لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)
* * *
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) أي: اذكر إذا قامت القيامة، (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا): لمجيئها، (كَاذِبَةٌ) أي: كذب، بل هي واقعة صادقة نحو جملة صادقة، أو ليس لأجل وقعتها نفس كاذبة، فإن من أخبر عنها صدق، قيل: لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى، فإن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، (خَافِضَةٌ): تخفض قومًا، (رَافِعَةٌ): ترفع آخرين، (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ): حركت تحريكًا شديدًا ظرف لخافضة، أو بدل من إذا وقعت، (رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ): فتت حتى تعود كالسويق، أو سيرت، (بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً): غبارًا، (مُنْبَثًّا): منتشرًا، (وَكُنتمْ أَزْوَاجًا): أصنافًا، (ثَلَاثةً) أي: ينقسم الناس يومئذ إلى ثلاثة أصناف، (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ): الذين هم عن يمين العرش، أو كانوا عن يمين آدم عند إخراج الذرية من ظهره أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، أو أصحاب المنزلة السنية، أو أصحاب اليُمن، (مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)، جملة استفهامية تعجبية خبر للمبتدأ، (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)، مقابل الميمنة بالمعاني، (مَا
стр. 1963
أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ): إلى الهجرة، أو إلى إجابة الرسول أو إلى الخيرات، (السَّابقُونَ)، خبر للمبتدأ نحو شعري شعري، (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ): قربت درجاتهم في الجنة، وقيل: حال من ضمير المقربون، أو خبر بعد خبر، (ثُلَّةٌ) أي: هم جماعة كثيرة، أو خبر آخر لأولئك، (مِنَ الْأَوَّلِينَ): الأمم الماضية، من آدم إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) من هذه الأمة، فإن السابقين منهم أقل من مجموع السابقين من سائر الأمم أو هم كثير من متقدمي هذه الأمة، وقليل من متأخريها، وكثير من السلف على ذلك، وعليه بعض الأحاديث، (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ): منسوجة بالذهب مشبكة بالجواهر خبر آخر للضمير المحذوف، (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ): وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد حالان من ضمير على سرر، (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ): للخدمة، (وِلْدَانٌ): غلمان، (مُخَلدُونَ): لا يشيبون ولا يتغيرون، (بِأَكوَابٍ): إناء لا عروة ولا خرطوم
стр. 1964
له، والباء للتعدية، (وَأَبَارِيقَ): الجامع للوصفين، (وَكَأسٍ مِنْ مَعِينٍ): من خمر جار، (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ): لا ينشأ عنها صداعهم، ولا ذهاب عقلهم، (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ): يختارون، (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ) أي: وفيها حور عين، أو عطف على ولدان، ومن قرأ بالجر فعطف على جنات أي: أولئك في صحبة حور عين، أو على بأكواب بحسب المعنى، فإن حاصل معناه ينعمون بأكواب، وكذا وكذا أو بحسب اللفظ أيضًا أي: يطوف الغلمان بالحور العين عليهم في خيامهم وخلواتهم، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ): المصون عما يَضُرُّ به، (جَزَاءً) أي: يفعل ذلك كله بهم للجزاء، (يِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا): عبثًا باطلاً، (وَلَا تَأْثِيمًا): ولا ما يوقع في الإثم أو لا نسبة إلى الإثم أي: لا يقال لهم أثمتم، (إِلَّا قِيلًا): قولاً، (سَلَامًا سَلَامًا) أي: إلا التسليم منهم
стр. 1965
بعضهم على بعض بدل من قيل أو مفعول به، والمستثنى إما متصل أي: لا لغوا إلا السلام، ومعلوم أن السلام ليس بلغو، فلا لغو، (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ): هم الأبرار دون المقربين، (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ): لا شوك له، أو مَثنْيُّ الغصن من كثرة الحمل، (وَطَلْحٍ): أم غيلان له أنوار طيب الرائحة، وظل بارد، أو موز ويؤيد الأول ما روي عن بعض السلف أن المسلمين نظروا إلى " وج " وهو واد بالطائف فأعجبهم ظلال أشجارها، وأشجارها سدر، وطلح فنزلت، (مَنْضُودٍ): متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ): منبسط، أو دائم، وفي الحديث " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها واقرءوا إن شئتم " وظل ممدود "، (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ): مصبوب يجري على الأرض من غير أخدود، (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ): في زمان، (وَلَا مَمْنُوعَةٍ): من أحد، (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) في الحديث " ارتفاعها كما بين السماء والأرض " أو رفيعة القدر، أو مرفوعة بعضها فوق بعض، وقيل: نساء رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا، والعرب تسمي المرأة فراشًا ولباسًا، (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ)، الضمير لما دل عليه السياق، وهو ذكر الفرش على النساء أي: أعدنا إنشاءهن، (إِنْشَاءً): جديدًا، (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا): عواشق
стр. 1966
لأزواجهن، أو مغنوجة، أو كلامهن عربي، (أَتْرَابًا): مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، أو مستويات في الأخلاق لا تباغض ولا تحاسد كما في ضرائر الدنيا يأتلفن ويلعبن جميعًا، وفي الحديث " هن اللواتي قُبِضْنَ عجائز، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى متعشقات على ميلاد واحد أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، ومن يكون لها أزواج في الدنيا تخير فتختار أحسنهم خلقًا "، (لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ)، متعلق بـ أنشأنا، أو صفة لأبكارًا أو خبر لمحذوف.
