← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً)، أي: لا تزيدوا زيادات مكررة فإنهم إذا بلغ الدَّين محله زادوا في الأجل؛ فاستغرقوا بالشيء الحقير مال المديون، (وَاتقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون): راجين الفلاح، (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ

стр. 282

لِلْكَافِرِينَ): بالتحرز عن متابعتهم، وفيه تنبيه على أن النار بالذات للكافر وبالعرض للعاصي، (وَأَطِيعُوا الله وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُو ا): بادروا، (إِلَى مَغفرَةٍ من ربَكُمْ): أعمال توجب المغفرة، كالإسلام، والتوبة، وأداء الفرائض، (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) أي: عرضها كعرضهما قيل فيه تنبيه على اتساع طولها كما قال تعالى: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: ٥٤] أي: فما ظنك بالظهائر؟! وقيل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، (أُعِدَّتْ): هيئت، (لِلْمُتَّقِينَ)، فالجنة بالذات للمتقين، وبالعرض لفساق المؤمنين، (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ)، صفة مادحة لهم، (فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاءِ): في اليسر والعسر أو المراد جميع الأحوال؛ لأنه لا يخلو الإنسان منهما، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ): الكافين عن إمضائه مع القدرة

стр. 283

عليه، (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ): التاركين عقوبة من استحقها، (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): إشارة إلى أن هؤلاء في مقام الإحسان، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً): قبيحة بالغة في القبح، نزلت حين قال المؤمنون: " كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا؛ لأنَّهُم إذا أذنبوا ذنبًا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة على عتبة أبوابهم، أو نزلت لرجل قبَّل امرأة وعانقها ثم ندم، وقيل الفاحشة الزنا والكبائر، (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ): بالصغائر وما دون الزنا، (ذَكَرُوا الله): أي: وعيده، أو ذكروه باللسان: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ)، استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوف والمعطوف عليه دال على سعة رحمته، (وَلَمْ يُصِروا عَلَى مَا فَعَلوا): لم يقيموا على ذنوبهم، بل أقروا واستغفروا وفي الحديث " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة "، (وَهُمْ يَعْلَمُون): أنها معصية أو أن الإصرار ضار أو أن الله يملك مغفرة الذنوب، أو أنَّهم إن استغفروا غفر لهم (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغفرَةٌ مِّن ربِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا)، أي: من تحت غرفها وأشجارها (الأَنهَارُ خَالِدِينَ فيهَا)، خبر للذين إذا فعلوا إن جعلته مبتدأ، وإلا فجملة مستأنفة مبينة لما قبلها، (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي: ذلك، يعني المغفرة والجنات، وكم فرق بين القبيلتين فصل آيتهم بالمحبة والإحسان، وفصل آية هؤلاء بالعمل والأجر، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي: وقائع سنها الله في الأمم الماضية، وقيل معنى السنن

стр. 284

الأمم، (فَسِيروا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ): فتعتبروا ولا تحزنوا على ما وقع عليكم يوم أحد فإني آخذهم أشد الأخذ عاقبة الأمر لما فرغ عن حديث الربا الذي هو حرب مع الله كما قال الله استأنف حديث الجهاد الأكبر الذي كان الكلام فيه، (هَذا بَيَانٌ للنَّاسِ) أي: القرآن، وقيل إشارة إلى مفهوم قد خلت، أو فانظروا أي: القرآن بيان الأمور للناس عامة، (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتَّقِينَ) أي زيادة بصيرة، وزاجر لهم خاصة، (وَلاَ تَهِنوا وَلاَ تَحْزنوا): لا تضعفوا عن الحرب بسبب غلبة الكفار يوم أحد، ولا تحزنوا على ما وقع عليكم، (وَأَنتم الأَعْلَوْن)، والحال إنكم الأعلى والغالب في الدنيا والآخرة، والعاقبة لكم، والخسار لهم، (إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ) متعلق بـ لا تهنوا أي: لا تهنوا إن صح إيمانكم؛ فإن الإيمان يورث قوة القلب، ويمكن أن يتعلق بـ أنتم الأعلون أي: غلبتكم، ونصرتكم متحققة إن كنتم

