← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) * * * (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَان): قد أتى على جنس بني آدم، (حِينٌ منَ الدَّهْرِ): طائفة من الزمن الممتد، (لَمْ يَكُنَ شَيْئًا مَّذكُورًا): لم يعرف، ولم يذكر، وعن بعض المراد آدم، فإنه ملقى أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه، والجملة حال من الإنسان، أو وصف لحين بحذف الراجع أي: لم يكن فيه شيئًا، (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ): بني آدم، (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)، جمع مشج أي: أخلاط أي: من نطفة قد اختلط، وامتزج فيها ماء الرجل والمرأة، أو ألوان فما للرجل لون وللمرأة لون (نَبْتَلِيهِ): مريدين اختباره، (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا): فإنه بالسمع والبصر يتمكن من الطاعة والمعصية، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): بيَّنَّا له طريق الحق، (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، حالان من أول مفعولي هدينا أي: هديناه في حاليه جميعًا، أو مقسومًا إلى الحالين بعضهم شاكر بأن سلكوا طريقًا هديناهم، وبعضهم كفور بالإعراض عنه، (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا إِنَّ الْأَبْرَارَ)، جمع بر أو بارَّ، (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ):

стр. 2137

من خمر، (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا): تخلق منها رائحة الكافور، وبياضه وبرده، فكأنها مزجت بالكافور، أو تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك، (عَيْنًا)، بدل من محل من كأس بحذف مضاف أي: خمر عين، أو نصب على الاختصاص، أو الكافور اسم عين فى الجنة، فيكون عينًا بدلاً منه، (يَشْرَبُ بِهَا) أي: ملتذًّا بها، أو يشرب بمعنى يروى، فلذلك عدي بالباء، أو الباء زائدة، أو بمعنى من، (عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): يجرونها حيث أرادوا من منازلهم، (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)، مستأنفة كأنه قيل: لأي سبب رزقوا ذلك؟ وعن بعض المراد بالنذر الواجب أي: يوفون بما يجب عليهم من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): منتشرًا غاية الانتشار فيجتنبون عن المعاصي، (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) الأولى أن يكون الضمير للطعام ليكون موافقًا لقوله تعالى " لن تنالوا البر " الآية [آل عمران: ٩٢]، ولأن فيما بعده، وهو لوجه الله فَنِيَّة أن يكون تقديره على حب الله، (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا): وإن كان من أهل الشرك أمر ﵇ يوم بدر بإكرام الأسراء أو المراد المسجون من المسلمين، أو المراد الأرقاء نزلت حين نذر علي وفاطمة صوم ثلاث في مرض ولديهما إن بريا فلما صاما وأرادا الإفطار وقف عليهما مسكين فآثراه فباتا بلا عشاء، ثم وقف عليهما في الليلة الثانية يتيم، فآثراه فباتا جائعين ثم في الثالثة أسير من

стр. 2138

المشركين فآثراه فلم يفطرا في صوم ثلاث إلا بالماء (١)، (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ): قائلين ذلك بلسان الحال، أو المقال ليعرف الفقير أنها صدقة ليست للمجازاة، (لِوَجْهِ اللهِ): خالصًا غير مشوب بحظ النفس، (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، مصدر كالقعود، (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا)، مستأنفة للتعليل، (يَوْمًا) أي: عذابه، (عَبُوسًا)، مجاز أي: عبوسًا فيه أهله، أو كالأسد العبوس في الضرر والشدة، (قَمْطَرِيرًا): شديد العبوس، عن عكرمة وغيره، يعبس الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق كالقطران، وعن ابن عباس ﵄ العبوس الضيق، والقمطرير الطويل، (فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً)، بدل عبوس الكفار، (وَسُرُورًا)، بدل حزنهم، (وَجزَاهُم بِمَا صَبَرُوا): على ترك الشهوات، وأداء الواجبات، (جَنَّةً وَحَرِيرًا): يلبسونه، (مُتَّكِئِينَ فِيهَا)، حال من أول مفعولي جزاء، أو صفة لثاني مفعوليه على مذهب الكوفيين، (عَلَى الأَرَائِكِ): السرر في الحجال، (لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا): لا حرٌّ مزعجٌ، ولا بردٌّ مؤلم، بل هواء معتدل، (وَدَانِيةً): قريبة، (عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا)، الواو للعطف على متكئين، " ولا يرون " يحتمل أن يكون حالاً من ضمير متكئين، (وَذُلِّلَتْ): سهلت، (قُطُوفُهَا) ثمارها، (تَذْلِيلاً): لا يمتنع على قطافها في أى حال يكونون من القيام، والرقود يحتمل أن يكون الواو حالاً من ضمير عليهم

стр. 2139

بحذف العائد أي: وذلك لهم، (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ)، الباء للتعدية، (مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ): أباريق بلا عروة، (كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) أي: جامعة بين صفاء الزجاجة، وبياض الفضة، ولينها ونصب قوارير على البدل، أو بتقدير أعني، (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا)، الضمير للطائفين بها الدال عليه " يطاف عليهم " أي: قدرَ الخدمُ الآنيةَ على قدر ريهم وحاجتهم لا يزيد فيها الشراب، ولا ينقص، وهو ألذ للشارب، وقيل: مرجع هذا الضمير مرجع سائر الضمائر في الآية أي قدروها في أنفسهم، فجاءت مقاديرها، وأشكالها كما تمنوه، (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا) خمرًا (كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا)، المعنى والإعراب كما مر في كان مزاجها كافورًا عينًا، والعرب تستطيب طعم الزنجبيل جدًا، وعن قتادة وغيره: الأبرار يمزج لهم من هذا تارة ومن ذاك أخرى، وأما المقربون فيشربون من كل منهما صرفًا، (تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا)، لسلاسة في الحلق ليس فيها إحراق الزنجبيل، ولدغه مع أن فيها طعمه، أو سميت به، لأنها تسيل عليهم في السبل، والطرق، والمنازل، (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ):

