← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) يقولون: سام عليك، والسَّام: الموت (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ) فيما بينهم سرًّا (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ) أي لو كان هو نبيًّا فهلا يعذبنا الله بشتمنا إياه (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابًا (يَصْلَوْنَهَا) يدخلونها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) كاليهود والمنافقين (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) بما يتضمن نفعكم ونفع غيركم (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوَى) أي ذلك النجوى الذي هو بالإثم (مِنَ الشَّيْطَانِ) فإنه الآمر به (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) ليوهمهم أن عليهم شرًّا (وَلَيْسَ) الشيطان أو التناجي (بِضَارِّهِمْ شَيْئًا) من الضرر (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فإنه هو حسبهم وكافيهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا) توسعوا (فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا) فى المكان (يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) يوسع عليكم في الدارين، نزلت حين جاء بعض من أهل [بدر] إلى مجلس رسول الله ﷺ ، فلم يوسع الصحابة لهم فَكَرِهَ ﵊ ذلك كرامة لأهل بدر فأقام ﵊ بعضًا، وأمر أهل بدر أن يجلسوا مكانهم، فشق على البعض ذلك، وفي الصحيحين: " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا ". (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا)

стр. 1997

انهضوا وقوموا لأكرمكم (فَانْشُزُوا) فقوموا، وإذا قيل انهضوا للصلاة أو للجهاد أو إلى خير فلا تثاقلوا، أو إذا قيل لكم قوموا واخرجوا فإنَّهم إذا كانوا في بيته ﵊ كل منهم يحب أن يكون آخرهم خروجًا فربما يشق ذلك عليه ﷺ لما له من حاجة، فأمروا أنَّهم إذا أمروا بالانصراف يأتمروا سريعًا (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) بطاعتهم لرسوله (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) أي ويرفع الله تعالى العلماء منهم خاصة، ونصب درجات بالبدل من الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، أو بالتمييز، والمعنى: لا يحسب أحدكم أنه إذا تفسح، أو أمر بالخروج فخرج يكون نقصًا في حقه، بل هو رفعة ومرتبة عند الله تعالى (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) نزلت حين كثرت مجالسة الأغنياء ومناجاتهم مع رسول الله ﷺ وشق عليه ذلك، فأمر الله تعالى الخلائق بالصدقة أمام مناجاته فانتهوا عن كثرة المناجاة. عن علي ﵁: هذه آية لم يعمل بها أحد قبلي، ولا أحد يعمل بها بعدي، كان عندي

стр. 1998

دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا جئت إلى رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها غيري (ذلِكَ): التصدق (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا رخصة مناجاتهم للفقراء بلا تصدق (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ): أي: أخفتم تقديم الصدقة لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر، وجمع الصدقات لجمع المخاطبين (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به (وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) عذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فلا تفرطوا فيهما (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في أوامره ونواهيه، ليكون كالجابر (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ

стр. 1999

الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ): المنافقين (تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) اليهود، كان المنافقون ينقلون إليهم أسرار المؤمنين (مَا هُمْ مِنْكُمْ) لأنَّهُم منافقون (وَلَا مِنْهُمْ) من اليهود أيضًا؛ لأنَّهُم مذبذبون (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) وهو ادعاء الإسلام (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن [المحلوف] عليه كذب (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) يعني هذا العذاب؛ لإصرارهم على سوء العمل (اتَّخَدوا أَيْمَانَهُمْ) التي حلفوا بها (جُنَّةً) وقاية من القتل والنهب (فصَدُّوا) الناس (عَن سَبِيلِ اللهِ) يعني بالحلف الكذب، يقون أنفسهم ويأمنون وفي خلال أمنهم يصدون الناس عن الدين الحق (فَلَهُمْ عَذَاب مهِينٌ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي من عذابه، أو شيئًا من الإغناء (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) نزلت

стр. 2000

ْحين قال ﵊: سيأتيكم إنسان (١) ينظر بعيني شيطان، فإذا ناداكم فلا تكلموه، فجاء رجل أزرق فقال له ﵊: علامَ تشتمني أنت وفلان، فانطلق الرجل، فدعاهم وحلفوا له، واعتذروا إليه (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا)، ظرف لن تغني (فَيَحْلِفُونَ لَهُ) لله تعالى على أنَّهم ما كانوا مشركين (كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) كذبا في الدنيا أنَّهم منكم (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) حسبوا أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب في الآخرة، كما روجت في الدنيا (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ اسْتَحْوَذَ) استولى (عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ) فلا يذكرون الله تعالى أصلاً ولا يصلون (أُولَئِكَ حِزْبُ) جنود (الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ) يعادونه (وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) في جملة من لهم ذل فى الدارين. (كَتَبَ اللهُ) حكم وقرر (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) إما بالحجة وإما بها وبالسيف (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون) [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] الآية (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) يعني لا يجتمع الإيمان ومحبة أعداء الله تعالى (وَلَوْ كَانُوا) أي من حاد الله (آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أقاربهم (أُولَئِكَ) الذين لم يوادوهم (كَتَبَ) الله (فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ): أثبته فيها (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ): من عند