стр. 285

مؤمنين أي: إن كان إيمانكم متحققًا فالنصرة متحققة، (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ): جراح وكسر يوم أحد، (فقَدْ مَسَّ القَوْمَ): المشركين، (قَرْحٌ مِثْلُهُ): يوم بدر، ولم يجبنوا فأنتم أحق ألا تهنوا، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) أي: أيام الدنيا أو أيام الغلبة، (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ): نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة، وتارة لهؤلاء، وهو خبر لتلك، والأيام صفتها، (وَلِيَعلمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا): علم رؤية ومشاهدة أي: ليتميزوا عن المنافقين، وهو عطف على علة محذوفة أي: نداولها ليكون كذا، وكذا، أو ليعلم الله إشارة إلى تعدد العلة أو تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا ذلك، (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ)، وليكرم قومًا بالشهادة في سبيله، (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظالِمِينَ): يعني: غلبتهم لا لمحبتهم بل لما ذكرنا، (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليطهرهم من الذنوب بما يقع عليهم من قتل وجرح، وجملة " والله لا يحب الظالمين " معترضة، (وَيَمْحَقَ الكَافرِينَ): يهلكهم فإنهم إذا ظفروا بغوا فهو سبب هلاكهم أو مغلوبية المؤمنين لتطهيرهم، ومغلوبية الكفار لإهلاكهم في الدارين، والمحق نقص الشيء قليلاَّ قَليلاً. (أَمْ حَسِبتمْ): بل أحسبتم (أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا منكُمْ) (١) أي: لا تحصل الجنة لكم حتى يرى الله منكم المجاهدين، ويبتليكم بالشدائد أو معناه لا تحصل لكم والحال أنكم لما تجاهدوا كما يقال: ما علم الله في فلان خيرًا، أي: مما فيه خير، (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ): ويرى الصابرين على القتال، أو نصبه بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) أي: الشهادة أو الحرب فإنها من أسباب الموت، (مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ): تشاهدوا وتعرفوا شدته، (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ

стр. 286

وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ): رأيتموه معاينين له حين قتل من قبل من إخوانكم فأنتم تمنيتم غلبة الكفار لأنكم تمنيتم الشهادة أو إذا طلبتم لقاء العدو فاصبروا. * * * (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) * * * (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ): بالموت، أو القتل، فيخلو محمد صلى الله علمه وسلم أيضًا (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ): عن الدين، ورجعتم إلى دينكم الأول وذلك لما شاع يوم أحد أن رسول الله - صلى الله

стр. 287

عليه وسلم - قد قتل قال المنافقون للمؤمنين: الحقوا بدينكم الأول فنزلت (وَمَن ينقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا): بل يضر نفسه، (وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ): على نعمة الإسلام (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي: محال أن يموت أحد إلا بقدر الله، (كِتَابًا مُؤَجَّلًا) أي كتب الموت كتابًا مؤقتًا لا يتقدم ولا يتأخر فالتأخير عن القتال والإقدام عليه لا يزيد ولا ينقص في العمر، (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا) أي: من عمله، (نُؤْتِهِ مِنْهَا) إن أردنا، قيل هذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد، وتركوا المركز الذي وقفهم فيه رسول الله ﷺ (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَة): كمن ثبت حتى قتل، (نؤْتِهِ مِنْهَا) أي: من ثوابها، (وَسَنَجْزِي الشاكِرِينَ): الذين لم تشغلهم زينة الدنيا، (وَكَأَيِّنْ) أصله أيّ دخلت الكاف عليها، وصارت بمعنى كم، وأثبتت النون في الخط، وهي تنوين،

стр. 288

عليها، وصارت بمعنى كم، وأثبتت النون في الخط، وهي تنوين، ومعناه كم، (مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) أي: جموع كثيرة منسوب إلى الربة وهي الجماعة أو علماء كثير، وفاعل قاتل ربيون أو ضمير للنبي ومعه ربيون حال عنه، (فمَا وَهنوا): ما فتروا (لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ سَبِيلِ اللهِ) من قتل بعضهم أو من قتل نبيهم، (وَمَا ضَعُفُوا): عن العدو، (وَمَا اسْتَكَانُوا): ما تخشعوا وما ذلوا لعدوهم (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ): فينصرهم في الدين، (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ)، مع أنَّهم ثابتون

стр. 289

ربانيون مصابون (إِلا أَن قَالُوا) اسم كان (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي

стр. 290

أَمْرِنَا): صغائرنا، وكبائرنا، (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا): بحولك وقوتك، (وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا): النصر، والعافية، والغنيمة، (وَحُسْن ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الُمحْسِنِينَ). * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لله يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ

стр. 291

الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) * * * (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الذِينَ كَفَرُوا): اليهود، والمنافقين حين قالوا يوم أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم (يَرُدوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ): يرجعوكم إلى الشرك، (فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ): مغبونين في الدارين، (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ): ناصركم، (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ): فلا تستنصروهم، (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) لما ارتحل المشركون عن أحد عزموا في أثناء الطريق الرجوع لاستئصال المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم فلم يقدروا على الرجوع (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ): بسبب إشراكهم، (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أي: أشركوا شيئًا لم يزل الله بإشراكه حجة ودليلاً (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) أي: النار، وضع الظاهر موضع المضمر تغليظًا وتعليلاً، (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ): بالنصر والظفر بشرط الصبر والتقوى (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ): تقتلون المشركين أول الأمر يوم أحد (بِإِذْنِهِ): بقضاء الله، (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ): جبنتم، (وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) أراد اختلاف الرماة حين انهزام المشركين قال بعضهم ندع مكاننا للغنيمة، وقال بعضهم: نترك الغنيمة، ولا نخالف نبي الله (وَعَصيتم): الرسول بترك المركز، (مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم): الله (مَا تُحِبُّونَ): من الغنيمة، وجواب إذا محذوف وهو امتحنكم أو منعكم نصره، (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا): وهم من ترك المركز للغنيمة، (وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ): وهم

