تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) ألم تنظر إلى من له حظ يسير من التوراة، أعني: الأحبار (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) يختارونها على الهدى (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلوا) أيها المؤمنون (السَّبِيلَ) طريق الحق.
(وَاللهُ أَعْلَمُ) منكم (بأَعْدَائِكُمْ) وقد أعلمكم فاحذروهم (وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا) يلي أمركم (وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا) ينصركم فاكتفوا به عن غيره، والباء في فاعل كفى: للتأكيد.
(مِنَ الذِينَ هَادُوا) بيان للذين أوتوا أو لأعدائكم أو صلة نصيرًا أي: ينصركم من الذين، أو خبر مبتدأ تقديره: من الذين هادوا قوم (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) يميلونه عن مواضعه التي أثبته الله فيها بإزالته وإثبات غيره فيها، أو
стр. 352
يفسرونه بغير مراد الله على مقتضى هواهم (وَيَقولونَ سَمِعْنَا) قولك (وَعَصيْنَا) أمرك (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول لا سمعت، فهو حال من المخاطب أى: مدعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع غير مسمع ما ترضى قيل: قولهم وعصينا وغير مسمع قول سرهم (وَرَاعِنَا لَيًّا) فتلاً (بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: يوهمون أنهم يقولون: أرعنا سمعك وإنما يريدون الرعونة أو السب بلغتهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لو ثبت هذا مكان ما قالوه لكان قولهم ذلك خيرًا وأعدل لهم (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) فلا يهتدون إلى خيرهم (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا) إيمانًا (قَلِيلًا) لا ينفعهم أو إلا قليلاً منهم فهو استثناء من مفعول لعنهم المرتب عليه فلا يؤمنون فليس المختار فيه الرفع.
стр. 353
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَ) نحو العين والأنف ونجعلها من قبل الأقفية فلهم عينان من القفى يمشون قهقرى، أو نجعلها كالأقفاء بلا عين وأنف، أو بأن نجعلها منابت الشعور كالقردة، أو أن نطمس وجوهًا عن صراط الحق فنردها على أدبارها في الضلالة، أو نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز، فالمراد إجلاؤهم من أوطانهم، والطمس والمسخ يكونان لهم قبل القيامة أو لهم هذا في القيامة، أو مشروط بعدم الإيمان وقد آمن بعضهم (أَوْ نلْعَنَهُمْ) الضمير للذين على طريقة الالتفات (كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) نخزيهم بالمسخ فنجعلهم قردة وخنازير كما فعلنا بأصحاب السّبت (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) لا راد لحكمه.
стр. 354
(إِنَّ اللهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) لا يغفر لعبد لقيه مشركًا ويغفر ما دون الشرك صغيرًا أو كبيرًا لمن يريد تفضلاً (وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) يحتقر دونه الذنوب.
(أَلَمْ تَرَ) تنظر (إِلَى الذِينَ يُزَكونَ أَنْفُسَهُمْ) بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، أو بما قال اليهود: إن أبناءنا ماتوا وهم لنا قربة سيشفعون ويزكوننا، أو يقدمون أطفالهم في الصلاة لعصمتهم ويزعمون أن المأموم يصير مثلهم (بلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) المرجع في ذلك إلى الله فإنه عالم بالحقائق (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) مما يكون في شق النواة أو ما فتلت بين أصابعك من الوسخ أي: لا ينقص ثوابهم مقدار الفتيل.
