(ذي قُوَّة): شديد القوى، (عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِين): ذي مكانة، (مُطَاعٍ ثَمَّ): في السماوات بين الملأ الأعلى، فإنه من سادة الملائكة، (أَمِينٍ)، على الوحي والأمر، (وَمَا صَاحِبُكُم): محمد ﵇، (بِمَجنونٍ)، كما زعمتم، وهذا أيضًا من جواب القسم، والكلام مسوق لحقيقة المنزل، ليدل على صدق ما فيه من أهوال القيامة، ووصف الآتي بالقول يؤيد ذلك، ويشد عضده، وأما وصف من أنزل عليه فلا مدخل له في هذا الغرض الذي هو حقية القرآن، ولذا وصف جبريل، واكتفى في وصف محمد ﵉ بنفي الجنون المزعوم المنافي لأن يكون صاحبه ممن أنزل عليه، (وَلَقَدْ رَآهُ): محمدٌّ جبريلَ على صورته، (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ): هو
стр. 2172
الأفق الأعلى من ناحية المشرق، (وَمَا هُوَ): محمد، (عَلَى الغَيْبِ): على كل ما اطلع عليه مما كان غائبًا عنه، [(بِضنينٍ)]: بمتهم، ومن قرأ بالضاد فمعناه ليس ببخيل عليه، بل يبذله لكل أحد ويعلمه، (وَمَا هُوَ): القرآن، (بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رجِيمٍ)، فليس بشعر، ولا كهانة وسحر، (فَأَيْنَ تَذهَبُونَ)، هذا يقال لمن ضل الطريق، مثلت حالهم بحاله في عدولهم عنه إلى الباطل، (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ): عظة، (لِّلْعَالَمِينَ): لجميع الخلائق، (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ)، على الطريق الحق، بدل من العالمين فإن بالقرآن لم ينتفع إلا من أراد الاستقامة فكأنه لم يوعظ به غيره، (وَمَا تَشَاءُونَ)، الاستقامة، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ): إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، (رَبُّ الْعَالَمِينَ): مالك الخلق، عن سفيان الثوري: لما نزلت " لمن شاء منكم أن يستقيم " قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
* * *
ترابها، وبعث من فيها من الموتى أحياء، (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)، جواب إذا، ومعناه ما مر في سورة لا أقسم، (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ)، أيّ شيء جرأك على عصيان من لطف بك حتى قابلت الطاعة بالمعاصي، وما عرفت أن الكرم يقتضي عدم التسوية بين المطيع والعاصي، عن ابن عباس وغيرهما: غرَّه واللهِ جهلُه، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ): جعل أعضاءك سليمة مسواة، [(فعَدَّلَكَ)]: صيرك معتدلاً متناسبة الخلق، وقراءة التخفيف إما بمعنى التشديد، وإما بمعنى عدلك وصرفك عن صورة غيرك، وخلقك خلقة حسنة لا كالبهائم، (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ): ركبك في أي صورة شاء، فما زائدة، في الحديث (إن
стр. 2175
النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم، ثم قرأ (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)، وعن عكرمة وغيره: إن شاء في صورة كلب، أو خنزير، لكن بلطف الله خلقه في شكل حسن، (كَلَّا)، ردع عن الاغترار بالرب الكريم، (بَلْ تُكَذٌبُونَ بالدِّينِ)، إضراب إلى بيان حقيقة ما هو السبب في الاغترار والدين: والجزاء، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبينَ): ملائكة كرامًا على الله يكتبون الأعمال، والأقوال، وكرامًا صفة لحافظين، (يَعْلَمُونَ مَا تَفعلُونَ)، فالجزاء ثابت محقق، وأنتم تكذّبون به، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)، يعني: لأجل ذلك يكتبون، (يَصْلَوْنَهَا): يدخلونها، (يَوْمَ الدِّينِ وَمَا همْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ): قط بعد دخولها، بل هم مخلدون فيها، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ)، فيه تعجيب وتعظيم لشأنه، أي: لا يدرى كنهه أحد، وإن تأمله مرات، (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا): لا يقدر أحد على نفع أحد، ولا على ضره، وقراءة " يومُ " بالرفع فعلى البدل من يوم الدين، أو هو يوم لا تملك (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله): وحده لا كما ملكهم في الدنيا بعض الأمور ظاهرًا.