стр. 292

الثابتون عند المركز، (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ): كفكم عنهم، وردكم بالهزيمة (لِيَبْتَلِيَكُمْ): يمتحن ثباتكم، (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ): مخالفة الرسول لندمكم، أو عفا عنكم فلم يستأصلكم، (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الُمؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ): تبعدون فى الهزيمة متعلق بـ عفا عنكم، أو بـ صرفكم، أو ليبتليكم، (وَلاَ تَلْوُون): لا تقفون، ولا تقيمون، (عَلَى أَحَدٍ): ولا يلتفت بعض إلى بعض، (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) أي: في جماعتكم الأخرى أي المتأخرة يقول: " إليَّ عباد الله فأنا رسول الله من يكر فله الجنة) (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ): جازاكم عن فشلكم غما متصلاً بغم غم الذنب وظن قتل نبيكم والخوف وظفر المشركين وقيل غمًّا بسبب غم أذقتموه رسول الله بمخالفته، (لكَيْلا تَحْزنوا عَلَى مَا فاتَكُمْ): من الغنيمة، والظفر بعدوكم، (وَلاَ): على، (مَا أَصَابَكُمْ): من القتل والجراح وقيل معناه لتتمرنوا على الصبر في الشدائد؛ فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت وضر لاحق، وقيل (لا) في لكيلا زائدة، (وَاللهُ خَبِيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ): عالم بأعمالكم وقصدكم، (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا): أمنة مفعول، ونعاسًا بدل منه، وهذا كما قال الزبير: لقد

стр. 293

رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، والله لا أسمع قول معتب بن قشير إلا كالحلم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وعن ابن مسعود: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان، (يَغْشَى): النعاس (طَائِفَةً مِنْكُمْ)، وهم المؤمنون حقًا، (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم وطلب خلاصها، وهم المنافقون، (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ): نصب (غَيْرَ الْحَقِّ) بالمصدر أي يظنون غير الظن الحق، وظن الجاهلية بدله أو هو مفعول مطلق، وغير الحق مصدر لمضمون الجملة أي يظنون ظن الجاهلية يقولون قولاً غير الحق، وهو أنَّهم يظنون أنه ما بقي من أمر محمد ﷺ شيء، (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) أي: هل لنا من النصر والغلبة شيء، ونصيب قط؛ وهذا إنكار منهم، (قُلْ): يا محمد، (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لله): النصر والظفر والقضاء والقدر، (يُخْفُونَ فِي أَنفسِهِم): من النفاق استئناف، أو حال من فاعل يقولون، (مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُون)، بدل من يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك أو استئناف أي إذا خلا بعضهم إلى بعض يقولون،: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أي: لو كنا على الحق،

стр. 294

(مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا): لما قتل منا في هذه المعركة، (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: لخرج الذين قدر القتل عليهم إلى مصارعهم ولم يستطيعوا الإقامة في المدينة (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا في صُدُورِكُمْ)، ليمتحن، ويظهر سرائركم من الإخلاص وعدمه، وهو عطف على محذوف أي برز لنفاذ القضاء وليبتلي، أو علة فعل محذوف أي: فعلنا ذلك، (وَلِيُمَحِّصَ مَا في قُلُوبِكُمْ): يكشفه، ويميزه أو يطهره، ويخلصه من الوساوس (وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): بضمائرها، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ): أيها المؤمنون، (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ): في أحد، (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: انهزم من انهزم لأجل استزلال الشيطان إياهم ببعض الذنوب، وإيقاعهم فيه يعني اقترفوا ذنوبًا لم يستحقوا معها التأييد الإلهي، وتقوية القلب فلذا فروا أو لأجل أنه حملهم على الذلة التي هي الفرار بسبب ذنب هو بمخالفة الرسول أعني ترك المركز أو بشؤم ذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجر بعضها بعضًا كالطاعة، (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ) تلك الخطيئة، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ): للذنوب، (حَلِيمٌ): لا يعاجل بعقوبة العصاة. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ

стр. 295

فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ

стр. 296

بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونوا كالذِينَ كَفَرُوا) أي: المنافقين، (وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ): لأجل أصحابهم وفيهم، (إِذَا ضَربوا): سافروا أي قالوا لأجل الأحوال العارضة للإخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون، (في الأَرْضِ): للتجارة وغيرها فماتوا فى تلك السفر: (أَوْ كَانُوا غُزًّى)، فقتلوا جمع غاز (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، مقول قالوا، (لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أي: لا تكونوا مثلهم فى ذلك الاعتقاد ليجعل ذلك الاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة دون قلوبكم أو معناه قالوا ذلك واعتقدوا ليجعل، وحينئذ اللام لام العاقبة كقولهم: " لدوا للموت وابنوا للخراب " (وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: المؤثر فيهما هو الله لا الإقامة والسفر، (وَاللهُ بمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، فلا تكونوا أيها المؤمنون كالكفار، (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ) أي: في سبيله، (لَمَغفِرَةٌ منَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ ممَّا يجمَعُون)، جواب القسم ساد مسد الجزاء أي لو وقع القتل أو الموت فما تنالون من المغفرة بالموت خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفانية، (وَلَئِن متمْ أَو قُتِلتُمْ