* * *
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)
стр. 1967
نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
* * *
(ثُلَّةٌ): هم جماعة كثيرة، (مِنَ الْأَوَّلِينَ): الأمم الماضية غير هذه الأمة، (وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ): من هذه الأمة، أو ثلة من المتقدمين من هذه الأمة، وثلة من المتأخرين منهم، وعلى التفسير الأول يلزم أن المقربين من هذه الأمة قليلون بالنسبة إلى جميع الأمم الماضية، ولا يلتزم قلتهم، ولكن الأبرار كثيرون بالنسبة إليهم أيضًا، (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ): حر نار، (وَحَمِيمٍ): ماء في غاية الحرارة، (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ): دخان أسود، (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ): حسن المنظر، أو نافع، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ): في الدنيا، (مُتْرَفِينَ): منهمكين في الشهوات، (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ): الذنب، (الْعَظِيمِ)، وهو الشرك، أو اليمين الغموس، (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، همزة الإنكار كررت لمزيد الإنكار، والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون، (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) عطف على محل إن واسمها، أو على ضمير مبعوثون، وجاز للفصل بالهمزة أي: أيبعث آباؤنا أيضًا، فإنهم أقدم؟! فبعثهم أبعد، (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ): إلى ما وُقِّتَتْ به الدنيا، وحُدَّت من يوم معين
стр. 1968
عند الله تعالى، (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ)، من للابتداء، (مِنْ زَقُّومٍ)، من للبيان، (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ): يسجرون حتى يأكلوا ملأ بطونهم، (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ)، تأنيث الضمير في منها، وتذكيره في عليه على المعنى ولفظه (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ): مثل شرب الإبل التي بها الهيام داء تشبه الاستسقاء، وعن بعض الهيم الإبل المراض تمص الماء مصًّا، ولا تُرَوى، وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر فحسن العطف، (هَذَا نُزُلُهُمْ): رزقهم الذي يعد لهم تكرمة لهم، (يَوْمَ الدِّينِ): يوم الجزاء، وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك بما يعد لهم من بعد، (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ): بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، (فَلَوْلا تُصَدِّقُون) أي: فهلا تصدقون بابتداء الخلق كأن أعمالهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فحضهم عليه، (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ): تصبون في الأرحام من النطف؟! (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)، فعلم أن الابتداء منا، (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ): مغلوبين عاجزين، (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ): نغير صفاتكم جمع مثل، (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ): في صفات لا تعلمونها أي: فما نحن بعاجزين عن الإعادة، وهي تبديل الصفات إلى صفات أخرى، أو ما نحن بعاجزين على أن نأتي بخلق مثلكم بدلاً عنكم، وعلى أن نخلقكم فيما لا تعلمونه من الصور كالقردة، والخنازير، فعلى هذا الأمثال جمع مثل بسكون الثاء، وفي الآية الثانية والثالثة ما يشعر، ويلائم هذا المعنى، وهو قوله: " لو نشاء لجعلناه حطامًا "،
стр. 1969
" ولو نشاء جعلناه أجاجًا "، أو يكون معنى الآية، نحن خلقناكم ابتداء، فهلا تصدقون بالبعث، ثم استدل، وقال أما ترون المني فكيف تجمع أولاً في الرجل، وهو منبث في أطراف العالم، ثم نجمع في الرحم بعدما كان منبثا في أعضاء الرجل، ثم نكون الحيوان منه، فإذا افترق بالموت مرة أخرى ألم نقدر على جمعه وتكوينه مرة أخرى؟! (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ): فهلا تذكرون أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى، (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) تبذرون حبة، (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ): تنبتونه؟! ولذلك قال ﵇: " لا يقولن أحدكم زرعت، وليقل غرثت " (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا): هشيمًا لا ينتفع به، (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ): بالمقالة تنتقلون بالحديث، (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ): استئناف مبين لمقالتهم، أي: يقولون إنا لمعذبون مهلكون، أو لملزمون غرامة ما أنفقنا، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ): محدودون ممنوعون، وعن الكسائي: التفكه من الأضداد يستعمل في التنعم والتحزن، (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ): السحاب جمع مزنة، (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا): شديد الملوحة، (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ): تقدحون، (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)، للعرب شجرتان المرخ والعفار تحك أحد غصنيهما
