لا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله، أو لا نسجد لأحد، قيل: كما اتخذت النصارى عيسى واليهود عزيرًا، (فَإِنْ تَوَلَّوْا): عن إجابة التوحيد، (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ): مقرون بالتوحيد دونكم.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) تنازعت نصارى نجران، وأحبار اليهود فى أن كلاًّ منهما ادعوا أن إبراهيم منهم، (وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ)، الجملة حالية أي: اليهودية والنصرانية حدثتا بنزولهما على موسى وعيسى،
стр. 248
وإبراهيم قبلهما بدهر طويل، فكيف يكون عليهما؟!! (أَفَلاَ تَعْقِلُون): فتدعون المحال.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ): ها: حرف تنبيه، وقيل: أصله أأنتم على الاستفهام التعجبي، فقلبت هاء وأنتم مبتدأ خبره هؤلاء، والجملة التي بعده مبينة للأولى، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين، وحاججتم صلته، وقيل: هؤلاء نداء أي: أنتم يا هؤلاء الحمقى جادلتم عنادًا فيما وجدتموه في كتابكم، ولكم به علم، (فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ): ولم يذكر في كتابكم من دين إبراهيم، فإنه ربما يجادل الرجل فيما يعلم عنادًا لكن فيما لا يعلم لا يبحث عنه إلا فهمًا وطلب علم، (وَاللهُ يَعْلَمُ): شأنه، (وَأَنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانيًّا)، صرح بما دلت عليه الحجة، (وَلَكِن كان حَنِيفًا): مائلاً عن الباطل إلى الحق، (مُسْلِمًا): منقادًا لله (وَمَا كَانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ) تعريض بهم لإشراكهم به عزيرًا والمسيح ورد على مشركي قريش في زعمهم أنَّهم على دين إبراهيم، (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ)، أقربهم وأحقهم به، (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ): على دينه، (وَهَذَا النبِيُّ وَالذِينَ آمَنُوا): من المهاجرين والأنصار، ومن بعدهم في الحديث: " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي " ثم قرأ الآية، (وَاللهُ وَلِيُّ الُمؤْمِنِينَ): ينصرهم لإيمانهم برسله.
стр. 249
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: اليهود حين دعوا بعض الصحابة إلى اليهودية (لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) لو بمعنى أن، (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)، فإن المؤمنين لا يقبلون قولهم، ويحصل لهم إثم (وَمَا يَشْعُرُون) اختصاص ضرره بهم.
(يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ): من التوراة والإنجيل أو القرآن، (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ): صدقها. (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ): تخلطونه بما تخترعونه حتى لا يميز بينهما، أو لم تجعلونه ملتبسًا بسبب خلط الباطل الذي تكتبون في خلاله أو تخلطون الإيمان بعيسى بالكفر بمحمد، (وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ): نعت محمد ﵊، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): عالمون بحقية ما تكتمون.
* * *
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ
стр. 250
مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
* * *
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ)، أوله سمي وجهًا لأنه أول ما يواجهه الناظر، (وَاكْفُرُوا آخرَهُ لَعَلهُمْ) أي: المؤمنين (يَرْجِعُون): عن الإسلام، أطلع الله نبيه على مكيدة اليهود، فإنهم اشتوروا أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح فإذا جاء آخر النهار ارتدوا؛ ليقول المسلمون: ما رجعهم إلى دينهم إلا اطلاع نقيصة في ديننا ولعلهم يرجعون عن الإسلام.
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ): لا تعترفوا، ولا تظهروا التصديق إلا لأشياعكم، (قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ): يهدى من يشاء، (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ)، متعلق بلا تؤمنوا أي: لا تعترفوا بأن يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والمعجزات، ولا بأن يغالبوكم بالحجة يوم القيامة إلا لأشياعكم،
стр. 251
ولا تفشوه لا إلى المسلمين ولا إلى المشركين يعني: إن علمكم بذلك حاصل، لكن لا تظهروه وأوثر في العطف كلمة " أو " ليفيد العموم مثل: " وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا " [الإنسان: ٢٤]، وقوله: " إن الهدى هدى الله " جملة معترضة دالة على أن كيدهم لا طائل تحته، وقيل: قد تم الكلام عند قوله: " إلا لمن تبع دينكم "، والمعنى على الوجهين الأولين الآتيين ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر، وهو إيمانكم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم قبل ذلك ثم أسلم لعلهم يرجعون، فإن رجوعهم أرجى عندكم، وأشجى لحلوق المسلمين حينئذ، ففى موقع " أنْ " يؤتى ثلاثة أوجه:
الأول: أن يتعلق بفعل مضمر على حذف اللام أي وقل فعلتم ما فعلتم من الكيد لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يترتب من غلبتهم بالحجة يوم القيامة، أي: لم يكن لكم داع إلى هذا الكيد سوى الحسد، ووجه العدول عن الواو إلى حينئذ الإشارة إلى أن كلا من الأمرين مستقل بكونه سببًا للحسد.
