(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، الضمير للشأن، (اسْتَمَعَ نَفَرٌ): جماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، (مِنَ الْجِنِّ)، أمر الله رسوله أن يخبر قومه أن جماعة من الجن استمعوا للقرآن، فآمنوا به وصدقوه، (فَقَالُوا): حين رجعوا إلى قومهم، (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا
стр. 2103
عَجَبًا): في نهاية البلاغة مصدر وضع للمبالغة موضع العجيب، (يَهْدِي): الخلق، (إِلَى الرشْدِ): إلى الصواب، والسداد، (فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك، (وَأَنَّهُ) أي: الشأن، (تَعَالَى جَدُّ): عظمة، (رَبِّنَا)، أو علا ملكه، أو غناه، وقراءة " إن " بالكسر عطف على (إنا سمعنا) من جملة المقول، وأما الفتح، فعلى العطف على " به " في " آمنا به " بحذف حرف الجر وحذفه من أن وإن كثير والأولى عندي أن يكون عطفًا [على] أنه استمع أي: أوحى إلى هذا الكلام، وهو أنه تعالى جد ربنا حكاية عن كلام الجن حتى لا يحتاج في وأنه كان رجال وغيره إلى تمحل عظيم، فتأمل، (مَا اتَخَّذَ صَاحِبَه وَلاَ وَلَدًا) بيان لقوله تعالى: " جَدُّ رَبِّنَا "، كأنه قال: تعالى عظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا): إبليس، أو جاهلنا، (عَلَى اللهِ شَطَطًا) أي: قولاً ذا شطط، وهو مجاوزة الحد في الظلم، (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبً) أي: حسبنا أن أحدًا لن يفتري عليه، فكنا نصدق ما أضافوا إليه حتى تبين لنا من القرآن افتراؤهم، و " كذبا " مصدر؛ لأنه نوع من القول، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) إذا نزلوا واديًا في الجاهلية قالوا: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، كما كانت عادتهم دخول بلاد الأعداء في جوار رجل كبير منهم، وخفارته، (فَزَادُوهُمْ) أي: الجنُّ الإنسَ، (رَهَقًا): إخافة وإرهابًا، عن عكرمة: كان إذا نزل الإنس واديًا هرب الجن منهم، فلما سمع الجنُّ يقول الإنسَ: نعوذ بأهل هذا الوادي قالوا: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم فدنوا من الإنس فأصابوهم بالجنون، والخبل،
стр. 2104
أو فزاد الجن تكبرًا وطغيانًا بسبب استعاذة الإنس بهم، (وَأَنَّهُمْ): أي: الإنس، (ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ): أيها الجن، (أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا): بعد ذلك بالرسالة أو لا بعث، ولا حشر، وهذا قول نفر من الجن لقومهم حين رجعوا إليهم، (وَأَنَّا لَمَسْنَا): طلبنا، واللمس والمس استعير للطلب، لأن الماس طالب متعرف، (السَّمَاءَ) أي: بلوغها لاستراق السمع، (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا)، اسم بمعنى الحراس كالخدم، (شَدِيدًا): من الملائكة، (وَشُهُبًا): من النجوم، (وَأَنَّا كُنَّا): قبل ذلك، (نَقْعُدُ مِنْهَا): من السماء، (مَقَاعِدَ): صالحة للترصد، (لِلسَّمْعِ): لاستماع أخبار السماء، (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا): راصدًا لأجله يمنعه من الاستماع، (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ): بحراسة السماء، (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا): خيرًا، وهذا من أدبهم، حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، ثم اعلم أن الكواكب يرمي بها قبل المبعث، لكن ليس بكثير، والأحاديث تدل عليه، وبعد مبعثه قد كثرت الشهب بحيث لم يقدر الجن بعد على استراق السمع من غير أن يأتيه شهاب، فهالَ ذلك الإنس والجن، نعم: قد يسترق كلمة فيلقيها إلى صاحبه، ثم يدركه الشهاب كما ورد في الصحيحين، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فعرفوا أن هذا هو السبب في حراسة السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد من تمرد، (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا): قوم، (دُونَ ذَلِكَ)، وهم الطالحون، أو المقتصدون، (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) أي: كنا ذوي مذاهب متفرقة،
стр. 2105