(فَلَا أُقْسِمُ)، لا مزيدة لتأكيد القسم، أو رد لقول الكفار أنه سحر وشعر، ثم استأنف القسم، (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أي: نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها، أو بمغارب نجوم السماء، أو منازلها، أو انتشارها يوم القيامة، (وَإِنَّهُ): هذا القسم الذي أقسمت به، (لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ): لو تعلمون اعتراض بين الموصوف والصفة، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ)، جواب القسم، (كَرِيمٌ): كثير النفع، (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ): مصون من الشياطين وهو اللوح، (لَا يَمَسُّهُ) أي: الكناب المكنون الذي في السماء، (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أي:
стр. 1972
الملائكة، وعن بعض زعمت قريش أن القرآن تنزلت به الشياطين فردهم الله تعالى بقوله: " لا يمسه إلا المطهرون " كما قال: " وما تنزلت به الشياطين " [الشعراء: ٢١٠] أو لا يمس القرآن إلا المطهرون من الجنابة والحدث، والمراد من القرآن حينئذ المصحف كما نُقِلَ " نهى ﵊ أن يسافر بالقرآن أي: المصحف إلى [أرض] العدو "، ويكون نفيًا بمعنى النهي أو لا يجد طعمه ونفعه إلا المطهرون من الشرك، (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، صفة أخرى للقرآن، وفيها مبالغة، (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ) أى: القرآن، (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ): متهاونون مكذبون، (وَتَجْعَلونَ رِزْقَكمْ): الرزق بمعنى الشكر في لغة أو تشكر رزقكم الذي هو المطر، (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ): بمعطيه، وتقولون: مطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم، (فَلَوْلا): هلا، (إِذَا بَلَغَتِ): النفس، (الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ): يا أهل الميت، (حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ): حاله أو أمري وسلطاني ولا تقدرون على دفعه، والواو للحال، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ)، المراد الملائكة كما قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ
стр. 1973
حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ .. ) الآية [الأنعام: ٦١]، أو نحن أعلم، (إِلَيْهِ): إلى المحتضر، (مِنْكُمْ): أيها الحاضرون، (وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ): قربنا، ولا تعرفون قدرتنا، (فَلَوْلا): فهلا، (إِنْ كُنتمْ غَيرَ مَدينينَ): محاسبين مجزيين في القيامة (تَرْجِعُونَهَا): النفس إلى مقرها بعدما بلغت الحلقومَ، (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ): إنه لا بعث ولا حساب لولا الثاني تأكيد للأول، والعامل في الظرف ترجعونها، وهو المحضض عليه أي: هلا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين صادقين في ذلك، وجواب الشرط يدل عليه السياق، وحاصله أنكم تنسبون إلى الافتراء كتابي، وإلى الساحر رسولي، وإلى غيري رحمتي ومطري، وتزعمون أن لا بعث ولا حساب، ولا إله يجازي فنفيتم قدرتي واختياري، فما لكم لا تردون روح من يعز عليكم إذا بلغ الحلقوم، وأنتم ناظرون إليه، وما يقاسيه من شدة النزع، فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن فوقكم قادر مختار بيده الأمر لا عجز ولا تعطيل، (فَأَمَّا إِنْ كَانَ): المتوفَّى، (مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ): فله راحة، (وَرَيْحَانٌ): رزق حسن، وعن بعض من السلف: إنه لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه فيه، وفي الحديث " ينطلق إلى وليِّ الله ملك الموت مع خمس مائة من الملك معهم ضبائر الريحان أصل الريحان واحد وفي رأسها عشرون لونًا لكل لون ريح سوى ريح صاحبه، (وَجَنَّتُ نَعِيمٍ): ذات تنعم، أي: يبشر بهذه الثلاثة، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ): المحتضر، (مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ) أي: فيقال له سلام لك يا صاحب اليمين، (مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ): من إخوانك، أو
стр. 1974
حصل لك سلامة من العذاب حال كونك من أهل اليمين يبشر بالبشارتين، وعن بعض المفسرين: فسلامة لك يا محمد منهم لا تهتم لهم فإنهم في سدر مخضود، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ): المحتضر، (مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ): أصحاب الشمال، (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) أي: فله ذلك، (وَتَصْلِيَةُ): إدخال، (جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا): الذي ذكرت، (لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ): حق هو اليقين لا مرية فيه، أو اليقين اسم للعلم الذي لا لبس له، والإضافة بمعنى اللام، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، قيل: الباء زائدة، وقد ورد لما نزلت قال ﵇ " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزلت " سبح اسم ربِّك الأعلى " قال: " اجعلوها في سجودكم ".
