← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

اللهِ) أي: اهتموا في سيركم إليها كي لا يفوت منكم وليس المراد هاهنا المشي السريع ففى الصحيحين " إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " (وَذَرُوا الْبَيْعَ) المعاملة فإنها حرام (ذَلِكمْ) السعي إليه (خَيْرٌ لكمْ) من المعاملة (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إن كنتم من أهل العلم (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) فرغتم منها (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) لقضاء حوائجكم (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ) رزقه وهذا أمر إباحة بعد الحظر عن بعض السلف من

стр. 2032

باع واشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا) في حال انتشاركم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) نزلت حين قدمت عير المدينة أيام الغلاء والنبي ﵇ يخطب فلما سمع الناس الطبل لقدومها انصرفوا إليها إلا اثني عشر رجلاً، قيل: تقديره إليها وإليه فحذف إليه للقرينة وقيل: أفرد التجارة لأنها المقصودة إذ المراد من اللهو طبل قدوم العير (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) في الخطة وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصلاة قبل الخطبة مثل العيد كما روى أبو داود في كتاب المراسيل (قُلْ مَا عِندَ اللهِ) من الثواب (خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) لمن توكل عليه، فلا تتركوا ذكر الله في وقته. والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 2033

سورة الْمُنَافِقُونَ مدنية وَهِيَ إِحْدى عشرة آية وَفيهَا ركوعانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) * * * (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي: عند أنفسهم، وهذا هو الكذب الشرعي اللاحق به الذم، ولذلك لا ينسبون المجتهدين إلى الكذب، وإن نسبوا إلى الخطأ، أو لأنَّ

стр. 2034

الشهادة هو ما وافق فيه اللسان والقلب وشهادة الزور كإطلاق البيع على الفاسد تجوزًا، أو لأن الشهادة يفهم منها عرفًا المواطأة، كيف لا وقد أكده بـ إن واللام (اتخذُوا أَيْمَانَهُمْ) حلفهم الكاذب (جُنَّةً) وقاية عن المضرة (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) جاز أن يكون الصد متعديًا ولازمًا (إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ) النفاق والكذب (بِأَنَّهُمْ آمنوا) بلسانهم (ثُمَّ كَفَرُوا) بقلوبهم أو ظاهرا ثم كفروا سرًّا أو حين رأوا آية (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ثم كفروا فاستحكموا في الكفر (فهُمْ لَا يَفْقَهُون) صحة الإيمان وحقيقته أو لا يفقهون أنَّهم طبع على قلوبهم ويحسبون أنَّهم على الحق (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) فإنهم أشكال حسنة (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لفصاحتهم (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) أي: تسمع لما يقولون مشبهين بأخشاب منصوبة إلى حائط في الخلو عن الفهم والنفع، فإن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو غيره من مظان الانتفاع، وما دام متروكًا أسند إلى الحائط فلا ينتفع به (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيهمْ) أي: واقعة عليهم لجبنهم فهم أجسام لا قلوب لهم، أو لأنهم على وجل من أن ينزل الله أمرًا يهتك أستارهم (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) لا تأمنهم (قَاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الهدى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) أمالوها إعراضًا ورغبة عن الاستغفار (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) يعرضون (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي: استغفارك وعدمه سواء عليهم، بأن لا يلتفتوا إليه (لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) لأن الله لا يغفر لهم لشقاوتهم (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) في الأزل وفي علم الله (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) للأنصار (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) يتفرقوا

стр. 2035

(وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بيده الأرزاق فهو الرزاق لهم لا الأنصار (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا) من المدينة (الْأَذَلَّ) جرى بين بعض المهاجرين وابن سلول جدال في غزوة بني المصطلق، فقال لعنه الله ما قال، وأراد من الأعز نفسه، ومن الأذل رسول الله ﷺ وبارك عليه، ثم قال: لا تنفقوا على المهاجرين يا جماعة الأنصار حتى ينفضوا. فلما سمع ﵇ مقالته، جاء وحلف بأنه كذبٌ وَصَلَ إليك، فنزلت " إذا جاءك المنافقون " الآية. فقيل لابن سلول: قد نزل فيك آي شداد، فاذهب إليه لعله يستغفر لك، فلوى رأسه. فقال: أمرتموني بالإيمان فآمنت، ثم بالزكاة فأعطيت، فما بقي إلا أن أسجد له (وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ

стр. 2036

وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ) لا تشغلكم (أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) الصلوات الخمس وسائر العبادات والمراد نهيهم عن اللهو بها (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي الشغل بالدنيا عن الدين (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ولا تسمعوا قول المنافقين لا تنفقوا على من عند رسول الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا) هلا (أَخَّرْتَنِي) أمهلتني (إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) مدة أخرى يسيرة (فَأَصَّدَّقَ) أتصدق (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) بالتدارك وكل مفرط يندم عند الاحتضار ويسأل الإمهال، للتدارك وقراءة أكن عطف على محل (فَأَصَّدَّقَ)؛ فإن موضع الفاء مع الفعل جزم بخلاف أكون فإنه عطف على ما بعد الفاء (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فَمُجَازٍ عليه. * * *

стр. 2037

سورة التَّغَابُنِ مُختلَف فيهَا وآياتها ثماني عشرة، وفيها ركوعان * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) * * * (يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ) مقدر كفره (وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) مقدر

стр. 2038

إيمانه ومثله في الإجمال والتفصيل قوله: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية. (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فيعاملكمِ بما يناسبه (خَلَق السَّمَاواتِ وَالْأَرْص بِالْحَقِّ) بالحكمة (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ) من بين ما خلق فيهما وفيه إشارة إلى أن الغرض من خلقهما الإنسان (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) فأحسنوا السرائر (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) فلا يخفى عليه شيء من الأشياء السماوية ولا الأرضية ولا النفسية (أَلَمْ يَأتِكُمْ) أيها الكفار (نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) الأمم السالفة (فذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ) ضرر كفرهم وهو أنواع العقوبات التي حلَّت عليهم في الدنيا (وَلَهُمْ) في الآخرة (عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ) العذابان (بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا) على سبيل الإنكار: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) والبشر يطلق على الجمع أيضًا (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا) أعرضوا عن آيات الله (وَاسْتَغْنَى اللهُ) عن طاعتهم (وَاللهُ غَنِيٌّ) عن كل شيء (حَمِيدٌ) يَدُل على حمده كل مخلوق (زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لن يُبْعَثُوا قُلْ) يا محمد: (بَلَى) تبعثون (وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) بالمجازاة (وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) لقدرته الشاملة (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) القرآن (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فلا يضيع عنده عمل عامل (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ) ظرف لـ لَتُنَبَّؤُنَّ أو مقدر بـ اذكر (ليَوْمِ الْجَمْعِ) لأجل ما في يوم الجمع جمع الملائكة والثقلين (ذلِك يَوْمُ التَّغَابنِ) تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، يظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ

стр. 2039

الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) ملازموها (خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) النار. * * * (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) * * * (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) بإرادته (وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ) اللهُ (قَلْبَهُ) لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلم لقضائه ويسترجع (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَأَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) فلا عليه (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) لأن عليه التبليغ وقد بلغ (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) لأن الله هو النافع الضار وحده والمؤمنون يؤمنون بأن لا إله إلا هو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) أي: بعضهم (وَأَوْلَادِكُمْ

стр. 2040

عَدُوًّا لَكُمْ) يشغلكم عما ينفعكم (فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا) عن ذنوبهم (وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا) بإخفاء معايبهم (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فيغفر لكم ويتفضل أو فيغفر لهم ما فرط عنهم من شغلكم عن الله. نزلت حين أراد الهجرة بعض من آمن بمكة فمنعهم أهلهم وقالوا: صبرنا على إسلامكم ولا نصبر على هجركم فتركوا الهجرة حينئذ فلما أتوا المسلمين رأوهم قد فقهوا في الدين فهمُّوا عقاب أهلهم (إِنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) اختبار لكم يعني بعضهم أعداء لكن كلها اختبار يبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدود الله (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) لمن صبر على حدود الله فيهم، أو معناه ليس الأموال، ولا الأولاد إلا بلاء ومحنة، والأجر العظيم هو ما عند الله، فأغمضوا عن محبتهم، واطمعوا فيما عند الله (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعتُمْ) أي: جهدكم وطاقتكم، وعن كثير من السلف أنه لما نزلت (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢] اشتد عليهم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم،

