← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لأنفسهم، أو الفراش جهنم، (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ): هو مما يعد للنازل، ونصبه على الحال من جنات، والعامل الظرف، (وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ): مما يتقلب فيه الفجار في الدنيا، (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ)، دخلت اللام على اسم إن للفصل بالظرف نزلت لما تُوفي النجاشي، وخرج رسول الله ﷺ وصلى كما يصلي على الجنائز فقال المنافقون: تصلى على علج مات بأرض الحبشة أو في ابن سلام وأصحابه، أو في جمع من الحبشة والروم أسلموا أو في مؤمني أهل الكتاب كلهم، (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ): القرآن (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ): من كتبهم، (خَاشِعِينَ لله)، حال من فاعل يؤمن، (لاَ يَشْتَرُونَ)، حال آخر، (بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا): لا يأخذونه بدلها كما يفعله المحرفون (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، فالأجل الموعود سريع الوصول إليهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا): على دينكم وعلى أمر الله أو على البلاء، (وَصَابِرُوا): على عدوكم، (وَرَابِطُوا) أنفسكم في مكان العبادة أي داوموا أو أبدانكم وخيولكم فى الثغور أو المراد انتظار الصلاة بعد الصلاة، (وَاتَّقُوا اللهَ): في جميع الأمور وفيما بينه وبينكم، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لكي تفلحوا في الدنيا، والآخرة. والحمد لله رب العالمين أكمل الحمد وأتمه.

стр. 317

سورة النساء وهى مائة وست وسبعون آية وأربعة وعشرون ركوعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا

стр. 318

مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) * * * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ): هي آدم. (وخَّلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا): حواء من ضلع من أضلاعها. (وَبَثَّ): نشر. (مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي: كثيرًا. (وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءلُونَ بِه) أي: تتساءلون فيما بينكم حوائجكم به، كما تقولون: أسألك بالله، أدغمت التاء الثانية في السين، وقرئ بطرحها (وَالأَرْحَامَ) أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) حافظا مطلعًا فاتقوه. (وَءاتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) نزلت في رجل معه مال لابن أخ يتيم له فطلبه بعد البلوغ ومنعه (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): ولا تستبدلوا حرام أموالهم بحلال

стр. 319

أموالكم، نقل أنَّهم كانوا يأخذون الجيد من مال اليتامى ويجعلون مكانه الردى فنزلت، وعلى هذا أيضًا الجيد هو الخبيث باعتبار حرمته فلا يرد عليه شيء (وَلاَ تَاكلُوا أَمْوَالَهُمْ): منضمة. (إِلَى أَمْوَالِكُمْ) أي: لا تنفقوهما معًا (إِنهُ): الضمير للأكل. (كَانَ حُوباً): إثمًا (كَبِيراً). (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا): تعدلوا. (فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: إن خفتم يا أولياء اليتامى ألا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب، وإن خفتم ألاّ تعدلوا في اليتامى فخافوا أيضًا من عدم العدل بين النساء فانكحوا مقدارًا يمكنكم الوفاء بحقوقه أي: كما تخافون هذا فخافوا ذاك أيضًا، أو كما خفتم من ولاية اليتامى فخافوا من الزنا فانكحوا ما طاب لكم (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة حال مما طاب (فَإِنْ

стр. 320

خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا): بين هذه الأعداد أيضًا. (فَوَاحِدَةً) أي: فاختاروها (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) سوى بين واحدة والسراري من غير تعيين عدد فإنه لا قسم بينهن وعبر عن النساء بما في الموضعين لنقصان عقلهن أو ذهابًا إلى الصّفة (ذلِكَ) أي: التقليل، أو اختيار الواحدة أو التسري (أَدنى أَلَّا تَعُولُوا): أقرب ألاّ تميلوا ولا تجوروا. (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ): الخطاب للأزواج أو الأولياء؛ لأنَّهُم كانوا يأخذون مهور مولياتهم (نِحْلَةً) أي: فريضة أو عطية وهبة عن طيب نفس، مصدر أي: إيتاء نحلة (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) الضمير للصداق أو للإيتاء، ونفسًا تمييز، وعدى الطيب بعن لتضمين معنى التجافي أي: إن وهبن لكم من الصداق عن طيب نفس (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) هَنَا الطعام ومَرَأ إذا ساغ من غير غص، صفتان أقيمتا مقام المصدر أو صفة مصدر أو حال. (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) هم النساء والصبيان كما قال ابن عباس: لا تعمد إلى ما جعله الله لك معيشة فتعطه امرأتك أو أولادك ثم تنظر إلى ما في أيديهم لكن أمسكه وأصلحه وكن أنت منفقًا عليهم، أو اليتامى فيكون منعًا للأولياء من إعطاء