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
(سَبَّحَ)، جاء في مفتتح السور بلفظ الماضي، والمضارع، والمصدر، والأمر إشعارًا بأن الموجودات من الابتداء إلى الانتهاء مقدسة لذاته طوعًا أو كرهًا (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)، (لله): هذا الفعل عدى بنفسه، وباللام أيضًا، (ما في السَّمَاوَات والأرضِ): من الموجودات، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، (وهو العزيز الحكيم): فيستحق التسبيح، (له ملك السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): هو الخالق المتصرف، (يُحْيِي وَيُمِيتُ)، استئناف، أو حال، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ): فليس قبله شيء، (وَالْآخِرُ): فليس بعده شيء يبقى بعد فناء الممكنات، (وَالظَّاهِرُ): الغالب من ظهر عليه إذا غلبه، أو ظاهر لأن جميع الكائنات دليل ذاته، (وَالْبَاطِنُ) الذي بطن كل شيء أي: علم باطنه أو باطن لأنه غير مدرك بالحس، وفي الحديث " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك
стр. 1977
شيء، وأنت الباطن فليس دونك شىء " وفي الترمذي (١) عدَّ ﵊ سبع أرضين بين كل أرضين خمسمائة سنة ثم قال: " والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر " الآية، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ): قد مر تفسيره في سورة الأعراف، وغيرها، (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ): كالحب والقطر، (وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا): كالشجر والنبات، (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ): كالملك، والمطر، (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا): كالأرواح، والأعمال، والملك والأبخرة، (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ): لا ينفك علمه عنكم، (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):
стр. 1978
فيجازيكم عليه، (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، هو كالمقدمة للإعادة والإبداء فلذا كرره، (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ): َ فيحكم في خلقه ما يشاء، (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ): فيطول النهار، (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ): فيطول الليل، (وَهُوَ عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورِ آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ): الله تعالى، (مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) أي: مستخلفين ممن كان قبلكم بتوريثه إياكم، أو جعلكم الله خلفاء في التصرف، وهو في الحقيقة لله تعالى، فلا تبخلوا، (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ): فالإيمان، والإنفاق لا ينفعان إلا أنفسكم، (وَمَا لَكُمْ)، متبدًا أو خبر، (لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ)، حال، (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ)، الواو للحال فهما، حالان متداخلان يعني: أي عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم، (لِتُؤْمِنُوا
стр. 1979
بِرَبِّكُمْ) أي: إلى هذا الأمر الجليل اليسير، (وَقَدْ أَخَذَ): الله، (مِيثَاقَكُمْ): حين أخرجكم من ظهر آدم أو بإقامة الحجج، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): بحجة ودليل، وعن بعض المفسرين الميثاق بيعة الرسول ﵊، فإن الخطاب مع المؤمنين على سبيل التوبيخ، (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ): القرآن، (لِيُخْرِجَكُمْ): الله، أو العبد، (مِنَ الظلُمَاتِ): الجهالات، (إِلَى النُّورِ): العلم، (وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا): في أن لا تنفقوا الظاهر أن هذا خطاب للمؤمين، والأول للكافرين، (فِي سَبِيلِ اللهِ وَلله مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): هو يتصرف في كل شيء وحده فإنكم ميتون تاركون لأموالكم، (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ): فتح مكة، (وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ): بعد فتح مكة، (وَقَاتَلُوا): فإنه كان الأمر قبل الفتح شديد، أو الناس في ريب في أمر الرسالة لكن بعد الفتح ظهر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وققت الحاجة إلى الإنفاق، (وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) أي: وعد كلاً من النفقين من قبل ومن بعد الجنة، (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): فلا يضيع عنده عمل عامل.