стр. 2140

لا يموتون، (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا): من صفاء ألوانهم، وطراوتهم، وانبثاثهم فى منازلهم، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) أي: إذا وجدت الرؤية في الجنة، ترك مفعوله ليعم، (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا): واسعًا، (عَالِيَهُمْ)، بالنصب حال من عليهم وبسكون الياء مبتدأ، وقوله: (ثِيَابُ سُنْدُسٍ)، خبره، وهو ما رقَّ من الثياب، (خُضْرٌ)، بالجر صفة سُنْدُسٍ، وبالرفع صفة ثياب، (وَإِسْتَبْرَقٌ): هو ما غلظ من الثياب، وله بريق، ولمعان بالرفع عطف على ثياب، وبالجر على سندس، (وَحُلُّوا)، عطف على ويطوف، (أَسَاوِرَ)، جمع سوار، (مِنْ فِضَّةٍ)، وهذا للأبرار، وأما المقربون فيحلون من أساور من ذهب، أو للأبرار أساور من ذهب، وفضة، (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)، عين على باب الجنة من شرب منها نزع ما كان في قلبه من الأخلاق الرديئة، أو طاهرًا من الأقذار لم تدنسه الأيدي، والأرجل كخمر الدنيا، أو لأنه يرشح عرقًا له ريح كالمسك، (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ) أي: يقال لهم ذلك، (جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا): غير مضيَّع. * * * (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) * * *

стр. 2141

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا): متفرقًا منجمًا آية بعد آية، وفي تكرير الضمير مع التأكيد بإن مزيد اختصاص التنزيل، (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ): بتأخير نصرك، (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)، لفظ أو للدلالة على أن إطاعة كل واحد منهما قبيح، فالجمع بين الطاعتين أقبح، والآثم الكافر؛ لأن الفسوق في الأفعال يظهر من الكافر، والكفور المنافق، لأنه صفة القلب، ولا تطع الكافرين، والمنافقين، وعن بعض الآثم عتبة، فإنه ركَّاب الفسوق، والكفور الوليد، فإنه الغالي في الكفر، وهما قالا لو رجعت عن هذا الأمر لزوجناك ابنتينا بغير مهر، وأعطيناك من المال حتى ترضى، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا): أول النهار وآخره، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا)، كما قال: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) [الإسراء: ٧٩] وعن بعض المراد صلاة الصبح، والعصر، والمغرب، والعشاء، والتهجد، (إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ العَاجلَةَ): الدار العاجلة، (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ): وراء ظهورهم، أو أمامهم، (يَوْمًا ثَقِيلًا): شديدًا، (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ): ربطهم، وتوثيق مفاصلهم، (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ): في شدة الأسر بعد إهلاكهم، (تَبْدِيلًا)، والمراد النشأة الأخرى، والتبديل في الصفات، أو المراد إذا شئنا أهلكناهم،

стр. 2142

ونأت بخلق جديد مثلهم بدلهم فالتبديل في الذوات، وحقه حينئذ إن بدل إذا لكن جيء بإذا على المبالغة كأن له وقتًا معينًا، (إِنَّ هَذِهِ) أي: السورة، (تَذْكِرَةٌ): عظة، (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا): طريقًا ومسلكًا إلى الله، (وَمَا تَشَاءُونَ): ذلك، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) أي: إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا): فيعلم من يستحق الهداية، فيقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فييسر له أسبابها، وله الحكم في ذلك، (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ): بهدايته، (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، نصب الظالمين بفعل يفسره ما بعده، مثل أعد. اللهم أدخلنا برحمتك في رحمتك ولا تجعلنا من الظالمين. * * *

стр. 2143

سورة الْمُرْسَلَاتِ مكية وهى خمسون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) * * *

стр. 2144

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، أقسم سبحانه بالرياح المرسلة حال كونها متتابعات تهب شيئًا فشيئًا، أو بالملائكة حال كونهم يتبع بعضهم بعضًا وعن بعض المراد بالعرف المعروف أي: الملائكة التي أرسلت للمعروف من الأوامر والنواهي، (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)، وبالرياح الشديدة الهبوب، أو بالملائكة العاصفات عصف الرياح في امتثال أمر الله، (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا)، وبالرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء، أو بالملائكة الناشرات أجنحتهن لنزول الوحي، أو التي نشرن الشرائع في الأرض، (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا)، وبالملائكة الفارقات بين الحق والباطل بسبب الوحي، (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا)، وبالملائكة الملقيات إلى الرسل وحيًا، (عذْرًا أَوْ نذْرا) أي: لإعذار المحققين، أو إنذار المبطلين، ويحتمل أن يكونا بدلين من ذكرا، (إِنَّمَا تُوعَدُونَ): من مجيء القيامة، (لَوَاقِعٌ)، هو جواب القسم، (فَإِذَا النُّجُومُ

стр. 2145

طُمِسَتْ): مُحى نورها، أو محقت ذواتها، (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ): انشقت، (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ): قلعت، (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ): جمعت، وعين لها الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) أي: يقال لأي يوم أخرت؟ وضرب الأجل لجمعهم، وهو تعظيم لليوم، وتعجيب منه، (لِيَوْمِ الفَصْلِ)، بين الخلائق بيان ليوم التأجيل، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ)، لعظمته لا يكتنه كنهه، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ): بذلك اليوم، هو مثل سلام عليك في العدول إلى الرفع، ويومئذ ظرف للويل، (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ): من الأمم المكذبة، (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ): نتبعهم أمثالهم من الآخرين ككفار مكة، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الفعل، (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)، التكرير للتوكيد، وهو حسن شائع في عرف العرب ولغتهم، (أَلَمْ نَخْلُقكم مِّن مًّاء مَّهِين): نطفة ذليلة، (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مكِينٍ)، هو الرحم، (إِلَى قَدَرٍ): مقدار، (مَّعْلُومٍ): من الوقت، (فَقَدَرْنَا): ذلك تقديرًا من التقدير لا من القدرة، (فنعْمَ القَادِرُونَ): نحن، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا)، اسم لما يكفت أي: يضم، ويجمع أي: كافتة،

