← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

النعم، (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ): بثكم، ونشركم، (فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): للجزاء، (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) أي: الحشر، (إِن كُنتُمْ): أيها النبي، والمؤمنون، (صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ): علم وقت الحشر، (عِنْدَ اللهِِ): لا يعلمه إلا هو، (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ): منذر، (مُبِينٌ): ولا يحتاج الإنذار إلى تعيين وقت البلاء، (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي: الوعد، فإنه بمعنى الموعود، (زُلْفَةً): أي: ذا زلفة، يعني لما قامت القيامة ورأو أنها كانت قريبة، (سِيئَتْ): قبحت، (وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا): بأن علتها الكآبة، (وَقِيلَ): لهم تقريعًا، (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ): من الدُّعاء أي: تطلبون وتستعجلون به، (قُلْ): يا محمد، (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ): من المؤمنين، (أَوْ رَحِمَنَا): فأخر آجالنا، (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ): فإنه واقع بهم لا محالة مِتْنا أو بقينا، وهذا كأنه جواب لقولهم نتربص به ريب المنون أو معناه أخبروني: إنا مع إيماننا نخاف عذابه ونرجو رحمته، فأنتم ما تصنعون مع كفركم؟! (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا): لعلمنا بأن غيره لا يتأتى منه النفع والضر، (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ): منا ومنكم، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا): غائرًا في قعر الأرض، (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ): ظاهر تناله الأيدي، والدلاء عن رسول الله ﷺ " إن سورة في القرآن

стр. 2067

ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك " وعنه ﵊ " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي ". والحمد لله الذي هدانا لهذا. * * *

стр. 2068

سورة ن مكية وهى ثنتان وخمسونَ آية وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) * * *

стр. 2069

(ن)، عن بعضٍ: المراد منه الحوت الذي هو حامل الأرضين السبع (١)، أو الدواة، وقد نقل إن أول شيء خلق القلم، ثم النون أي: الدواة، فقال له: اكتب ما يكون من عمل، أو رزق إلى يوم القيامة، أو لوح من نور، وفيه حديث مرسل وعلى الوجوه يكون قسمًا بحذف حرفه، (وَالْقَلَمِ): الذي خط اللوح المحفوظ، أو جنس القلم كقوله تعالى (الذي علم بالقلم) [العلق: ٤]، (وَمَا يَسْطُرُون) أي: الملائكة من أعمال العباد وأحوالهم أو الأقلام أسنده إلى الآلة، وجعلها بمنزلة أولي العلم، (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)، جواب القسم أي: ما أنت بمجنون متلبسًا بنعمة ربك حال عن المستكن فى الخبر، وقيل: متعلق بمعنى النفي أي: انتفى منك بسبب نعمته الجنون، لا كما يقول الكفرة، (وَإنَّ لَكَ لأَجْرًا): على الإبلاغ وألصبر، (غَيْرَ مَمْنُونٍ): مقطوع، (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ): لأنك تحتمل من الأذى ما لا يحتمل غيرك، (فَسَتُبْصِرُ): يا محمد، (وَيُبْصِرُون): المشركون الذين رموك بالجنون، (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، الجنون مصدر، كالمجلود والمعقول، أو الباء زائدة، أو بمعنى: في أي: في أي

стр. 2070

الفريقين من فريقك، وفريقهم المجنون، أو المفتون: الشيطان، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ): فلا عقل لهم أصلاً، وهو المجنون حقيقة، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ): الفائزين بالعقل الكامل، (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ): صمم على معاداتهم، (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ)، من المداهنة أي: تلاينهم، (فَيُدْهِنُونَ): فيلاينونك مثل أن تعظم دينهم وآلهتهم، فيعظمون دينك وإلهك، والفاء للسببية، أي: فهم يدهنون حينئذ أو للعطف، أي: ودوا مداهنتك فمداهنتهم، (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ): كثير الحلف، (مَهِينٍ): حقير القلب والرأي، (هَمَّازٍ): مغتاب عياب، (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ): نقال للكلام سعاية وإفسادًا، (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): يمنع نفسه عن الخير، أو الناس عنه، (مُعْتَدٍ): متجاوز عن الحد، (أَثِيمٍ): كثير الآثام، (عُتُلٍّ): غليظ جاف، وفي الحديث " هو الشديد الخلق الصحيح الجسم الأكول الشروب الواجد للطعامِ والشراب، الظلوم للناس رحيب الجوف "، (بَعْدَ ذَلِكَ): بعدما عد من النقائص، (زَنِيمٍ): دَعِيّ

