقين، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ): من قبل عاد وثمود، (إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ): من الفريقين، (وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) أي: إنه أسقط إلى الأرض القرى المنقلبة، وهي قرى

стр. 1938

قوم لوط، (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى): من العذاب كأنه لا يمكن أن يوصف، (فَبِأَى آلاءِ رَبِّكَ): أيها الإنسان، (تَتَمَارَى): تتشكك، (هذَا): الرسول، (نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى): من جنس الأنبياء المتقدمين، أو القرآن إنذار من جنس الإنذارات المتقدمة، (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ): قربت الموصوفة بالقرب، وهي القيامة، (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ): أي: نفس كاشفة أهوالها إذا غشيت الخلائق أو مبينة متى تقوم لا يجليها لوقتها إلا هو، (أَفَمِنْ هَذَا الْحَديث): القرآن، (تَعْجَبُونَ): إنكارًا، (وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ): لاهون أو مستكبرون أو مغنون لتشغلوا الناس) عنه، (فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا) أي: ما عبدوه دون الآلهة. والحمد لله على التوحيد. * * *

стр. 1939

سورة القمر مكية وهى خمس وخمسون آية وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) * * *

стр. 1940

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) انشقاقه من علامات قرب القيامة، وقد انشق فى عهده ﵊ حين التمسوا آية، وعن بعض أن ذلك وقع مرتين، (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا): عن الإيمان بما، (وَيَقُولُوا): ما شاهدنا، (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ): مار ذاهب مضمحل باطل، أو محكم، أو مطرد دائم، وذلك لما رأوا تتابع المعجزات، (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)؛ الباطلة، (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ): منتهٍ إلى غاية، فهو [تدليل] جارٍ مجرى المثل، أو كل أمر من خير وشر يستقر بأهله، (وَلَقَدْ جَاءهُمْ): في القرآن، (مِنَ الأنْبَاءِ): أخبار الأمم السالفة، (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ): ازدجار يقال: ازدجرته نهيته عن السوء قلبت تاء الافتعال دالاً، (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ): تامة بلغت الغاية خبر محذوف، أو بدل من ما (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)، ما نافية والنذر جمع نذير،

стр. 1941

أو استفهامية للإنكار أي: فأي غناء يغني المنذرون (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ)، قيل: منسوخ بآية القتال، (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) أي: الداعى، وهو إسرافيل، ونصب يوم إما يخرجون، أو بمقدار نحو: انتظر او اذكر، (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ): منكر فظيع لم ير مثله هو هول القيامة، (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ) أي: يخرجون من القبور حال كون أبصارهم ذليلين من الهول، أو حال مقدرة من مفعول يدع المحذوف، ومن قرأ خاشعًا فلأن فاعله ظاهر مؤنث غير حقيقي، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ): في الكثرة، والحيرة يقعون كما يقع الجراد، (مُهْطِعِينَ): مسرعين مادِّي أعناقهم، (إِلَى الدَّاع يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ كَذبَتْ قَبْلَهُمْ): قبل قريش، (قَوْمُ نُوحٍ): نوحًا، (فَكَذبوا عَبْدَنَا): نوحًا تفصيل بعد إجمال قيل: معناه كذبوا فكذبوا أي: ما تركوا التكذيب قرنًا بعد قرن، (وَقَالُوا): هو، (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ): وازدجروه، ومنعوه عن الدعوة، وقالوا: " لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين " [الشعراء: ١١٦] قيل: ازدجرته الجن، فيكون من جملة المقول، (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي): بأني، (مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ): فانتقم لي منهم، (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ

стр. 1942

مُنْهَمِرٍ): منصب، وعن علي ﵁ حين سئل عن المجرة هي باب السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر، وعن ابن عباس ﵄ ماء ذلك من السماء لا من السحاب، (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا): جعلناها كلها كأنها عيون تتفجر، (فالْتَقَى الْمَاءُ): ماء السماء والأرض، (عَلَى أَمْرٍ)، حال، (قَدْ قُدِرَ): قضي في الأول، أو على أمر قدره الله تعالى وهو إهلاكهم، (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذاتِ أَلْوَاحٍ): أخشاب عريضة، (وَدُسُرٍ): مسامير جمع دسار، والمراد السفينة، وعن بعض الدسر صدر السفينة، فإنها يدسر، ويرفع الماء، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا): بمرأى منا، والمراد الحفظ يقال للمودع " عين الله عليك " (جَزَاءً)، أي: فعلنا كل ذلك جزاء، (لِمَن كَانَ كفِرَ): لنوح، فإنه نعمة، ورحمة كفروها، (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا): السفينة، أو الفعلة، (آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ): معتبر، (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ): إنذاري، والاستفهام لتعظيم الوعيد، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ): سهلنا لفظه ومعناه، (لِلذِّكْرِ): للاتعاظ أو للحفظ، (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ): متعظ، وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله، (كَذبَتْ عَادٌ) قوم هود، (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا): شديدة البرد، (فِي يَوْمِ نَحْسٍ): شؤم عليهم، (مُسْتَمِرٍّ): عليهم نحسه فإنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، أو على جميعهم صغيرهم وكبيرهم، (تَنْزِعُ النَّاسَ): تقلعهم، فترمي بهم على رءوسهم، (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ): أصول، (نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ): منقلع ساقط نقل أن الريح تقلع رءوسهم من أجسادهم فالمطروح

стр. 1943

أجساد بلا رءوس كأصول نخل، (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ)، التكرار للتهويل، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). * * * (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) * * * (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ): بالإنذار الذي جاءهم به صالح، (فَقَالُوا أَبَشَرًا)، نصب بفعل يفسره نتبعه، (مِنَّا) من جنسنا، (وَاحِدًا): منفردًا لا تبع له، أو واحدًا من الآحاد لا من الأشراف، (نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ): جنون، أو عذاب، (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ): أنزل، (عَلَيْهِ): الوحي، (مِنْ بَيْنِنَا): وفينا من هو أفضل وأحق،

стр. 1944

(بَلْ هُوَ كَذابٌ أَشِرٌ): متكبر يريد الترفع، (سَيَعْلَمُونَ غَدًا) أي: سريعًا، (مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ): أصالح أم من كذبه؟ (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ) أي: قلنا لصالح إنا مخرجوها من الصخرة، (فِتْنَةً): امتحانًا، (لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ): انتظرهم، (وَاصْطَبِرْ): على أذاهم، (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ): يوم للناقة ويوم لهم، ففيه تغليب، (كُلُّ شِرْبٍ): نصيب، (مُحْتَضَرٌ): يحضره من كانت نوبته فيتصرف، أو كل شرب من الماء، واللبن تحضرونه أنتم، (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ): الذي عقر الناقة اسمه قدار، (فَتَعَاطَى): الناقة، أو السيف، أو فاجترأ على تعاطي قتلها، (فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً): صيحة جبريل، (فَكَانُوا كَهَشِيمِ): كشجر اليابس المتكسر، (الْمُحْتَظِرِ): الذي يعمل الحظيرة، (وَلَقَدْ يَسَّرنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ

стр. 1945

مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ): بالمواعظ، (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا): ريحًا تحصبهم، (إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ): في سحر، (نِعْمَةً): إنعامًا، (مِنْ عِنْدِنَا)، علة لـ نجينا، (كَذَلِكَ): مثل ما أنعمنا على آل لوط، (نَجْزِي مَنْ شَكرَ): فآمن، (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ): لوط، (بَطْشَتَنَا): أخذتنا بالعذاب، (فَتَمَارَوْا): كذبوا، (بِالنُّذُرِ): متشاكين، (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ): طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه للفجور، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل في صورة مرد حسان، (فَطَمَسْنَا): مسخنا، (أَعْيُنَهُمْ): صيرناها كسائر الوجه لا يرى لها شق، (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ) أي: قلنا لهم ذلك على ألسنة الملائكة، (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً): أول النهار، (عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ): ثابت لا يزول عنهم أبدًا، (فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ): كرره في كل قصة للتنبيه على أن كل واقعة لابد أن يتأمل فيها، ويعتبر منها، ولا يغفل عنها. * * * (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) * * *

стр. 1946

(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ): المنذرون أو الإنذار، (كَذبُوا بِآيَاتِنَا كلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ): لا يغالب، ولا يعجزه شيء، (أَكُفارَكُمْ): يا معشر العرب، (خَيْرٌ): أكثر قوة وعدة، (مِنْ أُولَئِكُمْ): الكفار المذكورين، (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ): من عذاب الله تعالى، (فِي الزُّبُرِ): في الكتب المنزلة من السماء، (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ): جماعة ينصر بعضنا بعضًا، فلا نغالب، (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ): الأدبار أي: ينهزمون، فالإفراد لإرادة الجنس، وهذا يوم بدر، (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ): للعذاب، (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى): أشد داهية، وهي نازلة لا يهتدى لدوائها، (وَأَمَرُّ): مما نزل عليهم في الدنيا، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ): في الدنيا، أو في الآخرة لا يهتدون إلى الجنة، (وَسُعُرٍ): نيران في الآخرة، (يَوْمَ يُسْحَبُونَ): يجرون، (فِى النَّارِ عَلَى وُجوهِهِمْ)، يقال لهم: (ذُوقُوا مَسَّ): حر، (سَقَرَ): جهنم، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍرٍ): أي خلقنا كل شيء