стр. 2146

(أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)، مفعول كفاتا، أو تقديره تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتًا في بطنها قيل: كفاتا حال وأحياء ثاني مفعولي جعل أو بالعكس فالمراد من الأحياء ما ينبت، ومن الأموات ما لا ينبت، (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ): جبالاً ثوابت، (شَامِخَاتٍ): طوالاً، (وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا): عذبًا من الأمطار والأنهار، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ انطَلِقُوا) أي: يقال لهم في ذلك اليوم اذهبوا، (إِلَى مَا كُنتُم بِه تُكَذِّبُون): في الدنيا، (انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ) أي: ظل دخان جهنم، (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ): يتشعب لعظمه ثلاث شعب كما ترى الدخان العظيم يتفرق ذوائب، (لَا ظَلِيلٍ): كسائر الظلال، (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ): وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئًا، (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ)، هو ما تطاير من النار، (كَالْقَصْرِ): كل شررة كالقصر فى العظم، أو هو جمع قصرة أي: شجرة غليظة، عن ابن عباس ﵄ كنا نعمد إلى الخشبة، فنقطعها ثلاثة أذرع، وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميه القصر، (كَأَنَّهُ) أي: الشرر، (جِمَالَتٌ صُفْرٌ)، جمع جمال جمع جمل شبه الشرر بالقصر في عظمه حين ينفض من النار، وبالجمالات في اللون، والكثرة، والتتابع، والاختلاط، وسرعة الحركة حين يأخذ في الارتفاع، والانبساط، ومن قرأ بضم الجيم فالمراد الحبال العظيمة من حبال السفن شبهه بها في امتداده، والتفافه، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذا يَوْمُ لَا يَنطِقُون): للقيامة حالات وأيام، ففي بعضها يخاصمون، وفي بعضها يقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) أي: لا يحصل لهم الإذن، ولا الاعتذار عقيبه فيعتذرون عطف على يؤذن، وما جعله جوابًا لإيهام أن لهم عذرًا لكن لم يؤذن لهم فيه، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ): بين المحق والبطل، (جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ): حتى يمكن الفصل، (فَإِنْ كَانَ

стр. 2147

لَكُمْ كَيْدٌ): في الفرار مني، (فَكِيدُونِ)، تقريع وتهديد على كيدهم في الدنيا لإطفاء دين الله، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ). * * * (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) * * * (إِنَّ الْمُتَّقِينَ)، مقابل للمكذبين، (فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي: مستقرون في أنواع الترفع، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: مقولاً لهم ذلك، (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ): في العقيدة والعمل، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا)، كلام مستأنف خطاب للمكذبين في الدنيا، (إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ)، استئناف علة لقلة التمتع، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ): في الدنيا، (لَهُمُ ارْكَعُوا) أي: صلُّوا، (لاَ يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ): بعد القرآن، (يُؤْمِنُونَ) إذا لم يؤمنوا به مع أنه لا حديث يساويه أو يدانيه، فلا حديث أحق بالإيمان منه، وقد ورد " من قرأ والمرسلات عرفا " " فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ " فليقل آمنت بالله، وبما أنزل. والحمد لله وحده. * * *

стр. 2148

سورة النَّبَإِ مكية وهي أربعون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) * * * (عَمَّ)، حرف جر دخل على ما الاستفهامية، وحذف الألف في كثرة الاستعمال، (يَتَسَاءَلُونَ)، كان أهل مكة يتساءلون فيما بينهم عن القيامة استهزاء، ومعنى هذا

стр. 2149

الاستفهام التفخيم والتعظيم، (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)، بيان للشأن المفخم، أو صلة يتساءلون، و " عم " متعلق بفعل يفسره ما بعد، وقراءة " عمه " دالة عليه، والنبأ: القيامة، وعن بعض: القرآن، (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ): بالإنكار والشك، أو ضمير يتساءلون لجنس الناس، ويكون الاختلاف بالإقرار، والإنكار، (كَلَّا)، ردع عن هذا التساؤل، والاختلاف، (سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)، تكرير للمبالغة، و " ثم " للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد، (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا): فراشًا، (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا): للأرض حتى لا تتحرك يعني: ومن قدر على مثل هذا كيف لا يقدر على البعث؟! (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا): أصنافًا ذكرَّاَ وأنثى، (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا): قطعًا عن الحس، والحركة استراحة للبدن أو موتًا، فإن النوم أخو الموت، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا): غطاء يستركم عن العيون، (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا): وقت معاش تحصلون فيه ما تعيشون به، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا): سبع سموات، (شِدَادًا): محكمات، (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا) أي: الشمس، (وَهَّاجًا): متلألئًا حارًا، (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ)، هي السحائب، التي شارفت أن تعصرها الرياح، كأعصرت الجارية،