стр. 321

الذين لا رشد لهم أموالهم، وإضافة المال إلى الأولياء لأنه في تصرفهم (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا): تقومون وتنتعشون بها، فعلى الثاني تأويله التي من جنس ما جعله الله لكم قيامًا، وسمي ما به القيام قيامًا مبالغة (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) اجعلوا لهم فيها رزقًا وكسوة بأن تتجروا فيها وتحصلوا من نفعها (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) قولا لينًا يطيب به أنفسهم. (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى): اختبروهم قبل البلوغ في عقلهم (حَتَّى إِذَا بَلَغوا النِّكَاحَ) كناية عن البلوغ، لأنه عند البلوغ يصلح للنكاح (فَإِنْ آنَسْتُمْ): أبصرتم (مِنْهُمْ رُشْدًا) صلاحًا في الدين والمال (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فدفع المال بعد البلوغ بشرط الرشد (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً) حال، أو مفعول له (أَن يَكْبَروا) أي: مسرفين مبادرين كبرهم مخافة نزعها عن أيديكم عند كبرهم (وَمَن كَان غَنِيًّا) من الأوصياء (فَلْيَسْتَعْفِفْ): من أكل شيء منها (وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأكلْ بِالْمَعْرُوفِ) أجرة مثله، أو القرض فيجب الأداء، أو لا يأكل إلا أن يضطر كأكل الميتة ويقضي، أو لا يأكل إلا بقدر الحاجة (فإِذَا دَفَعتمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهمْ) بعد البلوغ والرشد (فأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) بقبضهم، وهذا أمر إرشاد لقطع الخصومة (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا): محاسبًا فاعدلوا في أموالهم. (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي: المتوارثون بالقرابة (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) بدل مما ترك

стр. 322

(نَصِيبًا مَفْرُوضًا) مصدر مؤكد، أو بتقدير: أعني، نزلت لما كانوا يجعلون المال للرجال الكبار دون النساء والأطفال. (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ): قسمة الميراث (أُولُو الْقُرْبَى): ممن لا يرث (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ): مما ترك، وهو أمر ندب للبلّغ، أو أمر وجوب على الصغير والكبير منسوخ أو غير منسوخ، أو المراد أن الميت يوصي لهم، أو واجب مما طابت به النفس (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا): هو أن يدعو لهم ويلطف في العبارة معهم، وإن كانت الورثة صغارًا اعتذروا إليهم. (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) أمر لمن حضر الميت بأن يخشوا على أولاد المريض خشيتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم ويسددوه للصواب، أو للأولياء بأن يخشوا الله ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم بعد وفاتهم، وأن يقولوا لليتامى بالشفقة وحسن الأدب و (لو) بما في حيزه صلة للذين. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا): ظالمين أو على وجه الظلم (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا: ملء بطونهم ما يجر إلى النار، وقد نقل أن في القيامة يخرج لهب

стр. 323

النار من فيه ومسامعه وأنفه وعينه يعرفه من رآه (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) وسيدخلون نارًا. * * * (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 324

خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤) * * * (يُوصِيكُمُ اللهُ): يعهد إليكم (في أَوْلادِكُمْ) في شأن ميراثهم (لِلذَّكَرِ) منهم (مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ) أي: المولودات (نِسَاءً) خلصًا ليس معهن ذكر (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) صفة نساءَ (فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) المتوفى منكم (وَإِن كَانَتْ) المولودة (وَاحِدَةً فَلَهَا النصْفُ) وللبنتين حكم ما فوقهما، لأنهما أمس رحمًا من الأختين، وقد فرض لهما الثلثين بقوله: فلهما الثلثان مما ترك، وقيل: لفظ الفوق صلة زائدة وما فوق الواحدة جماعة (وَلِأَبَوَيْهِ) أي: الميت (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بدل (السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ): للميت (وَلَدٌ) ذكر أو أنثى، يعني: بطريق الفرضية (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) فحسب (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) يعني: وللأب الباقي وهو الثلثان (فَإِن كَانَ لَهُ): للميت (إِخوَةٌ) وحكم الأخوين كحكم الأخوة (فَلِأُمِّهِ

стр. 325

السُّدُسُ) وإن كانوا لا يرثون مع الأب (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية أو دين، وقدم الوصية على الدين وإن كان الدين مقدمًا حكمًا، لأنها تشبه الميراث شاقة على الورثة (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا): لا تعرفون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم، فاتبعوا ما قررت لكم من الميراث ولا تكونوا على ما كنتم عليه في الجاهلية من حرمان النساء والأطفال، وعلى ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد، وللأبوين الوصية (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) مصدر يوصيكم الله، لأنه في معنى: يفرض عليكم أو مصدر مؤكد (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا) بالمصالح (حَكِيمًا) فيما قضى. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ) أي: الزوجات (الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وسواء في الربع والثمن الواحدة والأكثر (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ): منه (كَلَالَةً)