стр. 1947

بتقديرنا، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ): إلا كلمة واحدة وهي قول " كن " أو إلا مرة واحدة لا يحتاج إلى تكرار وتأكيد، (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ): في اليسر والسرعة وعدم المراجعة قيل: وما أمرنا في مجيء الساعة إلا كلمح البصر نزلت حين خاصم مشركوا قريش في القدر، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ): أشباهكم من الكفرة السالفة، (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ): متعظ، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ): مكتوب في كتب الحفظة، (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ): من الأعمال، (مُسْتَطَرٌ): مكتوب، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ): أنهار الجنة من خمر ولبن

стр. 1948

وماء وعسل اكتفى باسم الجنس لرءوس الآي، وقيل: في سعة وضياء، (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ): مجلس حق مرضي لا لغو ولا تأتيم، (عِنْدَ مَلِيكٍ): مقربين عند ملك عظيم، (مُقْتَدِرٍ): لا شيء إلا وهو تحت قدرته عن جعفر الصادق ﵁ مدح الله تعالى المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. اللهم اجعلنا بفضلك منهم. * * *

стр. 1949

سورة الرَّحْمَن مكية أو مدنية أو متبعضة وهى ثمان وسبعون آية وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) * * * (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ): نبيه لا أنه يعلمه بشر، أو علمه عباده بأن يسر حفظه، وفهمه، ولما كانت السورة في تعداد النعم صدرها بالرحمن، (خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ): النطق، والتعبير عما في الضمير، (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ): يجريان،

стр. 1950

(بِحُسْبانٍ): بحساب مقدر في بروجهما، ومنازلهما يعلم منهما السنون والحساب، (وَالنَّجْمُ): الكواكب أو النبات الذي لا ساق له، (وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) الآية جرد هاتين الجملتين عن ما يدل على اتصال وربط بالرحمن، ولم يقل بحسبانه ويسجدان له، لأن وضوح اتصاله يغني عن البيان، وذكر الجمل الأولى على نهج التعديد، ثم أدخل العاطف، ورد إلى المنهاج الأصلي، (وَالسَّماءَ رَفَعَهَا): فوق الأرض، (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ): كل ما يوزن به الأشياء من الميزان والمكيال وغيرهما خلقه موضوعًا على الأرض، أو المراد من الميزان العدل كما قال تعالى (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان) الآية، (أَلَّا) أي: لئلا، (تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ): لا تعتدوا فيه، (وَأَقِيمُوا الْوَزنَ بِالْقِسْطِ)، عطف بحسب المعنى على أَلَّا تَطْغَوْا أي: ولأن تقيموه بالعدل، (وَلا تخْسِرُوا): لا تنقصوا، (الْمِيزَانَ): وتكرير الميزان للمبالغة في التوصية، (وَالأرْضَ وَضَعَهَا): خفضها مدحوة، (لِلأنَامِ): للخلق، (فيهَا فَاكِهَةٌ): أنواع ما يتفكه به، (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ): أوعية الثمر التي يطلع فيها القنو، ثم تنشق، أو المراد الليف (وَالْحَبُّ):

стр. 1951

كالحنطة وغيرها، (ذُو الْعَصْفِ): هو ورق النبات، (وَالرَّيْحَانُ): الرزق يقال: خرجت أطلب ريحان الله تعالى، أي: رزقه يعني: الحب ذو علف أنعام، وطعام إنسان، ومن قرأ بالرفع، فعلى تقدير، وذو الريحان بإقامة المضاف إليه مقام المضاف ليوافق القراءتان، وقيل (الريحان) هو المشموم، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا): أيها الثقلان، (تُكَذِّبَانِ خَلَقَ الْإِنْسَانَ): آدم، (مِنْ صَلْصَالٍ): طين يابس له صلصلة، (كَالْفَخَّارِ): الخزف، (وَخَلَقَ الْجَانَّ): أبا الجن، قيل هو إبليس، (مِنْ مَارِجٍ): من صاف، (مِنْ نَارٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ): مشرقي الشتاء والصيف، (وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): فإن اختلاف المشارق، والمغارب سبب لمصالح العباد، (مَرَجَ) أرسل، (الْبَحْرَيْنِ): العذب والملح،