الثاني: أن يكون الخبر إن الهدى وهدى الله بدل من الهدى وحين أو بمعنى إلى أن يعني حتى يحاجوكم فيدحضوا حجتكم.
الثالث: أن ينتصب بفعل مضمر تقديره قل. إن الهدى هدى الله ولا تنكروا أن يؤتى أحد أو يكون لأحد وسيلة غلبة عليكم عند الله، ويدل على هذا المضمر لا تؤمنوا إلا
стр. 252
لمن تبع دينكم؛ لأن معناه حينئذ لا تقروا بحقية دين لأحد إلا لمن هو على دينكم فإنه لا دين سواه يماثله، وهذا إنكار لأن يؤتى أحد مثل دينهم، وقد بسطت الكلام هنالك فاستفده، (قُلْ إِن الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ) فضله (عَلِيمٌ): بكل شيء.
(يَّخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ): لحكمته، (وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) هذا كله رد وإبطال لزعمهم الفاسد.
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)، كعبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا وكل ومائتي أوقية من ذهب، فأداه، (وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّه إِلَيْكَ)، كفنحاص بن عازوراء أودع دينارًا فجحده، (إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْه قَائِمًا). إلا مدة دوامك قائمًا على رأسه مبالغًا بالتقاضي أو الترافع، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي: ترك الأداء بسبب أنَّهم قالوا: ليس علينا في شأن العرب ذم وعتاب، وأحل الله أموالهم لنا (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ): اخترعوا، واختلقوا، وليس في التوراة شيء مما قالوا، (وَهُمْ يَعْلَمُونَ): إنهم كاذبون.
(بَلَى) أي: بلى عليهم فيهم سبيل، وقوله: (مَنْ أَوْفَى) إلى آخره استئناف، (بِعَهْدِهِ) أي بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن وأداء الأمانة أو بعهد نفسه، (وَاتَّقَى) أي: الكفر والخيانة، (فَإِنْ الله يُحِبُّ الُمتَّقِينَ) أي: يحبه فإنه متق، وقيل: بلى بمعنى لكن.
стр. 253
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ): يستبدلون بما عاهدوا من الإيمان برسله، (وَأَيْمَانِهِمْ)، وبما حلفوا من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه، (ثَمَنًا قَلِيلًا): من الدنيا رشوة في تحريف التوراة، وتبديلُ نعتِ محمدٍ ﵊، (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ): لا نصيب، (لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ): بما يسرهم، (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ): نظر رحمة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ): ولا يثني عليهم أو لا يطهرُهم من الذنوب، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فعلى هذا الآية في اليهود أو نزلت في ترافع بين صحابي ويهودي في أرض فتوجه الحلف على اليهودي، أو في رجل أقام سلعة في سوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها أحدًا من المسلمين.
(وَإِنَّ مِنْهُمْ): من اليهود، والنصارى، (لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) يميلونها عن المنزل إلى المحرف ويفتلونها عنه، فالباء للاستعانة أو الظرفية، والمضاف محذوف أي:
стр. 254
بقراءة الكتاب (لِتَحْسَبُوهُ)، أيها المؤمنون، وضمير المفعول لما حصل باللي وهو المحرف، (مِنَ الْكِتَابِ) التوراة، (وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ): التوراة، (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ): تأكيد لقوله وما هو من الكتاب، وتشنيع عليهم (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ): أنَّهم كاذبون.
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ): ما ينبغي له، وما يتأتى منه، (أن يَّؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ): الحكمة أو إمضاء الحكم من الله، (وَالنبوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كونوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ)، رد على اليهود حين قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال ﷺ معاذ الله ما بذلك بعثني؛ فنزلت، أوْ رد على النصارى حيث قالوا: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربًّا فنزلت، (وَلَكِنْ): يقول، (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ): حكماء،
стр. 255
وحلماء وعلماء، أو فقهاء، أو من يرب علمه بعمله أو منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون (بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ): أي: بسبب كونكم معلمين الكتاب ودارسين له.
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)
* * *
(وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ): كل نبي بعثه من لدن آدم، (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ)، أي رسول كان واللام لتوطئة القسم، وما شرطية، وقوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)، جواب القسم والشرط أو موصولة أي: للذي آتيتكموه، وقرئ بكَسر اللام وحينئذ ما مصدرية أي: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب، ثم مجيء مصدق أخذ الله الميثاق لتؤمنن به أو المراد من النبيين أنبياء بني إسرائيل، والمراد من رسول مصدق محمد ﵊، أو النبيين عام كما تقدم، لكن المراد من رسول محمد ﵊ كما صح عن علي، وابن عباس رضى الله عنهم ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته (قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ): بالإيمان والنصر، (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي): عهدي، (قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ): الله، (فَاشْهَدُوا): ليشهد بعضكم على بعض بالإقرار أو قال الله تعالى للملائكة: " فاشهدوا " (وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) على إقراركم وتشاهدكم.