(وَأَنَّا ظَنَنَّا) أي: علمنا، (أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ): إن أراد بنا أمرًا، (وَلَنْ نُعْجِزَهُ): إن طلبنا، (هَرَبًا): هاربين، وفي الأرض وهربا حالان وفائدة ذكر الأرض تصوير أنه مع تلك البسطة ليي فيها بمهرب من الله، (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى): القرآن، (آمَنَّا بِهِ)، كرروا ذلك للافتحار، (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ) أي: فهو لا يخاف بحذف المبتدأ للدلالة على الاختصاص، ولذلك لم يقل لا يخف، (بَخْسًا): نقصًا في الجزاء، (وَلاَ رَهَقًا): ظلمًا، (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ): الحائرون عن الحق، (فمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا): قصدوا، (رَشَدًا): عظيمًا، (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا): كما لكفار الإنس، (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)، عطف على أنه استمع لا غير أي: وأن الشأن لو استقام الجن أو الإنس والجن، (عَلَى الطَّرِيقَةِ): الحسنى، وآمنوا كلهم، (لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا): مطرًا كثيرًا، ووسعنا عليهم في الرزق، (لِنَفْتِنَهُمْ): لنحشرهم، (فيهِ): في سقي الماء كيف يشكرونه (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: ١، ٢] أو معناه أن
стр. 2106
لو استقاموا على طريقتهم القديمة من الكفر لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا كما قال تعالى: " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم " الآية [الأنعام: ٤٤] (وَمَن يعْرِضْ عَن ذِكْرِ ربِّه): ولم يؤمن به، (يَسْلُكْهُ): يدخله، (عَذَابًا صَعَدًا): شاقا يعلو المعذب مصدر وصف به عن ابن عباس ﵄ هو جبل في جهنم، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ): مواضع بنيت للعبادة، أو المراد جميع الأرض، أو أعضاء السجود، (لله فَلَا تَدْعُوا): فلا تعبدوا أيها الإنس والجن، (مَعَ اللهِ أَحَدًا): فيها، أو بها نزلت حين قالت الجن: ائذن لنا يا رسول الله فنشهد معك الصلوات في مسجدك، أو حين قالوا: كيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك؟ وعن قتادة اليهود والنصارى أشركوا بالله في كنائسهم فأمرنا الله بالتوحيد، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) قال الجن لقومهم: لما قام رسول الله ﷺ يعبد الله ويصلي كاد أصحابه من الإنس عليه متراكمين للحرص على العبادة والاقتداء، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين ليبطلوه، ويطفئوه، أو لما قام يصلي كاد الجن يكونون عليه متراكمين تعجبًا، وحرصًا على الاستماع.
* * *
(قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ
стр. 2107
الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)
* * *
(قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا): وليس هذا بأمر منكر عجيب بدع، وهذا يؤيد الوجه الثاني في قوله: كادوا يكونون عليه لبدا، (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) أي: لا ضرًّا ولا نفعًا، ولا رشدًا، أو غيًّا، بل الكل بيد الله إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ، (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ): إن أرادني بسوء، (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا): ملجأً أميل إليه، (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ) أي: لا أملك نفعًا إلا أن أبلغ عن الله، وأبلغ رسالته التي أرسلني بها، و " من الله " صفة لـ بلاغًا لا صلة له، وقوله: " قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي " معترضة تؤكد نفي الاستطاعة، أو الاستثناء منقطع أي: لكن الإبلاغ هو الذي يُجِيرَنِي من عذاب الله، (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ): ولم يؤمن، (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا حَتَّى إِذَا رَأَوْا)، غاية لمحذوف دل عليه الحال أي: لا يزالون على ما هم عليه حتى وقيل: لقوله يكونون عليه لبدًا على التوجيه الثاني، (مَا يُوعَدُونَ) من العذاب، (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا): هو، أو هم، (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا)، غاية كأنهم قالوا متى يكون وقت ما تعدنا فقيل له، قل لا أدري أهو حال أم مؤجل، (عَالِمُ الغَيْبِ) أي: هو عالمه، (فَلاَ يُظْهِرُ):
стр. 2108
لا يطلع، (عَلَى غَيْبِهِ)، المختص به بدلالة الإضافة، (أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى):
أي: يجعل من جميع جوانبه حرسًا من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الجن، فيلقيه إلى الكهنة، والرسول من أن يتشبه الشياطين في صورة الملك، (لِيَعْلَمَ): النبي ﷺ ، (أَن قَدْ أَبْلَغُوا) أي: الملائكة، (رِسَالاتِ رَبِّهِمْ)، وليس بشيطان جاء بصورة ملك،
стр. 2111
وعن كثير من السلف، من الله حرس على كل يخبرونه إذا جاء أحد يخبره أنه ملك من الله، أو شيطان فاحذر، أو ليعلم أن قد أبلغ الأنبياء ويتعلق علمه بتبليغهم رسالاته محروسة عن التغيير، (وَأَحَاطَ): الله، (بِمَا لَدَيْهِمْ): بما عند الرسل، عطف على أبلغوا على التوجيه الأول، (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أي: معدودًا فهو حال، أو عددًا بمعنى إحصاء، أو أحصى بمعنى عَدَّ.
والحمد لله على وفور أفضاله.