стр. 2001

الله تعالى وهو النصر على العدو أو نور القلب (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ) حال مقدرة (فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) لما سخطوا على القرائب لله تعالى عوضهم بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أنعم عليهم من الفضل العظيم (أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ) أنصار دينه (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بخير الدارين. اللهم اجعلنا منهم. * * *

стр. 2002

سورة الحشر مدنية وهي أربع وعشرون آية، وثلاث ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ

стр. 2003

هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) * * * (سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) [الإسراء: ٤٤] (الَّذِى أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بني النضير (مِن دِيَارِهِمْ) لما نقضوا العهد أحل الله بهم بأسه فأجلاهم رسول الله ﷺ من حصونهم الحصينة التي ما طمع بتسخيرها أحد إلى أذرعات من أعمال الشام وهي أرض المحشر ولذلك قال: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) أي: لابتداء: الحشر صرح به ابن عباس ﵄ وكثير من

стр. 2004

السلف، وعن الحسن ﵁ قال ﵊ لبني النضير: " هذا أول الحشر وأنا على الأثر " قيل: هم أول من أُجلي من جزيرة العرب فهم أول المحشورين فإن الحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر (مَا ظَنَنتُمْ) أيها المؤمنون (أَنْ يَخْرُجُوا) لشدتهم وشدة حصونهم (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ) أي: زعموا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله تعالى فـ حصونهم مبتدأ ومانعتهم خبره، أو حصونهم فاعل مانعتهم، لاعتماده فإنه في الحقيقة خبر المبتدأ وفي هذا النظر دلالة على فرط وثوقهم بحصونهم واعتقادهم أنهم في عزة بسببها (فأَتَاهُمُ اللهُ) عذابه (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) من حيث لم يخطر ببالهم (وَقَذَفَ) ألقى (فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ) الجملة حال (بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) فإنَّهم يقلعون الأبواب وما استحسنوه من السقوف ويحملون معهم والباقي يخربه المؤمنون واليهود عرَّضت المؤمنين لذلك وكانت السبب فيه فهم خربوا ديارهم بأيدي المؤمنين (فَاعْتَبِرُوا) فاتعظوا (يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ولا تتبعوا أعمالهم وعقائدهم (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء) الخروج من الوطن (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) أي: لأنزل عليهم بلاء آخر كالقتل والسبي فإنه قد كتب أنه سيعذبهم في الدنيا (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) أي هذا لهم حتم لازم على أي حال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا) عاندوا وخالفوا (اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ مَا قَطَعْتُمْ) ما منصوب بـ قطعتم أي: أي شيء (مِنْ لِينَةٍ) هي نوع خاص من النخل أجودها في ألوان التمر أو سوى العجوة والبرني أو

стр. 2005

جميع أنواع النخل (أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) فائدة هذا القيد أنه يعلم منه أنهم كانوا يستأصلون ما يقطعون من أصوله وبنيانه ولا يخلون ساقها (فَبِإِذْنِ اللهِ) بأمره ورضائه. نزلت لما حاصرهم وأمر ﵊ بقطع نخيلهم إرغامًا لقلوبهم، قالوا إنك تنهى عن الفساد ثم تفسد في الأرض فحاك ذاك في صدور المؤمنين (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) علة لمحذوف أي: أذن لهم في قطع بعض وإبقاء بعض ليخزيهم على فسقهم بمزيد حسرتهم وغيظهم (وَمَا أَفَاءَ) ما منصوب بـ أفاء أي: الذي رده (اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) من تلك اليهود من الأموال (فَمَا أَوْجَفْتُمْ) ما نافية أي ما أجريتم (عَلَيْهِ) على تحصيله (مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) والركاب ما يركب من الإبل، يعني إنما مشيتم على أرجلكم لقربهم منكم ولا تعبتم بالسفر والقتال (وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا تطمعوا أن يكون مال الفيء كمال الغنيمة أربعة أخماسها لكم بل ما هو لكم من الغنيمة هو من الفيء للنبي ﷺ ولذلك ما أعطى الأنصار منه إلا ثلاثة نفر منهم (مَا أَفَاءَ اللهُ