стр. 2041

فأنزل الله قوله: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) تخفيفًا فيكون ناسخة لما في آل عمران (واسْمَعُوا) مواعظه (وَأَطِيعُوا) أوامره (وَأَنفِقُوا) في مصارف الخير (خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ) تقديره ائتوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ فهو كالفذلكة للأوامر السابقة، أو تقديره يكن خيرًا فيكن جوابًا للأوامر ومعناه أنفقوا لأنفسكم خيرًا من أموالكم (وَمَن يُوقَ) وقاه الله (شُحَّ) حرص (نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِن تُقْرِضُوا اللهَ) بصرف المال فيما أمر (قَرْضًا حَسَنًا) من مال حلال بإخلاص (يُضَاعِفْهُ لَكُمْ) أي أجره أضعافًا كثيرة (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ) يعطي الجزيل بالقليل (حلِيمٌ) فيقبل ولا يرد ويصفح ويتجاوز عن الذنوب (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ. * * *

стр. 2042

سورة الطلاق مدنية وَهِى إِحْدى عَشرة أَوِ اثنتا عَشرة آية، وفيهَا ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لله ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو

стр. 2043

سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) أي أردتم تطليقهن خصه ﵇ بالنداء، وعم الخطاب، لأنه إمام أمته، فنداؤه نداؤهم، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي: وقتها، وهو الطهر، أي: لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وعن أكثر السلف أنه الطهر الذي لم يجامعها فيه، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع في ذلك الطهر، والبدعي أن يطلقها في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه. نزلت حين طلق ﵇ حفصة فقيل له: " راجعها فإما صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة "، وطلق ابن عمر امرأته حائضًا فقال ﵇: " ليراجعها "، وقال: " إذا طهرت فليطلق أو يمسك " وقرأ الآية (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) اضبطوها ابتداءها وانتهاءها للعلم ببقاء زمن الرجعة ولغير ذلك (وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ) في ذلك (لَا تُخْرِجُوهُن مِن بُيُوتِهِنَّ) البيوت التي سكن فيها حتى تنقضي عدتهن (وَلَا يَخرُجْنَ) من بيوت كُنَ فيها عند الفراق في مدة العدة فإن خرجت أثمت (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) استثناء من الأول والفاحشة الزنا فإنها تخرج لإقامة الحد أو إلا أن تَبْذُوَ على

стр. 2044

أهل الزوج وآذتهم في الكلام والفعال لأنها كالنشوز في إسقاط الحق (وَتِلْكَ) الأحكام المذكورة (حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) فإنه عرضها للعقاب (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي الطلاق (أَمْرًا) وهو أن يقلب قلبه من الرغبة عنها فيندم يعني أمرنا بعدم إخراجها مدة العدة لأنه ربما يندم، ومن ذلك ذهب كثير من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد إلى أنه لا يجب السكنى للبائنة وكذا المتوفاة عنها، وبعض الأحاديث يدل على مذهبه صريحًا (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) قاربن انقضاء العدة (فَأَمْسِكُوهُنَّ) بالرجعة (بِمَعْرُوفٍ) بالإحسان إليها (أَوْ فَارِقُوهُنَّ) اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتقع المفارقة الكلية والبينونة (بِمَعْرُوفٍ) من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) على الرجعة والفراق وهو أمر ندب عند بعض كأشهدوا إذا تبايعتم (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ) أيها الشهود عند الحاجة (لله) خالصًا لوجهه (ذَلِكُمْ) جميع ما في الآية (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ) مفعول يوعظ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) من كل مكروه

стр. 2045

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسبُ) وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: مَنْ طَلَّق وراجع كما أمره الله، جعل اللهُ له من الكرب -سيما عند الموت- مخرجًا، ورزقه من حيث لا يرجو، وأكثر العلماء على أنها نزلت حين جاء صحابي أُسِرَ ابنه، وشكا إليه ﵇ هذا والفاقة. فقال ﵇: " اتق واصبر، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله "، ففعل الرجل إذ جاء ابنه بإبل وغنم، وعن بعض إن فيها تسلية ووصية للنساء عند الفراق، فإنهن مضطرات غالبًا للغيرة والاحتياج والعجز (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) كافيه (إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) يبلغ ما يريد لا يعجزه مطلوب فهو منفذ أمره (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) تقديرًا [وتوقيتًا] فتوكلوا عليه (وَاللَّائِي يَئِسْنَ) للكبر (مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ) إن أشكل عليكم حكمهن (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) أي: فهذا حكمهن (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) بعد كذلك وهن الصغائر