* * *
(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) أي: المتلفف بثوبه أصله المتزمل، أدغم التاء في الزاء، أو أيها النائم، أو أيها المتحمل للقرآن من الزمل الذي هو الحمل، (قُمِ): إلى الصلاة، (اللَّيْلَ): كله، (إِلا قَلِيلًا)، كان قام الليل فرضًا على الكل، ثم نسخ، (نِصْفَهُ)، بدل من قليلاً، وهذا النصف الخالي عن الطاعة، وإن ساوى النصف المعمور بذكر الله في الكمية لا يساويه في التحقيق، بل هو القليل، وذلك النصف بمنزلة الكل، (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا): الضمير إلى النصف أو الليل المقيد بالاستثناء، والحاصل واحد، (قَلِيلاً)، وهو الثلث، (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)، وهو الثلثان، وهذا هو الوجه في الإعراب، والمعنى من غير تكلف الموافقُ لكلام السلف، (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا): بينه، واقرأه على تؤدة،
стр. 2114
وتبيين حروف، (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا): تَلَقِّيْهِ لعظمة الكلام، وفي الحديث " ينزل عليه الوحي في يوم شديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقًا " وأيضًا " كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها أي باطن عنقها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه " أو ثقيل العمل به على المكلفين، والجملة كالعلة لقيام الليل فإن الطاعة سيما في الليل تعين الرجل على نوائبه وتسهل عليه المصائب، (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) أي: قيامه مصدر كالعافية، أو ساعاته، فإنها تنشأ أي: تحدث واحدة بعد أخرى أو النفس الناشئة التي تنشأ وتنهض من مضجعها إلى العبادة، (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي: كلفة، أو أشد ثباتًا في الخير، وأما قراءة [الوِطاء]، فبمعنى المواطأة يعني: موافقة القلب، والسمع، والبصر، واللسان بالليل أشد وأكثر، (وَأَقْوَمُ قِيلًا): وأشد مقالاً، وأصوب قراءة لسكون الأصوات فيه، (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا): تقلبًا، وإقبالاً وإدبارًا في أشغالك، وأصله سرعة الذهاب، أو فراغًا وسعة للنوم والحوائج جملة فيها حث على قيام الليل، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ): ودم على ذكره، (وَتَبَتَّلْ): انقطع، (إِلَيْهِ): إلى الله لعبادتك، (تَبْتِيلًا)، لما لم ينفك التبتل الذي هو لازم عن التبتيل الذي هو متعد يمكن أن يؤتى بمصدر أحدهما عن الآخر، وفيه مبالغة مع رعاية الفواصل أي: انقطع وجرد نفسك عما سواه تبتيلاً، (رَبُّ) أي: هو رَبُّ، (الْمَشْرِقِ
стр. 2115
وَالْمَغرِبِ)، وقراءة الجر، فعلى البدل من ربك، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا): فإن وحدته في الألوهية تقتضي التوكل عليه، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُم هَجْرًا جَمِيلاً): بالإعراض عنهم، والمداراة معهم، وترك المكافأة، وقيل: هذا آية القتال، (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ): دعني وإياهم، فإني منتقم لأجلك منهم، (أُولِي النَّعْمَةِ): أرباب التنعم، والترفه هم صناديد قريش، (وَمَهِّلْهُمْ): زمانًا، أو إمهالاً، (قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً): قيودًا ثقالاً، (وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ): يغص في الحلق، ولا ينزل فيه بسهولة كالزقوم، (وَعَذَابًا أَلِيمًا): نوعًا آخر لا يمكن تعريفه، (يَوْمَ تَرْجُفُ): تضطرب، ظرف لمتعلق لدينا، (الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا): مثل رمل مجتمع، (مَهِيلًا): منثورًا أي: تصير كذلك بعدما كانت حجارة صمًّا، (إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ): يا معشر قريش، (رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ): في القيامة (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) أي: ذلك الرسول الذي أرسلنا إليه، (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً): ثقيلاً، (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) أي: كيف تتقون يومًا؟ أي: عذاب يوم يجعل الولدان من شدة هوله شيبًا إن كفرتم في الدنيا، كأنه قال، هب أنكم لا تؤاخذون في الدنيا كما
стр. 2116
أخذنا فرعون، فكيف تتقون أنفسكم هول القيامة إن دمتم على الكفر، ومتم عليه؟ أو " يومًا " مفعول لـ كفرتم بمعنى جحدتم، أي: كيف تتقون الله إن جحدتم ذلك اليوم، وفي ذكر " إن " التي للشك إشعار بأنه لا ينبغي الشك مع إرسال هذا الرسول النور المبين، وفى الحديث " قرأ ﷺ يوم يجعل الولدان شيئًا، قال: ذلك حين يقال لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين (السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ): منشق بسبب ذلك اليوم وهوله، أو الباء للآلة، أو منفطر بالله وبأمره، وتذكير منفطر على تأويل السقف، (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا إِنَّ هَذِهِ): الآيات، (تَذْكِرَةٌ): عظة، (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا): يتقرب إليه بالطاعة.