стр. 2006

عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) جميع البلدان الذي يفتح (فَلله وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) جملة ما أفاء الله بيان للجملة السابقة، ولذلك لم يعطف، كأنه لما قيل: ما خول الله برسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه بالقتال، فلا يقسم قسمة الغنائم. قيل: كيف يقسم؟ قيل: " ما أفاء الله " الآية. فعلم أن مال الفيء، وهو مال أخذ من الكفار من غير قتال، ولا إيجاف خيل وركاب ليس للجنود فيه نصيب، بل هو مختص للرسول، ولذي القربى، والثلاثة الباقية. وعلم من الحديث أنه ينقسم بخمسة؛ أربعة أخماس لخاصة النبي ﷺ والخمس الباقي ينقسم على هؤلاء الخمسة، وبيان المصارف قد مر في سورة الأنفال فلا نعيده (كَيْ لَا يَكُونَ) الفيء (دُولَةً) ما يتداول (بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) فلا يصيب الفقراء كأيام الجاهلية (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) أي: ما أمر به (فَخُذُوهُ) تمسكوا به (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ) عن إتيانه (فَانْتَهُوا) عنه أو ما أعطاكم من المال فاقبلوا وما نهاكم عن أخذه فانتهوا (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن خالف (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) بدل من المساكين، أو من لذي القربى، وما عطف عليه (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) فإن كفار مكة أخذوا أموالهم (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا) جملة حالية (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في دعوى

стр. 2007

الإيمان (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) جعلوا الإيمان مستقرًا لهم كما جعلوا المدينة كذلك أي: لزموا المدينة والإيمان، وتمكنوا فيهما والتعريف في الدار؛ للتنويه، كأنها الدار التي تستحق أن يسمى دارًا (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هجرتهم، وهم الأنصار (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) في أنفسهم (حَاجَةً) كحسدٍ وغيظ (مِمَّا أُوتُوا) أي لا يجدون من مال أعطى المهاجرون في أنفسهم حقدًا وغرضًا، فإنه قد قسم مال بني النضير بين المهاجرين دون الأنصار (وَيُؤْثِرُونَ) يقدمون المهاجرين (عَلَى أَنْفُسِهِمْ) فيما عندهم من الأموال (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) حاجة إلى ما عندهم نزلت حين انطلق رجل من الأنصار برجل، قال ﵊ في شأنه: " رحم الله من يضيفه الليلة إلى بيته "، ولم يكن في بيته سوى قوت صبيانه، فنومهم وأطعمه قوتهم، فبات هو وعياله جائعين. فقال ﵊: " ضحك الله من فلان " (ومَن يُوقَ لشُحَّ نَمسِهِ) من سلم من الحرص الشديد الذي

стр. 2008

يحمله على ارتكاب المحارم (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ) المراد التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا) في الدين (الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) حقدًا (لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) واعلم أن للفقراء لا يمكن أن يكون بدلاً من الله وللرسول؛ لأن الرسول أيضًا لا يسمى فقيرًا، فهو بدل من لذوي القربى وما بعده، ومن لم يشترط في ذوي القربى الفقر، يقول: إن للفقراء ليس للقيد، بل بيانًا للواقع من حال المهاجرين، وإثباتًا لمزيد اختصاصهم، وأن قوله: وَ (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ) عطف على الفقراء، لا على المهاجرين، سيما وقد ثبت فعل رسول الله ﷺ وعمل الخلفاء رضي الله عنهم

стр. 2009

من بعده أنهم يعطون الأغنياء من ذوي القربى وعن عمر بن الخطاب ﵁ حين قرأ هذه الآية إلى قوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) قال: استوعبت هذه المسلمين وليس أحد إلا له حق، وقد خطر بخاطري أن الله تعالى سمى جميع المهاجرين والأنصار والتابعين فقراء، وإن كانوا أغنياء؛ لأنه لو كان المراد فقراءهم؛ لناسب أن يقول لفقراء المهاجرين بطريق الإضافة. وعن بعض المفسرين أن قوله: " للفقراء " ليس بدلاً بل تقديره اعجبوا لهم فإن السياق في مدحهم، فإنه لما أمر باتباع الرسول ﷺ عجّب الناس اتباع هؤلاء، والذي يؤيده قوله: " ألَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا " مُصَدَّرًا بقوله: " ألَمْ تَر " وهي كلمة للتعجب، فإن ذكرهم جاء مقابلاً لذكر أضدادهم. * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) * * *