* * *
حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
* * *
(وَيْلٌ للْمُطَفِّفِينَ)، التطفيف: البخس، والنقص في الكيل والوزن، وعن ابن عباس: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله، فأحسنوا الكيل بعد ذلك، (الذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ): يكتالون حقوقهم من الناس، (يَسْتَوْفون): يأخذونها وافية، ولما كان اكتيالهم منهم أخذ حق عليهم عداه بعلى، قال الفراء: من وعلى يعتقبان في هذا الموضع، (وَإِذَا كَالُوَهُمْ)، أي: كالوا هم، (أَو وَزَنوَهُمْ)، أي: لهم، فهو من باب حذف الجار وإيصال الفعل، قيل: فيه حذف المضاف، أي: كالوا مكيلهم وموزونهم، (يُخسِرُون): ينقصون، وهؤلاء كأن عادتهم في أخذ حقهم من الناس الكيل دون الميزان لتمكنهم الاكتيال من الاستيفاء والسرقة بتحريك المكيال ونحوه ليسعه، وأما إذا أعطوا كالوا ووزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعًا، ولذا ما ذكر الوزن في الأول، (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ)، فإن الظن بالبعث رادع عن مثل تلك القبائح، (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ): لعظم ما فيه، (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ)، منصوب بأعني، أو مبعوثون، أو بدل من الجار والمجرور، (لِرَبِّ العَالَمِينَ): لحكمه، (كَلَّا)، ردع عن الغفلة عن البعث، وعن التطفيف، (إِنَّ كتَابَ الفُجَّارِ): الذي فيه
стр. 2178
أعمالهم، (لَفِي سِجِّينٍ): هي أرض السابعة، السفلى فيها الشياطين، وأرواح الكفار، وهي صخرة تحت الأرض السابعة أو بئر في جهنم، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ)، لعظمه وغاية قباحته، (كِتَابٌ مرْقُوم)، من المفسرين من جعله خبرًا ثانيًا لقوله: " إن كتاب الفجار " أو خبر محذوف، أي: هو يعني كتاب الفجار كتاب مرقوم مسطور بَيِّن [مختوم عليه]، ومنهم من قال: السجين: كتاب جامع هو ديوان الشر فيه أعمال الأشرار، وهو كتاب مرقوم، وسمي الكتاب سجينًا الذي هو الحبس، والتضييق، لأنه سبب الحبس في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش، هو مسكن إبليس وجنوده استهانة، وليشهده الشيطان، وقيل: كتاب، أي: موضع كتاب بحذف المضاف، (وَيْل يَوْمَئِذٍ للْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُل مُعْتَدٍ): متجاوز عن الحد، (أَثِيمٍ): منهمك في الحرمات، (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ)، من فرط الجهل والعناد، (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا)، ردع عن هذا القول، (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانوا يَكْسِبُون)، أي: ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين، بل كثرة ارتكابهم الآثام، صارت سببًا لحصول الرين في قلوبهم، ولهذا تفوه بهذا المقال،
стр. 2179
وكذب به، وفي الحديث (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلوا قلبه، وذاك الران الذي ذكره الله في القرآن "كلا بل ران")، ولفظ الترمذي والنسائي، وابن ماجة (إن العبد) بدل إن المؤمن، وعن كثير من السلف: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت، والرين: الصدأ، (كَلَّا)، ردع عن الكسب الراين، (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون): فلا يرونه، أو عن رحمته وكرامته، (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الجَحِيمِ): ليدخلونها، (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا)، ردع عن التكذيب، أو تكرير للأول، (إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)، عن كثير من السلف: هي السماء السابع، وفيها أرواح المؤمنين، أو لوح من زبرجد خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، أو قائمة العرش اليمنى، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كتَابٌ مَّرْقُوم)، الكلام فيه ما مر في نظيره بعينه، (يَشْهَدُهُ الُمقَربونَ): يحضره من كل سماء مقربوها، (إِن الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)، أي: يوم القيامة، (عَلَى الأَرَائِكِ): على السرر في الحجال، (يَنظُرُونَ): إلى ملكهم ونعيمهم، أو إلى الله، أو إلى عدوهم كيف يعذبون، (تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ): بهجة التنعم ورونقه، (يُسْقَوْنَ مِن رحِيقٍ): خمر خالص، (مَخْتُومٍ): يختم أوانيه إكرامًا لهم كعادة الملوك، (خِتَامُهُ مِسْكٌ): مقطعه عن الفم، وآخره مسك، أو تختم الأواني
стр. 2180
بالمسك مكان الطين، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ): فليرتغب، (المُتَنَافسُونَ): المرتغبون، وفي الحديث المرفوع: (أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمإٍ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم)، (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ)، أي: تمزج تلك الخمر للأبرار من تسنيم، هو عين في الجنة، (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا المُقَربونَ): صرفًا، وتمزج للأبرار، ونصب عينًا على المدح، أو الحال، والكلام فيها كما مر في سورة " هل أتى على الإنسان "، (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا): كفار قريش، (كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون): يستهزءون بفقراء المؤمنين، (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُون): يشير بعضهم بعضًا بأعينهم استهزاء، (وَإِذا انقَلَبُوا): رجعوا أي: هؤلاء المجرمون، (إِلَى أَهْلِهمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ): ملتذين بالسخرية، (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ)، نسب المجرمون المؤمنين إلى الضلال، (وَمَا أُرْسِلُوا)، قال الله تعالى: وما أرسل المجرمون، (عليهم): على المؤمنين، (حَافِظِينَ)، لأعمالهم، شاهدين برشدهم وضلالهم، (فَالْيَوْمَ)، أي: القيامة، (الذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفارِ يَضْحَكُونَ)، في مقابلة ما ضحكوا بهم في الدنيا، (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ)، إليهم في النار، أو إلى الله، حال من يضحكون، (هَلْ ثُوِّبَ الكفارُ): هل جوزوا، (مَا كَانُوا يَفْعَلُون)، من السخرية، وغيرها.