(انظُرْ) يا محمد (كَيْفَ يَفْتَرُون عَلَى اللهِ الكَذِبَ) في تزكيتهم أنفسهم (وَكَفَى بِهِ) بالافتراء (إِثْماً مُّبيناً) ظاهرًا لا يخفى. (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصيباً) حظًا قليلاًْ (مِّنَ الْكِتَابِ) التوراة (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطاغُوتِ) السحر والشيطان، أو الأوثان وشياطينها، أو الكاهن والساحر، أو الساحر والكاهن بلسان الحبشة، أو الجبت شيطان بلسان الحبشة والطاغوت كل ما يعبد من دون الله (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قريش (هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) سأل قريش عن أحبار
стр. 355
اليهود: ديننا خير أم دين محمد؟ فقالوا: دينكم خير وأنتم أهدى وقيل: سجدوا لأصنامهم حين حالفوا قريشًا في حرب المؤمنين (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) يمنعه من الطرد والخسار (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ منَ الْمُلْكِ) أم منقطعة والهمزة لإنكار ملكهم كما يزعمون أن الملك سيصير لهم، ومعناه الإضراب عن ذمهم بتزكيتهم أنفسهم إلى ذمهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. (فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) أي إن كان لهم ملك فإذن لا يؤتون أحدًا ما يوازي نقيرًا، وهو النقرة في ظهر النواة يعني: هذا إكمال بخلهم في حال ملكهم وغناهم فما ظنك بحال فقرهم وذلهم (أَمْ يَحْسُدُون النَّاسَ) بل يحسدون محمدًا أو أصحابه، أضرب عن البخل إلى الحسد الذي هو شر منه (عَلَى مَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) النبوة والكتاب والنصرة وكثرة النساء، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء (فقَدْ آتيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) كداود وسليمان كتابهم ونبوتهم (وَآتيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) ملك داود وسليمان وما أوتى من النساء لهما (فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ) بهذا الإيتاء والإنعام (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أعرض عنه وسعى في صد الناس عنه مع أنهم من جنسهم من بني إسرائيل، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ أو معناه: هم يحسدون عليكم وقد آتينا آل إبراهيم الذين هم من أسلافك يا محمد
стр. 356
من فضلنا فلا يبعد أن يؤتيك الله مثل ما آتاهم، ثم قال: فمن اليهود من يؤمن بمحمد ومنهم من صد عنه ولم يؤمن به (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) نارا مسعورة يعذبون بها.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ) ندخلهم (نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) غير الجلود المحترقة، ويحتمل أن يعاد ذلك الجلد بعينه إلا أنه على صورة أخرى (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) وقد ورد أنه في الساعة الواحدة عشرون ومائة مرة (إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً) غالبًا لا يغلب (حَكيماً) فتعذيبه وفق حكمته لا ظلمًا (وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا) تحت أشجارها (الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) من الحيض والأذى (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) دائمًا لا حر فيه، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيده كليل أليل وشمس شامس.
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) الآية كما قال السلف عامة: لكل بر وفاجر ودخل فيها حقوق الله وحقوق الناس، وإن نزلت في رد مفتاح الكعبة على عثمان بن طلحة حين أخذ منه والتمس علي أو عباس رضى الله عنهما أن تكون له الحجابة والسقاية (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) أي:
стр. 357
وأن تحكموا بالإنصاف إذا حكمتم (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: نعم شيئًا يعظكم به، فما موصوفة منصوبة بـ يعظكم، أو نعم الشيء الذي يعظكم به فيكون مرفوعة موصولة، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعما يعظكم به ذاك وهو أداء الأمانات والعدل (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) بالأقوال والأحكام في الأمانات وغيرها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) السلاطين والأمراء فيما وافقوا الحق، وأهل العلم والدين (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ) أنتم وأولو
стр. 358
الأمر (فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ) فراجعوا فيه (إِلَى اللهِ) إلى كتابه (وَالرَّسُولِ) في زمانه وسنته بعده (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ) أي: الرد (خَيْرٌ) لكم (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) مآلاً وعاقبة.
* * *
وقال المنافق بيننا كعب بن الأشرف، أو في جماعة من المنافقين أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية (وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) بالطاغوت (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) لا يمكن لهم الرجوع إلى الحق أبدًا. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ) حال كونهم (يَصُدُّونَ) يعرضون (عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ) يكون حالهم (إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) احتاجوا إليك في دفعها (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بسبب شؤم ذنوهم (ثُمَّ جَاءوكَ) حين يصابون للعذر، عطف على إصابتهم (يَحْلِفُونَ) حال (بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا) ما أردنا من تحاكمنا إلى غيرك (إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) مداراة ومصانعة لا اعتقادًا منا تلك الحكومة، أو إحسانًا لخصومنا وتوفيقًا بين الخصمين لا مخالفتك، وبعضهم على أن الكلام تم عند قوله: " بما قدمت أيديهم " و " ثم جاؤك " عطف على " يصدون " وما بينهما اعتراض (أُولئِكَ الّذِينَ يَعْلمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) من النفاق (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) فلا تعنفهم (وَعِظْهُم) وانصحهم بلسانك (وَقُل لهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ) سرًّا ليس معهم غيرهم (قَوْلاً بَلِيغًا) وقيل: في أنفسهم متعلق بليغًا أي: قل لهم قولاً بليغًا في أنفسهم مؤثرًا في قلوبهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ) فيما حكم لا ليطلب الحكم من غيره (بِإِذْنِ اللهِ) بسبب إذن الله في طاعته، فالإذن بمعنى الأمر والرضا، أو بتيسير الله وتوفيقه في طاعته، فالإذن بمعنى التوفيق (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بمثل التحاكم إلى غيرك (جَاءُوكَ) خبر إن، وإذ ظلموا متعلق به (فاسْتَغْفَرُوا اللهَ) بالإخلاص (وَاسْتَغْفَرَ