стр. 1952

(يَلْتَقِيَانِ): يتجاوران ويتلاصقان، (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ): حاجز، (لا يَبْغِيَانِ): لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، أو لا يتجاوزان حديهما قد مر بيانه في سورة الفرقان مفصلاً، قيل المراد بحر الروم، وفارس يلتقان في المحيط لأنهما ينشعبان منه، وقيل بحر السماء، والأرض، فإن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ): كبار الدر، وصغاره، أو المرجان الخرز الأحمر يخرجان من المالح، لكن لما كان يلتقيان فيصيران واحدًا يصدق أنهما يخرجان منهما، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَلَهُ الْجَوَارِ): السفن، (الْمُنْشَئَاتُ): المرفوعات الشرع، (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ): كالجبال في العظم، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). * * * (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)

стр. 1953

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) * * * (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا): من على الأرض، (فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ ربِّكَ): ذاته، (ذُو الْجَلالِ): الاستغناء المطلق، (وَالإكْرَامِ). الفضل الشامل، أو المراد يفنى كل ما في الأرض من الأعمال إلا ما هو لوجه الله تعالى، وهو كما قال (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): فإن فناء الكل، وبقاءه سبحانه مع أنه غني ذو فضل عام سبب لإيجاد المعاد، والجزاء بأتم وجه، (يَسْأَلُهُ): الرزق، والمغفرة، والعافية، وكل ما يحتاج إليه، (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) قال ﷺ من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين والمراد من اليوم الوقت، وهو ظرف لشأن قيل هو رد لليهود قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ)، تهديد وليس المراد الفراغ عن شغل فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فهو مجاز كأنه فرغ عن كل شيء، فلم يبق له شغل غيره فيدل على التوفر في النكاية، والانتقام أو لما وعد أهل التقوى، وأوعد غيرهم قال، سنقصد لحسابكم، وجزاءكم، وذلك يوم القيامة (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ): الإنس، والجن

стр. 1954

لثقلهما على الأرض أو لرزانتهما وقدرهما، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا): أن تخرجوا، (مِنْ أَقْطَارِ) جوانب، (السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فارِّين من قضاء الله تعالى، (فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ): لا تقدرون على الخروج، (إِلَّا بِسُلْطَانٍ): بقوة وقهر، ومن أين لكم هذا، أو إلا بأمر من الله تعالى، وإذن منه، وتقديم الجن، لأنهم أقوى، وهذا في المحشر حين أحاطت الملائكة بالخلانق سبع صفوف من كل جانب (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ)، وعن بعض معناه إن استطعتم أن تعلموا ما فيهما فاعلموا لكن لا تعملونه إلا ببينة نصبها الله تعالى، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا): في ذلك اليوم، (شُوَاظٌ): لهب لا دخان فيه، (مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ): دخان لا لهب له، ومن قرأ بجر نحاسٍ فمعناه، وشيء من نحاس فحذف الموصوف لدلالة ما قيل عليه، أو هو صفر مذاب يصب على رؤسهم (فَلَا تَنْتَصِرَانِ): لا تمتنعان من الله تعالى، وحاصل الكلام لو هربتم يوم القيامة لردتكم

стр. 1955

الملائكة، والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس لترجعوا، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ): فإنه مع عجزكم، وجهلكم دلكم على ما يخلصكم من هذه النوائب، وتجارة تنجيكم من عذاب أليم مع أن التهديد، والانتقام من الكفار، والتمييز بين المطيع، والعاصي من الآلاء، (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً) أي: حمراء كوردة، (كَالدِّهَانِ): يذوب، ويتلون كالأدهان، وذلك من هول القيامة، وعن بعض الوردة: الخيول الوردة، فإن الفرس الورد في الربيع أصفر، وفي أول الشتاء أحمر، وفي اشتداد الشتاء أغبر، وعن بعض الدهان الأديم الأحمر، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ): يوم الإنشقاق، (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) أي: لا يسأل إنسٌ عن ذنبه، ولا جانٌّ، وذلك في موطن خاص، هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ثم يسألون، " فوربك لنسألنهم أجمعين " [الحجر: ٩٢]، أو سؤال علم؛ بل سؤال توبيخ، أو لأنَّهُم يعرفون بسيماهم، وهذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بسيمَاهُمْ): كاسوداد وجوههم، وزرقة عيونهم، (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) يجمع بينهما في سلسلة من وراء ظهره، ويطرح في النار، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ) أي: يقال لهم هذه (جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا). بين النار، (وَبَيْنَ حَمِيمٍ): ماء شديد الحرارة، (آنٍ): بالغ النهاية في الحر يؤخذ، فيحرك بناصيته في الحميم فيذوب اللحم يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ). * * *