والحمد لله وحده.
* * *
لِرَبِّهَا): سمعت له في أمره بالانشقاق، وأطاعت وانقادت، (وَحُقَّتْ)، وهي حقيقة بأن تستمع وتنقاد، (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ): مد الأديم، وبسطت فلم يبق فيها جبال، وبناء، (وَأَلْقتْ مَا فِيهَا): ما في بطنها من الأموات والكنوز، (وَتَخَلَّتْ): بلغ جهده في الخلو، حتى لا يبقى في باطنها شيء، (وَأَذِنتْ لِرَبِّهَا وَحُقتْ)، تكرار للأول، أو أذنت في الإلقاء والتخلية، وجواب إذا محذوف، يدل عليه ما بعده، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، أي: جاهد بالعمل إليه ساعٍ فملاقٍ لربك فيجازيك، أو فملاق لكدحك ويصل إليك جزاؤه، (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، أي: سهلاً بلا تعسير، وفي الصحيحين عن عائشة: قال ﵇: (من نوقش الحساب عذب)، قالت: فقلت أليس الله يقول: " فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "؟، قال: ليس ذاك بالحساب، ولكن ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) وفي غيرهما عنها قالت: قال ﵇: (إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبًا، فقلت) الحديث، إلخ، (وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ): فِي الجنة من الحور، والآدميات، (مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)، يثني شماله إلى ورائه، ويعطى كتابه بها، (فَسَوْف يَدْعُو ثُبُورًا): هلاكًا يقول: يا ثبوراه، (وَيَصْلَى سَعِيرًا):
стр. 2183
يدخل النار، (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ): في الدنيا، (مَسْرُورًا)، باتباع هواه، وبدنياه ليس له هم الآخرة، (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لن يَحُورَ): لن يرجع إلى الله، (بَلَى): يرجع إلى الله، (إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا): عالمًا بأعماله، فيعيده ويجازيه، (فَلاَ أُقْسِم بِالشَّفَقِ): الحمرة بعد الغروب، وعن أبي هريرة ﵁: البياض الذي يلي الحمرة، وعن مجاهد: النهار كله، (وَالليْلِ وَمَا وَسَقَ): ما جمع، وضم من دابة وغيرها، (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ): استوى وتم بدرًا، (لَتَركَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ): حالاً بعد حال مطابقة لأختها في الشدة بعد الموت، أو حالاً بعد حال من مثل الصغر والكبر، والهرم، والغنى والفقر، والصحة والسقم، أو لتركبن ما طابق سنن من كان قبلكم، وفي الحديث (لتركبن سنن من كان قبلكم من اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، والظاهر أن (لَتَرْكَبُنَّ) بالضم على خطاب الجنس، فإن النداء له، وبالفتح على خطاب الإنسان في " يا أيها الإنسان " باعتبار اللفظ، وعن بعض من السلف: (لَتَرْكَبَنَّ) يا محمد سماء بعد سماء، أي: ليلة المعراج، أو درجة بعد درجة في الرتبة، وكان منشأ هذا قول ابن عباس كما بيناه في
стр. 2184
الحاشية، و " عن طبق " صفة لـ " طبقًا "، أي: طبقًا مجاوز الطبق، أو حال من ضمير تركبن، أي مجاوزين لطبق، (فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ): بالقيامة، (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ): إعظامًا وإكرامًا، (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ): به، مكان السجود والخضوع، (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُون): بما يضمرون في أنفسهم، (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِِ)، الاستثناء منقطع، وقيل متصل، أي: إلا من تاب وآمن منهم، (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ): غير مقطوع، أو منقوص، ولله المنة على أهل الجنة في كل حال دائمًا سرمدًا.