стр. 258
(فَمَن تَوَلَّى): أعرض، (بَعْدَ ذَلِكَ): الميثاق، (فَأُولئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): الخارجون عن الإيمان.
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)، عطف جملة على جملة، والهمزة توسطت للإنكار، وقدم المفعول؛ لأنه المقصود بالإنكار قيل: نزلت في أهل الكتاب حين اختصموا فزعم كل فريق أنه على دين إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ " كل منكم برئ من دينه " فقالوا: لا نرضى بقضائك (وَلَهُ أَسْلَمَ): انقاد، (مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا): الملائكة والمسلمون، (وَكَرْهًا): الكفرة حين البأس أو لأنهم مسخرون تحت حكمه وسلطانه أو خوف السيف والسبي أو المراد منه الأسير يجاء به فى السلاسل قيل هذا يوم الميثاق حين قال لهم: " ألست بربكم " (الأعراف: ١٧٢)، فقال بعضهم: " بلى " (الأعراف: ١٧٢) كرهًا، ونصبهما على الحال أي: طائعين، ومكرهين، (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) وعيد لهم أي: أيبغون غير دين الله مع أن المرجع إليه.
(قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) من الصحف والوحي، (وَالأَسْبَاطِ): هم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل، (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن ربِّهِمْ): أمر للرسول أن يخبر
стр. 259
عن نفسه ومتابعيه أو أن يتكلم عن نفسه على طريقة الملوك تعظيمًا له، (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ): بالتصديق، (وَنَحْنُ لَهُ): لله، (مُسْلِمُونَ): منقادون مخلصون.
(وَمَن يَّبْتَغ غَيْرَ الإِسْلامِ): غير الانقياد، والتوحيد، (دِينا فَلَن يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) بإبطال فطرته السليمة.
(كَيْفَ يَهْدِي اللهُ)، استفهام إنكار (قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا) عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، (أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) البراهين على صدق ما جاء به الرسول (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان.
(أوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلاِئكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يوم القيامة. (خَالِدِين فِيهَا): في اللعنة، (لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ): لا يمهلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر نظر رحمة إليهم. (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): الارتداد، (وَأَصْلَحُوا): ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح، (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ): لذنبهم، (رَحِيمٌ): فيقبل توبتهم، الآية في رجل من الأنصار
стр. 260
آمن ثم ارتد ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا هل لي من توبة؟ فنزلت فرجع وأسلم، وقيل: في اليهود آمنوا بمحمد ﵊ قبل مبعثه ثم كفروا لما بعث.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؛ لأن توبتهم حين إشرافهم على الموت، (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) نزلت في اليهود كفروا بعيسى ﵇ بعد ما آمنوا بموسى، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﵊، أو في اليهود والنصارى، وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا): نصب على التمييز، (وَّلَوِ افْتَدَى به) أي: لا يقبل منهم ذلك بوجه من الوجوه من التصدق وغيره ولو كان بوجه الافتداء، وقيل: الواو مقحمة، (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) فى رفع العذاب، وفي الحديث (يقال للرجل يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ يقول: نعم، فيقال له: قد أردت منك شيئًا أهون من ذلك وأقل فأبيت، فيرد إلى النار).
* * *
تنفقوا وأنتم أصحاء أشحاء، (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) فيجازى بحسبه.
(كُلُّ الطعَامِ) أي: المطعومات، (كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: حلالاً لهم، (إِلا مَا حَرَّمَ)، وهو لحمان الإبل، وألبانها، أو العروق (إِسْرَائِيلُ): وهو يعقوب، (عَلَى نَفْسِهِ) لنذر: نذر في مرض لئن عافاه الله لا يأكل أحب الطعام والشراب ولحم الإبل ولبنه أحب إليه، أو نذر لا يأكل العروق لأن وجعه عرق النسا، أو العروق تضره فاتبعه بنوه في إخراج العروق من اللحوم (مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) جاز أن يتعلق بـ حَرَّمَ أو بـ حِلًّا نزلت ردًّا على اليهود حين طعنوا في رسول الله ﷺ أنت تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان حرامًا عليه أشياء من لحم، ولبن الإبل أو العروق وأنت تحلله فنزلت إن كل المطعومات حلال على الخلائق قبل نزول التوراة، وبشؤم ذنوبهم حرم في التوراة ما حرم (قُلْ): يا محمد، (فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إن لحم ولبن الإبل أو العروق حرام على الأنبياء كلهم فلما قال لهم بهتوا.