стр. 2046

(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ) مطلقة أو متوفى عنها زوجها للحديث الصحيح الصريح (أَجَلُهُنَّ) منتهى عدتهن (أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) وقد روي عن علي وابن عباس ﵄: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين، عملاً بهذه الآية والتي في سورة البقرة (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) الآية [البقرة: ٢٤٠] (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ) في أحكامه (يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) آتاه اليسر في أموره (ذَلِكَ) الإحكام (أَمْرُ اللهِ أَنزَلَه إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللًّهَ) فيه (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) بالمضاعفة (أَسْكِنُوهُنَّ) المطلقات (مِنْ حَيثُ سَكَنتُم) أي بعض مكان سكنتم (مِّن وُجْدِكُمْ) وسعكم وطاقتكم عطف بيان لقوله من حيث سكنتم كأنه قال أسكنوهن مكانًا من مسكنكم ما تطيقونه (وَلَا تُضَاروهُنَّ) في السكنى (لتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) حتى تضطروهن إلى الخروج، وعن بعض هو أن يطلقها فإذا بقي يومان يراجعها ليضيق عليها أمرها (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) عن كثير من السلف هذه من البوائن، أَنفق عليها إن كانت حاملاً حتى تضع، بدليل أن الرجعية تجب نفقتها حاملاً أو حائلاً. وقال آخرون: نص على الإنفاق على الحامل الرجعية؛ لأن السياق كله في الرجعيات؛ لأن الحمل ربما يطول مدته، فيتوهم أنه تجب النفقة بمقدار مدة عدة الحامل (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) وهن طوالق (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على الإرضاع (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ) ليأمر بعضكم بعضًا (بِمَعْرُوفٍ) بجميل في الإرضاع والأجر (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ) تضايقتم (فَسَتُرْضِعُ لَهُ) للصبي مرضعة (أُخْرَى) سوى أمه ولا تكرهوا أمه على الإرضاع (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) على مرضعة ولده (وَمَنْ قُدِرَ) ضيق (عَلَيْهِ

стр. 2047

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ) على قدر ذلك (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا) في النفقة (إِلَّا مَا آتَاهَا) قدر ما أعطاها من المال (سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) تطيب لقلب المعسر، ووعد له باليسر، لما ذكر الأحكام وأخبر عما حل بالأمم السالفة بسبب مخالفة أوامره ونواهيه فقال: * * * (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا (١١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) * * * (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) وكم من أهل قرية (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا) تمردت واستكبرت عن اتباع أمر الله (وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا) حاسبها بعملها فى الدنيا، وأثبتها في صحائف الحفظة (وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) منكرًا، وهو ما أصيبوا به من أنواع المصائب، أو المراد بالحساب والعذاب في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي لتحققه (فَذَاقَتْ) القرية (وَبَالَ أَمْرِهَا) عقوبة معاصيها (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) لا ربح فيها أصلاً (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) على التوجيه الثاني تكرير

стр. 2048

للوعيد (فَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة أمره لكي لا يصيبكم مثل ما أصابهم (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا) بدل من أُولِي الْأَلْبَابِ أو صفة أو منادى بحذف يا أيها للقرينة (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) القرآن (رَسُولًا) بدل اشتمال؛ لأنه مبلغه، وموصوف بتلاوة الآيات أو الذكر الشريف، فالبدل بدل الكل، كأنه في نفسه شرف، فالمراد من الإنزال الإرسال، إلا أن يقال: المراد من الرسول جبريل، أو تقديره أرسل رسولاً، فيكون استئنافًا (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ ليُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِِ) أي: من هو في علم الله مؤمن (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) من الضلالة إلى الهدى أو ليحصل لهم ما عليهم الآن من الإيمان والعمل الصالح (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا) وهو ما أعد للمتقين في الآخرة (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) أخبر عن عظيم سلطانه؛ ليكون باعثًا على تعظيم ما شرع (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) في العدد (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) أي أمر الله وحكمه، ففي كل أرض من

стр. 2049

أرضه، وسماء من سمائه خلق من خلقه، وقضاء من قضائه (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ) علة الخلق (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) عن ابن عباسٍ ﵄ قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها. اللهم علمنا حقائق القرآن آمين. * * *

стр. 2050

سورة التحريم مدنية وَهِي اثنتا عَشْرة آية، وفيهَا ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) من العسل، ففى الصحيحين وغيرهما، عن عائشة أنه ﵇ كان يمكث عند زينب، ويشرب عسلاً، فتواطئتُ أنا