* * *
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى
стр. 1980
وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)
* * *
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا): من أنفق المال رجاء ثواب الله كمن يقرضه، وهو عام لكل إنفاق هو لله تعالى، (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ): يعطي أجره أضعافًا، وقراءة النصب على جواب الاستفهام، والرفع على العطف على يقرض، (وَله أَجْرٌ كَرِيمٌ) أي: وذلك الأجر المضموم إليه الإضعاف كريم محمود في نفسه يعني: كما أنه زائده في الكم بالغ في الكيف، وهو جملة حالية، (يَوْمَ تَرَى) ظرف لله، أو ليضاعف، أو اذكر، (الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ): وذلك دليلهم إلى الجنة على قدر أعمالهم، وأدناهم نورًا من كان في إبهامه فيطفو مرة، ويَقِدُ أخرى عبر عن جميع الجهات بالجهتين، وجملة يسعى حالية، (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ): يقول
стр. 1981
الملائكة لهم ذلك، (جَنَّاتٌ) أي: دخول جنات (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ)، بدل، (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا): انتظرونا، (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ): نستضيء منه، (قِيلَ ارْجعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا)، القائل المؤمنون، أو الملائكة أي: ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور، واطلبوا فيه نورًا، فلا يستضيئون من نورهم كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ): المؤمنين والمنافقين، (بِسُورٍ): حجاب، (لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ): باطن السور أو الباب، (فيهِ الرحْمَةُ): لأنه يلي الجنة، (وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ): من جهته، (الْعَذَابُ): فإنه يلي النار، (يُنَادُونَهُمْ): المنافقون المؤمنين، (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ): في الدنيا نوافقكم في أعمالكم؟ (قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ): بالنفاق والمعاصي، (وَتَرَبَّصْتُمْ): انتظرتم في شأن المؤمنين الدوائر، وعن بعض أخرتم التوبة، (وَارْتَبْتُمْ): في الدين، (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ): أمنيتكم الباطلة غرتكم، (حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ): الموت، (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ): الشيطان، فيقول: اعملوا فالله تعالى عفو، (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ): لا يقبل، (مِنْكُمْ فِدْيَةٌ): فداء، (وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ): النار، (مَوْلاكُمْ): أولى بكم، أو النار ناصركم، فلا ناصر لكم، (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): النار، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
стр. 1982
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ) أي: ألم يأت وقت الخشوع؟ (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ): القرآن أي: عند ذكر الله، والموعظة وسماع القرآن، عن ابن عباس ﵄ إن الله تعالى استبطأ قلوب المهاجرين، فعاتبهم بهذه الآية على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، وعن بعض: مل الصحابة ملة، فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [يوسف: ٣] ثم ملوا، فقالوا: حدثنا، فنزل (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]، ثم ملوا فقالوا حدثنا، فأنزل الله تعالى الآية، (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ): كاليهود: والنصارى عطف على تخشع، أو نهى عن مماثلة أهل الكتاب، وفيه التفات، (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ): الزمان بينهم وبين أنبيائهم، (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ): مالو إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ): خارجون من الدين، (اعْلَمُوا أَنْ الله يُحْي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا): فلا تيأسوا من أن يلين القلوب بعد قسوتها قيل: تمثيل لإحياء الأموات، فيكون معناه الزجر والتحذير عن القساوة، (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ): المتصدقين، وقراءة تخفيف الصاد معناه الذين صدقوا الله تعالى، (وَأَقْرَضُوا اللهَ)، عطف على صلة الألف واللام، لأنه بمعنى إن الذين اصدقوا أو يكون نصب، والمتصدقات على التخصيص، فإن المصدقين عام للذكر والأنثى على التغليب كما إن أقرضوا عام كأنه قيل إن المصدقين، وأخص المتصدقات
стр. 1983
منهم، ولهذا قال ﵊: " معشر النساء تصدقن " الحديث فيكون والمتصدقات اعتراضًا على سبيل الاستطراد فلا يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبي، ولما لم يكن الإقراض غير ذلك التصدق قيل: وأقرضوا أي: بذلك التصدق، ولم يقل والقرضين، (قَرْضًا حَسَنًا): لوجه الله تعالى، (يُضَاعَفُ) أي: ثواب القرض خبر إن، (لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ): حسن، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) عن مجاهد كل مؤمن صديق، وعن الضحاك هم ثمانية نفر سبقوا إلى [الإسلام] أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة - رضي الله تعالى عنهم (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: في جنات النعيم أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في أنهار الجنة، ثم تأوى إلى القناديل مبتدأ أو خبر، أو المراد، المؤمنون كلهم كالصديقين والشهداء عند الله تعالى، فيكون والشهداء عطفًا على الصديقون، وفي الحديث " مؤمنوا أمتي شهداء، ثم تلا هذه الآية " ويدل عليه قوله تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩] (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) أي: أجر كل منهم مقصور عليهم وكذا نورهم، أو للمؤمنين مثل أجر الشهداء ونورهم ولا يلزم منه المماثلة من جميع الجهات، (وَنورُهُمْ): الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ): ملازموها لا ينفكون عنها.