стр. 361
لَهُمُ الرَّسُولُ) عدل عن الخطاب تعظيمًا لشأن الرسول ﵊ (لَوَجَدُوا اللهَ) صادفوه حال كونه (تَوَّاباً رحِيماً) أو لعلموه قابلاً لتوبتهم (فَلاَ وَربكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) لا مزيدة لتأكيد القسم، أو معناه: فليس الأمر كما يزعمون أنَّهم آمنوا وهم يخالفون حكمك (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ) اختلف واختلط (بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا) ضيقًا أو شكًّا (مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا) إنقادوا لأمر رسوله (تَسْلِيمًا) نزلت حين خاصم الزيير رجلاً فقضى
стр. 362
رسول الله ﷺ للزبير فقال الرجل: قضى له لأنه ابن عمته، أو اختصم رجلان فقضى بينهما رسول الله ﷺ فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب فلما أتيا إليه قالا: قضى لنا رسول الله صلى الله عيه وسلم ثم جئنا إليك لتقضي بيننا، فقال عمر: مكانكما فخرج بالسيف وقتل من لم يرض بحكم رسول الله فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن " (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) كما كتبنا على بني إسرائيل، وأن مصدرية (أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ) كما أمرناهم من ديار مصر (ما فَعَلوهُ) أي: المكتوب، أو الضمير لمصدر أحد الفعلين (إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) وهم
стр. 363
المخلصون، نزلت حين افتخر صحابي ويهودي فقال اليهودي: لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال الصحابي: لو كتب الله علينا لقتلنا (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) من مطاوعة النبي ومتابعته طوعًا (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) في الدارين (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) لإيمانهم وتصديقهم (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) كأنه قيل: ما يكون لهم بعد التثبيت، فقال: وَإِذًا والله لآتيناهم فإن إذا جواب وجزاء (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطً مُّسْتَقِيماً) بسلوكه يصلون إلى الفلاح. (وَمَن يُطِع اللهَ وَالرَّسُولَ) في الفرائض والسنن (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَئعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) نزلت حين قال بعض الصحابة: إني محزون، لأني لا أطيق فراقك يا محمد وإني إن دخلت الجنة أكون في منزلة دون منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدا، وفي الحديث أن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم فيجتمعون في رياضها وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون فهم في روضة يحبرون (وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفيقاً) الرفيق كالصديق يطلق على الواحد والجمع أو المراد كل واحد منهم ونصبه على التمييز أو الحال وهو كلام في معنى التعجب. (ذلِك) أي: ما أعطى المطيعين من مرافقة المنعم عليهم (الفَضْلُ مِنَ اللهِ) الأول صفة ذلك أو خبره والثاني خبره أو حال (وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً) بمن أطاع الله ورسوله فلا يضيع أجرهم.
* * *
واللام الأولى للابتداء والثانية جواب قسم تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) من قتل أو هزيمة (قَالَ) المبطئ (قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) حاضرًا. (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ) كفتح وغنيمة (لَيَقُولَن) أكد تنبيهًا على فرط تحسرهم (كَأَنْ) مخففة من الثقيلة (لمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ) منصوب بجواب التمني (فَوْزًا عَظِيمًا) نصيبًا وافرًا من الغنيمة يعني أن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه وليس من أهل دينكم فإن الحظ من المال غاية بغيتهم لا إعانتكم وأجرهم (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) معناه: إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل الذين يبيعون دنياهم بآخرتهم وهم المؤمنون حقًا أو معناه ليغير ما بهم من النفاق فليقاتل الذين يشترون الدنيا الفانية بالآخرة الباقية فعلى الأول حث المؤمنين على القتال وعلى الثاني حث المبطئين على ترك ما هم عليه (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) له الأجر الجزيل غَلَبَ أو غُلِبَ. (وَمَا لَكُمْ) مبتدأ وخبر (لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) حال، يعاتبهم على ترك الجهاد ويحرضهم عليه (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) أي: في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن أيدي العدو أو في المستضعفين على حذف المضاف أي فِي تخليصهم (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) بيان للمستضعفين الذين هم بمكة تحت أيادى المشركين (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) أرادوا مشركي مكة (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) يلي أمرنا (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ
стр. 366
نَصِيرًا) فاستجاب الله تعالى دعاءهم يسر لبعضهم الهجرة إلى المدينة وفتح مكة على نبيه ﵊ فنصرهم وتولاهم (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فيما يصلون به إلى الله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) فيما يبلغ بهم إلى الشيطان (فَقَاتِلُوا) أيها المؤمنون (أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) أي: مكره المؤمنين بالنسبة إلى مكر الله للكافرين ضعيف فلا تخافوهم.