стр. 2010

(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هم بنو قريظة والنضير (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من المدينة (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) نوافقكم ونرافقكم (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ) في إخلاف ما وعدناكم وفي قتالكم (أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ) وقد وقع كذلك فإن ابن أبي وأصحابه عاهدوهم على ذلك ثم أخلفوهم (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) على الفرض (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) لَينهزمون (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) بعد ولا ينفعهم نفاقهم. قيل: معناه لينهزمن اليهود، ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) مرهوبية مصدر فعل المجهول؛ لأنَّهُم مرهوب منهم لا راهبون (فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ) لأن نفاقهم من خوفكم، ولو خافوا من الله لتركوا النفاق (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) فإنه لو كان لهم دراية، لعلموا أن الله هو الحقيق بأن يخشى (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ) اليهود (جَمِيعًا) مجتمعين (إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) لا يبرزون لقتالكم لفرط خشيتهم منكم وإن كانوا مجتمعين (بَأْسُهُمْ) شدتهم في الحرب (بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)، يعني إذا حارب بعضهم بعضًا فيشتد بأسهم لكن إن قاتلوكم لم يبق لهم تلك الشدة (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) متفقين (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) متفرقة وأصل الحرب الاتفاق (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) فإن العقل هو الداعي إلى الاتحاد والاتفاق، وعن بعض تحسبهم أي: اليهود والمنافقين (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا أي: مثل اليهود كمثل الذين استقروا من قبلهم في زمان قريب، وهم أهل بدر

стр. 2011

أو يهود بني قينقاع، فقد أجلاهم رسول ألله ﷺ قبلهم (ذاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) سوء عاقبة كفرهم في الدنيا (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذَابٌ أَلِيمٌ كَمَثَل الشَّيْطَانِ) أي: مثل المنافقين في إغراء اليهود كمثل الشيطان (إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) تبرأ عنه في العاقبة، كما فعل براهب حمله على الفجور، ثم على سجوده، ثم تبرأ منه. وكما قال يوم بدر: (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) [الأنفال: ٤٨] (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ). * * *

стр. 2012

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) * * * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) انظروا ما ادخرتم ليوم القيامة (واتقوا الله) تكرير للتأكيد (إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله) نسوا حقه (فأنساهم) الله (أنفسهم) حق أنفسهم فلم يفعلوا ما ينفعهم (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) الكاملون في الفسق (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ) الذين نسوا الله فلم يتق بها (وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) الذين عرفوا حق الله فاتقوا (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) وخاطبناه بالأمر والنهي

стр. 2013

وفهمناه الحكم والمثل (لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا) متشققا (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ) التي في القرآن (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) والمراد توبيخ الإنسان على عدم تخشعه وقلة تدبره وعدم الاتعاظ بالقرآن (هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ) ما غاب عنا (وَالشَّهَادَةِ) وما حضر (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) الطاهر البليغ في النزاهة عن كل نقصان (السَّلَامُ) ذو السلامة من كل نقص (الْمُؤْمِنُ) واهب الأمن أو المصدق للمؤمنين والكافرين في وعدهم ووعيدهم (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب المطلع على السرائر (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) العظيم أو الذي جبر خلقه على مراده أو جبر حالهم

стр. 2014

وأصلحها (الْمُتَكَبِّرُ) الذي تكبر عن كل نقص وأصل الكبرياء الامتناع (سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ) المقدر (الْبَارِئُ) المبرز الموجب لما قدر (الْمُصَوِّرُ) الممثل للمخلوقات الموجد لصورها (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بلسان قاله أو حاله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وفي مسند الإمام أحمد والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر، وكَّلَ الله به سبعين ألف ملك، يصلون عليه حتى يمسى، فإن مات ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يمسى كان بتلك المنزلة ". * * *

стр. 2015

سورة الممْتَحَنَة مدنية وآياتها ثلاَثَ عَشْرة، وفيهَا ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) * * *