стр. 326

لا ولد له فيورث: صفة رجل من ورث، وكلالة: خبر كان، والرجل هو الميت (أَوِ امْرَأَةٌ) عطف على رجل (وَلَه) أي: للرجل، ومنه يعلم حكم المرأة فاكتفى به (أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) من الأم بالإجماع وهو مذكور في بعض القراءة (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا) الضمير لمن يرث، وجمعه محمول على المعنى (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي: من واحد (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلُثِ) ذكرا كانوا أو أنثى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) لورثته بحرمان بعضهم أو زيادة أو تنقيص مما قدر من الفريضة، ولا يكون غرضه من الوصية الإضرار بل القربة، حال من فاعل يوصى، وفي قراءة البناء للمفعول ما يدل عليه وهو الفاعل المتروك (وَصِيَّةً مِنَ اللهِ) مصدر أو مفعول به لغير مضار (وَاللهُ عَلِيمٌ): بالمضار وغيره (حَلِيمٌ) لا يعاجل بعقوبته. (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ) أي: ما تقدمت من الأحكام شرائعه التي كالحدود التي لا يجوز مجاوزتها (وَمَن يُّطِع الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ): من تحت أشجارها (خَالِدِينَ فيهَا) جمعه باعتبار المعنى (وَذَلِكَ) أي: الخلود فيها (الفَوْزُ العَظِيمُ).

стр. 327

(وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) يتجاوزه (يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) لأنه لم يرض بما قسم الله وحكم به بل ضاد في حكمه، وخالدين: حال وكذا خالدًا لا صفة جنات ونارًا؛ لأنه لا بد أن يقول حينئذ: خالدين هم وخالدًا هو فيها؛ لأنهما جريا على غير من هما له. * * * (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ

стр. 328

أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) * * * (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ): يفعلن (الْفَاحِشَةَ) الزنا (مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) من رجال المسلمين (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ) أجلسوهن (فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) أي: ملائكة الموت، أو يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن كان ذلك عقوبتهن في بدء الإسلام فنسخ بالحد (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) السبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. (وَاللذَانِ) أي: الرجل والمرأة (يَأْتِيَانِهَا) أي: الفاحشة (مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا) بالشتم والتعيير والضرب بالنعال وكان الحكم كذلك حتى نسخ، وعن بعضهم: أنها نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا أو في الرجلين إذا عملا عمل قوم لوط والظاهر أن الإيذاء

стр. 329

مشترك بين الرجل والمرأة والحبس خاصة المرأة، فإذا تابا أزيل الإيذاء عنهما وبقي الحبس عليها، وقيل: هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً، وكانت عقوبة الزناة الأذى ثم الحبس ثم الجلد (فَإِنْ تَابَا) من الفاحشة (وَأَصْلَحَا) العمل (فأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) اتركوا أذاهما ولا تعنفوهما بعدُ بكلامٍ قبيح (إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا). (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ) أي: ليس قبول التوبة واجبًا على الله بمقتضى وعده لأحد إلا (لِلذِينَ يَعْمَلُون السُّوءَ) ملتبسين (بِجَهَالَةٍ) أجمع الصحابة على أن من عصى الله عمدًا أو خطأ فهو بجهالة (ثمَّ يَتُوبُونَ من قَرِيبٍ) زمان قريب قبل معاينة الموت، أو قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، أو في صحته قبل مرض موته (فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) تاب الله عليه قبل توبته وغفر ذنبه (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بنياتهم (حَكِيمًا) بأفعاله. (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ) أي: منفية قبولها (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أي: لا توبة لهؤلاء الفريقين؛ فإنه كما لا تقبل توبة الآخرة لا تقبل توبة الدنيا حين الاحتضار (أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) الاعتداد: التهيئة.

стр. 330

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ): أي: ذواتهن (كَرْهًا) في الجاهلية إذا مات زوج امرأة ورث امرأته من يرث ماله إذا ألقى عليها ثوبًا فإن شاء تزوجها بغير صداق، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، وإن شاء منعها من الأزواج لتموت فيرث، أو لتُعطي ما ورثت من الميت، وإن انفلتت قبل أن يلقي عليها ثوبًا نجت فنهى الله عنه، وكرها حال أي: كارهات (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتيتمُوهُنَّ) كان للرجل امرأة كاره هو صحبتها فيقهرها ويضربها لتحل مهرها أو حقًا من حقوقها فالخطاب للأزواج، وأصل العضل التضييق، وهو عطف على (أن ترثوا) ولا لتأكيد النفي (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي: الزنا أو النشوز والعصيان أو أعم أي: لا تضجروهن للافتداء إلا وقت أن يأتين بفاحشة فإنه جاز ضجرها لتخالعه (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أجملوا بالقول والفعل معهن (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) فاصبروا عليهن (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) مثل أن يرزق منها ولدٌ ويكون في الولد خير كثير. (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) طلاق امرأة وتزوج أخرى (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ) الضمير للزوج؛ لأن المراد منها الجنس (قِنْطَارًا) مالا كثيرًا أي:

стр. 331

وقد جعلتم صداقهن قنطارًا (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ) من القنطار (شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي أتأخذونه باهتين آثمين، أو مفعول له نحو: قعدت عن الحرب جبنًا، فإنهم إذا أرادوا طلاق امرأة نسبوها إلى فاحشة لتفتدي صداقها، أو حال من المفعول أي: ظلمًا وإثمًا ظاهرًا، وفيه ما لا يخفى من المبالغة. (وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ) أي: شيئًا من الصداق (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) والحال أنه وصل إليه، وهو كناية عن الجماع (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) هو العقد أو ما أخذ الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أو ما قال رسول الله ﷺ : " أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) كان نكاح زوجات الآباء معمولاً به في الجاهلية (مِنَ النِّسَاءِ) بيان ما، وعبر بما لأنه أراد به الصفة (إِلا مَا قَدْ سَلَفَ) الاستثناء من لازم النهي أي: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو منقطع أي: لكن ما قد سلف فإنه معفو عنه (إِنَّهُ) أي: نكاحهن (كَانَ فَاحِشَةً) أقبح المعاصي (وَمَقْتًا) وبغضًا شديدًا من الله (وَسَاءَ سَبِيلًا) وبئس ذلك طريقًا. * * *

стр. 332

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)

стр. 333

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) أي: حرم نكاحهن (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ) الربيبة بنت زوجته (اللاتي في حُجُورِكُم) في تربيتكم وبيتكم، وهذا القيد خرج مخرج الغالب لا أنه تقييد الحرمة، وقد صح عن علي كرم الله وجهه أنه جعله شرطًا، وإليه ذهب داود الظاهري وابن حزم، ونقل عن المالك (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) أي: دخلتم معهن في ستر، وهو كناية عن الجماع، ومن ابتدائية متعلقة بالربائب، وعن عليّ وزيد ابن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وابن عباس رضى الله عنهم أنه قيد لأمهات النساء والربائب فيكون من لاتصال الشيء بالشيء حينئذ لا للابتداء، أي: أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) في نكاحهن، وهذا تصريح بالمقصود (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) لا من تبنيتموه، وأما امرأة ابنه من الرضاعة فيعلم حكمها من حديث " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) في النكاح، وكذا جماعهما في ملك اليمين

стр. 334

على الصحيح، وهو في محل الرفع عطف على المحرمات (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) لكن ما مضى مغفور (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا). (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) ذوات الأزواج (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) بالسبي فإنها تحل بعد الاستبراء مع أن لهن أزواجًا من الكفار، وعن بعض من السلف أن بيع الأمة طلاق لها من زوجها فتحل لسيدها لعموم الآية (كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابًا (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) عَطف على حرمت أي: ما سوى المحرمات المذكورات، وما في معنى المذكورات الذي علم بالسنة (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) مفعول له أي: أحل ما وراء ذلك لأن تطلبوا ما وراءه بصرف الأموال في المهر والثمن حال كونكم محصنين ناكحين غير مسافحين زانين، ومفعول تبتغوا متروك كأنه قيل: إن تصرفوا أموالكم، أو بدل اشتمال من وراء، والمفعول محذوف (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) موصولة أي: من تمتعتم به من المنكوحات، أو موصوفة أي: ما استمتعتم به منهن من جماع (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) مهورهن (فَرِيضَةً) حال أو مصدر مؤكد أو صفة لمصدر أي: إيتاء مفروضًا، قال بعض السلف: الآية في نكاح المتعة، وقد صح عن عليٍّ أن

стр. 335

نكاح المتعة (١) نسخت يوم خيبر (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) من إبراء الصداق أو بعضه، ومن حمل ما قبله على المتعة فعنده معناه إذا عقدتم إلى أجل بمال وتم الأجل إن شاءت زادت في الأجل وزاد في الأجر وإلا فارقها (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا) بالمصالح (حَكِيماً) في أحكامه. (وَمَن لَّمْ يَستَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً) فضلاً وزيادة في المال يبلغ بها نكاح المحصنات، فهو مفعول يستطع (أَن يَنكِحَ الُمحْصَنَاتِ) أي: الحرائر متعلق بـ طَوْلاً على حذف حرف الجر أي: إلى أن ينكح (الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: فلينكح أمة غيره (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وقال بعضهم: طول المحصنات هو أن يملك فراشها على أن النكاح الجماع، وحمل قوله: " من فتياتكم المؤمنات " على الإرشاد بالأفضل فعنده جاز نكاح الأمة الكتابية إذا لم يكن تحته حرة (وَاللهُ أَعْلَمُ يِإِيمَانِكُمْ) فاكتفوا بظاهر الإيمان والله أعلم بالسرائر (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) أنتم وأرقائكم في النسب والدين متناسبون فلا تستنكفوا عنها عند الحاجة (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي: أربابهن (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) مهورهن (بِالْمَعْرُوفِ) بغير نقص ومطل استهانة بهن (مُحْصَنَاتٍ) عفائف حال من مفعول