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
стр. 367
غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا (٨٧)
* * *
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ قِيلَ لَهُمْ كفوا أَيْدِيَكُمْ) عن قتال المشركين حين التمسوا قتالهم في مكة وهم ضعفاء قليلون (وَأَقِيمُوا الصلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ) واشتغلوا بما أمركم الله (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتالُ) في المدينة وهم أقوياء كثيرون (إِذا فَرِيقٌ منْهُمْ) إذا للمفاجأة جواب لما (يَخْشَوْن النَّاسَ) الكفار خبر فريق ومنهم صفته (كَخَشْيَةِ اللهِ) إضافة المصدر إلى المفعول أي: خشية مثل خشيتهم لله (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) عطف على كخشية الله أي: أو خشية أشد تلك الخشية خشية من خشيتهم لله بأن جعل الخشية خاشيًا كجد جده أو كخشية الله حال من ضمير الجمع أي: حال كونهم مثل
стр. 368
أهل خشية الله أو أشد خشية من أهل خشية الله (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: الموت يعني هلا تركتنا نموت بآجالنا قيل: القائلون منافقون أو مؤمنون وقالوه خوفًا وحرصًا على الحياة ثم تابوا، أو مؤمنون تخلفوا ونافقوا لما فرض عليه القتال (قُلْ) يا محمد (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) سريع التقضي (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) لا ينقص من ثوابكم مثل فتيل النواة (أينَمَا تَكُونوا يُدْرِككمُ المَوْتُ وَلَوْ كنتُمْ فِي بُرُوجِ مُّشَيَّدَةٍ) حصون مرفوعة منيعة عالية قيل: نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا (وَإِن تُصِبْهُمْ) المنافقين واليهود (حَسَنَةٌ) كخصب ورزق من ثمار وأولاد (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) كجدب ونقص من هلاك ثمار وموت أولاد (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) قالوا: ما هي إلا بشؤم محمد وأصحابه (قُلْ كُلٌّ) من الحسنة والسيئة (مًّنْ عِندِ اللهِ) (١) بإرادته وقضائه يبسط ويقبض (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ
стр. 369
لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي: القرآن فإنه لو فهموه لعلموا أن الكل منه تعالى، أو حديثًا ما كبهائم لا أفهام لهم (مَا أَصَابَكَ) يا إنسان (مِنْ حَسَنَة) من نعمة (فَمِنَ اللهِ) تفضلاً منه (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) بلية (فَمِنْ نَفْسِكَ) بسبب شؤم ذنوبك وإنما كتبتها عليك فالحسنة إحسان، والسيئة مجازاة يصل الكل من الله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ) يا محمد (لِلنَّاسِ رَسُولًا) حال قصد به التأكيد ويجوز تعلق للناس به فحينئذ قصد به التعميم أي: رسولاً للناس كلهم (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) على رسالتك (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا
стр. 370
وَحْيٌ يُوحَى، نزلت حين كان رسول الله ﷺ يقول: من أطاعني وأحبني أطاع الله تعالى وأحبه فقال المنافقون: يريد أن نتخذه ربًّا كما اتخذ النصارى عيسى ﵇ (وَمَن تَوَلَّى) أعرض عن طاعته (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) عن المعاصي إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (وَيَقولُون) أي: المنافقون (طَاعَةٌ) أي: أمرنا وشأننا طاعة (فَإِذَا بَرَزُوا) خرجوا (مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) أي: قدر وبدل ليلاً وسرًّا خلاف ما قلت لهم أو خلاف ما قالت طائفة من الطاعة (وَاللهُ يَكْتُبُ) يثبت في صحائف أعمالهم (مَا يُبَيِّتُونَ) ما يسرون ويقدرون ليلاً (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) فاصفح عنهم ولا تؤاخذهم (وَتَوَكلْ عَلَى اللهِ) سيما في شأنهم (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا) يكفيك شرهم قيل: الآية منسوخة بآية القتال (أَفَلاَ يَتَدَبَّرونَ القرْآنَ) لا يتفكرون فيه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ) كما زعم الكفار والمنافقون (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) تفاوتًا وتناقضًا لا يكون كله في طبقة البلاغة، ويكون في إخبار الغيب بما كان ويكون خلاف واقع (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ) مما يوجب أحدهما (أَذَاعُوا به) أفشوه إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله ﷺ من فتحهم أو هزيمتهم يفشونه قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ ، وفيه مضار كثيرة وهم المنافقون وقيل: ضعفة المؤمنين وأذاع جاء متعديًا بنفسه وبالباء (وَلَوْ رَدُّوهُ) ذلك الخبر (إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) ذوي الرأي من أصحابه أو أمراء السرايا (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
стр. 371