والحمد لله حقَّ حمده، والصلاة على نبيه
* * *
البروج التي فيها الحرس، (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ): القيامة، (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)، اختلفوا فيه، والحديث المرسل والضعيف على أنها يوم جمعة، وعرفة، وعليه كثير من السلف، أو الشاهد محمد، والمشهود: القيامة، أو الجمعة، أو الله، أو هما ابن آدم، والقيامة، أو ابن آدم، والجمعة، أو عرفة، والقيامة، أو يوم الذبح وعرفة، أو الله والخلف، أو عكسه، أو أعضاء بني آدم وبنو آدم، والجمعة والنحر، أو آدم والقيامة، أو الملك والقيامة، أو الملك وبنو آدم، أو هذه الأمة وسائر الأمم، أو الله والقيامة، (قُتِلَ): لُعِنَ، (أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ)، الأظهر أن جواب القسم محذوف،
стр. 2187
وهذا دليله كأنه قال: إنهم، أي كفار مكة ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل. تقديره لقد قتل أصحاب الأخدود، وهو جواب القسم، والأخدود: الشق
стр. 2188
في الأرض، واختلف فيهم، لكن اتفقت كلمتهم على أن بعض الكفرة عمدوا إلى بعض المؤمنين عشرين ألفًا أو أقل أو أكثر، من أهل فارس، أو اليمن، أو الحبشة أو نجران أو الشام، وقهروهم أن يرجعوا إلى الكفر فأبوا، فحفروا لهم في الأرض أخاديد، وأججوا فيها نيرانًا، وأوعدوهم عليها فلم يقبلوا الكفر فقذفوهم فيها لعنهم الله، ورحمهم الله، (النَّارِ)، بدل اشتمال من الأخدود، (ذَاتِ الْوَقُودِ)، صفة تبين عظمتها، أي: لها كثرة ما يرتفع به لهبها، (إِذْ هُم): الكفار، (عَلَيهَا): على حافة النار، (قُعُودٌ)، يعذبون المؤمنين، (وَهُم عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ): مشاهدون لهذا التعذيب الأليم، أو يشهد بعضهم لبعض عند أميرهم وملكهم بأنه لم يقصر فيما أمر به، (وَمَا نقَمُوا): ما عابوا، وما كرهوا، (مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ)، ما هو حقيق بأن يكون سببًا للثناء، والألفة جعلوه سببًا للعيب والكراهة، (العَزِيزِ الحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وصفه بصفات توجب الإيمان به وحده، (إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا المؤْمِنِينَ والْمُؤمِنَاتِ)، بالإحراق، (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)، لم يندموا عما
стр. 2189
أسلفوا، (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ)، لكفرهم، (وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ)، العذاب الزائد فِي الإحراق بما أحرقوا المؤمنين، وعن بعض لهم عذاب الحريق في الدنيا، وذلك لأن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم، أو المراد الذين بلوهم بالأذى على العموم لا أن المراد أصحاب الأخدود خاصة للفاتنين عذابان لكفرهم، ولفتنتهم، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ)، المراد منهم المطروحون في الأخاديد، أو أعم، (إِنْ بَطْشَ ربِّكَ)، أخذه بالعنف لأعدائه، (لَشَدِيدٌ)، مضاعف، (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ)، الخلق، (وَيُعِيدُ)، بعد الموت، (وَهُوَ الغَفُورُ)، للمؤمنين، (الوَدُودُ)، المحب لهم، (ذُو العَرْشِ)، مالكه، (المَجِيدُ)، العظيم في الذات، والصفات، وقراءة الكسر على صفة العرش فمعناه علوه وسعته، (فعَّالٌ لمَا يُرِيدُ)، لا يزاحمه أحد، ولا شيء، (هَلْ أَتَاكَ)، يا محمد، (حَدِيثُ الجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ)، هما بدل من الجنود، والمراد من فرعون هو وقومه، وهذا تقرير لقوله: (إن بطش ربك لشديد)، (بَل الذِينَ كَفَرُوا): من قومك يا محمد، (فِي تَكْذِيبٍ)، للقرآن، ولك أي تكذيب، فلا يعتبرون بسماع قصة من قبلهم، ومعنى (بل) الإضراب عن الأمر بالإسماع، والتذكير، كأنه قال: ذكّر قومك بشدة بطش ربك، وأسمعهم حكاية فرعون وثمود لعلهم يتعظوا به، بل هم في تكذيب عظيم لا يمكن لهم الارتداع، والاتعاظ، (وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ): لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط، (بَلْ هُوَ): بل هذا الذي كذبوا به، (قُرْآنٌ مجِيدٌ): عظيم في اللفظ والمعنى، (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)،
стр. 2190
بالرفع صفة القرآن، أي: محفوظ من الزيادة، والنقصان، وبالجر صفة اللوح، وعن أنس بن مالك وغيره: إن هذا اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل، وعن مقاتل: هو عن يمين العرش، وفي الطبراني، قال ﵇: (إن الله قد خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء وصفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور، وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق، ويميت، ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء).