* * *
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ
وَرِضوَانٌ): فاطلبوا ما هو خير وأبقى، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ): كمتاع يدلس به على المشترى ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده، (سَابقُوا): سارعوا مسارعة السابقين في المضمار، (إِلَى مَغفِرَةٍ): موجباتها، (مِنْ رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ)، قد مر في سورة آل عمران، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ): فلا يجب عليه شيء، (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ): فارتقبوا فضل الله تعالى وإن جل، (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ): كالقحط، (فِي الأرْضِ): صفة لمصيبة، (وَلا فِي أَنفُسِكُمْ): كالأمراض، (إِلا فِي كِتَابٍ): في اللوح حال يعني مسطورًا فيه، (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا): نخلق المصيبة أو الأرض والأنفس، (إِنَّ ذَلِكَ): ثبته في كتاب، (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا) أي: أعلمكم أنها مثبتة لئلا تحزنوا (عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ): الله من متاع الدنيا، فإن من علم أن كل ما قدر له لم يكن ليخطئه، وكل ما
стр. 1986
لم يقدر لم يكن ليصيبه ليس من شأنه الفزع والفرح، بل النظر إلى تقليبه الله تعالى ظهرًا وبطنًا إن رضي فله الرضاء، وإن سخط فله السخط، والمراد من الحزن الجزع، ومن الفرح ما يلهي عن الشكر ويفضي إلى البطر والأشر، ولذلك قال: (وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) أي: متكبر، (فَخُورٍ): على الناس بمتاع الدنيا عن جعفر الصادق ﵁ يا ابن آدم ما لك تتأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت، (الذِينَ يَبْخَلُون)، بدل من كل مختال فإن أكثرهم بخلاء، (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ): يعرض عن الإنفاق والطاعة (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ): فإنه غني عنه، وعن إنفاقه وطاعته محمود في ذاته لا يضره كفر ولا ينفعه شكر، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات، (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكتَابَ)، جنس الكتاب، (وَالْمِيزَانَ) أي: العدل أو الميزان المعروف قيل:
стр. 1987
نزل جبريل ﵇ بالميزان إلى نوح ﵇، وقال: مُرْ قومك يزنوا به، (لِيَقُومَ النَّاسُ بالْقِسْطِ) أي: ليتعاملوا بالعدل، (وَأَنْزَلْنَا): أنشأنا، وأحدثنا عن ابن عباس ﵄ ثلاثة أشياء نزلت مع آدم السندان والكلبتان والمطرقة، (الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْس شَدِيدٌ): هو القتال به مع من عاند الحق، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) إذ هو آلة لأكثر الصنائع، (وَلِيَعْلَمَ اللهُ)، عطف على معنى فيه بأس شديد ومنافع فإنه حال يتضمن تعليلاً أي: أنزلناه للبأس وللنفع وليعلم وقيل: عطف على ليقوم الناس، (مَنْ يَنْصُرُهُ) أي: دينه، (وَرُسُلَهُ): باستعمال آلات الحرب مع أعداء الله تعالى، (بِالْغَيْب): غائبًا عن الله تعالى عن ابن عباس ﵄ يبصرونه ولا ينصرونه، (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ): في أمره، (عَزِيزٌ): في ذاته لا يحتاج إلى نصرة ناصر.
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
* * *
стр. 1988
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ): لم يرسل بعدهما نبي إلا من ذريتهما، (فَمِنْهُمْ): من الذرية، (مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ): خارجون عن الطاعة، (ثُمَّ قَفْيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ): آثار نوح وإبراهيم ﵉، ومن عاصرهما، (بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا): هم، (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) أي: عيسى، (رَأْفَةً): رقة شديدة، (وَرَحْمَةً): كانوا متوادين رحماء، (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)، منصوبة على شريطة التفسير أي: وابتدعوا رهبانية يعني جاءوا بالرياضة الشاقة، والانقطاع عن الناس من عند أنفسهم، (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ): ما أمرناهم بها، (إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ): لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تعالى (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا): ذم بوجهين الابتداع في دين الله تعالى، وعدم القيام بما التزموا مما زعموا أنه قربة، (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ): وهم الثابتون على دين عيسى ﵇ والرهبانية، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ): الذين غيروا دين عيسى عن ابن مسعود قال ﵊: " هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم،
стр. 1989
قال " ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان، فقاتلوهم فهزم المؤمنون ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى يعنون: محمدًا ﷺ ، فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية "، وفي رواية " فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم الذين آمنوا بي، وكثير منهم فاسقون الذين كذبوني "، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ)، الخطاب لمؤمني أهل الكتاب، (وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ): محمد ﵊ (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ): نصيبين، (مِنْ رَحْمَتِهِ): للإيمان بنبيكم، وللإيمان برسول الله ﷺ وذلك لمن بقى على دين عيسى ﵇ ولم يغير، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ): على الصراط، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): وكثير من السلف على أن هذه الآية لما افتخر أهل الكتاب بأنَّهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى في شأن هذه الأمة المرحومة، ففضلهم على أهل الكتاب بالنور والمغفرة، (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ): الذين لم يؤمنوا، (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي: يعطيكم الله تعالى نصيبين من رحمته، لأن يعلم الكافرون منهم أنه لا يتمكنون من نيل شيء من فضل الله تعالى، فلا مزيدة، (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، وعلى التفسير الثاني معناه أعطيناكم يا أمة محمد كفلين من رحمته
стр. 1990
كما أعطى المؤمنون من أهل الكتاب أجرين ليعلم المؤمنون من أهل الكتاب أن فضل الله تعالى ليس بيد أحد، فلو أعطاهم أجرين لأجل إيمانين أعطى المؤمنين كفلين لأجل الإيمان الواحد بفضله قيل: (لا) غير مزيدة، والمعنى لئلا يعلم أهل الكتاب عجز المؤمنين ونقصانهم.