стр. 2071

منسوب إلى قوم ليس منهم، قيل: هو [الوليد بن المغيرة]، وكان ولد الزنا، أو من له زنمة، وهي قطعة من جلد تعلق في حلق الشاة يعني: يعرف بالشر كما يعرف الشاة بزنمتها، (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي: كذب آيتنا، لأن كان ذا مال وبنين يعني يجعل مجازاة نعمنا الكفر بآيتنا، فهو متعلق بما يدل عليه قوله " قال أساطير الأولين " لا بقال؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، أو متعلق بلا تطع أي: لا تطعه لماله، وبنيه مع تلك المعايب، (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ): سنجعل على أنفه علامة، ووقعت يوم بدر، وفي لفظ الخرطوم استخفاف، فإنه لا يكاد يستعمل إلا في أنف الخنزير والفيل، أو سنلحق به شيئًا ظاهرًا لا يفارقه، ونذله غاية الإذلال، فإن صاحب المال والبنين متكبر غالبًا، أو نسود وجهه يوم القيامة، أو سنبين أمره بيانًا ظاهرًا كما يظهر السمة على الخراطيم، (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ): أهل مكة بالقحط (كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ): كما امتحنا أصحاب بستان باليمن كان لرجل يتصدق منها على الفقراء فلما مات قال أبناؤه: كان أبونا أحمق إذ كان يصرف منها شيئًا كثيرًا على الفقراء، (إِذْ أَقْسَمُوا): فحلفوا، (لَيَصْرِمُنَّهَا): ليقطعن ثمرها، (مُصْبِحِينَ): داخلين في الصبح خفية عن المساكين، (وَلَا يَسْتَثْنُونَ): لا يقولون إن شاء اللًه قيل: لا يستثنون حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم، (فَطَافَ عَلَيْهَا): على الجنة، (طَائِفٌ): بلاءٌ طائف، (مِنْ رَبِّكَ): نزلت نار فأحرقتها، (وَهُمْ نَائِمُون): في بيوتهم، (فَأَصْبَحَتْ): الجنة، (كَالصَّرِيمِ): كالليل الأسود المظلم أو كالزرع الذي حصد يابسًا، (فَتَنَادَوْا) أي: نادى بعضهم بعضًا، (مُصْبِحِينَ): داخلين في الصباح،

стр. 2072

(أَنِ اغْدُوا): بأن أقبلوا غدوة، (عَلَى حَرْثِكُمْ)، فتعديته بعلى لتضمين معنى الإقبال، (إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ): قاطعين الثمر، (فَانطَلَقُوا): ذهبوا، (وَهُمْ يَتَخَافتونَ): يتسارون فيما بينهم، (أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)، أن مفسرة بمعنى أي، والنهي عن تمكين المسكين من الدخول أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل، (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ): على جد وجهد، أو على منع المساكين، أو الحرد اسم لبستانهم أو على غيظ وغضب، والحرد في اللغة القصد والمنع والغضب، (قَادِرِينَ): عند أنفسهم على ثمارها أو على حرد متعلق بـ قادرين أي: غدوا قادرين على نكد، وحرمان لا على انتفاع، فإنه ما حصل لهم إلا الحرمان يقال: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الإبل إذا منعت درها، (فَلَمَّا رَأَوْهَا): الجنة مسودة، (قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ): طريق جنتنا ليست هذه بجنتنا، (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ): يعني لما تأملوا وعلموا أنها هي رجعوا عما كانوا، وقالوا: بل نحن حرمنا لفعها، (قَالَ أَوْسَطُهمْ): أعقلهم وخيرهم، (أَلَمْ أَقُل لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ): هلا تسبحونه، وتشكرونه على ما أعطاكم، (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ): سبحوا واعترفوا بذنبهم، حيث لا ينفع فيما مضى، وعن بعض معناه: هلا تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحًا؛ لأنه تعظيم الله، وإقرار بأن له القدرة فنزهه عن العجز، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْص يَتَلاوَمُونَ): يلوم بعضهم بعضًا، (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا

стр. 2073

كُنَّا طَاغِينَ): متجاوزين الحد، (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا): في الدنيا، أو في الآخرة، (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ): راجون الخير، وقبول التوبة، (كَذَلِكَ الْعَذَابُ): هكذا عذاب من بدل نعمة الله كفرًا، أو كفرانًا، (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ): منه وأشق، (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ): لاحترزوا عن موجب العذاب أو لو كانوا من أهل العلم لعلموا أن عذاب الآخرة أشد. * * * (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)

стр. 2074

لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) * * * (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ): عند حال من قوله: (جَنَّاتِ النَّعِيمِ): لا تنغيص فيها أصلاً، نزلت حين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا لم يفضلونا، ولم يزيدوا علينا، (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)، أنكر الله ما يدعون، وأبطله، ثم قال لهم - على طريق الالتفات: (مَا لَكُمْ) أي شيء لكم؟ (كَيْفَ تَحْكُمُونَ): هذا الحكم الأعوج أتحكمون من عند أنفسكم ورأيكم؟! (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ): من الله، (فِيهِ تَدْرُسُون): تقرءون، (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ): هذا كما تقول: علمت أن في الدار لزيد، أو حاصله: هل لكم من الله كتاب تقرءون فيه أن ما تشتهونه وتختارونه لكم؟! والجملة حكاية للمدروس قيل ضمير فيه الثانية جاز رجعها إلى عند ربهم، (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا): عهود

стр. 2075

مؤكدة بالأيمان، (بَالِغَةٌ): متناهية في التوكيد، (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، متعلق إما بـ بالغة، أو بمتعلق لكم، (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)، جواب القسم، فإن حاصله أم أقسمنا لكم، (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ) أي: الحكم، (زَعِيمٌ): قائم يدعيه، ويصححه، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ): في هذا القول من البشر؟! (فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ): في دعواهم يعني: إن هذا الدعوى مهمل لا يشاركهم أحد، أو معناه أم لهم آلهة غير الله تصحح لهم ما يدعون، وتثبت فليأتوا بها حتى تصحح، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، مقدر بـ اذكر، أو متعلق بـ " فليأتوا "، أي: يوم يشتد الأمر، وكشف الساق مثل في ذلك، أو يوم يكشف عن حقائق الأمور وخفياتها، وفي الصحيحين سمعت النبي ﷺ " يوم يكشف ربُّنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة "، وقد نقل عنه - عليه