стр. 2150

إذا دنت أن تحيض، أو الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، فهمزة أعصرت للحينونة، والرياح كالمبدأ الفاعلي للمبدأ؛ لأنها تنشئ السحاب فجاز أنه منه، أو هي السماوات، فإن الماء ينزل من السماء إلى السحاب كما صح عن ابن عباس، وغيره، فالسماوات يحملن السحاب على العصر، فالهمزة للتعدية، (مَاءً ثَجَّاجًا): منصبًا لكثرته، (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا): من الحنطة، والشعير، (وَنَبَاتًا): خضرًا مما يأكل الناس، والأنعام، (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا): ملتفة بعضها ببعض، جمع لف بكسر اللام، أو بضمها جمع لفاء، فيكون جمع الجمع، أو جمع ملتفة بحذف الزوائد، (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ): في علم الله، (مِيقَاتًا): وقتًا محدودًا [تنتهي] الدنيا عنده، أو تنتهي الخلائق إليه، (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)، بدل أو عطف بيان، (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا): زمرًا وجماعات، (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ): شقت، (فَكَانتْ): فصارت، (أَبْوَابًا): ذات أبواب، أو من كثرة الشقوق كان الكل أبواب، (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ): في الهواء كالهباء، (فَكَانَتْ سَرَابًا): كسراب، فإنها كانت شيئًا فالآن لا شيء، (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا)، هو الحد الذي فيه الحراس أي: موضع يرصد الكفار فيه، أو طريقًا وممرًا إلى الجنة، (لِلطَّاغِينَ مَآبًا): مرجعًا، (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): حقبًا بعد حقب إلى ما لا يتناهى، وعن عليٍّ: كل حقب ثمانون سنة، كل

стр. 2151

يوم منها ألف سنة مما تعدون، (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا): روحًا ينفس عنهم حر النار، أو نومًا، (وَلَا شَرَابًا): يسكن من عطشهم، (إِلا حَمِيمًا) أي: لكن يذوقون فيها ماء في غاية الحرارة، (وَغَسَّاقًا): ماء يسيل من جلود أهل النار، وعيونهم، أو الزمهرير، ويحتمل أن قوله: " لا يذوقون " حال من ضمير " لابثين "، أو صفة " أحقابًا " على أن ضمير فيها للأحقاب، وحاصله: لابثين فيها أحقابًا غير ذائقين إلا حميمًا، وَغَسَّاقًا، وبعد ذلك يبدلون جنسًا آخر من العذاب، (جَزَاءً وِفَاقًا) أي: جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقًا لها، (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ): لا يخافون، (حِسَابًا): ولا يؤمنون بيوم الدين، (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا): تكذيبًا، وفعال بمعنى تفعيل شائع مطرد، (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا): في الإحصاء، والكتابة معنى الضبط، والتحصيل، فيكون كتابًا مفعولاً مطلقًا من أحصينا، لأن أحصى بمعنى كتب، أو بالعكس، وجاز أن يكون حالاً بمعنى المكتوب في اللوح، (فَذُوقُوا) أي: فيقال لهم: ذوقوا، وهو مسبب عن عدم الحوف عن الحساب، وتكذيب الآيات، (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا)، عن بعض السلف: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه. * * * (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)

стр. 2152

إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) * * * (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا): محل فوز، أو فوزًا وظفرًا بالبغية، (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا): بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة، سيما العنب، بدل اشتمال، أو بعضٍ من مفازًا، (وَكَوَاعِبَ): نساء استدارت ثديهن، (أَتْرَابًا): مستويات في السن، (وَكَأْسًا دِهَاقًا): مملوة، (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا): كلامًا خاليًا عن الفائدة، (وَلَا كِذَّابًا): تكذيبًا أي: لا يكذب بعضهم بعضًا، (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ)، بمقتضى وعده، نصب بمصدر مؤكد لقوله: " إن للمتقين مفازا "، (عَطَاءً حِسَابًا) أي: تفضلاً كافيًا، بدل من جزاء، (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، بالجر بدل من (ربِّك)، وبالرفع مبتدأ، (الرَّحْمَنِ)، بالجر صفة، وبالرفع مع رفع " رب "، فيكون خبرًا له، ومع جره فتقديره: هو الرحمن أو مبتدأ خبره قوله: (لاَ يَمْلِكُونَ) أي: أهل السماوات،

стр. 2153

والأرض، (مِنْهُ): من الله، (خِطَابًا)، فمنه صلة يملكون، أي: لا يُمّلكهم الله خطابًا واحدًا، إشارة إلى أن مبدأ الملك منه، نعم إن أُذِنَ لهم فيقدرون على تكلّمه وخطابه، (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ)، هو بنو آدم، أو خلق أعظم من الملائكة على صورة البشر، أو جبريل، أو أشرف الملائكة يعني صاحب الوحي، أو القرآن أو ملك بقدر جمع المخلوقات، هو صنف، وسائر الخلائق صف، (وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا) أي: صافين، (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)، ويوم ظرف لا يملكون، أو لا يتكلمون، وفيه تقرير، وتوكيد لقوله: " لا يملكون منه خطابًا "، فإن الملائكة مع أنَّهم من

стр. 2154

أفضل الخلائق مقربون غير عاصين إذا لم يقدروا أن يتكلموا إلا بإذنه فكيف غيرهم؟ (وَقَالَ صَوَابًا) أي: للتكلم شرطان: الإذن، والتكلم بالصواب، فلا يشفع مثلاً لغير المستحق، أو له شرطان: الإذن والتكلم بالصواب في الدنيا، فالكافر لا يتكلم يعني كلامًا ينفعهم، أو ينفع غيرهم، (ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ): الكائن لا محالة، (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا): مرجعًا بالطاعة، وأنواع القربات، (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا): عذاب الآخرة، وكل ما هو آت قريب، مع أن مبدأه الموت، (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ): من خير وشر، والمرء عامٌّ، وقيل: الكافر، والمراد مما قدمت يداه الشر، وما إما موصولة مفعول " ينظر "، وإما استفهامية مفعول " قدمت "، قُدَّمت لصدارتها، و " يوم " بدل من " عذابًا " بحذف مضاف، أي: عذاب يوم، أو بدل اشتمال فلا يحتاج إلى تقدير، أو صفة أخرى لـ عذابًا، (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا): في هذا اليوم، وفي الحديث " يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات، حتى ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم قال لها كوني، ترابًا، فتصير الحيوانات ترابًا فعند ذلك يتمني الكافر، ويتمني أن يكون في الدنيا ترابًا، فلم أخلق، ولم أكلف ". والحمد لله على الإسلام. * * *