يستخرجونه ويستعملونه من معادنه يعني: لو سكتوا لحصل لهم العلم به من الرسول وأولي الأمر، ولا ضر فيه أو لو ألقوا ذلك الخبر إليهم لعلمه الذين يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم على أي وجه يذكر من إفشاء ما فيه المصلحة وكتمانه، وقد صح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجد الناس يقولون: إن رسول الله ﷺ طلق نساءه فجاء إليه وسأل عنه فقال ﵊: لا فنادى عمر بأعلى صوته: لم يطلق، ونزلت هذه الآية فقال عمر: أنا الذي استنبطت ذلك الأمر (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بإرسال الرسل وإنزال الكتب (لاتَّبَعتمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً) ممن تفضل عليه بعقله الصائب فاهتدى به كورقة بن نوفل وقيل: إلا اتباعًا قليلاً نادرًا (فَقَاتِل فِي سَبِيلِ اللهِ) ولو كنت وحدك (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) إلا فعل نفسك فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فالله ناصرك (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: على القتال فما عليك إلا التحريض (عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: شدة المشركين بتحريضك إياهم على القتال، وقد فعل بأن ألقى الرعب في قلوبهم فرجعوا عن الطريق في البدر الثاني (وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً) صولة وشدة من قريش (وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) عقوبة (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً) تجوز في الدَّين قُبلت أو لا (يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) وهو ثواب الشفاعة (وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً) لا يجوز أن يشفع فيه (يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) نصيب من
стр. 372
وزرها (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) مقتدرًا أو حفيظًا (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: إذا سلَّم عليكم فأجيبوا بزيادة أو ردوا كما سلَّم فإذا قال أحد: السلام عليك ورحمة الله فزد عليه: وبركاته، والزيادة سنة، والرد واجب، وقال قتادة: الزيادة للمسلمين والرد لأهل الذمة (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) يحاسبكم ويجازيكم. (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) مبتدأ وخبر (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم القيامة أو ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة (لَا رَيْبَ فِيهِ) في اليوم أو في الجمع (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا) وعدًا ووعيدًا.
* * *
أو في قوم من العرب نزلوا المدينة وأسلموا ثم أصابتهم حمى المدينة فخرجوا ولحقوا المشركين وكتبوا إلى المسلمين إنا على دينكم فقال: بعضهم نافقوا وقال بعضهم: هم مسلمون.
أو في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين وقعدوا عن الهجرة (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) ردهم إلى الكفر بسبب عصيانهم أو أهلكهم (أَتُرِيدُونَ) أيها المؤمنون (أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ) تجعلوه من المهتدين (وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجدَ لَهُ سَبِيلاً) إلى الهدى (وَدُّوا) تمنوا هؤلاء (لَوْ تَكْفُرُونَ) أنتم (كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ) أنتم وهم (سَوَاءً) في الضلال وهو عطف على تَكْفُرُونَ (فَلاَ تَتَخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) لا توالوهم (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) فتحققوا إيمانهم (فإِن تَوَلَّوْ ا) عن الهجرة وأظهروا الكفر (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) لا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) استثناء من مفعول واقتلوهم أي: لا تقتلوا الذين يلجأون وينتهون إلى قوم عاهدوكم واجعلوا حكمهم كحكمهم وهم الأسلميون، فإنه ﵊ وادع لهلالاً اللأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن وصل إليه فله من الجوار مثل ما له، أو بنو بكر بن زيد مناة أو خزاعة (أَوْ جَاءُوكُمْ) عطف على الصلة (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) حال أي: قد ضاقت عن (أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ) أو لأن أو كراهة أن (أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتلهم وهم الذين يخشون المصاف وصدورهم كارهة عن قتالكم
стр. 375
ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم لا عليكم ولا لكم، كجماعة خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين وكرهوا القتال كعباس ونحوه وقيل: معناه أن يقاتلوا قومهم أي: إذا أسلموا وقيل عطف على صفة قوم أي: إلا الذين يلجأون إلى قوم جاءوكم كافين عن القتال (وَلَوْ شَاءَ اللهُ) تسليطهم (لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي: من لطفه بكم أن أذلَّهم عندكم وضيق صدورهم عن قتالكم فكفوا عنكم (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) الصلح والانقياد (فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) في أخذهم وقتلهم (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) هم أسد وغطفان أو بنو عبد الدار أظهروا الإسلام مع المسلمين ليأمنوا عندهم على دمائهم وأموالهم وحققوا الكفر مع قومهم (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) دعوا إلى الشرك وقيل: إلى القتال مع المسلمين (أُرْكِسُوا فِيهَا) (فَإن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) لم يصلحوا (وَيَكُفوا أَيْدِيَهُمْ) عن قتالكم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) حجة بينة في قتالهم لظهور عداوتهم وعدم وفائهم.