стр. 336

فانكحوا (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) مجاهرات بالزنا (وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) أحباب يزنون بهن في السر، كانت العرب تحرم الأولى لا الثانية (فَإِذَا أُحْصِنَّ) بالتزوج، ومن قرأ بفتح الهمزة والصاد فمعناه: حفظن فروجهن أو أسلمن (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ) زنا (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ) الحرائر الأبكار (مِنَ الْعَذَابِ) من الحد، والجمهور على أن حد الأمة مزوجة أو بكرًا خمسون جلدة؛ ففائدة الشرط نفي ما يتوهم من تفاوت حالهن قبل التزوج وبعده كما في الحرائر وعند بعض السلف أنه لا حد على غير المحصنة منها بل تضرب تأديبًا (ذلِكَ) أي: نكاح الأمة (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: خاف الوقوع في الزنا، يعني: المشقة بغلبة الشهوة فلنكاح الأمة شرطان: عدم الطول وخوف العنت (وَأَنْ تَصْبِرُوا) عن نكاح الأمة مع العفاف (خَيْرٌ لَكُمْ) لئلا يصير الولد عبدًا (وَاللهُ غَفُورٌ) لمن لم يصب (رَحِيمٌ) بأن رخص. * * * (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ

стр. 337

أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) * * * (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما خفي من الشرائع عليكم. واللام زائدة، وأن يبين مفعول يريد (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) شرائعهم ومناهجهم المحمودة كملة إبراهيم (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) من المآثم والمحارم ويعفو عنكم (وَاللهُ عَلِيمٌ) بمصالحكم (حَكِيمٌ) فيما قرر وقدر. (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) إن صدر عنكم تقصير (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) الزناة أو اليهود والنصارى أو المجوس الذين يحلون نكاح

стр. 338

الأخت وبناتها أو أهل الباطل (أَنْ تَمِيلُوا) عن الحق (مَيْلاً عَظِيماً) على اتباع الشهوات. (يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ) في شرائعه، ولهذا رخص لكم نكاح الأمة (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) فيناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف همته، أو في الصبر عن النساء فإنه يذهب عقله عندهن. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) بالحرام كالسرقة والقمار ونحوهما (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) لكن كون تجارة صادرة عن تراض بين المتبايعين غير منهى عنه؛ فالاستثناء منقطع، ومن قرأ تجارةً بالنصب تقديره: يكون التجارة تجارة، ومن قرأ بالرفع فيكون كان تامة (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) من كان من جنسكم من المؤمنين أو بإلقائها إلى التهلكة أو أراد قتل المسلم نفسه

стр. 339

كما يفعله بعض الجهلة، أو بارتكاب محارم الله (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فما نهاكم عن مضاركم إلا من رحمته، أو حيث لم يكلفكم بقتل أنفسكم للتوبة كما كلف بني إسرائيل. (وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ) ما سبق من المحرمات أو القتل (عُدْوَانًا وَظُلْمًا) تجاوزًا عن الحد ووضعًا للشيء في غير موضعه (فَسَوْفَ نصْلِيهِ نَاراً) ندخله إياها (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) لا عسر ولا صارف عنه. (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) كل ذنب فيه وعيد شديد (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) نمح عنكم سيئاتكم (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) وهو الجنة، فمحو الصغائر لمن أجتنب الكبائر وعد مقطوع به ومحوها لمن تعاطى الكبائر ليس كذلك بل فى مشيته وإرادته تعالى.

стр. 340

(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) نهى الله تعالى عن قولهم: ليت لي مال فلان وأهله، أو نزلت في أم سلمة حيث قالت: يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، أو حين قالت امرأة: للرجل مثل حظ الأنثيين في الميراث وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في الثواب هكذا، أو حين قال الرجال: نريد أن يكون لنا من الأجر ضعف النساء، وقالت النساء: نريد أجر الشهداء ولو كُتب علينا القتال لقاتلنا، أو حين قالت النساء عند نزول " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ": نحن أحوج فإنا ضعفاء لا نقدر على طلب المعاش (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) من العمل (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالتمني، أو لهم نصيب من الجهاد ولهن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، والكل بعشر أمثالها (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم فإنه أمر محتوم ولا يجدي تمنيه نفعًا ولكن سلوني من فضلي أعطكم (إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فهو يعدم من يستحق شيئًا فيعطيه. (وَلِكُلٍّ) منكم (جَعَلْنَا مَوَالِيَ) ورثة أو عصبة، والعرب تسمي ابن العم مولى (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) مما متعلق بـ موالي لتضمنه معنى الفعل أي: ورثة مما ترك، يعني: يرث من تركتهم، أو معناه: لكل شيء مما تركوا من المال جعلنا موالي وراثًا يحرزونه (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) عهودكم يأخذ بعضهم بيد بعض على