стр. 1956

(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨) * * * (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ): موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، أو المقام مقحم للتعظيم كأخاف جانبه والسلام على مجلسه، (جَنَّتَانِ): لكل من الإنسان جنتان

стр. 1957

للمقربين من ذهب، قيل: جنة للإنسي، وجنة للجني، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ): أنواع النعم جمع فن، أو أغصان جمع فنن، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَان): تحت تلك الأشجار، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ): صنفان صنف رأيتم، وصنف ما رأيتم، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ)، حال من " من خاف "، فإنه في معنى الجمع، (عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا): الذي يلي الأرض، (مِنْ إِسْتَبْرَقٍ): ديباج ثخين إذا كان هذه البطائن، فما ظنكم بالظاهر، وعن بعض ظواهرها من نور جامد، (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ): ثمرهما، (دَانٍ): قريب يجني منه القاعد والراقد، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ): في

стр. 1958

أماكن الجنتين، أو في الفرش، (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ): نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى الغير تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة أحسن منك لا أحب إليَّ منك الحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك، (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ): لم يجامعهن، (إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ): في حمرة الوجنة، أو في الصفاء، (وَالْمَرْجَانُ): اللؤلؤ في البياض، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ): أحسنوا في الدنيا، فأحسن إليهم في الآخرة، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَمِنْ دُونِهِمَا): سوى تينك الجنتين للمقربين، (جَنَّتَانِ): لمن دونهم لأصحاب اليمين من الوَرِق، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ): سوداوان من شدة خضرتهما لريهما، وصف الأوليين بكثرة أشجارهما، وهاتين بالخضرة لما بينهما من التفاوت، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ): فوارتان بالماء، والجري أقوى من النضخ، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ): أفردهما بالذكر لفضلهما، فإن الرطب فاكهة، وغذاء،

стр. 1959

والرمان فاكهة ودواء، وصف الأولين بأن فيهما من كل فاكهة صنفين، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ): خيِّرات الأخلاق خُفِّفَ كَهيْنٍ في هيِّنٍ وليِّنٍ، (حِسَانٌ): حسان الخلق، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ): مخدرات مستورات، أو مقصورات الطرف على أزواجهن وصفهن في الأولى بقاصرات الطرف التي تدل على أنهن بالطبع قد قصرت أعينهن عليهم، وهي أتم من المقصورات التي فيها إشعار بقسر القصر، (فِي الْخِيَامِ): كل خيمة من زبرجد وياقوت، ولؤلؤة واحدة فيها سبعون بابًا من الدر، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، زاد في وصف الأوائل كأنهن الياقوت والمرجان، (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ): مجالس فوق الفرش، أو وسائد، أو رياض الجنة، (وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ): كل شيء نفيس من الرجال وغيره يسمى عند العرب عبقريًا قيل تزعم العرب أن عبقر اسم بلد من بلاد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب، نعت بطائن فرش الأولين، وسكت عن ظهائرها إشعارًا بأن وصفها متعذر، فأين هذا من ذاك، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ): تعالى اسمه؛ لأنه مطلق على ذاته فما ظنك بذاته؟ (ذِي الْجَلَالِ): أهل أن يجلَّ فلا يعصى،

стр. 1960

(وَالْإِكْرَامِ): وأهل أن يكرم فيعبد، ويشكر، ولا يكفر، وفي الحديث " من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي منه " (١). والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 1961

سورة الْوَاقِعَة مكية وهى ست وتسعون آية وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)