стр. 2076

الصلاة والسلام - " يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ نور عظيم يخرون له سجدًّا "، (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أي: الكافرون والمنافقون، فإن المؤمنين يسجدون بلا دعاء، (فَلاَ يَسْتَطِيعُون): السجود، لأنه صار ظهرهم طبقًا واحدًا بلا مفاصل كلما أرادوا السجود خروا لقفاهم عكس السجود، (خَاشِعَةً)، حال من فاعل يدعون، أو لا يستطيعون، (أَبْصَارُهُمْ): لا يرفعونها لدهشتهم، (تَرْهَقُهُمْ): تلحقهم، (ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ): في الدنيا، (وَهُمْ سَالِمُونَ): أصحاء، فلا يسجدون لله عن كعب الأحبار، والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات، (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ): كله إلى فإني عالم بما يستحق لا تشغل قلبك بهم، (سَنَسْنتَدْرِجُهُم): سنقربهم من العذاب درجة درجة بالإمهال، وإكمال الصحة، والنعمة، (مِّنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُون): إنه استدراج، وهو إنعامنا عليهم بالمال، وطول العمر، والصحة، فلم يشكروا، وحسبوا أنهم أحباء الله، والثروة قد تكون نعمة، وقد تكون نقمة، والعلامة الشكر، (وَأُمْلِي لَهُمْ): أمهلهم، (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ): لا يدفع بشيء سمى الاستدراج كيدًا؛ لأنه في صورة الكيد، (أَمْ تَسْألهُمْ): يا محمد (أَجْرًا): على الهداية، (فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ): غرامة، (مُّثْقلُون): بحملها، فلذا يعرضون عنك، وأم منفصلة، والهمزة للإنكار، (أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ): علم الغيب، (فهُمْ يَكْتُبُونَ): فلا يحتاجون إليك وإلى علمك، (فاصْبِرْ لِحُكْمِ ربِّكَ): بإمهالهم، (وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ): يونس ﵇ في العجلة والضجر كما مرَّ في

стр. 2077

سورة الأنبياء، (إِذْ نَادَى): في بطن الحوت، (وَهُوَ مَكْظُومٌ): مغموم، (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ): بقبول توبته (لَنُبِذَ): لطرح، (بِالْعَرَاءِ): بالفضاء من بطن الحوت، (وَهُوَ مَذْمُومٌ)، حال كونه مجرمًا (١) ملومًا يعني لما تداركه برحمته نبذه على حال غير حال الذم، واللوم (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ): اصطفاه، (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ): من الأنبياء، (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، إن مخففة، (لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ) أي: ينظرون إليك بنظر البغضاء، ويكادون يزلقون به قدمك ويزلونها كما تقول: نظر إليَّ نظرًا يكاد يأكلني، (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ): القرآن، فإنهم لم يملكوا أنفسهم حسدًا حينئذ، وعن بعض: إن فيهم العين فأرادوا أن يصيبوه بالعين، فعصمه الله، ونزلت، فمعناه يكادون يصيبونك بالعين لكن قوله، (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ): لمجيئه بالقرآن، (لَمَجْنُونٌ): يناسب الوجه الأول، لأن شأن العَيَّانين المدح لا الذم، (وَمَا هُوَ) أي: القرآن، (إِلا ذِكْرٌ): عظة، (للْعَالَمِينَ) فكيف يمكن نسبة من جاء بمثله إلى الجنون. والحمد لله على الهداية والدراية. * * *

стр. 2078

سورة الْحَاقَّة مكية وهى اثنتان وخمسون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي

стр. 2079

سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) * * * (الْحَاقَّةُ)، سميت القيامة بها؛ لأنها واجبة الوقوع من حق يحق بالكسر أي: الساعة الواجبة، أو التي فيها حواق الأمور أي: ثوابتها كالحساب والعقاب، فيكون من باب تسمية الشيء باسم ما يلابسه أي: ذو الحاقة، (مَا الحَاقَّةُ)، استفهام لتفخيم شأنها، وهذه الجملة خبر للحاقة، أي: أي شيء هي؟ كقولك: زيد ما زيد؟ بوضع الظاهر موضع المضمر، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ): وأى شيء أعلمك ما هي؟ يعني لا علم لك بكنهها لعظمها، فما مبتدأ، وأدراك خبر، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ) أي: بها وسماها قارعة لقرعها القلوب بالمخافة، (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) أي: بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، وهي الصيحة، وعن بعض بسبب طغيانهم، فتكون مصدرا كالعافية " كذبت ثمود بطغواها " [الشمس: ١١] (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ): شديدة البرد، (عَاتِيَةٍ)، أصل العتو مجاوزة الحد أي: عتت على خزانها، فخرجت بغير حساب، أو عتت على عاد، فلم يقدروا ردها، (سَخَّرَهَا): سلطها، (عَلَيْهِمْ)، استئناف، أو صفة، (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا): متتابعات أو