* * *
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
* * *
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى): أقل، (مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ)، وفي قراءة نصب نصفه وثلثه عطف على أدنى، ويكون المراد من أدنى من ثلثي الليل الربع،
стр. 2117
ليكون تجاوزًا عن الأمر فيترتب عليه قوله: " فتاب عليكم "، ويكون موافقًا لتلك القراءة معنى، (وَطَائِفَةٌ)، عطف على فاعل تقوم، (مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) أي: يقومون أقل، (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ): لا يعرف مقادير ساعاتهما إلا هو، فيعلم القدر الذي يقومون فيه، (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): أن لن تطيقوا ما أوجب عليكم من القيام، أو لن تستطيعوا ضبط الساعات، (فَتَابَ عَلَيْكُمْ): عاد عليكم بالعفو والتخفيف، وعن غير واحد من السلف إن هذه الآية نسخت الذي كان الله أوجبه على المسلمين أولاً من قيام الليل واختلفوا في المدة التي بينهما سنة، أو قريب منها أو ستة عشر شهرًا أو عشر سنين، (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ): من غير تحديد لوقت لكن قوموا من الليل ما تيسر عبر عن الصلاة بالقراءة، ومذهب حسن البصري وبعض آخر: الواجب على حملة القرآن أن يقوموا من الليل، ولو بشيء منه، وفي الحديث ما يدل على ذلك، (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى): لا يستطيعون القيام الذي قررناه، (وَآخَرُونَ
стр. 2118
يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ): يسافرون للتجارة، واجتماع كلفة السفر، وكلفة إحياء الليل بالصلاة في غاية من الصعوبة، (وَآخَرُونَ يُقَاتِلونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)، هذا إخبار عن الغيب، فإن السورة مكية، والقتال شرع في المدينة، (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ): المفروضة عن بعض: إنه نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس، (وَآتُوا الزَّكَاةَ): الواجبة، وهذا يدل على قوله من قال: إن فرض الزكاة بمكة لكن المقادير والمصرف لم يبين إلا بالمدينة، (وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا)، يريد سوى الزكاة من الصدقات، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ)، هو ضمير الفصل، (خَيْرًا): من الذي تؤخرونه، أو من الذي أعطيتموه، وهو ثاني مفعولي تجدوه، (وَأَعْظَمَ أَجْرًا): نفعًا، وجزاء، وفي الصحيح قال ﵇ " أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما نعلم إلا ذلك، قال: إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخَّر "، (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ): المتدثر، أي: لابس الدثار، الأصح بل الصحيح أنه أول سورة نزلت بعد فترة الوحي جمعًا بين الأحاديث الصحاح، وعليه الجمهور، فإن أول ما نزلت (اقرأ باسم ربك) [العلق: ١] وفي صحيح مسلم " إنه ﵇ يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، فخفت منه، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله " يا أيها المدثر قم فأنذر " وفي الطبراني " تأذى من قريش فتغطى بثوبه محزونًا، فنزلت " (قُمْ): من مضجعك، أو قم قيام جد، (فَأَنذِرْ)، ترك المفعول للتعميم، (وَربَّكَ فَكَبِّرْ): خصص ربك بالتكبير، والتعظيم، والفاء في مثله بمعنى الشرط، كأنه قال: ما يكن من شيء فكبر أنت ربَّك، (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ): لا تكن عاصيًا غارًا، والعرب تقول للفاجر: دنس الثياب، وإذا وفي، وأصلح، مطهر الثياب، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة، أو طهر ثوبك من النجاسات، فإن المشركين لا يطهرون، أو أعرض عما قالوا، ولا تلتفت إليهم، (وَالرُّجْزَ): الأصنام، (فَاهْجُرْ)، أو اترك ما يؤدي إلى العذاب، (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) أي: لا تعط طالبًا لكثير نهى أن يهب شيئًا طامعًا في عوض أكثر، وهذا خاصة له ﵇، أو نهي تنزيه، أو لا تمنن بنبوتك على الناس طالبًا لكثرة الأجر منهم، أو لا تضعف عن الطاعة طالبًا لكثرة الخير، (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) استعمل الصبر لله، فيشمل الصبر على الأذى، وعلى الطاعات، (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ): نفخ في الصور، الفاء للسببية، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير، (فَذَلِكَ)، الفاء للجزاء، (يوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ)، إذا ظرف لما دل عليه الجزاء، لأن معناه عسر الأمر عليهم، وذلك مبتدأ خبره " يوم عسير "، و " يومئذ " إما بدل من ذلك،
стр. 2121