* * *
стр. 2191
سورة الطارق مكية
وهي سبع عشرة آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)
* * *
(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ): الكوكب، وسماه طارقًا لأنه يظهر في الليل، فالطارق: الآتي ليلاً (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ): المضيء، أو الذي يثقب الشياطين إذا أرسل إليها، والمراد الجنس، وقيل: الثريا، أو زحل عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بعدما عظّم شأنه تعظيمًا على تعظيم (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ): ما كل نفس إلا عليها حافظ يحفظ عملها، أو يحفظها من الآفات، وقراءة " لما " بالتخفيف، فتقديره: إن الشأن كل نفس لعليها، فما صلة، وهو جواب القسم على الوجهين (فَلْيَنظرِ الإِنسَان مِممَّ خلِقَ): يتفكر في مبدأ خلقه ليعترف بصحة الإعادة، فلا يعمل ما يضره في عاقبته، لأن عليه حافظًا يحفظ أعماله، أو لما لطف عليه بأن وكَّل عليه حافظًا يحفظه من الآفات، فليتأمل هو في مبدأ خلقه ليعترف بإعادته، فلا يكون منكرًا لقول ربه، ولما أرسل لأجله المرسلين (خُلِقَ)
стр. 2192
جواب الاستفهام (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ): ذي دفق كتامرٍ ولابنٍ، أو مدفوق: مصبوب، وهو الممتزج من ماء الرجل والمرأة (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ): صلب الرجل (وَالتَّرَائِبِ): ترائب المرأة، وهي عظام صدرها (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) أى: إن الله الذي خلق الإنسان من ماء كذا، القادر على رجعه، وإعادته بعد موته (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ): تتميز، وتتعرف ما أُسرَّ في القلوب من العقائد، وما أُخْفي من الأعمال، ظرف لرجعه، والفاصل غير أجنبي، لأنه عامل، أو تفسير للعامل على المذهبين، أو معناه: إن الله لقادر على رجع الماء إلى مخرجه، ثم قال اذكر يوم تبلى السرائر (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ): يمنعه عن عقاب أراده الله (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْع): المطر، سماه به، لأنه لِرجع حينًا فحينًا، قيل: وصف السماء بالرجع لأنه يرجع في كل دورة إلى ما كان يتحرك منه (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ): الشق بالنبات، والعيون (إِنَّهُ) أي: القرآن (لَقَوْلٌ فَصْلٌ): فاصل بين الحق والباطل
стр. 2193
(وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ): فإنه جد وحق كله (إِنَّهُمْ) أهل مكة (يَكِيدُونَ كَيْدًا) في إطفاء نور القرآن (وَأَكِيدُ كَيْدًا): أقابلهم بما يشبه الكيد في استدراجي لهم (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ): فلا تستعجل بإهلاكهم (أَمْهِلْهُمْ روَيْدًا): إمهالاً يسيرًا، كرر وخالف بين الفعلين لزيادة التسكين، والتصبير.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
* * *
والأعلى إما صفة للاسم، أو للرب (الذِي خَلَقَ) كل شيء (فَسَوَّى): خلقه، ولم يأت به متفاوتًا غير ملتئم (وَالذِي قَدَّرَ): الأشياء على وجه معين (فَهَدَى): فوجهها إليه (وَالَّذِي أَخْرَجَ) من الأرض (المَرْعَى): ما يرعاه الدواب (فَجَعَلَهُ) بعد خضرته (غثَاءً): يابسًا (أَحْوَى) أسود، وقيل: أحوى حال من المرعى، أي: من شدة الخضرة أسود (سَنُقْرِئُكَ) على لسان جبريل، أو سنجعلك قارئًا (فَلاَ تَنسَى) فهذا وعد من الله (إِلا مَا شاءَ اللهُ) نسيانه بأن نسخ تلاوته، أو إلا ما شاء الله لكن لم يشأ، وعن مجاهد وغيره، كان ﵇ يستعجل بالقراءة قبل إتمام قراءة جبريل مخافة النسيان، فنزل هذا الوعد فلم ينسَ بعد ذلك شيئًا، وقيل: نفي بمعنى النهي، أو نهي، والألف للفاصلة نحو: السبيلا، (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى): ما ظهر من الأحوال وما بطن، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة البالغة، (وَنُيَسِّرُكَ)، عطف على سنقرئك، أي: نُعدّلك (لِلْيُسْرَى): للشريعة اليسرى السمحة، أو نسهل عليك أفعال الخير، وقيل: معناه إنه يعلم الجهر مما تقرأه بعد فراغ جبريل، وما يخفى مما تقرأه في نفسك معه مخافة النسيان، ثم وعده وقال، نيسرك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى): عظ بالقرآن إن
стр. 2196