стр. 2080

نحسات، أو قاطعات جمع حاسم صفة لسبع ليال، (فَتَرَى الْقَوْمَ) أي: لو كنت حاضرًا، أو استحضار لصورهم كأنه يراهم، (فِيهَا): في تلك الأيام، (صَرْعَى): موتى جمع صريع حال، (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ): أصول، (نَخْلٍ خَاوِيَةٍ): خالية الأجواف، أو ساقطة، (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ): من بقية أو نفس باقية، ولا يبعد أن يراد منها، هل ترى باقية من العذاب لهم؟ يعني: قد وصل العذاب غايته، (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ): من الأمم الكافرة، وقراءة كسر القاف، وفتح الباء، فمعناه من عنده من أتباعه، (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ): قرى قؤم لوط أي: أبها، (بِالْخَاطِئَةِ): بالخطيئة، (فَعَصَوْا) أي: كل منهم، (رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً): زائدة في الشدة، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أي: تجاوز عن الحد زمن نوح، (حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ): في السفينة، فكل من بقي من البشر من أصلاب مَن في السفينة، (لِنَجْعَلَهَا) أي: تلك الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين، (لَكُمْ تَذْكِرَةً): عبرة وعظة، (وَتَعِيَهَا): تحفظها، (أذُنٌ وَاعِيَةٌ) أي: من شأنها أن تحفظ ما سمعت به، ولا تضيعه بترك التفكر والعمل به، وفي الحديث " لما نزلت سألت الله أن يجعلها أذن عليٍّ " فكان

стр. 2081

على يقول: ما سمعت شيئًا من رسول الله ﷺ فنسيته، (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ): لا تثني في وقتها، والمراد النفخة الأولى لما ذكر حال المكذبين رجع إلى شرح أهوال القيامة، (وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ): رفعت عن أماكنها، (فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً): ضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة واحدة، فيصير الكل هباء منثورًا، أو بسطتا فصارتا أرضًا لا عوج لها يقال: أرض دكاء، أي مستوية متسعة، (فَيَوْمَئِذٍ): حينئذ، (وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ): قامت القيامة، (وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ): من المجرة، هكذا روي عن علي ﵁ (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ): ضعيفة ساقطة القوة، (وَالْمَلَكُ)، المراد منه الجنس، (عَلَى أَرْجَائِهَا): جوانبها جمع رجا بالقصر يعني أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فيأوون إلى ما حولها من حافاتها، (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ): فوق رءوس الثمانية، (يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ): من الملائكة بعد ما بين شحمة أذن ملك منها وعنقه

стр. 2082

بخفق الطير سبعمائة عام، وعن بعض ثمانية صفوف، وعن بعض المفسرين: المراد بالعرش عرش يوضع يوم القيامة في الأرض لفصل القضاء لا العرش العظيم، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ): على الله لإفشاء الأحوال، وإظهار العدل، (لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ): سريرة كانت تخفى فى الدنيا، ولما كان اليوم يطلق على زمان ممتد يقع فيه النفختان، وأهوال القيامة مطلقًا صح أن يقال فيه العرض، والحساب، وفي الحديث " يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان، فجدال، ومعاذير وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وأخذ بشماله " (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ): تبجحًا، (هَاؤُمُ)، اسم فعل للجمع أي: خذوا، (اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)، منصوب بالفعل الثاني عند البصريين، والهاء للسكت تثبت في الوقف، وتسقط في الوصل، (إِنِّي ظَنَنْتُ): علمت، (أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) أي: أيقنت أني أحاسب، (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، جعل الرضا للعيش مجازًا، وهو لصاحبها أو هو كـ لابنٍ وتامرٍ أي: منسوبة إلى الرضا، (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ): رفيعة هي، وقصورها أيضًا، (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ): ثمارها قريبة يتناولها الراقد، (كُلوا وَاشْربوا)، بإضمار القول، (هَنِيئًا)، صفة مصدر محذوف، (بِمَا أَسْلَفْتُمْ) أي: بسبب ما قدمتموه من الخيرات، (فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ): الماضية في الدنيا، وقد روي عن ابن

стр. 2083

عباسٍ ﵄ إن هذا في الصائمين خاصة أي بدل ما أمسكتم في الأيام الجائعة، (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ): تحسرًا، (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا): الموتة التي متُّها، (كَانَتِ الْقَاضِيَةَ): القاطعة لأمري، فلم أبعث، أو يا ليت تلك الحالة التي أنا فيها كانت الموتة، فإنها أسهل، (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ): ما حصل لي من المال وغيره، ومفعول أغنى محذوف، أو ما على تقدير أن يكون استفهامية إنكارية، (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ): ضل عني حجتي، أو زال عني ملكي وقوتي، (خُذُوهُ): لما أمر الله بذلك ابتدره سبعون ألف ملك، وروي " لا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك، فيقول: إن الرب عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ): لا تدخلوه إلا الجحيم، (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ

стр. 2084

ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا) أي: طويلة، وفي الحديث ما يدل على أنها أطول من مسافة بين السماء والأرض، (فَاسْلُكُوهُ): أدخلوه فيها، وعن ابن عباس ﵄ يدخل في استه، ثم يخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوي، (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ)، استئناف للتعديل، (وَلَا يَحُضُّ): لا يرغب، (عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): على إطعامه، وفيه إشعار بأن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل، وبأن أشنع الذمائم البخل، وكان أبو الدرداء يحض امرأته على تكثير المرق للمساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع نصفها بالحض؟ (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ): قريب يحميه، (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ): دم وقيح يسيل من لحومهم، أو شجرة فيها، (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ): أصحاب الخطايا، والمراد المشركون. * * * (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)

стр. 2085

وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) * * * (فَلَا أُقْسِمُ)، لا مزيدة، أو رد لكلام المشركين، وقيل: لا أقسم بظهور الأمر بحيث لا يحتاج إلى القسم، (بِمَا تُبْصِرُونَ): بما في السماء، والأرض، (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ): بما هو في علم الله، ولم يطلع عليه أحد، (إِنَّهُ): القرآن، (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ): على الله يبلغه عن الله، فإن الرسول هو المبلغ، (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ): يخيله من عند نفسه كما تزعمون، (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ): تصدقون تصديقًا قليلاً، أو المراد من القلة العدم، (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ): تذكرون تذكرًا قليلاً، فلذلك التبس عليكم الأمر، ولما كان عدم مشابهة القرآن للشعر أظهر ذكر الإيمان مع الأول، والتذكر مع الثاني، (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: هو تنزيل، (وَلَوْ تَقَوَّلَ): الرسول، (عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ): يختلق، ويفتري، (لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ): بيده اليمنى

стр. 2086

منه ليكون أشد، فإن القتَّال إذا وقف بين يديه بحيث ينظر المقتول إلى السيف مريدًا قتله من خلفه يأخذه بيده اليمني، وإذا وقف خلفه مريدًا قتله من قفاه يأخذ بيساره، أو اليمين بمعنى القوة، (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ): نياط القلب، وهو حبل الوريد، (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ): دَافعين عن القتل، أو عن نفسه بأن تحولوا بيني وبينه، (وَإِنَّهُ) أي: القرآن، (لَتَذْكِرَةٌ للْمُتَّقِينَ): فإنهم المنتفعون به، (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ): فنجازيهم، (وَإِنَّهُ) الضمير للقرآن أو للتكذيب، (لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ): يوم يرون ثواب الإيمان به، (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) اليقين هو العلم الذي زال عنه اللبس، والحق هو الثابت، فالإضافة إما بمعنى اللام، أو بمعنى من أو بيانية، (فَسَبِّحْ): الله، (بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، والعظيم إما صفة المضاف أو المضاف إليه. والحمد لولي الحمد. * * *

стр. 2087

سورة المعارج مكية وهي أربع وأربعون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) * * *

стр. 2088

(سَأَلَ سَائِل) أي: دعا داعٍ، (بِعَذَابٍ وَاقِعٍ): ألبتَّة، (للْكَافِرِينَ)، هو [النضر بن الحارث] قال: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فالباء لتضمين معنى دعا بمعنى استدعى، وقيل: لتضمين معنى استعجل، وعن الحسن، وقتادة لما خوفهم الله تعالى العذاب قال بعضهم: سلوا عن العذاب على من يقع؟ فنزلت، فعلى هذا الباء لتضمين معنى اهتم، أو الباء بمعنى عن، كما قيل في: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: ٥٩] ويكون للكافرين خبر محذوف جوابًا للسائل، أي: هو للكافرين، (لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ): يرده صفة أخرى لعذاب على الوجه الأول، وجملة مؤكدة للكافرين على الثاني، (مِنَ اللهِ) أي: دافع من جهته، لأنه قدره، وقيل تقديره هو من الله، (ذِي الْمَعَارِجِ): ذي السماوات، فإن الملائكة تعرج فيها أو ذي الدرجات أو ذي الفواضل، (تَعْرُجُ المَلائكَةُ وَالرُّوحُ): جبريل، أو خلق أعظم من الملك يشبهون الناس، وليسوا ناسًا، وعن بعض المفسرين: المراد أرواح المؤمنين، فقد ورد أنها يصعد من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السابعة، (إِلَيْهِ): إلى محل قربته، (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ): من سني الدنيا لو صعد غير الملك، وذلك لأن غلظ كل أرض خمسمائة

стр. 2089

وبين كل أرض إلى أرض كذلك، وكذا السماء، فيكون إلى محدب السماء السابعة أربعة عشر ألف عام، وبينها إلى العرش ستة وثلاثون، فيكون خمسين ألف سنة، هكذا نقل عن ابن عباس ﵄، أو المراد يوم القيامة أي: تعرج الملك والروح للعرض والحساب في يوم كذا جعله الله على الكافرين خمسين ألف سنة، ويخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا، وفي الأحاديث الصحاح " إن طول يوم القيامة خمسون ألف سنة " وقيل في يوم متعلق بواقع، وعن بعض المراد مدة الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة، وعن بعض اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة خمسون ألف سنة (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِلاً)، على التكذيب، والاستهزاء، وذلك قبل آية القتال، (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ): العذاب، أو يوم القيامة، (بَعِيدًا): من الإمكان، (وَنَرَاهُ قَرِيبًا): من الوقوع، (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ)، ظرف لمقدر مثل يقع لدلالة المقام، أو لـ قريبًا، أو بدل عن " في يوم " على ثاني وجوهه (كَالْمُهْلِ): كدردي الزيت، وقيل: كالفلز المذاب، (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ): كالصوف المندوف، (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا): قريب عن قريبه للشدة، (يُبَصَّرُونَهُمْ)، التبصير التعريف،