* * *
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
стр. 376
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
* * *
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) ما صح له وليس من شأنه (أَنْ يَّقْتُلَ مُؤْمِناً) في شيء من الأحوال (إِلَّا خَطَأً) أي: حال الخطأ أو إلا قتلاً خطأ، وقيل: الاستثناء منقطع، وما كان نفى بمعنى النهي أي: لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه إعتاقها (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) مؤداة إلى
стр. 377
ورثته يقسمونها قسمة الميراث (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) يعفوا وسمي العفو عنها صدقة ترغيبًا عليه أي: فعليه التحرير والدية في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بالدية فحينئذ تسقط الدية (فَإِنْ كَانَ) المؤمن المقتول (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) كفار محاربين (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ولم يعلم القاتل إيمانه (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) دون الدية لأهله لأنه لا وراثة بين مسلم وكافر (وَإِن كاَنَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنهُم مِّيثَاقٌ) ككفار معاهدين أو أهل الذمة (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فحكمه حكم المسلم في وجوب الكفارة والدية إن كان المقتول مؤمنًا وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند كثير من العلماء (فَمَن لَمْ يَجِدْ) رقبة ولم يجد ثمنها (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: فعليه ذلك (تَوْبَةً مِنَ اللهِ) مفعول له أي: شرع ذلك له توبة من تاب الله عليه إذا قبل توبته (وَكاَنَ اللهُ عَليماً) بحاله (حَكِيماً) فيما حكم عليه (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) عشرة من كبار السلف بل أكثر على أنه لا يقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا ويؤيدهم بعض الأحاديث كقوله ﵊: " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا " والجمهور على أنه له توبة
стр. 378
ويدل عليه الآيات والأحاديث فقال بعض السلف: هذا جزاؤه إن جوزي عليه لكن قد يكون لذلك الجزاء معارض من عمل صالح أو عفو، وقيل الإخلاف في الوعيد ليس بخلف وذم، أو المراد بالخلود المكث الطويل، أو الخلود لمن يستحله فإنه نزلت في رجل خرج من المدينة وقتل مؤمنًا وارتد. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) ذهبتم للغزو وسافرتم (فَتَبَيَّنُوا) اطلبوا بيان الأمر ولا تعجلوا فيه (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُم السَّلامَ) لمن حياكم بتحية الإسلام، ومن قرأ السَّلَم فمعناه: الانقياد وقيل: معناه: قول لا إله إلا الله محمد رسول الله (لَسْتَ مُؤْمِنًا) وإنما فعلت ذلك متعوذًا (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تطلبون حطام الدنيا، هو حال من فاعل لا تقولوا (فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) ربما يفنيكم عن قتل من أظهر الإسلام لما له (كَذَلِكَ كنتم مِّن قَبلُ) تخفون إيمانكم أو لم تكونوا مؤمنين أو محصونة دماؤكم بمجرد كلمة الشهادة (فمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) بالاشتهار بالإيمان أو بالهداية (فَتَبَيَّنُوا) لا تبادروا ظنًّا بأنهم دخلوا في الإسلام اتقاءً وخوفًا. تأكيد لما تقدم (إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) عالمًا بالغرض من القتل فاحتاطوا. نزلت في رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا فقتلوه وأخذوا غنيمته، أو في
стр. 379
رجل له مال كثير بقي من قوم كافرين أرسل إليهم رسول الله ﷺ السرية وقد تفرقوا فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فأهوى إليه أحد من المسلمين فقتله، فأنزل الله الآية، فقال رسول الله ﷺ للقاتل: " كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " (لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ) عن الحرب (مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) صفة القاعدون، فإنه ما أراد به قومًا معينًا فهو كالنكرة أو بدل، ومن قرأ منصوبًا فهو حال أو استثناء، نزلت أولاً " لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " إلخ فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فغشي على رسول الله ﷺ في مجلسه ثم سرى عنه فقرأ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) يعني لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الحرب من غير عذر (فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ) غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ صرح به ابن عباس والحديث الصحيح يدل عليه (دَرَجَةً) الجملة موضحة، لما نفي الاستواء فيه ونصب درجة بنزع الخافض أي: بدرجة عظيمة تندرج تحت الدرجات أو على المصدر، لأنه تضمن معنى
стр. 380
التفضيل (وَكُلًّا) من القاعدين والمجاهدين (وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) الجنة والجزاء الجزيل (وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيمًا) بمعنى آجرهم أجرًا عظيمًا (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) كل واحد بدل من " أجرًا " كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً قيل: الدرجة: ارتفاع منزلتهم عند الله، والدرجات: منازلهم في الجنة، وقال بعض المفسرين: القاعدون الأول هم الأضراء خلاف ما صرحناه فإنهم أفضل بدرجة واحدة؛ لأن لهم نية بلا عمل ولهم نية وعمل، والقاعدون الثاني: هم غير أولي الضرر فإن بينهم درجات كثيرة (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا) لما فرط عنهم (رحِيماً) بأن جعل نية المؤمن كعمله.