стр. 263
(فَمَنِ افْتَرَى): ابتدع، (عَلَى اللهِ الكَذِبَ) بأن الله حرم لحم ولبن الإبل عليهم، (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): ما علم أن التحريم إنما كان من جهة يعقوب (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أو الآية رد على اليهود حيث زعموا أن كل ما هو حرام عليهم كان حرامًا على الخلائق قبلهم لا أن الله حرم عليهم بشؤم ظلمهم، (قُلْ صَدَقَ اللهُ): في جميع ما أخبر، وكذبتم أنتم، (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا): مائلاً عن الباطل، وهي ملة الإسلام التي في الأصل ملته أو مثل ملته، (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): تعريض على اليهود.
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ) أي: أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض قبل خلق الأرض بألفي عام، أو بيت بناه ملائكة هم سكان الأرض قبل آدم ﵇ أو بناه آدم أو أول بيت وضع لعبادة الله، وكانت البيوت قبله، وهو قول على رضى الله عنه، قيل سبب نزوله أن اليهود قالوا: قبلتنا أفضل وأقدم فأنزل الله، (لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) أي: للبيت الذي ببكة وهي لغة في مكة أو مكة من الفج إلى التنعيم، وَبكة من البيت إلى البطحاء، أو هي البيت والمسجد، وما وراءه مكة أو موضع البيت، (مُبَارَكًا): كثير الخير حال من ضمير الظرف، (وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) فإنه قبلتهم ومتعبدهم، (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) كل جبار قصده بسوء كأصحاب الفيل قهره، (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) أي من جملتها أو بدل من الآيات بدل البعض وأتر قدميه في المقام آية بينة، (وَمَن دخَلَهُ) أي: مكة، (كَانَ آمِنًا): من القتل، والغارة ما دام فيه لكن لا يطعم ولا يسقى حتى يخرج فيؤخذ بذنبه، أو من دخله
стр. 264
معظمًا له أمن يوم القيامة من العذاب قيل: جملة شرطية عطف على مقام من حيث المعنى أي أمْنُ من دخله من جملتها.
(وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ) أي: قصده على وجه مخصوص، (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) كل مأتى إلى الشيء فهو سبيله، وهو بدل من الناس مخصص له والاستطاعة ألا يكون عاجزًا بنفسه يقدر على الركوب بلا مشقة شديدة وله راحلة وزاد رواح ورجوع فاضل عن نفقة من يلزم عليه نفقته وكسوته، ثم إن اليهود حين أمروا بالحج قالوا: ما وجب علينا فنزل قوله: (وَمَن كَفَرَ) أي: جحد فرضّيته، (فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي: من وجد ما يحج به، ولم يحج حتى مات فهو كفر به وقيل: وضع كفر موضع لم يحج تغليظًا، (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ): النقلية، والعقلية الدالة على صدق القرآن، ومن أنزل عليه، (وَاللهُ)، الواو، للحال، (شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُون)، فلا ينفعكم التحريف، والكتمان.
стр. 265
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): عن دينه، وكانوا يحتالون لصدهم عن الإسلام، (مَنْ آمَنَ)، مفعول تصدون، (تَبْغُونَهَا عِوَجاً): حال من فاعل تصدون أي: طالبين لسبيل الله اعوجاجًا بتلبيسكم على الناس وتغييركم صفة رسول الله ﷺ وتحريشكم بين المؤمنين، وهو متعد إلى مفعوليه بلا واسطة، (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) أن الصد عن الإسلام ضلال، وكتمان أمر محمد غواية، (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، ولما كان إنكارهم للقرآن مجاهرة منهم قال: (والله شهيد)، ولكن الصد عن الإسلام والتحريف من أسرارهم قال: (وما الله بغافل).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ): ثاني مفعولي يرد فإنه بمعنى التصيير، نزلت إلى قوله (لعلكم تهتدون) فى الأوس والخزرج حين ذكرهم اليهود الحروب وعداوات الجاهلية؛ ليفتتنوا ويعودوا لمثل ما فيهم من الجاهلية (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ): القرآن، وغيره، (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ): الزاهر الباهر السراج الظاهر ﵊، (وَمَن يَّعْتَصِم بِاللهِ): يلتجئ إليه ويتمسك بدينه، ويؤمن به، (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ) طريق واضح لا اعوجاج له.