стр. 2090

والإيضاح أي: يبصر الأحماء الأحماء، ومع ذلك لا يسأل عنه لاشتغالهم بحال أنفسهم استئناف، أو حال وذو الحال في معنى المعرف بالاستغراق، أو صفة لـ حميما، ولما كان الحميم عامًّا جمع الضميرين، (يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي) " لو " بمعنى أن، (مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ) أي: هو بحيث يتمنى الافتداء بأقرب الناس فضلاً عن أن يهتم بحاله، ويسأل عنه، (وَفَصِيلَتِهِ): عشيرته، (الَّتِي تُؤْوِيهِ): تضمه في النسب، أو في الشدائد، أو المراد من الفصيلة الأم، (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ) أي: يود لو يفتدي، ثم لو ينجيه الافتداء، وهيهات أن ينجيه، فـ ثم للاستبعاد، (كَلَّا)، ردع للمجرم عن الودادة، (إِنَّهَا) أي: النار، أو ضمير مبهم يفسره ما بعده، (لَظَى): لهب، أو هو علم للنار، (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) الشوى: الأطراف، أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس، أو لحم الساقين، أو محاسن الوجه، وأم الرأس، أو اللحم والجلد، أو الجوارح ما لم يكن مقتلا، (تَدْعُو): النار إلى نفسها بأسمائهم، (مَنْ أَدْبَرَ): عن الحق، (وَتَوَلَّى): عن الطاعة، (وَجَمَعَ): المال، (فَأَوْعَى): فأمسكه في وعائه، ولم يصرفه في الخير، (إِنَّ الْإِنْسَانَ)، التعريف للاستغراق، (خُلِقَ هَلُوعًا): شديد الحرص قليل الصبر، (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا): لم ينفق أصلاً، والأحوال الثلاثة مقدرة، أو محققة، لأنه مجبول طبيعته على الجزع، والبخل عند الفقر، والمال، (إِلَّا الْمُصَلِّينَ): إلا من قدر الله أنه من أهل التوحيد، والطاعة،

стр. 2091

فإنه ما خلقه كذلك، (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ): لا يتركون فريضة، (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)، كالزكاة وغيرها، (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، مر تفسيره في سورة " والذاريات " (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ): بيوم الجزاء، فلا يعملون السيئات، ولو عملوا نادرًا يتوبون عن قريب خوفًا عن الجزاء، (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ): خائفون، (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ)، معترضة تدل على أن ليس لعاقل الأمن من عذاب الله، (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)، سبق في أول سورة (قد أفلح المؤمنون) (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ): لا يخونون، ولا يغدرون، (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ

стр. 2092

قَائِمُونَ): محافظون عليها لا يكتمون، ولا يزيدون، ولا ينقصون، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ): على أركانها، وواجباتها، ومستحباتها افتتح في وصفهم بذكر الصلاة، واختتم بها كما في سورة المؤمنين لشرفها، وكمال الاعتناء بها، (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ): عند الله. * * * (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) * * * (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ): مسرعين حولك مادِّي أعناقهم إليك، (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ): فرقًا شتى، جمع عزة نزلت فيمن يجتمع حوله ﵇ يستمعونه، ويستهزئون به، وعن اليمين إما متعلق بعزين، أو هو أيضًا حال، أو بـ مهطعين، (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ)، كانوا يقولون: لو كانت جنة، فلندخلنها قبلهم، (كَلَّا)، ردع عن هذا الطمع، (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا

стр. 2093

يَعْلَمُونَ) أي: من تراب، ثم من نطفة، وهي جملة للتعليل، كأنه قال: ارتدعوا عن طمع الجنة، لأن الدليل دالٌّ على ضلالكم، فإنكم على استحالة البعث وهو ممكن، لأنا خلقناكم من نطفة، وكذا وكذا، ومن كان قادرًا على مثل ذلك كيف لا يقدر على الإعادة، أو معناه إنا خلقناهم من نطفة قذرة فمن أين يدعون التقدم من غير تطهير النفس بالإيمان، والأعمال؟ أو إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ): مشارق الكواكب، ومغاربها، (إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا): على أن نعيدهم يوم القيامة بأبدان خير من هذه، (مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ): عاجزين مغلوبين، أو معناه نحن قادرون على أن نهلكهم، ونأتي بدلهم بخلق خير منهم، (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)، هذا قبل وجوب القتال، (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ): القبور، (سِرَاعًا): مسرعين إلى إجابة الداعي، (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ): يسرعون إلى النصب يبتدرون أيهم يستلمه أول

стр. 2094

فعلوا حين عاينوا أنصابهم في الدنيا، أو يسارعون إلى علامة وغاية منصوبة، (خَاشِعَةً): ذليلة خاضعة، (أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): هوان، (ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ): في الدنيا. والحمد للهِ على الإيمان. * * *