стр. 2155

سورة النَّازِعَاتِ مكية وهي ست وأربعون آية، وفيها ركوعَانِ * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) * * * (وَالنَّازِعَاتِ) أقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار، (غَرْقًا): إغراقًا في النزع، فإنها تنزعها من أقاصي الأجساد من الأنامل والأظفار بعسر وشدة، أو المراد النجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها قطع الفلك كله حتى تنحط في

стр. 2156

أقصى الغرب، أو المراد قسي الغزاة تنزع السهام إغراقًا في النزع، والأصح الأول، وهو قول أكثر الصحابة، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا): الملائكة التي تنشط، أي تخرج أرواح المؤمنين، كما ينشط العقال من يد البعير بسهولة، أو النجوم التي تخرج من برج إلى آخر، أو الغزاة تخرج السهم للرمي، (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): الملائكة التي تسبح في مضيها، وتسرع في قضاء الحوائج، أو السيارات، فكل في فلك يسبحون، أو خيل الغزاة تسبح في جريها، أو السفن، (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا): الملائكة التي سبقت ابن آدم بالإيمان والأعمال، أو أرواح المؤمنين تسبق شوقًا إلى لقاء الله، أو النجوم تسبق بعضها بعضًا في السير، أو خيل الغزاة، (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا): الملائكة التي تدبر الأمر من السماء إلى الأرض بأمر ربها، والسلف ما اختلفوا في هذا الأخير، ولم ينقل عنهم إلا قول واحد، وجواب القسم محذوف، وهو مثل (لَتُبْعَثُنَّ) وما بعده يدل عليه، (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) أي: تضطرب، وتتحرك الواقعة التي ترجف عندها الأجرام، كـ يوم ترجف الأرض، والجبال، وهي النفحة الأولى، ويوم ظرف لجواب القسم المحذوف، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ): الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية، وبينهما أربعون سنة، والجملة حال، وفي الترمذي وغيره " كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل، قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه (قُلُوبٌ) مبتدأ خصص بتنكير التنويع، (يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ): شديدة الاضطراب خائفة، (أَبْصَارُهَا) أي: أبصار أصحابها، (خَاشِعَةٌ): ذليلة من الخوف، (يَقُولُونَ) مستأنفة للتعليل، كأنه قال: لأنَّهُم يقولون في الدنيا: (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) في الحالة الأولى: أي: الحياة بعد الموت، يقال: رجع في حافرته، أي: من

стр. 2157

حيث جاء، وعن مجاهد: أئِنا لمردودون إلى الحياة حال كوننا في الحافرة أي القبرة، (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) أي: أئذا كنا عظامًا بالية تردوا، المحذوف عامل إذا، (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ): ذات خسران، يعني: إن صحت فنحن إذا خاسرون، وهذا منهم استهزاء، (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ)، هذا قول الله أي: لا تستصعبوها فما هيِ إلا صيحة، والمراد النفخة الأخيرة، (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) أي: فإذا الناس أحياء على وجه الأرض، والساهرة: الأرض المستوية، وعن قتادة: هي جهنم، (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى)، وهذا تسلية من الله لرسوله، (إِذْ نَادَاهُ ربهُ بالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طوًى) اسم الوادي على الأصح، كما مر في سورة طه، (اذْهَبْ)، أي: قال له اذهب، (إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى): تكبر وتمرد، (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى): أي هل لك ميل، ورغبة إلى أن تتطهر من الشرك، والطغيان، (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ): إلى معرفته، (فَتَخْشَى): من عقابه، (فَأَرَاهُ) أي: فذهب فبلغ فأراه، (الْآيَةَ

стр. 2158

الْكُبْرَى) أي: المعجزة الكبرى، (فَكَذبَ): بأنَّهَا من الله، (وَعَصَى): الله، (ثُمَّ أَدْبَرَ): أعرض عن الطاعة، (يَسْعَى): ساعيًا في الفساد، وإبطال أمره، (فَحَشَرَ): جمع جنوده، (فَنَادَى)، في المجمع، (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى): لا رب فوقي، قيل: هم يعبدون الأصنام، فأراد ربها وربكم، (فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى): نكال الآخرة بالإحراق ونكال الدار الدنيا بالإغراق، وعن مجاهد نكال الكلمة الآخرة، وهي قوله " أنا ربكم الأعلى " ونكال الكلمة الأولى، وهي قوله: " ما علمت لكم من إله غيري " [القصص: ٣٨]، وبينهما أربعون سنة، ونصب نكال، بأنه مصدر مؤكد أو مفعول له، أي: للتنكيل فيهما، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى): لمن كان من شأنه الخشية. * * * (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) * * *

стр. 2159

(أَأَنْتُمْ): يا منكرى البعث، (أَشَدُّ): أصعب، (خَلْقًا)، بعد الموت، (أَمِ السَّمَاءُ) ثم بين كيفية خلقها فقال: (بَنَاهَا)، ثم بين البناء فقال: (رَفَعَ سَمْكَهَا): جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدًا رفيعًا، (فَسَوَّاهَا): عدلها مستوية بلا قطور، أو تممها وأصلحها، من سويت أمره إذا أصلحته، (وَأَغْطَشَ): أظلم، (لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): أبرز ضوء شمسها، أضاف الليل والنهار إلى السماء، لأنهما يحدثان بحركتها، (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا): بسطها، خلق الأرض قبل السماء لكن دحوها بعدها، نقل ذلك عن ابن عباس، وفيه إشكال لأن الدحو هو البسط، وخلقُ الجبال، والأنهار، والمراعي، كما صرح ابن عباس، وقد مر في سورة " حم " السجدة أن ذلك مقدم على خلق السماء، ويدل على ذلك صريح الآية في تلك السورة، وأيضًا كثير من الصحابة صرحوا بأن خلق نفس الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في الثلائاء والأربعاء، وخلق السماء في الخميس والجمعة، قيل: فالوجه أن يجعل الأرض منصوبًا بمضمر، نحو تذكر وتدبر، أو اذكر الأرض بعد ذلك