стр. 2016

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) نزلت في حاطب بن أبى بلتعة، لما كتب إلى كفار مكة، حين أراد ﵊ الخروج إلى مكة - إن المؤمنين قد جاءوكم فاحذروا، وأرسل بيد امرأة، فبعث ﵇ عليًّا وعمارًا وغيرهما، وأخذوا منها الكتاب، فخاطب ﵇ حاطبًا فقال: يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، لكن كنت امرءًا ملصقًا في قريش، عندهم أهلي ومالي، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك. فقال ﵇: " صدق حاطب، لا تقولوا له إلا خيرًا " (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ) أخبار المؤمنين (بِالْمَوَدَّةِ) بسببها أو تفضون إليهم بالمودة، فيكون من باب التضمين، لا أن الباء زائدة والجملة حال أو صفة لأولياء (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) حال من الفاعل (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) أي: من مكة استئناف أو حال من كفروا (أَنْ تُؤْمِنُوا) أي: بأن تؤمنوا (بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) من الأوطان (جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) جواب الشرط ما يدل عليه لا تتخذوا (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) مثل تلقون إليهم بالمودة، والجملة استئناف، كأنه قيل: لم لا نتخذ؟ فقيل تسرون إلى آخره، يعني توادونهم سرًّا، وأنا مطلع على سركم ومطلع عليه رسولي، فلا طائل (وَأَنَا أَعْلَمُ) منكم (بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ) أي: الاتخاذ (مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) طريق الصواب (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) يظفروا بكم ويغلبوكم (يَكُونُوا لَكمْ أَعدَاء) ولا ينفعكم إلقاء المودة (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ) كالقتل والضرب والشتم (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) تمنوا ارتدادكم ولو للتمني، يعني

стр. 2017

لا توادوهم فإنهم معكم في غاية العداوة (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ) قراباتكم (وَلَا أَوْلَادُكُمْ) الكفار (يوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار، أو لا ينفعكم إلا طاعة الله لا الأقارب والأولاد، فإنه يوم يفرق بينكم؛ بأن يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) أي فيهم خصلة من حقها أن يؤتسى بها، ويتبع (إِذْ قَالُوا) ظرف لخبر كان (لِقَوْمِهِمْ) الكفار (إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ) بدينكم ومعبودكم (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) فإنه حينئذ ينقلب العداوة والبغضاء موالاة ومحبة (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي لكم فيه خصلة من حقها الاتباع إلا هذا قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)، إلى قوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: ١١٣ - ١١٤]، (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) من تمام قوله لأبيه (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا) من تمام الأسوة الحسنة (وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

стр. 2018

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب آخر فيقولوا لو كانوا على الحق ما أصابهم ذلك فيفتنوا أو لا تسلطهم علينا فيفتنونا (وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) كرر لمزيد الحث والتأكيد ولهذا صدره بالقسم وجعل قوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) بدل بعض من لكم وعقبه بقوله: (وَمَن يَتَوَلَّ) عن الاقتداء ويتولَّ الكفار (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلا يضر الله بل لا يضر إلا نفسه. * * * (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ

стр. 2019

وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣) * * * (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ) أي مشركي مكة (مَوَدَّةً) بأن يهديهم فألف بين قلوبكم (وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لما فرط منكم من الموالاة ومنهم حين الكفر (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذِينَ) أي عن الإحسان إلى الكفرة الذين (لَمْ يُقَاتِلُوكُم فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَروهُمْ) بدل اشتمال من الذين (وتُقسِطُوا إِلَيْهِمْ) تفضوا إليهم بالعدل (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) نزلت حين جاءت أم أسماء بنت أبي بكر بهدايا فأبت أسماء أن تقبل وأن تدخل بيتها؛ لأن أمها مشركة (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا) اتفقوا وأعانوا (عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) بدل من الذين (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 2020

جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) كان النبي ﵇ يحلفهن أنهن ما خرجن إلا لحب الإسلام لا لفرار من أزواجهن ولا لعشق أحد (اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) بظهور الأمارات وسماه علما ليعلم أن الظن الغالب في مثل هذا المقام كالعلم (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لأن المسلمة لا تحل للكافر وفي العبارة تأكيد ومبالغة لا يخفى ومنه علم أنه حصلت الفرقة ولا يجوز استئناف النكاح (وَآتُوهُم) أي: أزواجهن الكفار (مَّا أَنفَقُوا) عليهن من المهر (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ) فإن الإسلام أبطل الزوجية (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) مهورهن هذا القيد ليعلم أن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام مهرهن بل لابد من إصداق، وقد تقدم أن صلح الحديبية على أن من جاءنا منكم رددناه إليكم فهذه الآية مخصصة لعهدهم نقض الله العهد بينهم في النساء خاصة، وقد كان في ابتداء الإسلام جائز أن يتزوج المشرك مؤمنة، وهذه الآية ناسخة، والأكثرون على أنها متى انقضت العدة ولم يسلم الزوج انفسخ نكاحها