والحمد لله على كل حال.
* * *
زوجها أوس بن الصامت، وكان الظهار طلاقًا، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فقال: " حرمت عليه " فحلفت إنه ما ذكر طلاقًا، فقال: " حرمت عليه " فقالت: أشكو إلى الله فاقَتي، وجعلت تراجع رسول الله ﷺ وترفع رأسها إلى السماء وتشكو إلى الله تعالى (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) كانت عبارتهم في الظهار: أنت كظهر أمي، أي ما هن أمهاتهم على الحقيقة (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ): المظاهرين (لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ): لا يعرف في شرع (وَزُورًا) باطلاً محرَّفا عن الحق (وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) فغفر عما سلف. (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) أي: يتداركون ما قالوا، والمتدارك عائد إليه، ومنه المثل: عاد غيث ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح، عن ابن عباس ﵄: العود الندم، قال الفراء: عاد فلان لما قال أو فيما قال، أي رجع عما قال، وهو إمساكها عقيب الظهار زمانًا يمكنه الطلاق، ولم يطلق أو المراد العزم على [الوطء] (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: فعليهم أو فالواجب إعتاق رقبة، والشافعي حمل ما أطلق على ما قيد في كفارة القتل بالإيمان؛ لاتحاد الموجب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) من قبل أن يجامع المظاهِرُ المظاهَرَ منها، فلا يجوز
стр. 1993
الوطء قبل الكفارة، والأكثرون على أنه لا يحرم سائر الاستمتاع قبل الكفارة، وعن بعضهم التماس الاستمتاع مطلقًا (ذَلِكُمْ): الحكم بالكفارة (توعَظُونَ بِهِ) كي تنزجروا به عن الظهار (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَمْ يَجدْ) الرقبة (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) ولا يجوز الجماع في ليالي الشهرين، فلو فعل ففي الاستئناف خلاف (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وعن مالك: من يكفر بالإطعام يجوز له الوطء قبله؛ لأنه غير مقيد بقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) وبيان كمية الإطعام لكل مسكين قد مر في أواخر سورة المائدة (ذلِكَ) أي فرض لك الذي بَيَّنَّا (لتُؤْمِئُوا) لتصدقوا (بِالله وَرَسولِهِ) في قبول شرائعه وترك بدع الجاهلية، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ) لا يجوز تعديها، (وَلِلْكَافرِينَ) عن ابن عباس ﵄: لمن جحده وكذبه (عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ) يعادون ويعاندون شرعه (وَرَسُولَهُ كُبِتُوا) أخزوا ولعنوا (كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ككفار الأمم الماضية (وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) تدل على صدق ما جاء به الرسول (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ) ظرف لـ مهين، أو مفعول لـ اذكر (جَمِيعًا) مجتمعين (فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) من خير وشر (أَحْصَاهُ اللهُ) ضبطه عليهم (وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
* * *
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ) ما يقع سر ثلاثة نفر وتناجيهم (إِلَّا هُوَ) أي الله (رَابِعُهُمْ) بالعلم والاستثناء من أعم الأحوال (وَلَا خَمْسَةٍ) أي ولا نجوى خمسة (إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) وتخصيص العددين قيل لخصوص الواقعة، فإنها نزلت لتناجي المنافقين، أو لأن أهل النجوى لا يكونون إلا قليلين غالبًا من الاثنين إلى ما دون العشرة، فآثر الثلاثة ليكون قوله (وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ) دالاًّ على الاثنين وهو عدد لا يمكن التناجي بأقل منه، والخمسة أيضًا ليكون " ولا أكثر " دالاً على السبعة (وَلَا أَدْنَى) أقل (مِنْ ذَلِكَ) كالاثنين (وَلَا أَكْثَرَ) كالسبعة، ولا لنفي الجنس (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) بالعلم وفي قراءة " وَلَا أَكْثَرُ " بالرفع هو عطف على محل من نجوى، أي ما يكون أدنى ولا أكثر (أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) كانت اليهود والمنافقون يتناجون، ويتغامزون بأعينهم لإغضاب المؤمنين فنهاهم النبي ﷺ ، ثم عادوا لمثله (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) بما هو إثم لهم، وعدوان للمؤمنين (وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) تواصٍ بمخالفته
стр. 1996
(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) يقولون: سام عليك، والسَّام: الموت (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ) فيما بينهم سرًّا (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ) أي لو كان هو نبيًّا فهلا يعذبنا الله بشتمنا إياه (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابًا (يَصْلَوْنَهَا) يدخلونها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) كاليهود والمنافقين (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) بما يتضمن نفعكم ونفع غيركم (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوَى) أي ذلك النجوى الذي هو بالإثم (مِنَ الشَّيْطَانِ) فإنه الآمر به (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) ليوهمهم أن عليهم شرًّا (وَلَيْسَ) الشيطان أو التناجي (بِضَارِّهِمْ شَيْئًا) من الضرر (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فإنه هو حسبهم وكافيهم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا) توسعوا (فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا) فى المكان (يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) يوسع عليكم في الدارين، نزلت حين جاء بعض من أهل [بدر] إلى مجلس رسول الله ﷺ ، فلم يوسع الصحابة لهم فَكَرِهَ ﵊ ذلك كرامة لأهل بدر فأقام ﵊ بعضًا، وأمر أهل بدر أن يجلسوا مكانهم، فشق على البعض ذلك، وفي الصحيحين: " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ". (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا)