стр. 2160

وإن جعل مضمرًا على شريطة التفسير، جعل بعد ذلك إشارة إلى المذكور سابقًا، من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه، ليدل على أنه متأخر في الذكر عن خلق السماء، تنبيهًا على أنه قاصر في الدلالة عن الأول، لكنه تتميم، ولو قلنا: إن " ثم " في قوله " ثم استوى إلى السماء " في سورة حم السجدة، لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة، ويكون دحو الأرض بعد خلق السماء، لما يبقى مخالفة بين الآيتين، لكن مخالف لإطباق أهل التفسير، ثم خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام، ثم خلق السماء وما فيها في يومين، إلا ما نقل الواحدي في " البسيط "، عن مقاتل: أن خلق السماء مقدم على إيجاد الأرض فضلاً عن دحوها، وعلى أي وجه لا يخلو عن إشكال فلا تغفل، (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا): عيونها، ترك العطف لأنه حال بتقدير " قد " أو بيان للدحو وهو المراد منه، (وَمَرْعَاهَا): رعيها، الرعي بالكسر: الكلاء، وبالفتح: المصدر، والمرعى يقع عليهما، وعلى الموضع، (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا): أثبتها حتى لا يتحرك، (مَتَاعًا): تمتيعًا، (وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ): الداهية، التي تطم وتعلو وتغلب على الدواهى، (الْكُبْرَى): وهي القيامة، (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى): ما عمل في الدنيا، وقد نسيها بدل من إذا جاءت، (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى): أظهرت لمن له عين، (فَأَمَّا مَنْ طَغَى): تمرد، (وَآثَرَ

стр. 2161

الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، على الآخرة، (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) أي: هي مأواه واللام ساد مسد الإضافة للعلم به، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ)، أي: مقامه بين يديه في الآخرة، (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى): زجرها عن اتباع شهوتها، (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، وجواب فإذا جاءت هو قوله: " فأما " كأنه قال: فإذا جاءت، فإن الطاغي للجحيم مأواه، وإن الخائف للجنة مأواه، وزيادة إما لزيادة المبالغة، وتحقيق الترتيب، والثبوت على كل تقدير، أو جوابه محذوف كأنه قال: فإذا جاءت وقع ما وقع، وقوله، " فأما " تفصيل لذلك المحذوف، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ): متى، (مُرْسَاهَا): إرساء بها وإقامتها، (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا): في أي شيء أنت يا محمد، من أن تذكر وقتها لهم، يعني ما أنت من تبيين وقتها في شيء، وقيل: تتمة لسؤالهم، أي: سألوا متى وقتها؟ وفي أي شيء أنت من ذكرها؟ أي: هل لك يقين أو ظن أو جهل؟ والجواب قوله: (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا)، أي: منتهى علمها إلى الله وحده،) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)، لا مُعِين وقتها، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا): في الدنيا، وقيل: في القبر، (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)، أي: ضحى تلك العشية يعني: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا كأنها لم تبلغ يومًا كاملاً، ولكن ساعة منه إما عشية أو ضحاه كما تقول آتيك العشية أو غداتها. والحمد لله حقَّ حمده. * * *

стр. 2162

سورة عَبَسَ مكية وهي اثنتان وأربعون آية، وفيها ركوع واحد وكذا إلى آخره * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)

стр. 2163

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) * * * (عَبَسَ وَتَوَلَّى): أعرض، (أَن جَاءَهُ)، أي: لأن جاءه، (الأَعْمَى)، نزلت حين جاء عبد الله بن أم مكتوم النبيَّ ﵇، وكان ممن أسلم قديمًا، فجعل يسأل عن شيء ويلح، وهو ﵇ يخاطب بعض عظماء قريش طمعًا في إسلامهم، فعبس في وجه عبد الله وأعرض عنه، وهو ضرير، وأقبل عليهم، (وَمَا يُدْرِيكَ)، أيُّ شيء يجعلك داريًا بحال هذا الأعمى، (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)، يتطهر من الآثام بما يتعلم منك، (أَوْ يَذَّكَّرُ): يتعظ، (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى)، وينتهي عن المحارم، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى): عن الله بماله، (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى): تتعرض له بالإقبال، (وَمَا عَلَيْكَ): بأس وضرر، (أَلَّا يَزَّكَّى)، في ألا يتزكى بالإسلام، فلم أعرضت عنه وتعرضت له؟!، (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى): يسرع، هو ابن أم مكتوم، (وَهُوَ يَخْشَى): الله، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى): تتشاغل، نقل أنه ﵇ بعد

стр. 2164

ذلك يكرمه، ويقول إذا جاءه: " مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي " واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، (كَلَّا)، ردع عن معاودة مثله، (إِنَّهَا): القرآن، وتأنيثه لتأنيث الخبر، (تَذْكِرَةٌ فمَن شَاءَ ذَكَرَهُ): اتعظ به، أو حفظه، أو أن الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم تذكرة، فمن شاء ذكره، (فِي صُحُفٍ)، أي: هو مثبت في صحف، أو صفة لـ تذكرة، (مُكَرَّمَةٍ)، عند الله، (مَرْفُوعَةٍ): رفيعة القدر، (مُطَهَّرَةٍ): من أيادى الشياطين، (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ)، ملائكة هم الرسل، والسفير هو الرسول، (كِرَامٍ)، على الله، (بَرَرَةٍ): أتقياء، ولعل الصحف ما بأيدي الملائكة، ينتسخون القرآن من اللوح المحفوظ، حين ينزلونه إلى السماء الدنيا، أو المراد من السفرة أصحاب رسول الله ﷺ أو القراء، والسفرة: الكتبة، فالمراد من الصحف ما بأيدي الناس من المصاحف والألواح، (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ): ما أشد كفره، دعاء على من أنكر البعث بأبلغ