стр. 341

الوفاء، وقرئ عاقدت، أي: عاقدكم أيديكم (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) من الإرث وهو السدس كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ وأمروا بأن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نسخه بقوله: " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " معاهدة في الإرث لكن يجب الوفاء بالمعاهدة الماضية أو نسخت مطلقًا فلا يجوز إنشاء المعاهدة ولا الوفاء بالعهد السابق للميراث، وقوله: " والذين عقدت أيمانكم " غير منسوخ بمعنى: وآتوهم نصيبهم من النصرة لا من الإرث، أو كان يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى بينهم رسول الله ﷺ فلما نزلت: " ولكل جعلنا موالي " نسخت ثم قال: " وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ " أي: من النصر والنصيحة وقد ذهب الميراث (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) فلا تتجاوزوا عما أمركم. * * * (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ

стр. 342

شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا (٤٢) * * * (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) قيام الولاة على الرعايا (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فضلهم عليهن بكمال العقل والدين والقوة (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ

стр. 343

أَموالِهِمْ) كالمهر والنفقة، اشتكت امرأة عن زوجها بأنه لطمها فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص فنزلت فقال ﵊: أردت أمرًا وأراد الله غيره فرجعت بغير قصاص (فالصَّالِحَاتُ قَانتَاتٌ) مطيعات لأزواجهن (حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ) تحفظ في غيبته نفسها وماله (بِمَا حَفِظَ اللهُ) بحفظ الله إياها فالمحفوظ من حفظه، أو بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على الرجال (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ (نُشُوزَهُنَّ) عصيانهن على أزواجهن (فَعِظُوهُنَّ) بعقاب الله في عصيانها (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) بأن يوليها ظهره ولا يجامعها ولا يكلمها، أو معناه لا يضاجعها (وَاضْرِبُوهُنَّ) إن لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران ضربًا غير شديد (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) بالإيذاء، وقيل: لا تكلفوهن محبتكم فالقلب بيد الله (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) فهو أقَدرَ عليكم منكم على أزواجكم، ويتجاوز عنكم ليلاً ونهارًا. (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) خلافًا بين المرء وزوجه، والإضافة إلى الظرف على الاتساع (فَابْعَثُوا) أيها الحكام (حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا) يحكمان بينهما فيما يرى المصلحة من الجمع والتفريق، والأقارب أعرف ببواطن الأحوال فهُم الأولى، وهما من جانب الحاكم ينفذ حكمهما مطلقًا بغير رضى المحكوم عليه على الأصح (إِن يُرِيدَا) أي: يقصد الحكمان (إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا) بين الزوجين بحسن سعي الحكمين (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) بالظاهر والباطن.

стр. 344

(وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) من المخلوقات أو من الإشراك قليلاً وكثيرًا جليًّا وخفيًّا (وَ) أحسنوا (بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) صاحب القرابة (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) من لا يجد ما يكفيه وعياله (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) من جمع بين القرابة والجوار، أو الجار الأقرب أو الجار المسلم (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) الأجنبي والذي جواره بعيد، أو أهل الكتاب (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) المرأة، أو رفيق السفر، أو الحضر أيضًا (وَابْنِ السبِيلِ) المسافر، أو الضعيف (وَمَا ملَكَتْ أَيْمَانُكمْ) المماليك (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً) متكبرًا (فَخُوراً) يتفاخر على المسلمين. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله من بر الوالدين والأقربين، بدل ممن كان، أو نصب أو رفع على الذم (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أيضًا كاليهود قالوا ": لا تنفقوا على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر (وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) يعني: الغنى، وحمل بعض السلف الآية على بخل اليهود بإظهار ما عندهم

стр. 345

من العلم بمحمد ﷺ وكتمانهم ذلك (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) أي: أعتدنا لهم فإنهم كافرون بنعمة الله. (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) لا لوجه الله، ذكر الباذلين رياء بعد الممسكين والمراد اليهود أو المنافقون أو مشركو مكة، وهو عطف على الذين يبخلون (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) أى فبئس الشيطان قرينًا (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين). (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) أي: أي تبعة تحيق بهم (لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ) في سبيله (وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً) وعيد لهم. (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) زنة نملة صغيرة، أو جزء من أجزاء الهباء إن كان مؤمنًا فله الأجر في الدارين، وإن كان كافرًا فمقصور على الدنيا، أو تخفيف في عذابه فلا يظلم وهو قادر عليه (وَإِنْ تَكُ) مثقال الذرة (حَسَنَةً) وحذف النون من غير قياس تشبيهًا بحرف العلة (يُضَاعِفْهَا) أي: ثوابها (وَيُؤْتِ) صاحبها (مِنْ لَدُنْهُ) من عنده بفضله (أَجْرًا عَظِيمًا) جزيلاً وهو الجنة.

