الصلاة والسلام (فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم مَّعَكَ) أي: اجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصلِّ بهم (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الباقون وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم أو المصلون حزمًا (فَإذَا سَجَدُوا) المصلون (فَلْيَكُونُوا) أي: غير المصلين (مِن وَرَائِكُمْ) يحرسونكم (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) أي الذين كانوا من ورائهم يحرسونهم (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا) أي: الذين صلوا قبل أو الذين أتوا (حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ روي في طريق صلاة الخوف ستة أوجه أو سبعة، وأنا أذكر بعضها.
أحدها: أن يجعلهم صفين ويصلي بهما إلى أن يرفعا رأسهما من الركوع سجد وسجد الصف الأول والصف الأخير قيام يحرسونهم فلما قام الصف الأول إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني، ثم يقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلي مصاف هؤلاء ثم ركع وركعوا جميعًا ورفعوا من الركوع ثم سجد وسجد الصف الذي يليه والآخر قيام يحرس فلما جلسوا سجد الصف الثاني وتشهد الكل وسلموا.
стр. 387
والثانية: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وينتظر قائمًا حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى المصاف، وتأتي الأخرى فيتم به الركعة الثانية وينتظرهم قاعدًا حتى يتموا صلاتهم ويسلم بهم.
والثالثة: قال جابر عن عبد الله الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال، وهو أنه قام رسول الله ﷺ فقام صف قبله وصف خلفه فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقام أصحابهم وجاء أولئك حتى قاموا خلفه مقام هؤلاء، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم وسلموا فكانت للنبي ﷺ ركعتين ولهم ركعة ركعة، وهذا الطريق مروي عن كثير من الصحابة بروايات متعددة صحيحة.
والرابعة: أن يصلي بكل من الطائفتين ركعتين فيكون للإمام أربع ركعات وللمأمومين ركعتان (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) بالقتال فلا تغفلوا عنها (وَلاَ جُنَاحَ) لا وزر (عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) هذا يدل على أن الأمر بأخذ السلاح للوجوب، وهو قول بعض العلماء، وأكثرهم على أنه سنة مؤكدة (وَخُذُوا
стр. 388
حِذْرَكُمْ) أي: لا بد من التيقظ وعدم الغفلة في أي صفة وحال كنتم (إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) وعد للمؤمنين بالنصر وإشارة على أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب في الأمور التيقظ (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) فرغتم من صلاة الخوف (فَاذْكُرُوا الله قِيَاماً وَقُعوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) أي: في سائر أحوالكم وكثرة الذكر عقب صلاة الخوف آكد لما فيها من التخفيف ومن الرخصة في الذهاب والإياب، وغيرها قيل: معناه إذا أردتم الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيف ما أمكن (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) سكنت جآشكم من الخوف (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) عدلوا أركانها واحفظوا شرائطها (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) مفروضًا محدودًا أو منجما كلما مضى وقت جاء وقت (وَلَا تَهِنُوا فِي
ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) في طلب قتال الكفار (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ) من الحرج (فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) فضرر القتال لا يختص بكم (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ) ولكم هذا المزيد رجاء المثوبة والنصر والتأييد، فينبغي أن تكونوا أصبر على الحرب وأرغب (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بضمائركم (حَكِيمًا) فيما حكم.
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا
стр. 389
أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ) في الحكم لا بالتعدي فيه (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ) بما عرفك وأوحى به إليك نزلت في طعمة بن أبيرق سرق درعًا فجاء صاحبها إلى رسول الله ﷺ وقال: إن طعمة سرق درعي فلما رأى السارق ذلك ألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني ألقيتها في بيت فلان فانطلقوا ليلاً إلى نبى الله ﷺ وقالوا: إن صاحبنا بريء وسارقها فلان فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله ﷺ فعذره وقيل: هم أن يبرئه فنزلت (وَلاَ تَكن لِّلْخَائِنِينَ) لأجلهم (خَصِيماً) للبراء
стр. 390
(وَاسْتَغْفرِ اللًهَ) من موافقتهم في نسبة السرقة إلى البرىء أو من ذلك الهم والقصد (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) لمن استغفر (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانونَ أَنْفُسَهُمْ) يخونونها بالمعصية، لأن الضرر راجع إليهم أي: لا تجادل عن كل من خان (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا) مبالغًا في الخيانة (أَثِيمًا) منهمكًا في الإثم (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) يسترون سرقتهم (وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) وهو أحق أن يستحيي ويخاف (وَهُوَ مَعَهُمْ) لا يخفى عليه شيء فطريق إخفاء شيء عنه عدم فعله (إِذْ يُبَيِّتُونَ) يدبرون وأصله أن يكون بالليل (مَا لاَ يَرْضَى) الله (مِنَ القَوْلِ) رمي البرىء وشهادة الزور (وَكَانَ اللهُ بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) فيجازيهم. (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) مبتدأ وخبر (جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ) خاصمتم عن طعمة وقومه. جملة هي مبينة لوقوع أولاء خبرًا، أو صلته عند من يقول: إنه موصول (في الحَيَاةِ الدُّنْيَا فمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ) إذا أخذهم بعذابه (أَم مَّن يَكُون عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)
стр. 391
فيروج دعواهم (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) يسوء به غيره أو صغيرة أو إثمًا دون الشرك (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بما لا يتعداه أو بكبيرة أو بالشرك (ثُمَّ يَسْتَغفِرِ الله يَجِدِ اللهَ غفُوراً رحِيماً) فيه عرض التوبة على طعمة لكن كما قيل: ما تاب بل ارتد (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) ولا يتعدى ضرره إلى غيره، لا تزر وازرة وزر أخرى (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) فمن علمه وحكمته أنه لا يأخذ أحدًا بذنب آخر (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) صغيرة، أو ذنبًا بينه وبين الله (أَوْ إِثْماً) كبيرة، أو ما بينه وبين الناس (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ) بأحدهما (بَرِيئًا) كما رمي طعمة (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) برمى البريء وتنزيه الخاطئ.