* * *
стр. 381
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ) يحتمل أن يكون ماضيًا ومضارعًا (المَلائكَةُ) ملك الموت وأعوانه ولا يبعد أن يقال معناه: قتلهم الملائكة فإن الملائكة محاربون يوم بدر (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وبالخروج مع المشركين (قَالوا): الملائكة، توبيخًا لهم (فِيمَ كُنْتُمْ) أي: في أي شيء كنتم من أمر الدين حيث ما هاجرتم وما أظهرتم دينكم (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) عاجزين عن الخروج من مكة إلى المدينة (قَالوا): الملائكة، تبكيتًا لهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) إلى جانب وبلد آخر (فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) لمساعدتهم الكفار وهو خبر إن و " قالوا فيم كنتم ": حال بإضمار قد أو خبر بحذف العائد أي: قالوا لهم وحينئذ فأولئك عطف على الجملة قبلها مستنتجة منها (وَسَاءَتْ مَصِيرًا) جهنم نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا وخرجوا مع
стр. 382
المشركين فقتلوا يوم بدر (إِلا الُمسْتَضْعَفِينَ) استثناء منقطع (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) الصبيان أو المماليك وذكر الصبيان إن أراد المراهقين فظاهر وإلا فللمبالغة والإشارة إلى أن على القوم أن يهاجروا بهم (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أسباب السفر من قوة أو مال حال عن المستضعفين أو صفة له إذ لا تعيين في الألف واللام (وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) لا يعرفون طريقًا (فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) هم وإن كانوا عاجزين لكن ربما تمكنوا من الهجرة وقتًا ما بنوع ما ولم يدروا ولهذا أطمعهم في العفو وليعلم أن تلك الهجرة أمر خطير من شأنه أن لا يأمن المعذور فكيف بغيره (وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) تمتعًا يراغم به الأعداء، وعن كثير من السلف أن المراغم التحول من أرض إلى أرض وعن بعضهم متزحزحًا عما يكره (وَسَعَةً) في الرزق أو من الضلالة إلى الهدى (وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ) في الطريق (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) ثبت أجره عند الله نزلت في ضمرة بن جندب شيخ كبير مصاب البصر هاجر من مكة فمات في الطريق (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فبرحمته يجعل الناقص كالتام.
* * *
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا
стр. 383
كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)
* * *
(وَإِذَا ضَرَبتُمْ فِي الأَرْضِ) سافرتم (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) حرج (أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) هذه العبارة تدل على جواز القصر لا على وجوبه، لكن أكثر السلف على وجوبه، وقال كثير منهم: هذه الآية في صلاة الخوف، فالمراد: أن تقصروا من جميع الصلوات بأن تجعلوها ركعة واحدة أو من كيفيتها لا من كميتها، والآية التي بعدها تبيين وتفصيل لها كما سنذكر، سئل ابن عمر رضى الله عنهما أنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا تجد قصر صلاة المسافر؟ فقال ابن عمر: إنا وجدنا نبينا يعمل فعملنا به وما يدل على ذلك كثير ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة
стр. 384
الخوف صدره بهذه الآية وعلى هذا قوله (إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذِينَ كَفَرُوا) شرط له لا باعتبار الغالب في ذلك الوقت ويعتبر ولا يعتبر مفهومه فإن الإجماع على
стр. 385
جواز القصر في السفر من غير خوف (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) أيها الرسول، علمه طريق صلاة الخوف ليقتدي الأئمة بعده به عليه
стр. 386
الصلاة والسلام (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم مَّعَكَ) أي: اجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصلِّ بهم (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الباقون وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم أو المصلون حزمًا (فَإذَا سَجَدُوا) المصلون (فَلْيَكُونُوا) أي: غير المصلين (مِن وَرَائِكُمْ) يحرسونكم (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) أي الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا) أي: الذين صلوا قبل أو الذين أتوا (حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ روي في طريق صلاة الخوف ستة أوجه أو سبعة، وأنا أذكر بعضها.