стр. 297

لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) لا إلى غيره، فلا رجاء ولا خوف إلا منه، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ)، ما مزيدة للتأكيد أي: برحمة وإحسان منه سهلت أخلاقك يا محمد لهم، (وَلَوْ كنتَ فَظًّا): سيئ الخلق، (غَلِيظَ القَلْبِ): قاسيه، (لانفَضُّوا): تفرقوا، (مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ) فيما يختص بك، (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ): فيما لله، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمر): فيما تصح المشاورة فيه تطييبًا لقلوبهم، (فَإذَا عَزَمْتَ): وجزمت على أمر بعد الشورى، (فَتَوَكلْ عَلَى اللهِ): فيه، (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الُمتَوَكِّلِينَ): فينصرهم، ويهديهم، (إِن يَّنصُرْكُم اللهُ فَلاَ غالِبَ لَكُمْ): فلا أحد يغلبكم، (وَإِن يَخْذُلْكُمْ): بغلبة العدو (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ): من بعد الخذلان، أو من بعد الله، (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا ألا ناصر سواه، (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ): ما ينبغي لنبي أن يخون في الغنيمة، نزلت فيما قال

стр. 298

المنافقون يوم بدر حين فقد قطيفة حمراء لعل رسول الله أخذها، أو في ظن الرماة يوم أحد أن رسول الله ﷺ لا يعطيهم الغنيمة، ولهذا اشتغلوا بالغنيمة، وتركوا المركز أو معناه ما كان لنبي أن يكتم شيئًا من الوحي وقرئ على البناء للمفعول أي ينسب إلى الخيانة، أو يخونه أمته فقيل نزلت يوم بدر، وقد غل بعض أصحابه (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): حاملاً له على عنقه، وقد ورد أن الحجر ليرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفًا ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل ائت به فذلك قوله (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ): جزاؤه وإذا كان كل كاسب مجزيًا بعمله فالغال لعظم ذنبه بذلك أولى، (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ): بنقص الثواب، وازدياد العقاب، (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ): بطاعته، (كمَنْ بَاءَ): رجع، (بِسَخَطٍ منَ اللهِ): بمخالفة شرعه، (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئسَ المَصِير): جهنم، (هُمْ درَجَاتٌ عندَ اللهِ) أي أهل الخير وأهل الشر

стр. 299

درجات أي كدرجات في التفاوت أو ذو درجات، (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون)، فيجازيهم على حسب الأعمال، (لقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهم) من جنسهم لا من ملك وغيره ليفهموا كلامه، ويتمكنوا من مجالسته والانتفاع به، (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) أي: القرآن، (وَيُزَكِّيهِمْ): من دنس الشرك والجهل، (ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ): القرآن، (وَالْحكمَةَ): السنة، (وَإِن كانوا مِن قَبْلُ)، إنْ هي المخففة أي: إن الشأن كانوا قبل بعثته، (لَفِي ضَلالٍ مبينٍ): ظاهر، (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) يوم أحد من قتل سبعين منكم، (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا): يوم بدر من قتل سبعين، وأسر سبعين، (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا): القتل والهزيمة، ونحن مسلمون، ورسول الله ﷺ فينا، والهمزة متخللة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ما سبق من قصة أحد

стр. 300

للتقرير والتقريع وقلتم جواب لما فإنه ظرف بمعنى حين يستعمل استعمال الشرط مضاف إلى الجملة بعده، وناصبه ما وقع موقع الجزاء، وأني خبر هذا وقع مقول القول، وقد أصبتم صفة لمصيبة، (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ): من مخالفة أمر رسول الله ﷺ بترك المركز أو فيما صنعتم من أخذكم الفداء يوم بدر، (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): من النصر، ومنعه (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ): جمع المسلمين، والمشركين يوم أحد، (فَبِإِذْنِ اللهِ): فهو بقضائه، وقدره، (وَلِيَعْلَمَ)، عطف على بإذن الله، (الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) أي: ليتميز المؤمنون من المنافقين ويظهر إيمان هؤلاء، وكفر هؤلاء، (وَقيلَ لَهُمْ) أي: لعبد الله بن أبي وأصحابه لما انصرفوا في أثناء الطريق، عطف على نافقوا أو كلام مبتدأ، (تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا): عنَّا القوم بتكثيركم سوادنا، وقيل تخيير بين المقاتلة للآخرة أو للدفع عن الأنفس والأموال، (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، لكن لا يكون اليوم قتال، ونافقوا في هذا أيضًا، لأنَّهُم ظنوا القتال ورجعوا وقيل معناه لو نعلم أن ما ترتكبونه قتال لاتبعناكم، لكن هو إلقاء الأنفس إلى التهلكة، (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذ أَقْرَبُ مِنهُمْ لِلإِيمَانِ)، لانخزالهم وكلامهم، (يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم ما لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ): من كلمة الإيمان، وقولهم لو نعلم قتالاً على التوجيه الأول، (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ): من النفاق، (الذِين)، بدل من فاعل يكتمون أو نصب أو رفع على الذم، (قَالُوا لإِخوَانِهِمْ) أي: لأجل أقاربهم المقتولين يوم أحد أو قالوا لإخوانهم من