стр. 2051

وحفصة، أنا نقول له: نجد منك ريح مغافير، فدخل على أحدهما. فقالت له ذلك، فقال: " لا بل شربت عسلاً عند زينب، ولن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا "، وكان يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، فنزلت. ومغافير: شبيه بالصمغ، لها رائحة كريهة (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) مستأنفة أو حال (وَاللهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) فلم يؤاخذك بما صدر منك (١) وقد روي أنه ﵇ أصاب أم إبراهيم في بيت حفصة فعلمت فقالت: أي رسول الله في بيني وعلى فراشي، فحرَّمها على نفسه، وقال: " واللهِ لا أطؤها، ولا تذكري ذلك لأحد "، فذكرته لعائشة، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين، ذكره كثير من السلف (قَدْ فرَضَ) شرع (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) تحليلها بالكفَّارة وهي ما ذكر في سورة المائدة (وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فلا يأمركم إلا بما هو صلاحكم (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ) منصوب بـ اذكر (إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) حفصة (حَدِيثًا) تحريم العسل أو مارية (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أخبرت حفصةُ بالحديث عائشةَ (وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) أطلع الله نبيه على إنبائها (عَرَّفَ بَعْضَهُ) أي عرف ﵇ حفصة بعض ما فعلت (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)

стр. 2052

ولم يعرفها بعضها على وجه التكرم. عن الحسن ما استقصى كريم قط، أو جازيها على بعضه بتطليقها، أو إرادة تطليقها، وتجاوز عن بعض، وعن بعض أسر إليها شيئين تحريم الأمة، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وعمر، فأخبرها ببعض ما أفشت، وهو تحريم الأمة، وأعرض عن ذكر الخلافة؛ كراهة الانتشار (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ) حفصة (مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا) أي: إني قلت لأحد (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبَا) يا حفصة وعائشة (إِلَى اللهِ) خطاب لهما من الله (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أي: إن تتوبا فقد حق لكما ذلك، فإنه قد عدلت عن الحق قلوبكما، وصدر منكما ما يوجب التوبة (وَإِنْ تَظَاهَرَا) تعاونا (عَلَيْهِ) فيما يسوءه (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) فلم يعدم هو من يظاهره من الله، وجبريل رأس الكروبيين، وصلحاء المؤمنين، فيكون جبريل عطف على محل اسم إن (وَالْمَلَائِكَةُ) أجمعون (بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) متظاهرون، جملة مستقلة معطوفة على جملة " فإن الله هو مولاه " الآية (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) عن عمر - رضى الله عنه - اجتمع - في الغيرة ﵇ نساؤه، فقلت: عسى ربه إن طلقكن، أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت هذه الآية (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) منقادات (قَانِتَاتٍ) مواظبات على الطاعات (تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ) قيل معناه: متذللات لأمر الرسول ﵇ (سَائِحَاتٍ) صائمات، وفي الحديث: " سياحة هذه الأمة

стр. 2053

الصيام ". أو مهاجرات (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) وسط العاطف بينهما لتنافيهما (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ) بترك المعاصي (وَأَهْلِيكُمْ) بالنصح والتأديب (نارًا وَقودُهَا) ما يوقد بها (النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) حجارة من كبريت؛ فإنها أشد وأنتن، أو حجارة الأصنام (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ) هي خزنة النار (غِلَاظٌ شِدَادٌ) ليس في قلوبهم مثقال ذرة من الرحمة والشفقة، ومنظرهم مزعج (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ) فيما مضى، وما أمرهم بدل من لفظ الله (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فيما يستقبل، أو لا يمتنعون ويفعلون، فإن عدم الامتناع لا يدل على الفعل، فإنه ربما لا يقدر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي يقال لهم ذلك (لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في الدنيا. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ

стр. 2054

الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) وصفت التوبة بالنصح بالمجاز وهو فى الحقيقة صفة التائب، فإنه ينصح نفسه بالتوبة، أو معناه خالصة، يقال: ناصح، أي خالص من الشمع، أو توبة تنصح، وتخيط ما خرق الذنب، وهي ترك الذنب، والعزم على عدم العود والندم، ثم إن كان الحق لآدمي رده. وعن الحسن هو أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته، وعن بعض المحققين أن عدم المؤاخذة بالذنب الذي تاب منه إذا لم يعد إليه فإذا عاد إليه فقد يؤاخذ به وفي الحديث الصحيح: " من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء فيه أخذ بالأول والآخر " (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فيه إشعار بأن العبد ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء، وأنه تفضل لا يجب عليه شيء (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ) ظرف ليدخلكم (وَالَّذِينَ آمَنُوا