стр. 346

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) أي: كيف حال هؤلاء الكفرة إذا جئنا بنبي كل أمة يشهد بصلاحهم وفسادهم (وَجِئْنَا بِكَ) يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) على جميع الأمم أو المنافقين أو المشركين (شَهِيدًا). (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) لو يدفنون وتبتلعهم الأرض فتسوى، أو لم يبعثوا، أو يكونون ترابًا، والباء للملابسة فهو حال، أو بمعنى: على فظرف لغو (وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) بشهادة أيديهم وأرجلهم عليهم، عطف على جملة يود لما رأو أن الجنة خاصة للمسلمين قالوا: " والله ربنا ما كنا مشركين " [الأنعام: ٢٣]، كذبوا رجاء زجهم في المسلمين فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم أيديهم وأرجلهم، " وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا " [النساء: ٤٢]، أو داخل في التمني بمعنى: يتمنون أنهم لم يكونوا كتموا نعت محمد ﷺ وأمره. * * *

стр. 347

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا

стр. 348

تَقُولُونَ) اجتنبوها حال السكر، نزلت في جمع من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمه وتقدم أحدهم للإمامة وقرأ " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " قال الضحاك: عنى به سكر النوم لا سكر الخمر (وَلَا جُنُبًا) عطف على " وأنتم سكارى " (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) مسافرين حين فقد الماء فإنه جائز للجنب حينئذ الصلاة، أو معنى الآية لا تقربوا مواضع الصلاة في حال السكر ولا في حال الجنابة إلا حال العبور فيها فجاز المرور لا اللبث وعليه كلام أكثر السلف (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) من الجنابة (وَإِن كنتُم مَّرْضَى) مرضًا يخاف معه من استعمال الماء، وقيل: مطلقًا، قال

стр. 349

مجاهد: نزلت في مريض من الأنصار لم يكن له خادم ولم يستطع أن يقوم ويتوضأ (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) طويلاً أو قصيرًا (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم مِّنَ الغَائِطِ) هو المكان المطمئن، وهو كناية عن الحدث الأصغر (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) جامعتموهن أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) الظاهر أنه قيد للكل، والمريض الخائف من استعماله أو غير المستطيع أخذه كأنه لم يجد، فالحاصل أن الله تعالى رخص في التيمم لفاقد الطهرين حال فقدان الماء لخوف عدو أو إرهاف في موضع لا ماء فيه، أو عدم آلة استقاء أو غير ذلك مما يقع قليلاً، ويمكن أن يكون قيدًا للآخرين ولهذا غير الأسلوب ولم يقل: أو جنبتم وأما المرضى إذا خافوا من استعمال الماء أو لم يقدروا والمسافر إذا احتاج هو أو رفيقه أو حيوان محترم معه حالاً أو مالاً فلهم التيمم، وأما فاقدوا الطهرين إذا لم يجدوا ماء فلهم التيمم (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي: قصدوا ترابًا أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالاً (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكمْ وَأَيْدِيكُمْ) اليد يطلق على ما يبلغ المرفقين كما في الوضوء، وعلى ما يبلغ الكوعين كما في السرقة " فاقطعوا أيديهما " (المائدة: ٣٨)، فلذلك اختلفوا أنه يجب المسح إلى المرفقين أو لا (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) يسهل ولا يعسر. * * *

стр. 350

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ

стр. 351

تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) ألم تنظر إلى من له حظ يسير من التوراة، أعني: الأحبار (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) يختارونها على الهدى (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلوا) أيها المؤمنون (السَّبِيلَ) طريق الحق. (وَاللهُ أَعْلَمُ) منكم (بأَعْدَائِكُمْ) وقد أعلمكم فاحذروهم (وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا) يلي أمركم (وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا) ينصركم فاكتفوا به عن غيره، والباء في فاعل كفى: للتأكيد. (مِنَ الذِينَ هَادُوا) بيان للذين أوتوا أو لأعدائكم أو صلة نصيرًا أي: ينصركم من الذين، أو خبر مبتدأ تقديره: من الذين هادوا قوم (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) يميلونه عن مواضعه التي أثبته الله فيها بإزالته وإثبات غيره فيها، أو