стр. 301

المنافقين، (وَقَعَدُوا) أي: والحال أنهم قد قعدوا عن الحرب، (لَوْ أَطَاعُونَا) أي: شهداء أحد في الانصراف، (مَا قُتِلُوا): كما لم نقتل، (قُلْ فَادْرَءُوا): ادفعوا (عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): إنكم تقدرون دفع القتل عمن كتب عليه، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً)، نزل في شهداء أحد أو في شهداء بدر أو في سبعين من الصحابة قتلوا في بئر معونة حين أرسلهم رسول الله ﷺ إلى نجد، (بَلْ): هم، (أَحياءٌ عِندَ ربهِمْ): في دار كرامته، (يُرْزقُون): من الجنة حيث شاءوا، فإن أرواحهم في أجواف طيور خضر، (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): لوقوع محذور، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ): لفوات محبوب وألا خوف بدل اشتمال من

стр. 302

الذين أي يستبشرون بعدم الخوف والحزن على الذين خلفهم من المؤمنين بشرهم الله

стр. 303

بذلك أو يسرون بلحوق من لحقهم عن إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ليشركوهم فيما هم فيه من الكرامة قال السدى: يؤتى الشهيد بكتاب فيه يقدم عليك فلان يوم كذا وفلان يوم كذا، فيسر بذلك كما تسرون بقدوم الغائب، وقال: بعضهم لما قتلوا ورأوا الكرامة قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما عرفناه، فباشروا القتال بالرغبة، فأخبر الله نبيه بأمرهم، ثم الله أخبرهم بأني قد أخبرت بأمركم نبيكم، فاستبشروا بذلك فذلك قوله: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا) إلى آخره (يَسْتَبْشِرُونَ)، كرره تأكيدًا، وليتعلق به قوله: (بِنِعْمَةٍ من اللهِ)، ثوابًا لأعمالهم، (وَفَضْلٍ): زيادة عليها، (وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، عطف على نعمة أي: استبشروا لما عاينوا من وفاء الموعود. * * * (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ

стр. 304

شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلله مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) * * * (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ): الجرح، وهو صفة للمؤمنين أو نصب على المدح، (لِلذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ): بطاعة رسول الله ﷺ ومِن للتبيين، وهو أي للذين خبر قدم على مبتدئه، والجملة استئنافية أو الذين استجابوا مبتدأ وجملة للذين أحسنوا إلخ خبره، (وَاتَّقَوْا): مخالفته، (أَجْرٌ عظيمٌ الذِينَ)، بدل من الذين، (قَالَ لَهُمُ النَّاسُ): رسول المشركين، (إِنَّ النَّاسَ)، أي: المشركين، (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ)، ذلك القول، (إِيمَانًا) يقينًا وتصديقًا، (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ): محسبنا وكافينا، (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): الموكول إليه هو، (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ منَ اللهِ)، سلامة بدن، (وَفَضْلٍ): ربح مال، (لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ): قتل وجرح، (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ): في طاعة رسوله، (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم)، أنعم عليهم بإنعامات جمة دينية ودنيوية نزلت آية (الذين استجابوا) إلخ فيمن بقى من غزوة أحد فإنهم أطاعوا رسول الله ﷺ مع جراحاتهم فى الخروج عقب المشركين فإنهم إذا رجعوا من أحد ندموا في أثناء الطريق، وقالوا:

стр. 305

نرجع ونستأصلهم فخرج رسول الله ﷺ مع مَن كان معه في أحد فلما سمع المشركون بخروجهم ألقى الله الرعب فيهم فأرسلوا أحدا يخوف المسلمين منهم، والمسلمون يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، ورجعوا فرجع المسلمون بعافية وربح وهو أن عيرًا مرّت فاشتراها رسول الله ﷺ وربح فيها مالاً وقسم بين أصحابه أو نزلت فيمن خرج مع رسول الله ﷺ في العام القابل من غزوة أحد حين خرج المشركون من مكة وألقى الله الرعب فيهم في أثناء الطريق، وندموا من الخروج وأرسلوا أحدًا يخوف المسلمين في المدينة، وهم متأهبون للقتال قائلون حسبنا الله ونعم الوكيل، ورجعوا من الطريق فرجع المسلمون بسلامة وربح في تجارة من سوق بدر ورضًا من الله، (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ) أي: قائل إن الناس قد جمعوا لكم شيطان يصدكم عن سبيل الله، مبتدأ، وخبر، (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ):