стр. 1997
انهضوا وقوموا لأكرمكم (فَانْشُزُوا) فقوموا، وإذا قيل انهضوا للصلاة أو للجهاد أو إلى خير فلا تثاقلوا، أو إذا قيل لكم قوموا واخرجوا فإنَّهم إذا كانوا في بيته ﵊ كل منهم يحب أن يكون آخرهم خروجًا فربما يشق ذلك عليه ﷺ لما له من حاجة، فأمروا أنَّهم إذا أمروا بالانصراف يأتمروا سريعًا (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) بطاعتهم لرسوله (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) أي ويرفع الله تعالى العلماء منهم خاصة، ونصب درجات بالبدل من الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، أو بالتمييز، والمعنى: لا يحسب أحدكم أنه إذا تفسح، أو أمر بالخروج فخرج يكون نقصًا في حقه، بل هو رفعة ومرتبة عند الله تعالى (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) نزلت حين كثرت مجالسة الأغنياء ومناجاتهم مع رسول الله ﷺ وشق عليه ذلك، فأمر الله تعالى الخلائق بالصدقة أمام مناجاته فانتهوا عن كثرة المناجاة. عن علي ﵁: هذه آية لم يعمل بها أحد قبلي، ولا أحد يعمل بها بعدي، كان عندي
стр. 1998
دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا جئت إلى رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها غيري (ذلِكَ): التصدق (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا رخصة مناجاتهم للفقراء بلا تصدق (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ): أي: أخفتم تقديم الصدقة لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر، وجمع الصدقات لجمع المخاطبين (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به (وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) عذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فلا تفرطوا فيهما (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في أوامره ونواهيه، ليكون كالجابر (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ
стр. 1999
الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ): المنافقين (تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) اليهود، كان المنافقون ينقلون إليهم أسرار المؤمنين (مَا هُمْ مِنْكُمْ) لأنَّهُم منافقون (وَلَا مِنْهُمْ) من اليهود أيضًا؛ لأنَّهُم مذبذبون (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) وهو ادعاء الإسلام (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن [المحلوف] عليه كذب (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يعني هذا العذاب؛ لإصرارهم على سوء العمل (اتَّخَدوا أَيْمَانَهُمْ) التي حلفوا بها (جُنَّةً) وقاية من القتل والنهب (فصَدُّوا) الناس (عَن سَبِيلِ اللهِ) يعني بالحلف الكذب، يقون أنفسهم ويأمنون وفي خلال أمنهم يصدون الناس عن الدين الحق (فَلَهُمْ عَذَاب مهِينٌ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي من عذابه، أو شيئًا من الإغناء (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) نزلت
стр. 2000
ْحين قال ﵊: سيأتيكم إنسان (١) ينظر بعيني شيطان، فإذا ناداكم فلا تكلموه، فجاء رجل أزرق فقال له ﵊: علامَ تشتمني أنت وفلان، فانطلق الرجل، فدعاهم وحلفوا له، واعتذروا إليه (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا)، ظرف لن تغني (فَيَحْلِفُونَ لَهُ) لله تعالى على أنَّهم ما كانوا مشركين (كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) كذبا في الدنيا أنَّهم منكم (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) حسبوا أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب في الآخرة، كما روجت في الدنيا (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ اسْتَحْوَذَ) استولى (عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ) فلا يذكرون الله تعالى أصلاً ولا يصلون (أُولَئِكَ حِزْبُ) جنود (الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ) يعادونه (وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) في جملة من لهم ذل فى الدارين.
(كَتَبَ اللهُ) حكم وقرر (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) إما بالحجة وإما بها وبالسيف (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون) [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] الآية (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) يعني لا يجتمع الإيمان ومحبة أعداء الله تعالى (وَلَوْ كَانُوا) أي من حاد الله (آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أقاربهم (أُولَئِكَ) الذين لم يوادوهم (كَتَبَ) الله (فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ): أثبته فيها (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ): من عند