стр. 2165

وجه وأشده، (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ): شيء حقير مهين، (خَلَقَهُ)، بيان لا أنعم عليه، (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)، أطوارًا إلى أن تم خلقته، أو هيأه لما يصلح من الأشكال، (ثُمَّ السَّبِيلَ)، إلى الخروج من بطن أمه، (يَسَّرَهُ)، أو الطريق إلى الحق ذلل له نحو: " إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا " [الإنسان: ٣]، (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ)، أمره بالقبر، أو صير له قبرًا يدفن فيه، ولم يجعله ممن يلقى كالسباع تكرمة له، (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ): أحياه بعد موته، (كَلَّا)، ردع للإنسان عن الكفر، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ)، أي: لم يقض الإنسان أبدًا ما أمره الله من الفرائض، وفي البخاري عن مجاهد " لا يقضي أحد ما أمره به "، أي: جميع ما كان عليه، فإن الإنسان لا ينفك عن تقصير، وقيل معناه: كلا إن القيامة توجد الآن، لأنه لم يقض، ولم ينفذ ما أمره الله، وقدره من مدة حياة الدنيا وكمية بني آدم، فكأنه ردع لاستعجالهم بقولهم " أيان يوم القيامة " [القيامة: ٦]، (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)، فيه امتنان واستدلال بإحياء الأرض على البعث، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا): المطر، وقراءة (أَنَّا) بالفتح على بدل الاشتمال من طعامه، (ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا)، بالنبات، ويحتمل أن يكون المراد الشق بالكراب على البقر، وأسند الفعل إلى الموجد، والمقرر أن إسناد الفعل حقيقة لمن قام به لا لمن صدر عنه إيجادًا، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا): في الأرض، (حَبًّا)، كالحنطة، (وَعِنَبًا وَقَضْبًا): القتّ، فإنه يقطع، ويقضب مرة بعد أخرى، أو مطلق علف الدواب، (وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا): عامًا

стр. 2166

لكثرة أشجارها واتساعها، أو عظم أشجارها وغلظها، (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا): مرعى من علف الدواب، (مَتَاعًا): تمتيعًا، (لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ): اسم من أسماء القيامة، صخه: ضرب أذنه، فأصمها سميت صيحة القيامة بها، لأنه تصخ الآذان من شدتها، (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ)، بدل من إذا جاءت، (مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)، حذرًا من أن يطلب منه حسنة من حسناته، لعله ينجو بها، أو لاشتغاله بشأن نفسه، أو حذرًا من مطالبتهم في التبعات، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن غيره، وهو جواب (إذا جاءت) وفي الحديث (إن عائشة سألت، أينظر بعضنا عورة بعض؟ حين قال ﵇: يحشرون حفاة عراة غرلاً، فقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، أو قال: ما يشغله عن النظر)، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ): مضيئة، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ): فرحة بما نال من كرامة الله، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ): كُدُوَرة، (تَرْهَقُهَا): تغشاها، (قَتَرَةٌ): سواد، وظلمة، (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)، وكان جمع الغبرة إلى سواد الوجه لجمعهم الفجور إلى الكفر. اللهم لا تحشرنا بحق القرآن فيهم. * * *

стр. 2167

سورة التكوير مكية وهي تسع وعشرون آية * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) * * * (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ): جمع بعضها إلى بعض، فتُلَفّ، أو أظلمت، أو أذهبت ومحيت، أو ألقيت في جهنم، والأولى أن يكون رافع الشمس فعلاً مضمرًا يفسره ما

стр. 2168

بعده لأن: " إذا " طالب للفعل، (وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ): تناثرت، وتساقطت من السماء إلى الأرض، أو تغيرت فلم يبق لها ضوء، (وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ)، عن وجه الأرض، أو سيرت في الهواء، (وَإِذَا العِشَارُ): الحوامل من الإبل التي وصلت في حملها إلى الشهر العاشر، وهي خيار الأموال عند العرب، (عُطِّلَتْ): تركت وسيبت، أو العشار: السحاب عطلت عن المطر، أو المراد: الأرض، التي تُعَشَّر، عُطّلت عن الزرع، (وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ)، جمعت، فاختلط الناس والدواب والطيور، وماج بعضها في بعض، أو بعثت ليقتص بعضها من بعض، أو أميتت، عن ابن عباس: حشر كل شيء الموت سوى الجن والإنس، (وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ): أوقدت فصارت نارًا، وعن كثير من السلف: يرسل

стр. 2169

الله على البحر الدبور، فتسعرها فتصير نارًا، أو ملئت، وفجر بعضها إلى بعض، فتصير الكل بحرًا واحدًا أو يبست فلم يبق فيها قطرة ماء، (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ): بالأبدان، أو قرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، أي: الأمثال من الناس بينهم، أو نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، أو قرنت نفس الصالح مع الصالح فِي الجنة، ونفس الطالح مع الطالح في النار، (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ): البنات المدفونة حية، (سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، وسؤالها لتوبيخ قاتلها، وتبكيته كتبكيت النصاري بسؤال (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ) [المائدة: ١١٦]، (وَإِذا الصُّحُفُ): صحائف الأعمال، (نشِرَتْ)، للحساب، فإنها كانت مطوية، أو فرقت بين أصحابها، (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ): كشفت وأزيلت كما يكشف الغطاء عن الشيء، (وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ): أوقدت شديدًا، (وَإِذَا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ): قربت من المؤمنين، (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ)، من خير وشر، وهو جواب إذا، والمراد زمان ممتد من النفخة الأولى، وهي زمان التكوين إلى آخر الموقف، ونفس في معنى العموم كتمرة خير من جرادة، وقيل معناه: علمت نفس كافرة ما أحضرت، فالتنوين للتنويع، (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ)، خَنَسَ: تأخر، واختفى، وخنس الكواكب: رجع، (الجَوَارِ الكُنَّسِ)، الجواري: السيارة، يقال كنس الوحش إذا دخل كناسه، عن عليٍّ وغيره ﵃: هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها، أو المراد السيارات منها، سوى النيرين تجري معهما، أو ترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، أو المراد الوحش تأوي إلى كناسها، وعليه ابن عباس ﵁ ومجاهد، (وَالليْلِ إِذا عَسْعَسَ): أقبل ظلامه، أو أدبر، والأول أولى لقوله تعالي: (والضحى والليل إذا سجى)