стр. 352

يفسرونه بغير مراد الله على مقتضى هواهم (وَيَقولونَ سَمِعْنَا) قولك (وَعَصيْنَا) أمرك (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول لا سمعت، فهو حال من المخاطب أى: مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مسمع ما ترضى قيل: قولهم وعصينا وغير مسمع قول سرهم (وَرَاعِنَا لَيًّا) فتلاً (بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: يوهمون أنهم يقولون: أرعنا سمعك وإنما يريدون الرعونة أو السب بلغتهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لو ثبت هذا مكان ما قالوه لكان قولهم ذلك خيرًا وأعدل لهم (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) فلا يهتدون إلى خيرهم (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا) إيمانًا (قَلِيلًا) لا ينفعهم أو إلا قليلاً منهم فهو استثناء من مفعول لعنهم المرتب عليه فلا يؤمنون فليس المختار فيه الرفع.

стр. 353

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَ) نحو العين والأنف ونجعلها من قبل الأقفية فلهم عينان من القفى يمشون قهقرى، أو نجعلها كالأقفاء بلا عين وأنف، أو بأن نجعلها منابت الشعور كالقردة، أو أن نطمس وجوهًا عن صراط الحق فنردها على أدبارها في الضلالة، أو نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز، فالمراد إجلاؤهم من أوطانهم، والطمس والمسخ يكونان لهم قبل القيامة أو لهم هذا في القيامة، أو مشروط بعدم الإيمان وقد آمن بعضهم (أَوْ نلْعَنَهُمْ) الضمير للذين على طريقة الالتفات (كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) نخزيهم بالمسخ فنجعلهم قردة وخنازير كما فعلنا بأصحاب السّبت (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) لا راد لحكمه.

стр. 354

(إِنَّ اللهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) لا يغفر لعبد لقيه مشركًا ويغفر ما دون الشرك صغيرًا أو كبيرًا لمن يريد تفضلاً (وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) يحتقر دونه الذنوب. (أَلَمْ تَرَ) تنظر (إِلَى الذِينَ يُزَكونَ أَنْفُسَهُمْ) بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، أو بما قال اليهود: إن أبناءنا ماتوا وهم لنا قربة سيشفعون ويزكوننا، أو يقدمون أطفالهم في الصلاة لعصمتهم ويزعمون أن المأموم يصير مثلهم (بلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) المرجع في ذلك إلى الله فإنه عالم بالحقائق (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) مما يكون في شق النواة أو ما فتلت بين أصابعك من الوسخ أي: لا ينقص ثوابهم مقدار الفتيل. (انظُرْ) يا محمد (كَيْفَ يَفْتَرُون عَلَى اللهِ الكَذِبَ) في تزكيتهم أنفسهم (وَكَفَى بِهِ) بالافتراء (إِثْماً مُّبيناً) ظاهرًا لا يخفى. (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصيباً) حظًا قليلاًْ (مِّنَ الْكِتَابِ) التوراة (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ) السحر والشيطان، أو الأوثان وشياطينها، أو الكاهن والساحر، أو الساحر والكاهن بلسان الحبشة، أو الجبت شيطان بلسان الحبشة والطاغوت كل ما يعبد من دون الله (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قريش (هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) سأل قريش عن أحبار

стр. 355

اليهود: ديننا خير أم دين محمد؟ فقالوا: دينكم خير وأنتم أهدى وقيل: سجدوا لأصنامهم حين حالفوا قريشًا في حرب المؤمنين (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) يمنعه من الطرد والخسار (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الْمُلْكِ) أم منقطعة والهمزة لإنكار ملكهم كما يزعمون أن الملك سيصير لهم، ومعناه الإضراب عن ذمهم بتزكيتهم أنفسهم إلى ذمهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. (فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) أي إن كان لهم ملك فإذن لا يؤتون أحدًا ما يوازي نقيرًا، وهو النقرة في ظهر النواة يعني: هذا إكمال بخلهم في حال ملكهم وغناهم فما ظنك بحال فقرهم وذلهم (أَمْ يَحْسُدُون النَّاسَ) بل يحسدون محمدًا أو أصحابه، أضرب عن البخل إلى الحسد الذي هو شر منه (عَلَى مَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) النبوة والكتاب والنصرة وكثرة النساء، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء (فقَدْ آتيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) كداود وسليمان كتابهم ونبوتهم (وَآتيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) ملك داود وسليمان وما أوتى من النساء لهما (فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ) بهذا الإيتاء والإنعام (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أعرض عنه وسعى في صد الناس عنه مع أنهم من جنسهم من بني إسرائيل، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ أو معناه: هم يحسدون عليكم وقد آتينا آل إبراهيم الذين هم من أسلافك يا محمد
следующие страницы →