стр. 306

يخوفكم أولياءه بإيهامكم أنَّهم ذوو قوة وبأس، (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): مصدقين موقنين، (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ) أي: لا تهتم، ولا تبال بمن يبادر إلى العناد وكسر الإسلام، وهم كفار قريش أو المنافقون أو هم واليهود، (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) أي: دين الله، وشيئًا مصدر أو مفعول، (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ): نصيبًا من الثواب فيها (ولَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ)، مع حرمان الثواب، (إِنَّ الَّدينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمَان): استبدلوا هذا بهذا (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا)، ولكن يضرون أنفسهم، (ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ)، ما مصدرية، وإن مع ما في حيزه مفعول، وفي قراءة: " ولا تحسبن " بالتاء تقديره لا تحسبن يا محمد حال الذين كفروا أن الإملاء أي: الإمهال خير بحذف مضاف أو إنما نملي بدل من المفعول، واستغني به عن المفعول الثاني (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، استئناف بما هو علة الحكم قبلها، وما كافة، (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) نزلت في مشركي مكة، أو في قريظة والنضير، (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ): يا معشر المسدمين من التباسكم بالمنافقين أو يا معشر المؤمنين والمنافقين من الالتباس والاختلاط (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) المنافق من المخلص بالوحي أو بتكاليف لا تذعن لها إلا الخلص كما ميز يوم أحد، (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)، فتعرفوا قلوب المخلصين والمنافقين، (وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)، فيخبره ببعض المغيبات

стр. 307

نزلت حيث قال المشركون: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا بمن يؤمن به، ومن يكفر أو لما قال ﵊: (عرضت عليَّ أمتي وأعلمت من يؤمن لي ومن يكفر بي) قال المنافقون: إنه يزعم عرفان المؤمن من الكافر، ونحن معه ولا يعرفنا، (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ): بصفة الإخلاص، (وَإِن تؤْمِنُوا): حق الإيمان، (وَتَتَّقوا فَلَكمْ أَجْر عَظِيمٌ وَلاَ يَحْسَبَن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ)، بقراءة التاء تقديره ولا تحسبن بخل الذين بحذف مضاف، وكذا بقراءة الياء إن كان الفاعل ضمير الرسول وأما إذا كان الذين يبخلون فاعله فتقديره ولا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيرًا لهم نزلت في مانعي الزكاة وقيل في أهل الكتاب بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة، (بَلْ هوَ) أي: البخل، (شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يجعل ماله الذي لم يؤد زكاته حية يطوق في عنقه تنهشه من فرقه إلى قدمه، أو يجعل طوقًا من نار، (وَلله مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): يفنى الملاك، وتبقى الأملاك بلا مالك إلا الله، فلا تبخلوا، (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلون): من المنع، والإعطاء، (خبِيرٌ)، فيجازيكم. * * *

стр. 308

(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)

стр. 309

(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)، قالت اليهود لما نزلت: (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا) [البقرة: ٢٤٥، الحَديد: ١١] أو لما دعاهم أبو بكر إلى الإسلام قالوا: إن الله إلينا لفقير ونحن عنه أغنياء، ولولا ذلك ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا): في صحيفة أعمالهم أو سنحفظه ولا نهمله، (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ): بحسدٍ وعناد قرنه به لأنهما كجنس واحد في العظم، (وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) المحرق أي: ننتقم منهم بأن نقول لهم ذلك (ذلِكَ) أي: العذاب، (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ): بسبب ذنوب صدرت من أنفسكم، وهو من جملة المقول معهم، (وَأَنَّ الله لَيْسَ بظَلاَّمٍ للْعَبيدِ)، عطف على ما قدمت أي: عدلنا يقتضي تعذيبكم، وصيغة المبَالغة لكثرة العبيد فإنها جمع محلى باللام، (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أي: حتى يأتي بتلك المعجزة الخاصة، وهي أن من تَصدق بصدقة من أمته فتقبلت منه تنزل نار من السماء تأكلها كما كانت لأنبياء بني إسرائيل (قُلْ): يا محمد تكذيبًا لهم، وإلزامًا؛ (قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات، (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ):

стр. 310

تلك المعجزة الخاصة التي تطلبون مني، (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): أنكم تتبعون من جاء بتلك المعجزة، ثم قال مسليًا لرسوله ﷺ (فَإِنْ كَذَّبُوكَ): فليس ببدع منهم، (فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ): الكتب المقصورة على الحكم وعلى المواعظ، (وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ): الواضح المعنى المتضمن للشرائع والأحكام، (كُل نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ): وعد للمصدق، ووعيد للمكذب، (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): تعطون تامًا جزاء أعمالكم، (فَمَنْ زُحْزِحَ): جنب، وبعد: (عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ): ظفر بالبغية، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي: زخارفها، (إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ): كمتاع يدلس به على المستام فيغر ويشتريه فمن اغتر بها وآثرها فهو مغرور، (لَتُبْلَوُنَّ) أي: والله لتختبرن، (فِي أَمْوَالِكُمْ): بإهلاكه، والأمر بالإنفاق، (وَأَنْفُسِكُمْ): بالجهاد والقتل، والأمراض، والحقوق كالصلاة، والحج، (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا)، من هجاء الرسول، والطعن، وتشبيب النساء أمرهم بالصبر قبل الوقوع ليوطنوا أنفسهم عليه، (وَإِن تَصْبِرُوا) على الأذى، (وَتَتَّقُوا): الله، (فَإنَّ ذَلِكَ): أي الصبر، والتقوى، (مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ): معزوماتها أي: التي يجب العَزم عليها أو مما عزم الله وأمر وبالغ فيه قال عطاء: من حقيقة الإيمان، (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ) أي: اذكره، (مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ): بلسان أنبيائهم، (لَتُبَيِّنُنَّهُ