стр. 2170

[الضحى: ١، ٢] (والليل إذا يغشى) [الليل: ١] والتحقيق أن الواو للعطف، والظرف في مثل هذه الموضع معمول مضاف مقدر، أي: وبعظمة الليل إذا، فإن الإقسام بالشيء إعظام له، كما صرح الزمخشري في " لا أقسم بيوم القيامة " [القيامة: ١] لا أنه معمول لفعل القسم لفساد المعنى، إذ ليس المراد أن إقسامه في الليل، وفي الصبح، أو إذا بدل كأنه قيل: والليل وقت غشيانه، ومثل هذا الشائع، (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ): إذا أضاء، (إِنَّهُ): القرآن، (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ): جبريل، قال عن الله،

стр. 2171

(ذي قُوَّة): شديد القوى، (عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِين): ذي مكانة، (مُطَاعٍ ثَمَّ): في السماوات بين الملأ الأعلى، فإنه من سادة الملائكة، (أَمِينٍ)، على الوحي والأمر، (وَمَا صَاحِبُكُم): محمد ﵇، (بِمَجنونٍ)، كما زعمتم، وهذا أيضًا من جواب القسم، والكلام مسوق لحقيقة المنزل، ليدل على صدق ما فيه من أهوال القيامة، ووصف الآتي بالقول يؤيد ذلك، ويشد عضده، وأما وصف من أنزل عليه فلا مدخل له في هذا الغرض الذي هو حقية القرآن، ولذا وصف جبريل، واكتفى في وصف محمد ﵉ بنفي الجنون المزعوم المنافي لأن يكون صاحبه ممن أنزل عليه، (وَلَقَدْ رَآهُ): محمدٌّ جبريلَ على صورته، (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ): هو

стр. 2172

الأفق الأعلى من ناحية المشرق، (وَمَا هُوَ): محمد، (عَلَى الغَيْبِ): على كل ما اطلع عليه مما كان غائبًا عنه، [(بِضنينٍ)]: بمتهم، ومن قرأ بالضاد فمعناه ليس ببخيل عليه، بل يبذله لكل أحد ويعلمه، (وَمَا هُوَ): القرآن، (بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رجِيمٍ)، فليس بشعر، ولا كهانة وسحر، (فَأَيْنَ تَذهَبُونَ)، هذا يقال لمن ضل الطريق، مثلت حالهم بحاله في عدولهم عنه إلى الباطل، (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ): عظة، (لِّلْعَالَمِينَ): لجميع الخلائق، (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ)، على الطريق الحق، بدل من العالمين فإن بالقرآن لم ينتفع إلا من أراد الاستقامة فكأنه لم يوعظ به غيره، (وَمَا تَشَاءُونَ)، الاستقامة، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ): إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، (رَبُّ الْعَالَمِينَ): مالك الخلق، عن سفيان الثوري: لما نزلت " لمن شاء منكم أن يستقيم " قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). * * *

стр. 2173

سورة الانفطار مكية وهي تسع عشرة آية * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله (١٩) * * * (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ): انشقت، (وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ): تساقطت، (وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ): فتح بعضها إلى بعض، فصارت بحرًا واحدًا، أو فتحت مجاريها فيذهب ماؤها فلا يبقى بحر، (وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ): قلب

стр. 2174

ترابها، وبعث من فيها من الموتى أحياء، (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)، جواب إذا، ومعناه ما مر في سورة لا أقسم، (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ)، أيّ شيء جرأك على عصيان من لطف بك حتى قابلت الطاعة بالمعاصي، وما عرفت أن الكرم يقتضي عدم التسوية بين المطيع والعاصي، عن ابن عباس وغيرهما: غرَّه واللهِ جهلُه، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ): جعل أعضاءك سليمة مسواة، [(فعَدَّلَكَ)]: صيرك معتدلاً متناسبة الخلق، وقراءة التخفيف إما بمعنى التشديد، وإما بمعنى عدلك وصرفك عن صورة غيرك، وخلقك خلقة حسنة لا كالبهائم، (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ): ركبك في أي صورة شاء، فما زائدة، في الحديث (إن

стр. 2175

النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم، ثم قرأ (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)، وعن عكرمة وغيره: إن شاء في صورة كلب، أو خنزير، لكن بلطف الله خلقه في شكل حسن، (كَلَّا)، ردع عن الاغترار بالرب الكريم، (بَلْ تُكَذٌبُونَ بالدِّينِ)، إضراب إلى بيان حقيقة ما هو السبب في الاغترار والدين: والجزاء، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبينَ): ملائكة كرامًا على الله يكتبون الأعمال، والأقوال، وكرامًا صفة لحافظين، (يَعْلَمُونَ مَا تَفعلُونَ)، فالجزاء ثابت محقق، وأنتم تكذّبون به، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)، يعني: لأجل ذلك يكتبون، (يَصْلَوْنَهَا): يدخلونها، (يَوْمَ الدِّينِ وَمَا همْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ): قط بعد دخولها، بل هم مخلدون فيها، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ)، فيه تعجيب وتعظيم لشأنه، أي: لا يدرى كنهه أحد، وإن تأمله مرات، (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا): لا يقدر أحد على نفع أحد، ولا على ضره، وقراءة " يومُ " بالرفع فعلى البدل من يوم الدين، أو هو يوم لا تملك (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله): وحده لا كما ملكهم في الدنيا بعض الأمور ظاهرًا. * * *
следующие страницы →