стр. 2021

منه، ويحكم بالانفساخ من حين إسلامها (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) جمع عصمة أى: ما اعتصم به من عقد ونسب، والكوافر جمع كافرة، هذا التحريم من الله على المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن أيضًا ولذلك لما نزل طلق عمر ﵁ امرأتين مشركتين له بمكة (وَاسْأَلُوا) أيها المؤمنون من الكفار (مَا أَنْفَقْتُمْ) من صداق نسائكم اللاحقات بالكفار (وَلْيَسْأَلُوا) أي: المشركون (مَا أَنْفَقُوا) من صداق المهاجرات، أمر المؤمنين بأن يكون العهد بينكم كذا فتطالبوهم بصداق المرتدات ويطالبوكم بصداق المهاجرات المؤمنات (ذلكُمْ حُكْمُ اللهِ) إشارة إلى جميع ما ذكر فى الآية (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) استئناف (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ) والأمر برد الصداق إلى الكفار لأجل العهد وإلا لم يجب (وَإن فَاتَكُمْ) انفلت منكم (شيْء مَنْ أَزْوَاجِكُمْ) أحد منها أي: من كانت (إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ) جاءت نوبتكم من العقبة وهي النوبة أو أصبتم من الكفار العقبى أي: الغنيمة وعليه كلام الأكثرين والحديث يؤيده (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ) إلى الكفار (مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) مما في ذمتكم من مهر المهاجرات، أو من مال الغنيمة تزلت حين نزلت الآية المتقدمة وأبى المشركون أن يؤدوا مهر الكوافر، وحاصله: إن لم يؤدوا مهر المرتدة المنفلتة منكم فلا تؤدوا أنتم أيضًا إلى الكفار مهر المهاجرة المنفلتة منهم، حين جاءت نوبتكم، بل أعطوا زوج المرتدة منكم مثل مهرها، مما في ذمتكم من مهر المهاجرات، أو أعطوا زوجها مثل مهرها من مال الغميمة (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ

стр. 2022

الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا) عن بعض السلف أنها نزلت في يوم الفتح، وكلام الأكثرين على أنها قبل الفتح (وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) فإن وأد البنات من شكيمتهن (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) بأن تلتقط مولودًا وتقول لزوجها: هذا منك، فإن الولد إذا وضعت سقط بين يديها ورجليها (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) وهو لا يأمر إلا بالمعروف، لكن قيد به للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق، ولو فرض أنه رسول - الله ﷺ في معصية الخالق (فَبَايِعْهُنَّ) هو العامل في إذا جاءك (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) نهي عن موالاة الكافرين مطلقًا أو اليهود منهم في آخر السورة، كما نهى في أولها (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) لإنكارهم الحشر ولعلمهم بأنَّهم على الضلال فإن اليهود من المعاندين (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ) الأحياء (مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) أي: من الاجتماع مع الأموات فإنهم منكرو الحشر، أو كما يئس الكفار الذين هم أصحاب القبور من كل خير؛ لأنهم علموا شقاوتهم. اللهم لا تجعلنا في زمرتهم. * * *

стр. 2023

سورة الصف مكية وَهِي أربع عَشْرة آيةَ، وفيهَا ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) * * * (سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) قد مَرَّ مِرَارًا تفسيره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ) حذف ألف ما الاستفهامية إذا كانت مع حرف الجر أكثر من إثباتها (تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا) المقت أشد البغض منصوب

стр. 2024

بالتمييز (عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا) فاعل كبر (مَا لَا تَفْعَلُونَ) في هذا الأسلوب من الكلام ما لا يخفى من المبالغة نزلت في جماعة قالوا: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به. فأخبر الله نبيه أنه الجهاد، فلما فرض نكل عنه بعضهم، وكرهوا، أو نزلت لما التمسوا الجهاد فابتلوا به، فولوا يوم أحد مدبرين، أو في قوم قالوا: قاتَلْنا طعنّا ضرَبّنا صَبرنا، وهم كاذبون، أو في المنافقين يعدون نصر المؤمنين ولا يفون، وعلى أي ففيه وعيد شديد لمخلف الوعد والعهد (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) مصطفين (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) قد رص بعضه ببعض فليس فيه فرجة حال من ضمير صفا (وَإِذْ قَالَ مُوسَى) أي اذكر للتسلية (لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) لظهور المعجزات (فَلَمَّا زَاغُوا) صرفوا عن الحق مع علمهم (أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي: من سبق في علمه أنه فاسق (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا) منصوب بما في الرسول من معنى الإرسال أي: أرسلت في حال تصديقي وتبشيري (بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ

стр. 2025

أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَات قَالُوا هَذَا) إشارة إلى ما جاء به (سِحْرٌ مبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ) أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله حال كونه مدعوًّا بلسان نبيه إلى سعادة الدارين وهي الإسلام (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا) أصله أن يطفئوا فزيدت اللام تأكيدًا لمعنى الإرادة كما في لا أبا لك تأكيدًا لمعنى الإضافة (نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) إتمامه (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) بالقرآن والمعجزة (وَدِينِ الْحَقِّ لِيظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلهِ) ليعلي دين الحق على سائر الأديان أو رسوله على أهل الأديان (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشركُونَ) قد فسرنا الآيتين في سورة براءة. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى

стр. 2026

تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) عذاب الله مطلقًا (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) استئناف مبين للتجارة فإنَّهم قالوا: دلنا يا رب (ذَلِكُمْ) أي الإيمان والجهاد (خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) لستم جاهلين (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) جواب للأمر المذكور بلفظ الخبر للمبالغة قيل: جواب للشرط أي: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم والجنة العدن قد مرَّ (وأخْرَى) أي: ولكم نعمة أخرى (تُحِبُّونَهَا) فإن أمور العاجل محبوبة إلى النفوس (نَصْرٌ مَنَ اللهِ) بدل أو بيان (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) عاجل (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يا محمد بثواب الدارين عطف على تؤمنون؛ لأنه بمعني آمنوا فإن قوله: " يا أيها الذين آمنوا " متناول للنبي ﵇ وأمته فقد دل على تجارته وتجارتهم، أو يكون جوابًا للسؤال وزيادة، كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا، فقيل: آمنوا؛ يكن لكم كذا، وبشرهم يا محمد [بثوابه]، وقيل: عطف على محذوف، أي: قل يا أيها الذين آمنوا، وبشر أو أبشر وبشر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ

стр. 2027

لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللهِ) أي: من جندي متوجهًا إلى نصرة الله (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ) يعني كونوا أنصاره، مثل كون الحواريين أنصار الله وقت قول عيسى: من أنصاري إلى الله، فما مصدرية، وهي مع صلتها ظرف، وهو كقولهم: ما رأيت رجلاً كاليوم. أي: كرجل رأيته اليوم. حذف الموصوف مع صفته، واكتفى بالظرف عنهما، وهذا من توسعاتهم في الظروف، وقيل تقديره: قل لهم كما قال عيسى (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) بعيسى (وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) (لدنا الَّذِي) بالغلبة والاستيلاء (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) غالبين وذلك بعد رفع عيسى ببعثة محمد ﷺ ، كما قال السلف: لم يزل دين عيسى طامسًا، حتى بعث الله محمدًا، فآمن المؤمنون بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، فصاروا ظاهرين إلى آخر الأمر، فيقاتل المسيح الدجال. والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ. * * *

стр. 2028

سورة الجمعة مكية وَهِى إِحْدىَ عَشرة آية، وَفيهَا ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لله مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) * * * (يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ) العرب فإن أكثرهم لا يقرءون ولا يكتبون (رَسُولًا مِنْهُمْ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) مع أنه أمي أيضًا (وَيُزَكِّيهِمْ) من العقائد الرديَّة والأعمال

стр. 2029

القبيحة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) القرآن (وَالْحِكْمَةَ) السنة (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مبِينٍ) لأنهم مشركون وإن هي المخففة بدلالة اللام (وَآخَرِينَ مِنْهمْ) عطف على الأميين وهم من جاءوا بعد قرنه إلى يوم الدين وكل من أسلم صار منهم فإن المسلمين كلهم أمة واحدة، أو المراد أهل فارس ومنهم صفة الآخرين لأن أول وآخر لا يستعمل بمن مع أن الجمع من أفعل التفضيل مطلقًا لا يستعمل بمن (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) لم يدركوهم فإنهم بعدهم قيل: لم يلحقوا بهم في الفضل (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذلِكَ) الذي أعطاه من النبوة العظيمة وما خص به أمته (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) علموها وكلفوا العمل بها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لم يعملوا ولم ينتفعوا بها (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) كتبًا كبارًا أو يحمل إما حال والعامل معنى المثل، أو صفة؛ لأن التعريف في الحمار للجنس (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ) حذف المضاف من المخصوص، أي: مثل الذين، أو المخصوص محذوف أي مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله هو

стр. 2030

والضمير إلى مثل الذين حملوا (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لله مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قد ذكرنا في سورة البقرة وجهين في معناه (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بسبب ذنوبهم وعلمهم بها (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فيجازيهم (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) وتخافون المباهلة لأجله أو تخافون أن تتمنوه باللسان (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) لا محالة والفاء لتضمن الذي معنى الشرط والجملة خبر إن (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) السر والعلانية (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بأن يجازيكم عليه. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أذن لها عند قعود الإمام على المنبر (مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ) من بيان وتفسير لإذا وقيل: بمعنى في (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ

стр. 2031

اللهِ) أي: اهتموا في سيركم إليها كي لا يفوت منكم وليس المراد هاهنا المشي السريع ففى الصحيحين " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " (وَذَرُوا الْبَيْعَ) المعاملة فإنها حرام (ذَلِكمْ) السعي إليه (خَيْرٌ لكمْ) من المعاملة (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إن كنتم من أهل العلم (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) فرغتم منها (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) لقضاء حوائجكم (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ) رزقه وهذا أمر إباحة بعد الحظر عن بعض السلف من

стр. 2032

باع واشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا) في حال انتشاركم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) نزلت حين قدمت عير المدينة أيام الغلاء والنبي ﵇ يخطب فلما سمع الناس الطبل لقدومها انصرفوا إليها إلا اثني عشر رجلاً، قيل: تقديره إليها وإليه فحذف إليه للقرينة وقيل: أفرد التجارة لأنها المقصودة إذ المراد من اللهو طبل قدوم العير (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) في الخطة وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصلاة قبل الخطبة مثل العيد كما روى أبو داود في كتاب المراسيل (قُلْ مَا عِندَ اللهِ) من الثواب (خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) لمن توكل عليه، فلا تتركوا ذكر الله في وقته. والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 2033

سورة الْمُنَافِقُونَ مدنية وَهِيَ إِحْدى عشرة آية وَفيهَا ركوعانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) * * * (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي: عند أنفسهم، وهذا هو الكذب الشرعي اللاحق به الذم، ولذلك لا ينسبون المجتهدين إلى الكذب، وإن نسبوا إلى الخطأ، أو لأنَّ

стр. 2034

الشهادة هو ما وافق فيه اللسان والقلب وشهادة الزور كإطلاق البيع على الفاسد تجوزًا، أو لأن الشهادة يفهم منها عرفًا المواطأة، كيف لا وقد أكده بـ إن واللام (اتخذُوا أَيْمَانَهُمْ) حلفهم الكاذب (جُنَّةً) وقاية عن المضرة (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) جاز أن يكون الصد متعديًا ولازمًا (إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ) النفاق والكذب (بِأَنَّهُمْ آمنوا) بلسانهم (ثُمَّ كَفَرُوا) بقلوبهم أو ظاهرا ثم كفروا سرًّا أو حين رأوا آية (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ثم كفروا فاستحكموا في الكفر (فهُمْ لَا يَفْقَهُون) صحة الإيمان وحقيقته أو لا يفقهون أنَّهم طبع على قلوبهم ويحسبون أنَّهم على الحق (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) فإنهم أشكال حسنة (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لفصاحتهم (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) أي: تسمع لما يقولون مشبهين بأخشاب منصوبة إلى حائط في الخلو عن الفهم والنفع، فإن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو غيره من مظان الانتفاع، وما دام متروكًا أسند إلى الحائط فلا ينتفع به (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيهمْ) أي: واقعة عليهم لجبنهم فهم أجسام لا قلوب لهم، أو لأنهم على وجل من أن ينزل الله أمرًا يهتك أستارهم (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) لا تأمنهم (قَاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الهدى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) أمالوها إعراضًا ورغبة عن الاستغفار (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) يعرضون (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي: استغفارك وعدمه سواء عليهم، بأن لا يلتفتوا إليه (لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) لأن الله لا يغفر لهم لشقاوتهم (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) في الأزل وفي علم الله (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) للأنصار (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) يتفرقوا

стр. 2035

(وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بيده الأرزاق فهو الرزاق لهم لا الأنصار (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا) من المدينة (الْأَذَلَّ) جرى بين بعض المهاجرين وابن سلول جدال في غزوة بني المصطلق، فقال لعنه الله ما قال، وأراد من الأعز نفسه، ومن الأذل رسول الله ﷺ وبارك عليه، ثم قال: لا تنفقوا على المهاجرين يا جماعة الأنصار حتى ينفضوا. فلما سمع ﵇ مقالته، جاء وحلف بأنه كذبٌ وَصَلَ إليك، فنزلت " إذا جاءك المنافقون " الآية. فقيل لابن سلول: قد نزل فيك آي شداد، فاذهب إليه لعله يستغفر لك، فلوى رأسه. فقال: أمرتموني بالإيمان فآمنت، ثم بالزكاة فأعطيت، فما بقي إلا أن أسجد له (وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ
следующие страницы →