السلف قالوا: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " (التغابن: ١٦)، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إنها لم تنسخ لكن حق تقاته أن يجاهد في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم، وأبنائهم، (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي لا تكونن على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام، (وَاعْتَصِمُوا): واسمتمسكوا، (بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً) أي: بدين الله أو بالجماعة أو بعهد الله أو بالقرآن، (وَلَا تَفَرَّقُوا) أمرهم أن يكونوا على الحق مجتمعين ثم نهاهم عن التفرقة كما افترق أهل الكتاب، (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ): التي من جملتها الإسلام والتألف، (إِذ كنتُمْ): أيها الأوس والخزرج (أَعْدَاءً): وقع بينكم القتال والخوف، (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) بالإسلام، (فَأَصْبَحتم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا): متحابين، (وَكنتُمْ): في الجاهلية (عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ): مشفين على الوقوع في جهنم لكفركم وشفا بمعنى الطرف، (فَأَنْقَذَكُمْ): أنجاكم (مِّنْهَا): بالإسلام، والضمير للشفا، أو للحفرة أو للنار، (كَذَلِكَ): مثل ذلك التبيين، (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إرادة ثباتكم على الهدى.
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ)، من للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف من فروض الكفايات وللمتصدى له شروط قال الضحاك: هم الصحابة، والمجاهدون، والعلماء، والخطاب للجميع؛ لأنه لو تركوه أثموا جميعًا أو للتبيبن كما ورد (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (أُمَّةٌ): جماعة، (يَدْعُونَ): الناس، (إِلَى
стр. 268
الخَيْرِ): اتباع القرآن وسنة رسول الله ﷺ وعلى آله، (وَيَأْمرُونَ بِالمَعْروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ الُمنكَرِ)، عطف الخاص على العام لشرفه؛ لأن الخير أعم، (وأُولَئِكَ هُم الُمفْلِحونَ) المخصوصون بكمال الفلاح، (وَلاَ تَكونُوا كَالَّذِينَ
стр. 269
تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ): الحجج المبينة للحق كالأمم السابقة، (وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ): وعيد لهم وتهديد للتشبه بهم، (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ): تَبْيَضُّ وجوه أهل السنة والجماعة وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أهل البدعة أو المؤمنين والكافرين أو المخلصين والمنافقين، قيل: البياض والسواد كنايتان عن بهجة السرور وكآبة الحزن، والأصح أنهما علامتان حقيقيتان، والظرف لمتعلق لهم أو نصب بإضمار اذكر (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) فيقال لهم: (أَكَفَرتم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) يوم الميثاق أو هم المرتدون أو هم المنافقون تكلموا بالإيمان أو هم أهل الكتاب، والهمزة للتوبيخ، (فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ): بسبب كفركم.
(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ): جنته عبر عنها بالرحمة إشارة إلى أنه لا ينالها من ينالها إلا برحمته، (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أخر ذكرهم ليكون أول الكلام وآخره صفة المؤمنين.
стр. 270
(تِلْكَ آيَاتُ اللهِ): حججه، (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ): يا محمد (بِالْحَقِّ): متلبسة به لا شبهة فيها، (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ)، لأنه حكم عدل لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء فلا يحتاج إلى ظلم لأحد فلهذا قال: (وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) فيجازي بما وعد وأوعد وأما بحث إنه على الظلم قادر لكن لا يظلم كما دل عليه القرآن والأحاديث أو ليس بقادر؛ لأنه محال في حقه - فقد أفردناه في رسالة.
* * *
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
стр. 271
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
* * *
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) أي: فيما مضى بين الأمم أو في اللوح المحفوظ أو في علم الله تعالى، (أُخْرِجَتْ): أظهرت (لِلنَّاسِ): يعني هم خير الناس للناس وأنفع الناس للناس، والأصح أنه عام وأمة محمد ﷺ خير الأمم كلهم، (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) استئناف بين به خيرتهم، (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) أخر الإيمان إشعارًا بأن أمرهم ونهيهم للإيمان بالله وإظهار دينه، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ): بمحمد، (لَكَانَ): الإيمان، (خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ): كعبد الله بن سلام،
стр. 272
(وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ): المتمردون. روي أن اليهود قالت -مع عصابة من الصحابة- نحن أفضل، وديننا خير، فنزلت (كنتم خير أمة) إلخ، (لَن يَّضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى): ضررًا يسيرًا قيل: قصدت اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه فنزلت: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ): ينهزموا، ولا يضروكم بالقتل، (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ): ثم لا يكون لهم النصر أبدًا، (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلةُ) ألزمهم الله المذلة والصغار، (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا): أينما وجدوا وكانوا، (إِلا بِحَبْل مِّنَ اللهِ وَحَبْل منَ النَّاسِ) أي: ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا معتصمين بذمة الله، وعهده، وأمان المسلمين وعهدهم، وهو عقد الذمة، وضرب الجزية والمعاهدة والمهادنة أي: لا عز لهم قط إلا هذه الحالة الواحدة (وَبَاءوا بِغَضَب مِّنَ اللهِ): رجعوا به مستوجبين، (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ): الجزية أو الفقر والتذلل كضرب القبة، (ذلِكَ) أي: ضرب المسكنة، والذلة، والبوء بالغضب، (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ): بسبب كفرهم بآية الرجم، وأمثالها، وقتل الأنبياء بسبب الحسد وهم يعلمو أنه غير حق، (ذلِكَ) أي: الكفر، والقتل، وقيل: هذا أيضًا إشارة إلى المشار إليه بذلك الأول أي: الصغار والهوان له سببان (بِمَا عَصَوْا وكَانوا يَعتَدُون): بسبب
стр. 273
عصيانهم واعتدائهم في حدود الله فإن الإصرار والمداومة على الذنوب يفضي إلى الكفر ومقت الله تعالى. (لَيْسُوا سَوَاءً): نزلت في اليهود حين قالت: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، وأرادوا به عبد الله بن سلام وأصحابه أي: ليس أهل الْكِتَاب على حد مستو. (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ)، استئناف بيَّن نفي الاستواء، (قَائِمَةٌ): على الحق مستقيمة، وقيل: قائمة في الصلاة (يتْلُونَ آيَاتِ اللهِ): يقرءون القرآن، أو يتبعونها (آناءَ الليْلِ): ساعاته، (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) يصلون التهجد أو العشاء فإن أهل الكتب لا يصلونها، (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
стр. 274
وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)، وصفهم بما ليس في اليهود إلا نقيضه كإلحاد في صفاته ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته، وهم مداهنون في الحق متباطئون عن الخير، (وأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ): ممن صلحت أحوالهم عند الله، فاستحقوا رضاه (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ): لا يضيع عند الله، ولا ينقص ثوابه، ولتضمنه معنى الحرمان عدي إلى مفعولين، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) لم يقل عليهم بهم إشعارًا بأنهم موصوفون بالتقوى أيضًا، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ): لن تدفع (عَنْهمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم منَ اللهِ): من عذابه، (شَيْئًا وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ): ملازموها، (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثل مَا يُنفِقُون): مثل ما ينفق الكفار، وقيل: نفقة اليهود على علمائهم، (فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ): برد شديد، أو سموم حارة (أَصَابَتْ حَرْثَ): زَرع، (قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): بالكفر والمعاصي، (فَأَهْلَكَتْهُ): فلم ينتفعوا بحرثهم لدى احتياجهم إليه، فكذا أعمال الكفار، وتقديره: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح ليطابق المثلان، (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ)، بأن فعل بهم ما ليسوا أهلاً له، (وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) لأنَّهُم ارتكبوا ما استحقوا العقوبة.
стр. 275
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً) بطانة الرجل خاصة أهله الذي يطلعه على أسراره، (مَن دُونِكُمْ): من دون المسلمين، متعلق بـ لا تتخذوا أو صفة بطانة أي لا تتخذوا أولياء أصفياء من غير أهل ملتكم، (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا): لا يقصرون في الفساد، وخبالاً مفعول ثان لتضمين معنى المنع، والجملة مستأنفة أو صفة بطانة، وكذا الجملتان بعده، (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ): تمنوا شدة ضرركم، (قَدْ بَدَتِ البَغضَاءُ): ظهرت علامة العداوة، (مِنْ أَفوَاهِهِمْ): فلتات كلامهم، (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ): من البغضاء (أَكْبَرُ) أكثر مما بدا، (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ): الدالة على صلاح أحوالكم، (إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون): ما بيّن لكم، نزلت في مواصلة اليهود لما بينهم من القرابة أو في مصافاة المنافقين، (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاتهم، والجملة بعده بيان خطئِهم أو أولاء نداء أو بمعنى الذين كما مر، (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: بجنس الكتاب حال من مفعول لا يحبون
стр. 276
أى: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم أيضًا، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا): نفاقًا، (وَإِذا خَلَوْا): خلا بعضهم مع بعض، (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ): أي: من أجله تأسفا حيث لم يجدوا سبيلاً إلى الغلبة عليكم، وهذا يدل على أن الآية للمنافقين، (قُلْ): يا محمد، (مُوتُوا بغَيْظِكُمْ): دعاء عليهم بدوام غيظهم وزيادته بتضاعف أهل الإسلام حتى يموتوا به، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): بما فيها من خير وشر، فيجازيكم، وهو يحتمل أن يكون من المقول.