أحدها: أن يجعلهم صفين ويصلي بهما إلى أن يرفعا رأسهما من الركوع سجد وسجد الصف الأول والصف الأخير قيام يحرسونهم فلما قام الصف الأول إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني، ثم يقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلي مصاف هؤلاء ثم ركع وركعوا جميعًا ورفعوا من الركوع ثم سجد وسجد الصف الذي يليه والآخر قيام يحرس فلما جلسوا سجد الصف الثاني وتشهد الكل وسلموا.
стр. 387
والثانية: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وينتظر قائمًا حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى المصاف، وتأتي الأخرى فيتم به الركعة الثانية وينتظرهم قاعدًا حتى يتموا صلاتهم ويسلم بهم.
والثالثة: قال جابر عن عبد الله الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال، وهو أنه قام رسول الله ﷺ فقام صف قبله وصف خلفه فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك حتى قاموا خلفه مقام هؤلاء، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم وسلموا فكانت للنبي ﷺ ركعتين ولهم ركعة ركعة، وهذا الطريق مروي عن كثير من الصحابة بروايات متعددة صحيحة.
والرابعة: أن يصلي بكل من الطائفتين ركعتين فيكون للإمام أربع ركعات وللمأمومين ركعتان (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) بالقتال فلا تغفلوا عنها (وَلاَ جُنَاحَ) لا وزر (عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) هذا يدل على أن الأمر بأخذ السلاح للوجوب، وهو قول بعض العلماء، وأكثرهم على أنه سنة مؤكدة (وَخُذُوا
стр. 388
حِذْرَكُمْ) أي: لا بد من التيقظ وعدم الغفلة في أي صفة وحال كنتم (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) وعد للمؤمنين بالنصر وإشارة على أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) فرغتم من صلاة الخوف (فَاذْكُرُوا الله قِيَاماً وَقُعوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) أي: في سائر أحوالكم وكثرة الذكر عقب صلاة الخوف آكد لما فيها من التخفيف ومن الرخصة في الذهاب والإياب، وغيرها قيل: معناه إذا أردتم الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيف ما أمكن (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) سكنت جآشكم من الخوف (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) عدلوا أركانها واحفظوا شرائطها (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) مفروضًا محدودًا أو منجما كلما مضى وقت جاء وقت (وَلَا تَهِنُوا فِي
ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) في طلب قتال الكفار (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) من الحرج (فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) فضرر القتال لا يختص بكم (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ) ولكم هذا المزيد رجاء المثوبة والنصر والتأييد، فينبغي أن تكونوا أصبر على الحرب وأرغب (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بضمائركم (حَكِيمًا) فيما حكم.
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا
стр. 389
أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ) في الحكم لا بالتعدي فيه (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) بما عرفك وأوحى به إليك نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درعًا فجاء صاحبها إلى رسول الله ﷺ وقال: إن طعمة سرق درعي فلما رأى السارق ذلك ألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني ألقيتها في بيت فلان فانطلقوا ليلاً إلى نبى الله ﷺ وقالوا: إن صاحبنا بريء وسارقها فلان فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله ﷺ فعذره وقيل: هم أن يبرئه فنزلت (وَلاَ تَكن لِّلْخَائِنِينَ) لأجلهم (خَصِيماً) للبراء
стр. 390
(وَاسْتَغْفرِ اللًهَ) من موافقتهم في نسبة السرقة إلى البرىء أو من ذلك الهم والقصد (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) لمن استغفر (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانونَ أَنْفُسَهُمْ) يخونونها بالمعصية، لأن الضرر راجع إليهم أي: لا تجادل عن كل من خان (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا) مبالغًا في الخيانة (أَثِيمًا) منهمكًا في الإثم (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) يسترون سرقتهم (وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) وهو أحق أن يستحيي ويخاف (وَهُوَ مَعَهُمْ) لا يخفى عليه شيء فطريق إخفاء شيء عنه عدم فعله (إِذْ يُبَيِّتُونَ) يدبرون وأصله أن يكون بالليل (مَا لاَ يَرْضَى) الله (مِنَ القَوْلِ) رمي البرىء وشهادة الزور (وَكَانَ اللهُ بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) فيجازيهم. (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) مبتدأ وخبر (جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ) خاصمتم عن طعمة وقومه. جملة هي مبينة لوقوع أولاء خبرًا، أو صلته عند من يقول: إنه موصول (في الحَيَاةِ الدُّنْيَا فمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ) إذا أخذهم بعذابه (أَم مَّن يَكُون عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)