نفعت التذكير، قال على ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وحاصله إن كنت جربت أن الموعظة لا تنفع فلا تتعب نفسك (سَيَذَّكَّرُ): يتعظ، وينتفع بها (مَن يَخْشَى): الله (وَيَتَجَنَّبُهَا)، أي: الذكرى، ويتباعد عنها (الأَشقَى) من الكفرة لتوغله في الكفر والعناد، أو المراد من الأشقى الكافر في علم الله (الذِي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى): نار جهنم، فإنما أشد حرًّا من نار الدنيا (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا): فيستريح (وَلَا يَحْيَى): حياة يجد منها روح الحياة، فهذا للكافر، وأما المذنب ففي صحيح مسلم وغيره (إن أناسًا دخلوا النار بخطاياهم يموتون في النار، فيصيرون فحمًا، ثم يخرجون فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم منها، فينبتون كالحبة في حميل السيل) (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى): تطهر نفسه من الكفر والمعصية (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) بقلبه ولسانه (فَصَلَّى): الصلوات الخمس نحو: " أقم الصلوة لذكري " [طه: ١٤]، وعن كثير من السلف المراد من أعطى صدقة الفطر فصلى العيد، وعلى هذا يكون النزول سابقًا على الحكم، لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا فطر كما قالوا في قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) كما سيجيء (بَلْ تُؤْثِرُونَ): تختارون (الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) عن ابن مسعود قال: حين وصل إلى هذه الآية، آثرناها لأنَّا رأينا زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل، وجاز أن يكون
стр. 2197
الخطاب للأشْقَيْنَ على الالتفات (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا) عن كثير من السلف: الإشارة إلى أربع آيات متقدمة من قوله: " قد أفلح من تزكى "، وعن بعض منهم: الإشارة إلى جميع السورة (لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى): الكتب السماوية المتقدمة (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) بدل من الصحف الأولى، وفي مسند الإمام أحمد كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة.
الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ): القيامة، لأنها تغشى الناس بشدائدها (وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ): ذليلة (عَامِلَةٌ): في النار، كالصعود والهبوط مع جر السلاسل فيها (نَاصِبَةٌ): تتعب في ذلك العمل، أو عملت وتعبت في أعمالٍ في الدنيا لا تنفع في الآخرة على غير طريقة السنة أو عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها، فهي في نصب منها في الآخرة (تَصْلَى): تدخل (نَارا حَامِيَةً): متناهية في الحر (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنيةٍ): انتهى غليانها (لَيْسَ لَهُمْ طعامٌ إِلا مِن ضَرِيعٍ): هو اليابس من الشَّبْرِق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا فإذا يبس صار سُمًّا قاتلاً، ويكون الضريع طعام هؤلاء، والزقوم وغيره طعام غيرهم، أو في بعض الأحوال ليس طعام الكل إلا هذا (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) وفائدة الطعام أحد الأمرين (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ): ذات بهجة (لِسَعْيهَا) في الدنيا (رَاضِيَةٌ) في الآخرة، لما رأت ثوابه (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ): المحل، أو القدر (لاَ تَسْمَعُ) يا مخاطب، أو الوجوه (فِيهَا لَاغِيَةً): لغوًا، أو كلمة ذات لغو (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) التنكير للتعظيم (فِيهَا سُرُرٌ مرْفُوعَةٌ): رفيعة السمك إذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له ثم ترفع (وَأَكوَابٌ) الكوب: إناء لا عروة له (مَّوْضُوعَةٌ) بين أيديهم (وَنَمَارِقُ): وسائد (مَصْفُوفَةٌ): بعضها بجنب بعض (وَزَرَابِيُّ): بسط
стр. 2200
فاخرة (مَبْثُوثَةٌ): مبسوطة (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) لما كذب الكفار عجائب الجنة التي ذكرها الله في تلك السورة، فذكرهم الله صنعه، والإبل أغرب حيوان وأنفعه عند العرب، (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) بلا عمد (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ): راسخة لا تميل لئلا تميد الأرض بأهلها (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ): بسطت، نبه العرب في بواديهم بما يشاهد من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء الذي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه والأرض التي تحته على كمال قدرة خايقه، فلا تنكر الجنة ونعيمها، والبعث وأهوالها (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) ما عليك إلا البلاغ (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ): بمتسلط فتكرههم على الإيمان (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ): لكن مَنْ تَوَلَّى وكفر (فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ): عذاب جهنم، أو الاستثناء متصل أي: فذكرهم إلا من انقطع طمعك من إيمانه نحو: " فذكر إن نفعت الذكرى " [الأعلى: ٩]، وقيل: لست بمتسلط عليهم إلا على من تولَّى، فإن جهادهم وقتلهم تسلط، وعلى هذا يكون وعدًا برخصة القتال، فإن السورة مكية، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ): رجوعهم، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)، في المحشر، وتقدم الخبر للتخصيص والتشديد في الوعيد.