стр. 311

لِلنَّاسِ): حكاية لمخاطباتهم أي: والله لتبينن الكتاب بجملته لهم، (وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ) أي: الميثاق، (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ): هو مثل في ترك الاعتداد والاعتبار، (وَاشْتَرَوْا به ثَمَنًا قَلِيلاً) أخذوا بدله قليلاً من حطام الدنيا، (فَبئْسَ مَا يَشْتَرُونَ): يختارون، (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ): تأكيد للأَول، (بِمَفَازَةٍ): منجاة، (مِّنَ العَذَابِ) أَى: فائزين بالنجاة منه، ومن قرأ بالياء ففاعله الذين، ومفعوله الأول متصل بالتأكيد ولا

стр. 312

حذف، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بكفرهم، وكتمانهم آيات الكتاب، وقد صح أن مروان أرسل أحدًا إلى ابن عباس رضى الله عنهما وقال: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس رضى الله عنهما: ما لكم وهذه إنما نزلت في أهل الكتاب، وسألهم رسول الله ﷺ عن شيء وأخبروه بغير الواقع، فظنوا أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه، وفرحوا بكتمانهم أو نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو، ثم اعتذروا وحلفوا واستحمدوا وقيل في المنافقين يفرحون بنفاقهم، ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان، (وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): فلا يعجز عن الانتقام. * * * (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى

стр. 313

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لله لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) * * * (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، هذه في ارتفاعها واتساعها مع ما فيها من الكواكب المختلفة، وهذه في انخفاضها، وكثافتها، وما فيها من البحار، والجبال، والأشجار، والأنهار، والزروع، والثمار، (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) تعاقبهما، وتقارضهما الطول والقصر فتارة يطول هذا أو يقصر ذلك، ثم يعتدلان، ثم يطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلاً، وكل ذلك تقدير العزيز العليم، (لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ): دلالات على الوجود، والوحدة والعلم، والقدرة لذوي العقول الخالصة، وقد ورد: " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها "، (الَّذِينَ يَذكُرُونَ الله)، وصف لأولي الألباب، (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ): يصلون قائمين فإن لم يستطيعوا فقعودًا، فإن لم يستطيعوا فعلى جنب، أو المراد مداومة الذكر لأن الإنسان قلما يخلو عن إحدى هذه

стр. 314

الحالات (وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وما أبدع فيهما استدلالاً قائلين: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا) أي: الخلق، (بَاطِلًا) أي: خلقًا عبثًا بل خلقته لحكم عظيمة، (سُبْحَانَكَ): أنزه تنزيهًا لك من خلق العبث، (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ): علمنا أنك منزه عن خلق العبث، بل ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى فقنا عذاب النار بحولك، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ) للخلود فيها فإنه الخزي كما قال تعالى (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ) [التحريم: ٨] إلخ، (فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، أهنته غاية الإهانة، وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ): ينصرونهم في الخروج من النار، وضع الظاهر موضع المضمر ليعلم أن سبب الخلود ظلمهم، وهذا دليل على أن المراد بالدخول هاهنا الخلود لأن للداخلين من المؤمنين أنصارًا، (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا) أي: محمدا ﵊ أو القرآن، (يُنَادِي لِلْإِيمَانِ)، والنداء يعدى بإلى، واللام لتضمنه معنى الانتهاء والاختصاص (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي: بأن آمنوا، (فَآمَنَّا رَبَّنَا

стр. 315

فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا): كبائرنا، (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا): صغائرنا بقبول الطاعات (وَتَوَفنَا مَعَ الأَبْرَارِ): معدودين في زمرة الصالحين، (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) أي: على ألسنتهم أو على تصديق رسلك من الثواب فعلى الحقيقة استعاذة من سوء العاقبة مخافة ألا يكونوا من الموعودين، (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ): لا تفضحنا على رءوس الأشهاد، (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) البعث بعد الموت، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ): يعدى بنفسه وباللام (أَنِّي) أي: بأق، (لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى): بيان عامل، (بَعْضُكُم مِّنْ بَعْض): في الدين أو كلكم من آدم أو لأن الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله تعالى ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى (فاستجاب لهم) إلخ. (فالذِينَ هَاجَروا): تفصيل للأعمال، (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا): الكفار، (وَقُتِلُوا): في الجهاد، (لَأُكَفِّرَنَّ): لأمحون، (عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) تحت أشجارها، (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ) أيَ: لأثيبنهم ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ العظيم، (وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثوَابِ): على الطاعات. (لاَ يَغُرنكَ تَقَلبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلادِ): من السعة والتبسط في المكاسب والمزارع والمتاجر قال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما نرى من الخير، ونحن في الجهد نزلت فالخطاب مع رسول الله ﷺ ، والمراد غيره، (مَتَاعٌ قَلِيلٌ) أي: ذلك التقلب متاع قليل لقلة مدته وفي جنب ما أعد الله للمؤمنين، (ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ): ما مهدوا