أو معمول له فإنه إشارة إلى وقت النقر أي: وقت النقر في ذلك اليوم، أو ظرف مستقر لـ يوم عسير أي: وقت النقر وقت عسير حال كون ذلك الوقت في يوم القيامة، (غَيْرُ يَسِيرٍ): عليهم تأكيد، وتعريض بحال المؤمنين، (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا): حال من الضمير المحذوف أي: خلقته حال كونه وحيدًا لا مال له، ولا ولد له، (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا): مبسوطًا كثيرًا قيل: وحيدًا حال من مفعول ذرني، أو من فاعل خلقت أي: ذرني وحدي معه، فإني أكفيكه، أو كان ملقبًا بالوحيد في قومه، فسماه الله تهكما، فيكون نصبًا بتقدير أعني، أو وحيدًا عن أبيه، فإنه ولد الزنا فالمراد منه [الوليد بن المغيرة]، وهو كما مَرَّ زنيم، (وَبَنِينَ شُهُودًا): حضورًا معه لا يغيبون للتجارة لاستغنائهم وخدمهم يتولون الأمر، وهم ثلاثة عشر، أو عشرة، أو سبعة،
стр. 2122
(وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا): بسطت له في المال، والجاه، وطول العمر بسطًا، (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ): على ما أوتيه، (كَلَّا)، ردع له عن الطمع، (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا): معاندًا مستأنفة تعليل للردع قيل: ما زال بعد نزول الآية في نقصان، (سَأُرْهِقُهُ): سأغشيه، (صَعُودًا)، عقبة شاقة المصعد مثل للإلقاء في الشدائد، وفي الحديث " الصعود جبل في النار "، وعن ابن عباس ﵄ " صخرة في النار يسحب عليها الكافر على وجهه (إِنَّهُ فَكَّرَ): فيما يخيل طعنًا في القرآن مستأنفة علة للوعيد، (وَقَدَّرَ): في نفسه ما يقول فيه، (فَقُتِلَ)، دعاء عليه، (كَيْفَ قَدَّرَ)، تعجيب من تقديره نحو: قاتلهم الله أني يؤفكون، (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ)، تكرير للمبالغة، وثم للدلالة على أن النظر الثاني فيما قدر يورث تعجبًا أبلغ من الأول، (ثُمَّ نَظَرَ): في أمر القرآن مرة أخرى، (ثُمَّ عَبَسَ): قبض بين عينيه، كما هو شأن المهتم المتفكر، (وَبَسَرَ): اشتد عبوسه، (ثُمَّ أَدْبَرَ): عن الحق، (وَاسْتَكْبَرَ): عن اتباعه، (فَقَالَ): حين خطرت هذه الكلمة بخاطره من غير تلبث، والفاء يدل عليه، (إِنْ هَذَا): القرآن، (إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ): يروي عن السحرة، (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ): كالتأكيد للأول، نقل إن [الوليد بن المغيرة] مرة سمع القرآن، فمال قلبه إليه، فلامه قومه، فقالوا: لابد أن تقول قولاً نعلم أنك منكر: قال: والله لا يشبه رجزة، ولا قصيدة، ولا أشعار الجن، ووالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، فقالوا: والله
стр. 2123
لا نرضى إلا أن تقول فيه، قال: دعوني حتى أفكر، فلما فكر قال: سحر يَأثِرُهُ عن غيره، فنزلت: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)، تعظيم لأمرها، (لاَ تُبْقِي): شيئًا يُلقى فيها إلا أهلكته، (وَلاَ تَذَرُ): بعد الإهلاك، فإنه يعاد " كلما نضجت جلودهم " الآية [النساء: ٥٦]، (لَوَّاحَةٌ): مسودة، (لِلْبَشَرِ): للجلد، (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ): ملكًا، نزعت منهم الرحمة يدفع أحدهم سبعين ألفًا، فيرميهم في جهنم حيث أراد. لما نزلت قال أبو جهل: أنتم الدهم الشجعاء أيعجز كل عشرة منكم أن تبطشوا بواحدة من خزنتها؟ فقال أبو الأسود الجمحي: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر إعجابًا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة أنه يقف على جلد بقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدمه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه، وهو الذي قال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه ﵇ مرارًا ولم يؤمن فنزل قوله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً): لا رجالاً، فمن ذا الذي يغلب الملائكة، (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: وما جعلنا عددهم إلا عددًا قليلاً هو سبب لفتنتهم للاستهزاء به يعني إخبارى بأنَّهم على هذا العدد، (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ): بصدق القرآن، وبأن هذا الرسول حق، لأنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية، فإخبار الله بأنَّهم على هذا العدد المخصوص علة لاستيقانهم، والوصف أعني: افتتان الكفار بهذا العدد لا مدخل له، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا): بسبب الإيمان به، أو بتصديق أهل الكتاب، (وَلاَ يَرْتَابَ)، عطف على يستيقن (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ): في ذلك جمع لهم إثبات اليقين، ونفى الشك للتأكيد،
стр. 2124
والتعريض بحال من عداهم، فليس لهم يقين، ولهم ريب وشك، (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): شك، ونفاق، (وَالْكَافِرُونَ): المشركون، وفي الآية إخبار عن الغيب، لأنها مكية فظهر النفاق في المدينة، (مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا) أي شيء أراد الله بهذا العدد؟! (مَثَلًا)، حال من هذا أو تمييز له، وسموه مثلاً لغرابته، ومرادهم إنكاره، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص، (كَذَلِكَ): مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى، (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ): لا يعلم عددهم، وكمية الموكلين بأمر دون أمر إلا الله، وحكم أمثال ذلك كحكم أعداد السماوات والأرض، وغيرهما لا يطلع عليه إلا بعض المقربين، (وَمَا هِيَ): السقر التي وصفت، (إِلَّا ذِكْرَى): تذكرة، (لِلْبَشَرِ).