والحمد لله المجيد الفعَّال لما يريد
* * *
إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
* * *
((وَالْفَجْرِ) أقسم سبحانه بالصبح، أو بصبح يوم النحر، أو بصلاة الفجر (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) عشر ذي الحجة، أو العشر الأول من المحرم، أو من رمضان (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) يوم النحر شفع لأنه عاشر، ويوم عرفة وتر لأنه تاسع، أو اليومان من أيام التشريق، والوتر اليوم الثالث، أو الصلاة المكتوبة منها شفع، ومنها وتر، أو الخلق والله، والقول فيهما أكثر لكن الذي أوردناه ما اتفق عليه أكثر السلف والثلاث الأول منقول بالحديث أيضًا (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ): إذا يمضي، أو إذا يُسْرَى فيه كقولهم صلَّى المقامُ، والمراد ليلة المزدلفة، أو مطلق الليالي (هَلْ في ذَلِكَ): المقسم به من هذه الأشياء (قَسَمٌ): مقسم به (لذِي حِجْرٍ): عقل،
стр. 2203
فالاستفهام للدلالة على استحقاقها، لأن يعظم بالإقسام بها فيدل على تعظيم المقسم عليه، وتأكيده من طريق الكناية، أو في ذلك القسم قسم له، فللدلالة على أن ذوي العقول يؤكدون بمثله المقسم، فيدل على تأكيد القسم عليه أيضًا، وجواب القسم محذوف نحو: ليعذبن إن لم يومنوا، ويدل عليه قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) أي: عاد الأولى، يعني أولاده سموا باسم أبيهم، وهم الذين بعث الله فيهم هودًا فكذبوه، وأهلكهم " بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال " الآية [الحاقة: ٦، ٧] (إِرَمَ) عطف بيان لعاد على حذف مضاف، أي: سبط إرم، فإنهم أولاد عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح، أو عاد بن عوص بن إرم، أو اسم بلدتهم، أي: عاد أهل إرم علم قبيلة أو بلدة فلم ينصرف (ذاتِ العِمَادِ) هم سكان بيوت الشعر التي ترتفع بالأعمدة، أو طوال الأجسام على تشبيه قدهم بالأعمدة، أو أبنية بنوها (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ): مثل تلك القبيلة
стр. 2204
للقوة وعظم التركيب، وفي الحديث (كان الرجل منهم يأتي على الصخرة، فيلقيها على الحي -أي: القبيلة- فيهلكهم)، وقيل: لم يخلق مثل أبنيتهم، وأما حكاية جنة شداد بن عاد المشهورة المذكورة فِي أكثر التفاسير فعند المحققين من السلف والمؤرخين أنها من مخترعات بني إسرائيل، ولا اعتبار له (وَثَمُودَ الذِينَ جَابُوا): قطعوا (الصَّخْرَ بالْوَادِ): وادي القرى كما قال تعالى: " وتنحتون من الجبال بيوتًا " الآية [الشعراء: ١٤٩] (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ): ذي الجنود الكثيرة، أو لأنه يعذب بالأوتاد، أو له جبال وأوتاد يلعب بها عنده (الذِينَ) صفة للمذكورين (طَغَوْا فِي البِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) الإضافة بمعنى من، أي: سوطًا من المعذب به، أي: نصيبًا أو شدة عذاب، فإن السوط عندهم غاية الإهانة (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) هو مكان يترقب فيه الرصد، وهذا تمثيل لإرصاده العباد بالجزاء، وأنَّهم لا يفوتونه، وعن ابن عباس ﵄ يرصد خلقه فيما يعملون، قيل: هو جواب القسم، وما بينهما اعتراض (فَأَمَّا الإِنسَانُ) هو كالمبين لقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) لأنه لما ذكر أنه تعالى يرصد خلقه في أعمالهم يعد بعض ذمائمهم (إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) أي: امتحنه بالنعمة (فَأَكْرَمَهُ) بالمال
стр. 2205
(وَنَعَّمَهُ) بالسعة (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) دخول الفاء في خبر المبتدأ، لما في (أما) من معنى الشرط، وإذا ظرف ليقول أي: أما الإنسان فيقول وقت ابتلائه بالغنى: ربي أكرمن (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ): اختبره بالفقر (فَقَدَرَ): ضيق (عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) أي: وأما هو فيقول وقت ابتلائه بالفقر: ربي أهانني (كَلَّا) ردع عن القطع بأن الغنى إكرام والفقر إهانة، فكثيرًا ما يكون بالعكس (بَل لا تُكْرِمون اليَتِيمَ) أي: بل فعلهم أقبح من قولهم (وَلاَ تَحَاضُّونَ): يحثون أهلهم (عَلَى طَعامِ المِسْكِينِ) أي: على إطعامه (وَتَأكُلُونَ التُّرَاثَ): الميراث (أَكْلًا لَمًّا): ذا لَمَّ، أي: جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا يورثون النساء والصبيان (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا): كثيرًا مع الحرص (كَلَّا) ردع لهم عن ذينك وإنكار ثم أتى بالوعيد فقال: (إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)، أي: دكا بعد دكة حتى سويت الأرض والجبال، فلمْ يبق تلال ولا وهاد، ظرف ليتذكر الإنسان (وَجَاءَ رَبُّكَ): لفصل