(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ): خير ومنفعة، (تَسُؤْهُمْ): تحزنهم، (وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ): ضر وشدة، (يفْرَحُوا بِهَا)، فهم في نهاية العداوة معكم، (وَإِن تَصْبِرُوا): على أذاهم، (وَتَتَّقُوا) موالاتهم أو ما حرم الله، (لاَ يَضُركُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا): كنتم
الأحزاب، (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ)، بدل من إذ غدوت أو متعلق بـ سميع عليم، وهما بنو حارثة، وبنو سلمة، (أَنْ تَفْشَلَا): تجبنا وتضعفا، فإنهم هموا بالانصراف عن الحرب، لكن عصمهم الله، (وَاللهُ وَلِيُّهُمَا): ناصرهما فعصمهم عن اتباع الخطرة أو فما لهما (١) تفشلان، (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ): لا على العَدَد والعُدَد.
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ ببَدْرٍ) تذكير بقصة إفادتهم التوكل، وهو موضع بين مكة (٢)، والمدينة، (وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ): بقلة العدد والسلاح، (فاتَّقُوا اللهَ): في الثبات، (لَعَلكُم تَشْكُرُون) عاقبته بمزيد الإنعام، وقيل معناه اتقوني فإنه شكر نعمتي، (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) ظرف لنصركم، وهو في بدر، أو بدل ثان من إذ غدوت، وهو في أحد، وقالوا: لم يحصل الإمداد يوم أحد لا بخمسة آلاف ولا بثلاثة؛ لأن المسلمين لم يصبروا بل فروا، (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ)، هو فاعل يكفيكم، (رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ): للنصر، (بَلَى): إيجاب لما بعد لن، أي: بلى يكفيكم، ثم وعد لهم الزيادة بشرط الصبر والتقوى فقال: (إِن تَصْبِرُوا): على العدو، (وَتَتَّقُوا): مخالفتي، (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا): من غضبهم فإنهم رجعوا لحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، أو من ساعتهم، والمعنى إن يأتوكم في الحال، (يُمْدِدْكُمْ ربّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلاِئكَةِ) في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم (مُسَوِّمِينَ): معلمين بسيما الصوف الأبيض أو بالعهن الأحمر في نواصي خيولهم أو بالعمائم البيض، أو السود أو الصفر أو بسيما القتال
стр. 279
أنزل الله الملائكة يوم بدر ألفا كما قال: (فاستجاب لكم أني ممدكم بألف) [الأنفال: ٩]، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ) أي: الإمداد، (إِلا بُشْرَى): بشارة، (لَكمْ): بالنصر، (وَلِتَطْمَئِنَّ): ولتسكن، (قلوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ): لا من عدة وعدد، (العَزِيزِ): الذي لا يغالب في قضائه (الحَكِيمِ) في أفعاله، (لِيَقْطَعَ طَرَفًا) أي: لقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة، أو يهدم ركنا من أركان الشرك، أو متعلق بقوله (وما النصر إلا من عند الله). (مّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ): يخزيهم وأو للتنويع، (فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ): منقطعي الآمال، (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) بل الأمر كله إلى الله، نزلت حين قنت رسول الله ﷺ ويلعن فيه على قوم قتلوا سبعين رجلاً من قراء
стр. 280
الصحابة بعثوا ليعلموا الناس، أو نزلت يوم أحد حين شج في رأسه الأشرف، ويقول " كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيّهم؟! " (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ)، عطف على الأمر بإضمار أن أي: ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو تعذيبهم أو على شيء أي ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة أو تعذيبهم أو بمعنى إلا أن أي: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم، أو عطف على أو يكبتهم، (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) اعتراض وقع في البين، وأنت تعلم أن هذا توجيه لو يلائمه سبب النزول يلائم اللفظ والمعنى، (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ): استحقوا التعذيب.
(وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ): خلقًا وملكًا فالأمر له لا لغيره، (يَغفِرُ لِمَن يَشَاءُ): غفرانه، (وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ): تعذيبه، (وَاللهُ غَفُورٌ رحِيمٌ): فلا تبادر إلى اللعن، والدعاء عليهم.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا
لِلْكَافِرِينَ): بالتحرز عن متابعتهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات للكافر وبالعرض للعاصي، (وَأَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُو ا): بادروا، (إِلَى مَغفرَةٍ من ربَكُمْ): أعمال توجب المغفرة، كالإسلام، والتوبة، وأداء الفرائض، (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) أي: عرضها كعرضهما قيل فيه تنبيه على اتساع طولها كما قال تعالى: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: ٥٤] أي: فما ظنك بالظهائر؟! وقيل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، (أُعِدَّتْ): هيئت، (لِلْمُتَّقِينَ)، فالجنة بالذات للمتقين، وبالعرض لفساق المؤمنين، (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ)، صفة مادحة لهم، (فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاءِ): في اليسر والعسر أو المراد جميع الأحوال؛ لأنه لا يخلو الإنسان منهما، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ): الكافين عن إمضائه مع القدرة
стр. 283
عليه، (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ): التاركين عقوبة من استحقها، (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): إشارة إلى أن هؤلاء في مقام الإحسان، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً): قبيحة بالغة في القبح، نزلت حين قال المؤمنون: " كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا؛ لأنَّهُم إذا أذنبوا ذنبًا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة على عتبة أبوابهم، أو نزلت لرجل قبَّل امرأة وعانقها ثم ندم، وقيل الفاحشة الزنا والكبائر، (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ): بالصغائر وما دون الزنا، (ذَكَرُوا الله): أي: وعيده، أو ذكروه باللسان: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ)، استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوف والمعطوف عليه دال على سعة رحمته، (وَلَمْ يُصِروا عَلَى مَا فَعَلوا): لم يقيموا على ذنوبهم، بل أقروا واستغفروا وفي الحديث " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "، (وَهُمْ يَعْلَمُون): أنها معصية أو أن الإصرار ضار أو أن الله يملك مغفرة الذنوب، أو أنَّهم إن استغفروا غفر لهم (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغفرَةٌ مِّن ربِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا)، أي: من تحت غرفها وأشجارها (الأَنهَارُ خَالِدِينَ فيهَا)، خبر للذين إذا فعلوا إن جعلته مبتدأ، وإلا فجملة مستأنفة مبينة لما قبلها، (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي: ذلك، يعني المغفرة والجنات، وكم فرق بين القبيلتين فصل آيتهم بالمحبة والإحسان، وفصل آية هؤلاء بالعمل والأجر، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي: وقائع سنها الله في الأمم الماضية، وقيل معنى السنن
стр. 284
الأمم، (فَسِيروا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ): فتعتبروا ولا تحزنوا على ما وقع عليكم يوم أحد فإني آخذهم أشد الأخذ عاقبة الأمر لما فرغ عن حديث الربا الذي هو حرب مع الله كما قال الله استأنف حديث الجهاد الأكبر الذي كان الكلام فيه، (هَذا بَيَانٌ للنَّاسِ) أي: القرآن، وقيل إشارة إلى مفهوم قد خلت، أو فانظروا أي: القرآن بيان الأمور للناس عامة، (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتَّقِينَ) أي زيادة بصيرة، وزاجر لهم خاصة، (وَلاَ تَهِنوا وَلاَ تَحْزنوا): لا تضعفوا عن الحرب بسبب غلبة الكفار يوم أحد، ولا تحزنوا على ما وقع عليكم، (وَأَنتم الأَعْلَوْن)، والحال إنكم الأعلى والغالب في الدنيا والآخرة، والعاقبة لكم، والخسار لهم، (إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ) متعلق بـ لا تهنوا أي: لا تهنوا إن صح إيمانكم؛ فإن الإيمان يورث قوة القلب، ويمكن أن يتعلق بـ أنتم الأعلون أي: غلبتكم، ونصرتكم متحققة إن كنتم
стр. 285
مؤمنين أي: إن كان إيمانكم متحققًا فالنصرة متحققة، (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ): جراح وكسر يوم أحد، (فقَدْ مَسَّ القَوْمَ): المشركين، (قَرْحٌ مِثْلُهُ): يوم بدر، ولم يجبنوا فأنتم أحق ألا تهنوا، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) أي: أيام الدنيا أو أيام الغلبة، (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ): نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة، وتارة لهؤلاء، وهو خبر لتلك، والأيام صفتها، (وَلِيَعلمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا): علم رؤية ومشاهدة أي: ليتميزوا عن المنافقين، وهو عطف على علة محذوفة أي: نداولها ليكون كذا، وكذا، أو ليعلم الله إشارة إلى تعدد العلة أو تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا ذلك، (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ)، وليكرم قومًا بالشهادة في سبيله، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظالِمِينَ): يعني: غلبتهم لا لمحبتهم بل لما ذكرنا، (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليطهرهم من الذنوب بما يقع عليهم من قتل وجرح، وجملة " والله لا يحب الظالمين " معترضة، (وَيَمْحَقَ الكَافرِينَ): يهلكهم فإنهم إذا ظفروا بغوا فهو سبب هلاكهم أو مغلوبية المؤمنين لتطهيرهم، ومغلوبية الكفار لإهلاكهم في الدارين، والمحق نقص الشيء قليلاَّ قَليلاً.
(أَمْ حَسِبتمْ): بل أحسبتم (أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا منكُمْ) (١) أي: لا تحصل الجنة لكم حتى يرى الله منكم المجاهدين، ويبتليكم بالشدائد أو معناه لا تحصل لكم والحال أنكم لما تجاهدوا كما يقال: ما علم الله في فلان خيرًا، أي: مما فيه خير، (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ): ويرى الصابرين على القتال، أو نصبه بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) أي: الشهادة أو الحرب فإنها من أسباب الموت، (مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ): تشاهدوا وتعرفوا شدته، (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