стр. 316

لأنفسهم، أو الفراش جهنم، (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ): هو مما يعد للنازل، ونصبه على الحال من جنات، والعامل الظرف، (وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ): مما يتقلب فيه الفجار في الدنيا، (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ)، دخلت اللام على اسم إن للفصل بالظرف نزلت لما تُوفي النجاشي، وخرج رسول الله ﷺ وصلى كما يصلي على الجنائز فقال المنافقون: تصلى على علج مات بأرض الحبشة أو في ابن سلام وأصحابه، أو في جمع من الحبشة والروم أسلموا أو في مؤمني أهل الكتاب كلهم، (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ): القرآن (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ): من كتبهم، (خَاشِعِينَ لله)، حال من فاعل يؤمن، (لاَ يَشْتَرُونَ)، حال آخر، (بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا): لا يأخذونه بدلها كما يفعله المحرفون (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، فالأجل الموعود سريع الوصول إليهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا): على دينكم وعلى أمر الله أو على البلاء، (وَصَابِرُوا): على عدوكم، (وَرَابِطُوا) أنفسكم في مكان العبادة أي داوموا أو أبدانكم وخيولكم فى الثغور أو المراد انتظار الصلاة بعد الصلاة، (وَاتَّقُوا اللهَ): في جميع الأمور وفيما بينه وبينكم، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكي تفلحوا في الدنيا، والآخرة. والحمد لله رب العالمين أكمل الحمد وأتمه.

стр. 317

سورة النساء وهى مائة وست وسبعون آية وأربعة وعشرون ركوعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا

стр. 318

مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ): هي آدم. (وخَّلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا): حواء من ضلع من أضلاعها. (وَبَثَّ): نشر. (مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي: كثيرًا. (وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءلُونَ بِه) أي: تتساءلون فيما بينكم حوائجكم به، كما تقولون: أسألك بالله، أدغمت التاء الثانية في السين، وقرئ بطرحها (وَالأَرْحَامَ) أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) حافظا مطلعًا فاتقوه. (وَءاتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) نزلت في رجل معه مال لابن أخ يتيم له فطلبه بعد البلوغ ومنعه (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): ولا تستبدلوا حرام أموالهم بحلال

стр. 319

أموالكم، نقل أنَّهم كانوا يأخذون الجيد من مال اليتامى ويجعلون مكانه الردى فنزلت، وعلى هذا أيضًا الجيد هو الخبيث باعتبار حرمته فلا يرد عليه شيء (وَلاَ تَاكلُوا أَمْوَالَهُمْ): منضمة. (إِلَى أَمْوَالِكُمْ) أي: لا تنفقوهما معًا (إِنهُ): الضمير للأكل. (كَانَ حُوباً): إثمًا (كَبِيراً). (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا): تعدلوا. (فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: إن خفتم يا أولياء اليتامى ألا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب، وإن خفتم ألاّ تعدلوا في اليتامى فخافوا أيضًا من عدم العدل بين النساء فانكحوا مقدارًا يمكنكم الوفاء بحقوقه أي: كما تخافون هذا فخافوا ذاك أيضًا، أو كما خفتم من ولاية اليتامى فخافوا من الزنا فانكحوا ما طاب لكم (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة حال مما طاب (فَإِنْ

стр. 320

خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا): بين هذه الأعداد أيضًا. (فَوَاحِدَةً) أي: فاختاروها (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) سوى بين واحدة والسراري من غير تعيين عدد فإنه لا قسم بينهن وعبر عن النساء بما في الموضعين لنقصان عقلهن أو ذهابًا إلى الصّفة (ذلِكَ) أي: التقليل، أو اختيار الواحدة أو التسري (أَدنى أَلَّا تَعُولُوا): أقرب ألاّ تميلوا ولا تجوروا. (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ): الخطاب للأزواج أو الأولياء؛ لأنَّهُم كانوا يأخذون مهور مولياتهم (نِحْلَةً) أي: فريضة أو عطية وهبة عن طيب نفس، مصدر أي: إيتاء نحلة (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) الضمير للصداق أو للإيتاء، ونفسًا تمييز، وعدى الطيب بعن لتضمين معنى التجافي أي: إن وهبن لكم من الصداق عن طيب نفس (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) هَنَا الطعام ومَرَأ إذا ساغ من غير غص، صفتان أقيمتا مقام المصدر أو صفة مصدر أو حال. (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) هم النساء والصبيان كما قال ابن عباس: لا تعمد إلى ما جعله الله لك معيشة فتعطه امرأتك أو أولادك ثم تنظر إلى ما في أيديهم لكن أمسكه وأصلحه وكن أنت منفقًا عليهم، أو اليتامى فيكون منعًا للأولياء من إعطاء
следующие страницы →