стр. 1962

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) * * * (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) أي: اذكر إذا قامت القيامة، (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا): لمجيئها، (كَاذِبَةٌ) أي: كذب، بل هي واقعة صادقة نحو جملة صادقة، أو ليس لأجل وقعتها نفس كاذبة، فإن من أخبر عنها صدق، قيل: لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى، فإن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، (خَافِضَةٌ): تخفض قومًا، (رَافِعَةٌ): ترفع آخرين، (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ): حركت تحريكًا شديدًا ظرف لخافضة، أو بدل من إذا وقعت، (رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ): فتت حتى تعود كالسويق، أو سيرت، (بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً): غبارًا، (مُنْبَثًّا): منتشرًا، (وَكُنتمْ أَزْوَاجًا): أصنافًا، (ثَلَاثةً) أي: ينقسم الناس يومئذ إلى ثلاثة أصناف، (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): الذين هم عن يمين العرش، أو كانوا عن يمين آدم عند إخراج الذرية من ظهره أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، أو أصحاب المنزلة السنية، أو أصحاب اليُمن، (مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)، جملة استفهامية تعجبية خبر للمبتدأ، (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)، مقابل الميمنة بالمعاني، (مَا

стр. 1963

أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ): إلى الهجرة، أو إلى إجابة الرسول أو إلى الخيرات، (السَّابقُونَ)، خبر للمبتدأ نحو شعري شعري، (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ): قربت درجاتهم في الجنة، وقيل: حال من ضمير المقربون، أو خبر بعد خبر، (ثُلَّةٌ) أي: هم جماعة كثيرة، أو خبر آخر لأولئك، (مِنَ الْأَوَّلِينَ): الأمم الماضية، من آدم إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) من هذه الأمة، فإن السابقين منهم أقل من مجموع السابقين من سائر الأمم أو هم كثير من متقدمي هذه الأمة، وقليل من متأخريها، وكثير من السلف على ذلك، وعليه بعض الأحاديث، (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ): منسوجة بالذهب مشبكة بالجواهر خبر آخر للضمير المحذوف، (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ): وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد حالان من ضمير على سرر، (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ): للخدمة، (وِلْدَانٌ): غلمان، (مُخَلدُونَ): لا يشيبون ولا يتغيرون، (بِأَكوَابٍ): إناء لا عروة ولا خرطوم

стр. 1964

له، والباء للتعدية، (وَأَبَارِيقَ): الجامع للوصفين، (وَكَأسٍ مِنْ مَعِينٍ): من خمر جار، (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ): لا ينشأ عنها صداعهم، ولا ذهاب عقلهم، (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ): يختارون، (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ) أي: وفيها حور عين، أو عطف على ولدان، ومن قرأ بالجر فعطف على جنات أي: أولئك في صحبة حور عين، أو على بأكواب بحسب المعنى، فإن حاصل معناه ينعمون بأكواب، وكذا وكذا أو بحسب اللفظ أيضًا أي: يطوف الغلمان بالحور العين عليهم في خيامهم وخلواتهم، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ): المصون عما يَضُرُّ به، (جَزَاءً) أي: يفعل ذلك كله بهم للجزاء، (يِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا): عبثًا باطلاً، (وَلَا تَأْثِيمًا): ولا ما يوقع في الإثم أو لا نسبة إلى الإثم أي: لا يقال لهم أثمتم، (إِلَّا قِيلًا): قولاً، (سَلَامًا سَلَامًا) أي: إلا التسليم منهم

стр. 1965

بعضهم على بعض بدل من قيل أو مفعول به، والمستثنى إما متصل أي: لا لغوا إلا السلام، ومعلوم أن السلام ليس بلغو، فلا لغو، (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ): هم الأبرار دون المقربين، (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ): لا شوك له، أو مَثنْيُّ الغصن من كثرة الحمل، (وَطَلْحٍ): أم غيلان له أنوار طيب الرائحة، وظل بارد، أو موز ويؤيد الأول ما روي عن بعض السلف أن المسلمين نظروا إلى " وج " وهو واد بالطائف فأعجبهم ظلال أشجارها، وأشجارها سدر، وطلح فنزلت، (مَنْضُودٍ): متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ): منبسط، أو دائم، وفي الحديث " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها واقرءوا إن شئتم " وظل ممدود "، (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ): مصبوب يجري على الأرض من غير أخدود، (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ): في زمان، (وَلَا مَمْنُوعَةٍ): من أحد، (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) في الحديث " ارتفاعها كما بين السماء والأرض " أو رفيعة القدر، أو مرفوعة بعضها فوق بعض، وقيل: نساء رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا، والعرب تسمي المرأة فراشًا ولباسًا، (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ)، الضمير لما دل عليه السياق، وهو ذكر الفرش على النساء أي: أعدنا إنشاءهن، (إِنْشَاءً): جديدًا، (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا): عواشق
следующие страницы →