* * *
(كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)
стр. 2125
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
* * *
(كَلَّا)، ردع لمن أنكرها، (وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ): أدبر على المضي كقبل بمعنى أقبل، وقيل: من دبر الليل النهار إذا خلفه، (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسفَرَ): أضاء، (إِنَّهَا) أي: سقر، (لإِحْدَى الكُبَرِ): لإحدى البلايا الكبر، جمع كبرى، أسقطت ألف التأنيث كتائها، يقال: فُعَلُ في جمع فُعْلةٍ، وعن مقاتل دركات جهنم سبعة: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي جواب القسم أو تعليل لـ (كلا) والقسم معترض للتوكيد، (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) تمييز أي: إنَّهَا لإحدى الدواهي إنذارًا كقولك: هو أحد الرجال كياسة، (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ)، بدل من البشر، (أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) مفعول شاء أي: نذيرًا لمن شاء التقدم والسبق إلى الخير، أو التأخر، والتخلف عنه، أو أن يتقدم مبتدأ، ولمن شاء خبره نحو " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " [الكهف: ٢٩] (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ): مرهونة عند الله في القيامة مصدر كالشتيمة، فإن فعيل الصفة لا يؤنث، (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ): فإنهم فكوا
стр. 2126
رقابهم بحسن أعمالهم، ونقل عن علي ﵁ إنهم أطفال المسلمين لأنه لا أعمال لهم يرتهنون بها (فِي جَنَّاتٍ)، حال من أصحاب اليمين، (يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أي: يتساءلون المجرمين عن حالهم، فحذف المفعول؛ لأن ما بعده يدل عليه، (مَا سَلَكَكُمْ): ما أدخلكم، (في سَقَرَ)، بيان للتساؤل، وهذا أولى الوجوه، (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أي: ما عبدنا ربنا، وما أحسنا إلى خلقه، (وَكنَّا نَخُوضُ): في الباطل، (مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ): أى مع هذا كله كنا نكذب بالقيامة، (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ): الموت، (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي: لو شفعوا أجمعين لهم، وهو قول الله، (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي: ما لهؤلاء الكفرة معرضين عن التذكير؟ فـ " معرضين " حال من الضمير، (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) أي: كأنهم في نفارهم عن الحق حمر وحشية فرت مِنْ مَنْ يصيدها، أو من الأسد، (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) قالوا: إنْ سرَّك أن نتبعك، فأت كلاًّ منا بكتاب من السماء أن اتبع يا فلان محمدًا فإنه رسولك، أو كل منهم يريد أن ينزل عليه كما نزل عليك قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى) الآية [الأنعام: ١٢٤]، (كَلَّا): ردع عن تلك الإرادة، (بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ)، ولهذا أعرضوا عن التذكرة، (كَلَّا)،
стр. 2127
ردع عن الإعراض، (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) أي: فمن شاء اتعظ به، أو حفظه، (وَمَا يَذْكُرُونَ): وما يتعظون به، (إِلا أَن يَشَاءَ اللهُ)، ذكرهم، أو مشيئتهم، (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى): هو أهل أن يتقى، فلا يجعل معه إله، (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ): وأهل لأن يغفر لمن اتقى أن يجعل معه إلها، كذا رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه في تفسير (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ).
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
النفس مطلقًا تلوم يوم القيامة نفسه إن عمل خيرًا لم ما استكثرته؟ وإن شرًّا لم عملته؟ وجواب القسم محذوف نحو " إنكم مبعوثون " يدل عليه قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ): جنسه، أو الكفار منهم، (أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ): بعد تفرقها لعدم قدرتنا، (بَلَى): نجمعها، (قَادِرِينَ)، حال من فاعل نجمع المقدر، (عَلَى أَن نُسَوِّيَ بَنَانَهُ): أن نجعل أصابع يديه ورجليه مستوية كخف البعير، فلا يمكنه القبض، والأخذ، وفنون الأعمال، أو على أن نضم الأنامل بعضها إلى بعض كما كانت على صغرها، فكيف بكبار العظام، (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ): ليدوم على الفجور فيما يستقبله من الأوقات، والمعنى على إنكار الحسبان، أولاً ثم الإضراب عنه بالإخبار عن حال بما هو أدخل في اللوم والتوبيخ، وفيه إيماء بأنه عالم بوقوع الحشر لكنه متغاب، (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ): متى يكون إنكارًا أو استهزاء، (فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ): تحير فزعًا من شدة الأهوال، (وَخَسَفَ القَمَرُ): ذهب ضوءه، (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) أي: جمع بعض أجزاء الشمس إلى بعض، ويلف كالحصير، وكذا القمر، أو جمع بينهما، فلا يكون كل واحد في فلك، (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ): أين الفرار؟
стр. 2130