стр. 2095

سورة نوح مكية وهي تسع أو ثمان وعشرون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) * * * (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ): بأن أنذر، أي: بأن قلنا له أنذر، (قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ)،

стр. 2096

لتضمن الإنذار معنى القول جاز أن يكون أن مفسرة، (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ): بعضها، وهو ما سبق وقيل: من زائدة، (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى): منتهى آجالكم، ولا يستعجلكم بالعقوبة، فإن الطاعة وصلة الرحم يزاد بهما في العمر، (إِنَّ أَجَلَ اللهِ): الأجل الأطول، (إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ): فآمِنوا قبْل مجيئه، أو إن الأجل المقدر إذا جاء على الوجه المقدر به أجلاً لا يؤخر، فبادروا في حين الإمهال، (لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ): من أهل العلم لعلمتم ذلك، (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أي: دائمًا، (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا): من الحق، (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ): إلى الإيمان، (لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ): لئلا يسمعوا دعوتي، (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ): تغطوا بالثياب لئلا يروني، أو لئلا أعرفهم، (وَأَصَرُّوا): على ضلالهم، (وَاسْتَكْبَرُوا): عن اتباعي، (اسْتِكْبَارًا)، قالوا: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) [الشعراء: ١١١]، (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) أي: دعوتهم مرة بعد أخرى بأي وجه أمكنني و " ثم " للتراخي الزماني، أو الرتبي، " وجهارًا " مصدر من غير لفظه، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ): بالتوبة، (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا): كثير الدرور

стр. 2097

حال، والمفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ): بساتين، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله وَقَارًا): لا تخافون له عظمة، حتى تتركوا عصيانه " والله " إما حال من وقارًا، أو مفعول ترجون بزيادة اللام، و " وقارًا " تمييز كـ فجرنا الأنهار عيونًا، أو لا ترون له عظمة، أو لا تعتقدون الوقار، فيثيبكم على توقيركم، (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا): نطفة، ثم علقة، ثم وثم حال موجبة لتعظيمه وتوقيره (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): مطابقة بعضها فوق بعض، (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ): فيهن، (سِرَاجًا): تزيل الظلمة كما يزيلها السراج، ولو كان القمر والشمس في أحدهن نورًا وسراجًا لصدق أنهما فيهن، أو إضاءتهما في السماوات كلها، وكلام ابن عباس يدل عليه، (وَاللهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا) أي: أنشأكم منها، فإن آدم منها، أي: أنبتكم فنبتم نباتًا، فاختصر دلالة على سرعة نفاذ أمره، (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا): بعد الموت، (وَيُخْرِجُكمْ): من الأرض، (إِخْرَاجًا): بالحشر أكده بالمصدر كما أكد الإنشاء دلالة على أنه في التحقق كهو، (وَالله جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ بسَاطًا): تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه، (لِتَسْلكوا): متخذين، (مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا): واسعة. * * * (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا

стр. 2098

وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨) * * * (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي): فيما أمرتهم به، (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) أي: اتبعوا رؤساءهم الأخسرين بسبب الأموال والأولاد، (وَمَكَرُوا)، عطف على لم يزده وجمع الضمير باعتبار المعنى، (مَكْرًا كُبَّارًا): عظيمًا في الغاية

стр. 2099

لاتباعهم في تسويلهم أنهم على الحق كما يقولون في القيامة، (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا) الآية [سبأ: ٣٣]، (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) أي: عبادتها، (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) أي: لا تذرن الآلهة سيما هؤلاء هي أسماء آلهتهم، (وَقَدْ أَضَلُّوا): الأصنام، (كَثِيرًا): من الخلق كما قال الخليل: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا) الآية [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]، وعن مقاتل، وقد أضل رؤساؤهم كثيرًا، (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ)، عطف على " ربِّ إنهم عصوني " (إِلَّا ضَلَالًا)، دعاء عليهم لتمردهم وعنادهم، كما دعا موسى (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) [يونس: ٨٨] (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ): من أجلها وما مزيدة للتأكيد، (أُغْرِقُوا): بالطوفان، (فَأُدْخِلُوا نَارًا): فإنه يعرض عليهم النار في القبور بكرة وعشيا، أو المراد نار جهنم، والتعقيب لعدم الاعتداد لما بين الإغراق، والإدخال كأنه نومة، (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا): ما نصرهم آلهتهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) أي: أحدًا يدور في الأرض، أو نازل دار، وأصله ديوار، ففعل به ما فعل بسيد، (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ): صبيانهم، (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا

стр. 2100

فَاجِرًا كَفَّارًا)، قال ذلك لخبرته بهم، وتجربته لمكثه بينهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)، كانا مؤمنين، (وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ): داري، أو مسجدي، أو سفينتي، (مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ): إلى القيامة، (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا): هلاكًا. والحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد ﷺ . * * *

стр. 2101

سورة الجنِّ مكية وهى ثمان وعشرون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) * * *

стр. 2102

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، الضمير للشأن، (اسْتَمَعَ نَفَرٌ): جماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، (مِنَ الْجِنِّ)، أمر الله رسوله أن يخبر قومه أن جماعة من الجن استمعوا للقرآن، فآمنوا به وصدقوه، (فَقَالُوا): حين رجعوا إلى قومهم، (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا

стр. 2103

عَجَبًا): في نهاية البلاغة مصدر وضع للمبالغة موضع العجيب، (يَهْدِي): الخلق، (إِلَى الرشْدِ): إلى الصواب، والسداد، (فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، (وَأَنَّهُ) أي: الشأن، (تَعَالَى جَدُّ): عظمة، (رَبِّنَا)، أو علا ملكه، أو غناه، وقراءة " إن " بالكسر عطف على (إنا سمعنا) من جملة المقول، وأما الفتح، فعلى العطف على " به " في " آمنا به " بحذف حرف الجر وحذفه من أن وإن كثير والأولى عندي أن يكون عطفًا [على] أنه استمع أي: أوحى إلى هذا الكلام، وهو أنه تعالى جد ربنا حكاية عن كلام الجن حتى لا يحتاج في وأنه كان رجال وغيره إلى تمحل عظيم، فتأمل، (مَا اتَخَّذَ صَاحِبَه وَلاَ وَلَدًا) بيان لقوله تعالى: " جَدُّ رَبِّنَا "، كأنه قال: تعالى عظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا): إبليس، أو جاهلنا، (عَلَى اللهِ شَطَطًا) أي: قولاً ذا شطط، وهو مجاوزة الحد في الظلم، (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبً) أي: حسبنا أن أحدًا لن يفتري عليه، فكنا نصدق ما أضافوا إليه حتى تبين لنا من القرآن افتراؤهم، و " كذبا " مصدر؛ لأنه نوع من القول، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) إذا نزلوا واديًا في الجاهلية قالوا: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، كما كانت عادتهم دخول بلاد الأعداء في جوار رجل كبير منهم، وخفارته، (فَزَادُوهُمْ) أي: الجنُّ الإنسَ، (رَهَقًا): إخافة وإرهابًا، عن عكرمة: كان إذا نزل الإنس واديًا هرب الجن منهم، فلما سمع الجنُّ يقول الإنسَ: نعوذ بأهل هذا الوادي قالوا: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم فدنوا من الإنس فأصابوهم بالجنون، والخبل،

стр. 2104

أو فزاد الجن تكبرًا وطغيانًا بسبب استعاذة الإنس بهم، (وَأَنَّهُمْ): أي: الإنس، (ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ): أيها الجن، (أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا): بعد ذلك بالرسالة أو لا بعث، ولا حشر، وهذا قول نفر من الجن لقومهم حين رجعوا إليهم، (وَأَنَّا لَمَسْنَا): طلبنا، واللمس والمس استعير للطلب، لأن الماس طالب متعرف، (السَّمَاءَ) أي: بلوغها لاستراق السمع، (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا)، اسم بمعنى الحراس كالخدم، (شَدِيدًا): من الملائكة، (وَشُهُبًا): من النجوم، (وَأَنَّا كُنَّا): قبل ذلك، (نَقْعُدُ مِنْهَا): من السماء، (مَقَاعِدَ): صالحة للترصد، (لِلسَّمْعِ): لاستماع أخبار السماء، (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا): راصدًا لأجله يمنعه من الاستماع، (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ): بحراسة السماء، (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا): خيرًا، وهذا من أدبهم، حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، ثم اعلم أن الكواكب يرمي بها قبل المبعث، لكن ليس بكثير، والأحاديث تدل عليه، وبعد مبعثه قد كثرت الشهب بحيث لم يقدر الجن بعد على استراق السمع من غير أن يأتيه شهاب، فهالَ ذلك الإنس والجن، نعم: قد يسترق كلمة فيلقيها إلى صاحبه، ثم يدركه الشهاب كما ورد في الصحيحين، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا هو السبب في حراسة السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد من تمرد، (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا): قوم، (دُونَ ذَلِكَ)، وهم الطالحون، أو المقتصدون، (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) أي: كنا ذوي مذاهب متفرقة،

стр. 2105

(وَأَنَّا ظَنَنَّا) أي: علمنا، (أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ): إن أراد بنا أمرًا، (وَلَنْ نُعْجِزَهُ): إن طلبنا، (هَرَبًا): هاربين، وفي الأرض وهربا حالان وفائدة ذكر الأرض تصوير أنه مع تلك البسطة ليي فيها بمهرب من الله، (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى): القرآن، (آمَنَّا بِهِ)، كرروا ذلك للافتحار، (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ) أي: فهو لا يخاف بحذف المبتدأ للدلالة على الاختصاص، ولذلك لم يقل لا يخف، (بَخْسًا): نقصًا في الجزاء، (وَلاَ رَهَقًا): ظلمًا، (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ): الحائرون عن الحق، (فمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا): قصدوا، (رَشَدًا): عظيمًا، (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا): كما لكفار الإنس، (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)، عطف على أنه استمع لا غير أي: وأن الشأن لو استقام الجن أو الإنس والجن، (عَلَى الطَّرِيقَةِ): الحسنى، وآمنوا كلهم، (لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا): مطرًا كثيرًا، ووسعنا عليهم في الرزق، (لِنَفْتِنَهُمْ): لنحشرهم، (فيهِ): في سقي الماء كيف يشكرونه (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: ١، ٢] أو معناه أن
следующие страницы →