стр. 2055

مَعَهُ) عطف على النبي، أو مبتدأ خبره قوله: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) على الصراط، يقولون حين يرون أن نور المنافقين قد طفئ (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف (وَالْمُنَافِقِينَ) بالحجة وإقامة الحدود (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ) أي جعل امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لهم، أو مثل لهم مثلاً مثل امرأة نوح في أن قرابة أحد وإن كان نبيًّا لا ينفع مع الكفر، قيل: هذا تخويف لعائشة وحفصة (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) بإظهار الإيمان مع إسرار الكفر لا بالفاحشة (فَلَمْ يُغْنِيَا) النبيَّان (عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا) من الإغناء (وَقِيلَ) لهما يوم القيامة (ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) مع سائر الكفرة (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) في أن وصلة الكافر أي كافر كان لا تضر مع

стр. 2056

الإيمان (إِذْ قَالَتْ) بدل من امرأة فرعون (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ) من نفسه (وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) نقل أنه لما تبين لفرعون إسلامها أوتد لها فشد يديها ورجليها. فقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا، فأبصرت بيتها في الجنة فضحكت فقال: ألا تعجبون من جنونها، فقبض الله روحها ﵂ (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) عطف على امرأة فرعون (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) صانته (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) أي بواسطة جبريل كما مر في سورة الأنبياء (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) بما أوحى الله إلى الأنبياء (وَكُتُبِهِ) جنس الكتب المنزلة (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) من الرهط المطيعين لله؛ لأن عشيرتها أهل صلاح، أو من عداد المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب، وفيه إشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين. والحمد لله والمنة. * * *

стр. 2057

سورة الملك مكية وهى ثلاثون آية وفيها ركوعان * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) * * *

стр. 2058

(تَبَارَكَ): تعظم، (الَّذِى بِيَدِه المُلْكُ): التصرف في الأمور كلها، (وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ)، اختلف العلماء هل الموت صفة وجودية مضادة للحياة كما دل عليه الآية أو هو عدم الحياة فمن قال بالثاني ذكر في تفسيرها قدَّرهما أو أوجد الحياة وأزالها، وعن بعض المراد أوجد الخلق من العدم، فسمى العدم موتًا كما قال تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) [البقرة: ٢٨] (لِيَبْلوَكُمْ): ليعاملكم معاملة المختبر، (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا): أخلصه وأصوبه، والجملة واقعة موقع ثاني مفعولي البلوى المتضمن معنى العلم، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): مطابقة بعضها فوق بعض، فهو إما مفعول ثان، أو صفة السماوات، (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت): اختلاف وعدم تناسب، والجملة إما صفة، أو حال أي: ما ترى فيها، فوضع الظاهر موضع المضمر تعظيمًا لخلقهن، (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ): في معنى التسبيب أي: قد نظرت إليها مرة فانظر إليها أخرى نظر تأمل هل ترى فيها من خلل؟ والفطور الشقوق، (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ): رجعتين أخريين، وهو كَـ لبَّيْكَ في أن المراد منه التكثير والتكرير، وفعل مثل هذا المفعول المطلق واجب الحذف إذا كان المصدر

стр. 2059

مضافًا نحو: سعديك ولبيك، (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا): بعيدًا عن إصابة ما يهوى، (وَهُوَ حَسِيرٌ): كليل لطول التردد، وكثرة المراجعة، (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) أي: زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم، (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ): ولها فائدة أخرى، وهي رجم الشياطين المسترقة للسمع، وكونها مراجم أن الشهب منقضة من نار الكواكب، (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ): في الآخرة، (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): حهنم، (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا): طرحوا في جهنم، (سَمِعُوا لَهَا): لجهنم ولأهلها لقوله: (لهم فيها زفير) [الأنبيا: ١٠٠] (شَهِيقًا)، هو أول نهيق الحمار، وهو أقبح الأصوات، (وَهِى تَفُورُ): تغلي، (تَكَادُ