(كَلَّا)، ردع عن طلب الفرار، (لاَ وَزَرَ): لا ملجأ، (إِلَى ربِّكَ): وحده، (يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ): استقرار العباد، (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ): بأعمال أوائل عمره وأواخره، أو بما عمله وما تركه، أو بأعمالٍ عملها، وبأعمالٍ أخَّرها فعمل بها كسنة حسنة وسيئة، (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ): حجة بينة تشهد جوارحه عليه نحو: لما جاءت آياتنا مبصرة أو عين بصيرة يعني لا يحتاج إلى الإنباء، (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ): ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه جمع معذار، وهو العذر، أي: لا ينفعه عذره؛ لأن من نفسه من يكذبه، وعن بعض: ولو ألقى الستور وأخفى الذنب كل الإخفاء، وأهل اليمن يسمون الستر معذارًا، (لَا تُحَرِّكْ): يا محمد، (بِهِ): بالقرآن، (لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ): لتأخذه على عجلة قد صح عن ابن عباس ﵄ وغيره: إنه إذا نزل جبريل بالوحي قرأ النبي ﵇ قبل فراغه مسارعة إلى الحفظ، وخوفًا من الانفلات، فنزل: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ): في صدرك، (وَقُرْآنَهُ): إثبات قراءته في لسانك، (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ): بلسان الملك عليك، وأصغيته، (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ): فاتبع قراءته، وكن مقفيًا له فيه، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ): بيان ما أشكل عليك، (كَلَّا)، ردع لإلقاء المعاذير، (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ): تختارون الدنيا على العقبى، ولا تعملون للعقبى، والخطاب لجنس الإنسان؛ لأن فيهم من
стр. 2131
هو كذلك، أو الكفار وقوله: " لا تحرك " إلى قوله: " ثم إن علينا بيانه " اعتراض بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات مع ما فيه من إنكار العجلة، وإن كان في أمور الخير، وما قبل الاعتراض وما بعده في التوبيخ على حب العجلة، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ): يوم القيامة، (نَاضِرَةٌ)، من النضارة أي: حسنة بهيَّة مشرقة، (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ):
стр. 2132
تراه عيانًا حين يرى ربه لا يلتفت إلى غيره، والنظر إلى غيره في جنب النظر إليه
стр. 2133
لا يعد نظرًا، ولهذا قدم المفعول، والأحاديت الصحاح في تفسير تلك الآية وأقوال السلف والخلف على ذلك بحيث يعد المكابر معاندًا، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ): شديد العبوس، (تَظُنُّ): تتوقع، (أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ): داهية تكسر فقار الظهر، فهذا ما يفعل بهم في مقابلة النظر إلى الرب لكون ذلك غاية النعمة، وهذا غاية النقمة، والظن فى البلاء أشد، والتنوين في وجوه، ونظائره كـ قلوب يومئذ واجفة للتنويع، ويقوم مقام الوصف المخصص للمبتدأ، أو كان هذا أولى مما قيل: إن بعض المذكور كناظرة وصف مخصص، وبعضه كـ إلى ربها ناظرة خبر، (كَلاَّ)، ردع عن إيثار الدنيا، (إِذا بَلَغَتِ): النفس، (التَّرَاقِيَ): أعالي الصدور، (وَقِيلَ)، القائل الملك، (مَنْ رَاقٍ): من يرقى بروحه ملك الرحمة، أو ملك الرحمة، أو ملك العذاب، أو القائل الحاضرون من يرقيه مما به، (وَظَنَّ): المحتضر، (أنَّهُ): أن ما نزل به، (الفِرَاقُ): فراق الدنيا، (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)، الساق مثل في الشدة أي: التفت شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، وقيل: التوت الساق بالساق عند قلق الموت، (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ): المرجع يسوق الملك الروح إلى السماوات كما في الحديث.
* * *
(فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ
стр. 2134
فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)
* * *
(فَلاَ صَدَّقَ) أي: الإنسان المذكور في قوله: " أيحسب الإنسان " أو المراد أبو جهل ما يجب تصديقه، (وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ): الحق،، (وَتَوَلَّى): عن الطاعة، (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى): يتبختر افتخارًا، وسرورًا، (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، دعاء عليه من الولى، وهو القرب أي: قاربه ما يهلكه فعل فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق، (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى): مهملاً لا يؤمر ولا ينهى ولا يجازى، (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ): فقدره الله، (فَسَوَّى): عدله، (فَجَعَلَ مِنْهُ): من الإنسان (الزَّوْجَيْنِ): الصنفين، (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ): الذي أنشأ هذا الإنشاء، (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)، والسنة أن يقول بعده سبحانك فَبَلى، أو بلى بغير فاء.
والحمد لله وحده.
* * *
مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)
* * *
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَان): قد أتى على جنس بني آدم، (حِينٌ منَ الدَّهْرِ): طائفة من الزمن الممتد، (لَمْ يَكُنَ شَيْئًا مَّذكُورًا): لم يعرف، ولم يذكر، وعن بعض المراد آدم، فإنه ملقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، والجملة حال من الإنسان، أو وصف لحين بحذف الراجع أي: لم يكن فيه شيئًا، (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ): بني آدم، (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)، جمع مشج أي: أخلاط أي: من نطفة قد اختلط، وامتزج فيها ماء الرجل والمرأة، أو ألوان فما للرجل لون وللمرأة لون (نَبْتَلِيهِ): مريدين اختباره، (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا): فإنه بالسمع والبصر يتمكن من الطاعة والمعصية، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): بيَّنَّا له طريق الحق، (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، حالان من أول مفعولي هدينا أي: هديناه في حاليه جميعًا، أو مقسومًا إلى الحالين بعضهم شاكر بأن سلكوا طريقًا هديناهم، وبعضهم كفور بالإعراض عنه، (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الْأَبْرَارَ)، جمع بر أو بارَّ، (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ):
стр. 2137