стр. 2206
القضاء جيئة تليق بقدسه من غير حركة ونقلة (وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) مصطفين محدقين بالجن والإنس (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهًّمَ) في صحيح مسلم (يؤتى بجهنم يومئذ
стр. 2207
لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، (يَوْمَئِذٍ)، بدل من " إذا دكت " (يَتَذكَّرُ الإنسَانُ) معاصيه، أو يتعظ ويندم (وَأَنَّى لَهُ) أي: أنى ينفعه فإن اللام للنفع (الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ): الأعمال الصالحة (لِحَيَاتِي): هذه، أو وقت حياتي في الدنيا (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) أي: لا يعذب أحد من الزبانية أحدًا، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل تعذيب الإنسان وإيثاقه فإن عذابه أشد، فضمير عذابه للإنسان والإضافة إلى المفعول، وهذا أرجح الوجوه لكن على هذا يلزم أن عذاب بعض الكفار أشد من عذاب الشياطين، فكأنه كذلك، وكذلك معنى يعذب، ويوثق على قراءة المجهول (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الُمطْمَئِنَّةُ) أي: يقول الله للمؤمن ذلك، المطمئنة: الساكنة الدائرة مع الحق، أو المطمئنة بذكر الله، أو الآمنة من عذاب الله (ارْجِعِي إِلَى ربِّكِ): إلى جوار الله، وثوابه، يقال لها ذلك عند الاحتضار، وعند البعث، وفيه إشعار بأن النفوس قبل الأبدان كانت موجودة في عالم القدس، وعن بعض من السلف معناه: ارجعى يا نفس إلى صاحبك، أي: بدنك الذي كنت فيه (رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً): عند الله (فَادْخلِي فِي عِبَادِي) أي: في زمرة الصالحين، الذين
стр. 2208
هم عباد الله على الحقيقة (وَادْخُلِي جَنَّتِي) عن سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم نر على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن تليت عليه هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها، رواه الطبراني عن غيره.
والحمد لله حقَّ حمده.
* * *
стр. 2209
سورة الْبَلَدِ مكية
وهي عشرون آية
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
* * *
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ): مكة (وَأَنْتَ حِلٌّ) يعني: في المستقبل (بِهَذَا البَلَدِ): تقاتل فيه، وتصنع ما تريد من القتل، والأسر، فهذه جملة معترضة بوعده فتح مكة، وفي الحديث: (إنَّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض لم يحل لأحد قبلي ولا بعدي إنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) (١)، قيل: معناه: أقسم بمكة حال حلولك فيها، فيكون تعظيمًا للمقسم به (وَوَالِدٍ): آدم (وَمَا وَلَدَ): ذريته، أو إبراهيم وذريته، أو كل والد، وكل مولود، وعن ابن
стр. 2210
عباسٍ وعكرمة: الوالد العاقر، وما ولد الذي يلد وإيثار ما على من لإرادة الوصف كما في وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ " [آل عمران: ٣٦] (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ): تعب، يكابد مصائب الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون تسليته ﵇ عما يكابده من قريش، أو في استقامة واستواء، وعن مقاتل: في قوة، قيل: نزلت في كافر قوي قد ذكرناه في سورة المدثر (أَيَحْسَبُ) الضمير لبعضهم (أَن لن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ): فينتقم منه، فإن الكفار لا يؤمنون بالقيامة والمجازاة، وعلى ما فسره مقاتل، فمعناه: لأنه مغرور بقوته، يظن أن لن يقدر عليه أحد، (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا): أنفقت مالاً كثيرًا، يفتخر بما أنفقه رياء وسمعة، أو معاداة للنبي ﵇ (أَيَحْسَبُ أَن لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): يظن أن الله لم يره، ولا يسأله من أين كسبه وأين أنفقه (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) يبصر بهما (وَلِسَانًا) يعبر به عما في ضميره (وَشَفَتَيْنِ) يستعين بهما على النطق والأكل، وغيرهما ويكون جمالاً (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ): طريقي الخير والشر، والثديين، روى الحافظ ابن عساكر عن النبي ﵇: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم إن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانًا وجعلت له غلافًا، فانطق بما أحللت، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فَرْجًا،