стр. 2060

تَمَيَّزُ): تنقطع، (مِنَ الغَيْظِ): على الكفار، (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ): جماعة، (سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا): سؤال توبيخ، (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ): ينذركم من عذاب الله؟ (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) أي: كذبنا وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال رأسا، (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ): من تتمة كلامهم للرسل على أن المعنى قال الأفواج: قد جاء إلى كل فوج منا رسول فكذبناهم، وقلنا: ما أنتم إلا في ضلال عظيم، أو الخطاب له، ولأمثاله على التغليب، (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ): كلام الرسل، (أَوْ نَعْقِلُ): الدلائل، (مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ): في عدادهم، (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ): حين لا ينفعهم، (فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) أي: فبعدًا لهم مفعول مطلق وجب حذف فعله، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ): غائبين عن أعين الناس أو عن الله أو يخشون عذابه غائبًا عنهم، (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): يستوي عنده السر والجهر لأنه عليم بضمائر الصدور قبل التكلم، فيكف لا يعلم ما تكلم به؟! (أَلاَ يعْلَمُ): قول السر، والجهر، (مَنْ خَلَقَ): الأشياء، (وَهُوَ

стр. 2061

اللَّطِيفُ الخَبِيرُ): المتوصل علمه إلى ما ظهر وما بطن أو ألا يعلم الله مخلوقه؟ فإن كل شيء من خلق الله. * * * (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠) * * *

стр. 2062

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا): لينة لكي تسيروا فيها، وتزرعوا، (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا): جوانبها، أو جبالها، (وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ): من رزق الله الذي فيها من الحبوب، والثمار، أو وطرقها معناه: فسافروا فيها حيث شئتم، واطلبوا من نعم الله بالتجارة وغيرها، (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ): المرجع فكونوا على حذر في العمل، (أَأَمِنْتُمْ مَنْ

стр. 2063

فِي السَّمَاءِ): ملكوته وسلطانه، (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ): فيغيبكم فيها كما

стр. 2064

فعل بقارون، بدل اشتمال مِنْ مَنْ، والباء للتعدية؛ لأن الخسوف لازم، (فَإِذَا هِيَ تَمُورُ): تضطرب، أي: يحركها عند الخسف حتى يلقيهم إلى أسفل، والأرض تعلو عليهم، (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا): ريحًا ذات حجارة (فَسَتَعْلَمُونَ): عند معاينة العذاب، (كَيْفَ نَذِيرِ): كيف إنذاري، ولا ينفعكم العلم، (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ): إنكاري عليهم بالعذاب، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ): باسطات أجنحتهن، وفوقهم ظرف لـ صافات، أو حال، وصافات حال من ضميره، (وَيَقْبِضْنَ): أجنحتها بعد

стр. 2065

البسط وقتًا بعد وقت وعدل إلى صيغة الفعل ليعلم أن القبض طارئ غير أصيل، (مَا يُمْسِكُهُنَّ): في الجو أن يسقطن، (إِلا الرَّحْمَنُ): برحمته الواسعة، (إِنَّهُ بِكُلِّ شيْءٍ بَصِيرٌ): فمن أراد حفظه يحفظه، (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ)، أم متصلة لئلا يلزم استفهامين معادلة للقرائن التي قبلها أي: أمنتم من عذاب الله؟ ألم تعلموا أن الحافظ هو الله؟ أم لكم جند ينصركم من دون الله؟ إن أراد بكم خسفًا وإرسال حاصب، أم لكم رازق يرزقكم إن أمسك الله رزقه عنكم؟ وجاء بصورة الاستفهام إشعارًا بأنَّهم اعتقدوا أن لهم ناصرًا، ورازقًا غير الله فيسأل عن تعيينه، فهذا خبر من، والذي مع صلته صفته أو بدله، وينصركم صفة جند، وإتيان اسم الإشارة للحقارة، (بَلْ لَجُّوا): تمادوا، (فِي عُتُوٍّ): عناد، (وَنُفُورٍ): تباعد عن الحق، (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ): يقال: كببته، فأكب أي: صار ذا كب نحو: قشع الله السحاب، فأقشع أي: صار ذا قشع أي: يعثر كل ساعة، ويخر لعدم علمه بالطريق الوعر، (أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا): قائمًا لا عثور له، (عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ): مستو غير منحرف، وهذا تمثيل الكافر والمؤمن بالسالكين، مع أنَّهم في الآخرة كذلك، فالمؤمن يمشي على الصراط قائمًا إلى الجنة، والكافر يمشي على وجهه إلى نار جهنم، وقد صح أنه قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟! قال: " الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم "، (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ): تشكرون شكرًا قليلاً لهذه