من خمر، (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا): تخلق منها رائحة الكافور، وبياضه وبرده، فكأنها مزجت بالكافور، أو تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك، (عَيْنًا)، بدل من محل من كأس بحذف مضاف أي: خمر عين، أو نصب على الاختصاص، أو الكافور اسم عين فى الجنة، فيكون عينًا بدلاً منه، (يَشْرَبُ بِهَا) أي: ملتذًّا بها، أو يشرب بمعنى يروى، فلذلك عدي بالباء، أو الباء زائدة، أو بمعنى من، (عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): يجرونها حيث أرادوا من منازلهم، (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، مستأنفة كأنه قيل: لأي سبب رزقوا ذلك؟ وعن بعض المراد بالنذر الواجب أي: يوفون بما يجب عليهم من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): منتشرًا غاية الانتشار فيجتنبون عن المعاصي، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) الأولى أن يكون الضمير للطعام ليكون موافقًا لقوله تعالى " لن تنالوا البر " الآية [آل عمران: ٩٢]، ولأن فيما بعده، وهو لوجه الله فَنِيَّة أن يكون تقديره على حب الله، (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا): وإن كان من أهل الشرك أمر ﵇ يوم بدر بإكرام الأسراء أو المراد المسجون من المسلمين، أو المراد الأرقاء نزلت حين نذر علي وفاطمة صوم ثلاث في مرض ولديهما إن بريا فلما صاما وأرادا الإفطار وقف عليهما مسكين فآثراه فباتا بلا عشاء، ثم وقف عليهما في الليلة الثانية يتيم، فآثراه فباتا جائعين ثم في الثالثة أسير من
стр. 2138
المشركين فآثراه فلم يفطرا في صوم ثلاث إلا بالماء (١)، (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ): قائلين ذلك بلسان الحال، أو المقال ليعرف الفقير أنها صدقة ليست للمجازاة، (لِوَجْهِ اللهِ): خالصًا غير مشوب بحظ النفس، (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، مصدر كالقعود، (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا)، مستأنفة للتعليل، (يَوْمًا) أي: عذابه، (عَبُوسًا)، مجاز أي: عبوسًا فيه أهله، أو كالأسد العبوس في الضرر والشدة، (قَمْطَرِيرًا): شديد العبوس، عن عكرمة وغيره، يعبس الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق كالقطران، وعن ابن عباس ﵄ العبوس الضيق، والقمطرير الطويل، (فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً)، بدل عبوس الكفار، (وَسُرُورًا)، بدل حزنهم، (وَجزَاهُم بِمَا صَبَرُوا): على ترك الشهوات، وأداء الواجبات، (جَنَّةً وَحَرِيرًا): يلبسونه، (مُتَّكِئِينَ فِيهَا)، حال من أول مفعولي جزاء، أو صفة لثاني مفعوليه على مذهب الكوفيين، (عَلَى الأَرَائِكِ): السرر في الحجال، (لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا): لا حرٌّ مزعجٌ، ولا بردٌّ مؤلم، بل هواء معتدل، (وَدَانِيةً): قريبة، (عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا)، الواو للعطف على متكئين، " ولا يرون " يحتمل أن يكون حالاً من ضمير متكئين، (وَذُلِّلَتْ): سهلت، (قُطُوفُهَا) ثمارها، (تَذْلِيلاً): لا يمتنع على قطافها في أى حال يكونون من القيام، والرقود يحتمل أن يكون الواو حالاً من ضمير عليهم
стр. 2139
بحذف العائد أي: وذلك لهم، (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ)، الباء للتعدية، (مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ): أباريق بلا عروة، (كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) أي: جامعة بين صفاء الزجاجة، وبياض الفضة، ولينها ونصب قوارير على البدل، أو بتقدير أعني، (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا)، الضمير للطائفين بها الدال عليه " يطاف عليهم " أي: قدرَ الخدمُ الآنيةَ على قدر ريهم وحاجتهم لا يزيد فيها الشراب، ولا ينقص، وهو ألذ للشارب، وقيل: مرجع هذا الضمير مرجع سائر الضمائر في الآية أي قدروها في أنفسهم، فجاءت مقاديرها، وأشكالها كما تمنوه، (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا) خمرًا (كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا)، المعنى والإعراب كما مر في كان مزاجها كافورًا عينًا، والعرب تستطيب طعم الزنجبيل جدًا، وعن قتادة وغيره: الأبرار يمزج لهم من هذا تارة ومن ذاك أخرى، وأما المقربون فيشربون من كل منهما صرفًا، (تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا)، لسلاسة في الحلق ليس فيها إحراق الزنجبيل، ولدغه مع أن فيها طعمه، أو سميت به، لأنها تسيل عليهم في السبل، والطرق، والمنازل، (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ):
стр. 2140
لا يموتون، (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا): من صفاء ألوانهم، وطراوتهم، وانبثاثهم فى منازلهم، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) أي: إذا وجدت الرؤية في الجنة، ترك مفعوله ليعم، (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا): واسعًا، (عَالِيَهُمْ)، بالنصب حال من عليهم وبسكون الياء مبتدأ، وقوله: (ثِيَابُ سُنْدُسٍ)، خبره، وهو ما رقَّ من الثياب، (خُضْرٌ)، بالجر صفة سُنْدُسٍ، وبالرفع صفة ثياب، (وَإِسْتَبْرَقٌ): هو ما غلظ من الثياب، وله بريق، ولمعان بالرفع عطف على ثياب، وبالجر على سندس، (وَحُلُّوا)، عطف على ويطوف، (أَسَاوِرَ)، جمع سوار، (مِنْ فِضَّةٍ)، وهذا للأبرار، وأما المقربون فيحلون من أساور من ذهب، أو للأبرار أساور من ذهب، وفضة، (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)، عين على باب الجنة من شرب منها نزع ما كان في قلبه من الأخلاق الرديئة، أو طاهرًا من الأقذار لم تدنسه الأيدي، والأرجل كخمر الدنيا، أو لأنه يرشح عرقًا له ريح كالمسك، (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ) أي: يقال لهم ذلك، (جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا): غير مضيَّع.
* * *
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)
* * *