стр. 2066

النعم، (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ): بثكم، ونشركم، (فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): للجزاء، (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) أي: الحشر، (إِن كُنتُمْ): أيها النبي، والمؤمنون، (صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ): علم وقت الحشر، (عِنْدَ اللهِِ): لا يعلمه إلا هو، (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ): منذر، (مُبِينٌ): ولا يحتاج الإنذار إلى تعيين وقت البلاء، (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي: الوعد، فإنه بمعنى الموعود، (زُلْفَةً): أي: ذا زلفة، يعني لما قامت القيامة ورأو أنها كانت قريبة، (سِيئَتْ): قبحت، (وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا): بأن علتها الكآبة، (وَقِيلَ): لهم تقريعًا، (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ): من الدُّعاء أي: تطلبون وتستعجلون به، (قُلْ): يا محمد، (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ): من المؤمنين، (أَوْ رَحِمَنَا): فأخر آجالنا، (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ): فإنه واقع بهم لا محالة مِتْنا أو بقينا، وهذا كأنه جواب لقولهم نتربص به ريب المنون أو معناه أخبروني: إنا مع إيماننا نخاف عذابه ونرجو رحمته، فأنتم ما تصنعون مع كفركم؟! (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا): لعلمنا بأن غيره لا يتأتى منه النفع والضر، (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ): منا ومنكم، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا): غائرًا في قعر الأرض، (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ): ظاهر تناله الأيدي، والدلاء عن رسول الله ﷺ " إن سورة في القرآن

стр. 2067

ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك " وعنه ﵊ " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي ". والحمد لله الذي هدانا لهذا. * * *

стр. 2068

سورة ن مكية وهى ثنتان وخمسونَ آية وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) * * *

стр. 2069

(ن)، عن بعضٍ: المراد منه الحوت الذي هو حامل الأرضين السبع (١)، أو الدواة، وقد نقل إن أول شيء خلق القلم، ثم النون أي: الدواة، فقال له: اكتب ما يكون من عمل، أو رزق إلى يوم القيامة، أو لوح من نور، وفيه حديث مرسل وعلى الوجوه يكون قسمًا بحذف حرفه، (وَالْقَلَمِ): الذي خط اللوح المحفوظ، أو جنس القلم كقوله تعالى (الذي علم بالقلم) [العلق: ٤]، (وَمَا يَسْطُرُون) أي: الملائكة من أعمال العباد وأحوالهم أو الأقلام أسنده إلى الآلة، وجعلها بمنزلة أولي العلم، (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)، جواب القسم أي: ما أنت بمجنون متلبسًا بنعمة ربك حال عن المستكن فى الخبر، وقيل: متعلق بمعنى النفي أي: انتفى منك بسبب نعمته الجنون، لا كما يقول الكفرة، (وَإنَّ لَكَ لأَجْرًا): على الإبلاغ وألصبر، (غَيْرَ مَمْنُونٍ): مقطوع، (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ): لأنك تحتمل من الأذى ما لا يحتمل غيرك، (فَسَتُبْصِرُ): يا محمد، (وَيُبْصِرُون): المشركون الذين رموك بالجنون، (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، الجنون مصدر، كالمجلود والمعقول، أو الباء زائدة، أو بمعنى: في أي: في أي

стр. 2070

الفريقين من فريقك، وفريقهم المجنون، أو المفتون: الشيطان، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ): فلا عقل لهم أصلاً، وهو المجنون حقيقة، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ): الفائزين بالعقل الكامل، (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ): صمم على معاداتهم، (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ)، من المداهنة أي: تلاينهم، (فَيُدْهِنُونَ): فيلاينونك مثل أن تعظم دينهم وآلهتهم، فيعظمون دينك وإلهك، والفاء للسببية، أي: فهم يدهنون حينئذ أو للعطف، أي: ودوا مداهنتك فمداهنتهم، (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ): كثير الحلف، (مَهِينٍ): حقير القلب والرأي، (هَمَّازٍ): مغتاب عياب، (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ): نقال للكلام سعاية وإفسادًا، (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): يمنع نفسه عن الخير، أو الناس عنه، (مُعْتَدٍ): متجاوز عن الحد، (أَثِيمٍ): كثير الآثام، (عُتُلٍّ): غليظ جاف، وفي الحديث " هو الشديد الخلق الصحيح الجسم الأكول الشروب الواجد للطعامِ والشراب، الظلوم للناس رحيب الجوف "، (بَعْدَ ذَلِكَ): بعدما عد من النقائص، (زَنِيمٍ): دَعِيّ
следующие страницы →