* * *
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ
стр. 392
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
* * *
(وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمتُهُ) بإعلام ما وقع منهم (لَهَمَّت طَائِفَةٌ منْهُمْ) من قوم طعمة (أَنْ يُضِلوكَ) عن القضاء بالحق، وليس المراد نفي همهم بل المراد أن من فضل الله عدم تأثيرهم فيك (وَمَا يُضِلونَ إِلا أَنفُسَهُمْ) لأن الله عصمك وهم ارتكبوا خطايا (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْء) شيئًا من الضر فإن الله عاصمك من الناس (وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) القرآن والسنة (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) قبل نزول ذلك من خفيات الأمور (وَكَان فَضْلُ اللهِ عليْكَ عَظِيماً) فإنه لا فضل أعلى من النبوة (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) النجوى سر بين اثنين (إِلَّا) نجوى (مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوف) هو كل ما يستحسنه الشرع (أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) خصه لشرفه، والاستثناء بدل من كثير وقيل: منقطع أي: لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير (وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ) أي: الأمر بالصدقة (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ) أي: مخلصًا محتسبًا ثوابه عند الله (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) فإن من فعل خيرًا رياءً لم يستحق جزاءً أصلاً، لأن كل جزاء من الله عظيم في جنب أغراض الدنيا وقيل: قوله " ذلك إشارة إلى الصدقة والمعروف والإصلاح، لا إلى الأمر بها فالأول حكم الدال على الخير، والثاني حكم فاعله (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) يخالفه (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى) ظهر له الحق بوقوفه على المعجزات (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ) غير
(إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) لمن لقيه مشركًا (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) غفرانه (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) فإنه أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الثواب قيل: نزلت في طعمة أيضًا فإنه مات مشركًا، أو في شيخ جاء إلى رسول الله ﷺ ، وقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئًا، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب مستغفر، فما حالي؟ (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) ما يعبدون من دون الله (إِلَّا إِنَاثًا) اللات والعزى ومناة، لأن لكل حي صنمًا يسمونه أنثى بني فلان، أو لأن مع كل صنم جنية، أو لأن الإناث كل شيء ميت لا روح فيه من شجر أو حجر، أو المراد الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) المريد المارد: الخارج بالكلية عن طاعة الله، فإنه أمرهم بعبادتها فعلى الحقيقة هم يعبدونه (لَعَنَهُ اللهُ) أبعده عن رحمته صفة ثانية للشيطان (وَقَالَ) إبليس (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) لأن أغويهم وأضلهم (نصِيباً مَّفرُوضاً) معينًا معلومًا عطف على لعنه الله، أي: يعبدون شيطانًا ماردًا مطرودًا عدوًا لكم غاية العداوة (وَلأُضِلَّنَّهُمْ) عن الصواب (وَلأُمَنِيَنَّهُمْ) إدراك الآخرة مع المعاصي وطول الحياة، يأمرهم بالتسويف والتأخير أو أنه لا جنة ولا نار (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) يشقونها ويجعلون ركوب تلك الأنعام حرامًا ويسمونها بحائر: ما يجيء في المائدة وهو إشارة إلى تحريم كل حلال
стр. 395
(وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) هو الخصاء أو الوشم أو دين الله (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دونِ اللهِ) فيطيعه ولا يطيع الله (فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبِيناً) إذ ضيع بالكلية رأس ماله وباع الجنة بالدنيا (يَعِدُهُمْ) ولا ينجز (وَيُمَنِّيهِمْ) ما لا يدركون (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) هو إيهام النفع فيما فيه الضرر (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ) مرجعهم (جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) معدلاً ومهربًا (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) تحت
стр. 396
غرفها وأشجارها (الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا) مصدران الأول مؤكد لنفسه، والثاني لغيره (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً) جملة مؤكدة مقابلة لمواعيد الشيطان (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتَابِ) أي: ليس الدين بالتمني نزلت في المسلمين واليهود حين افتخروا فقال اليهود: نبينا وكتابنا قبل ونحن أولى منكم بالله، وقال المسلمون: نحن أولى نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على جممِع الكتب، وقال مجاهد قالت العرب: أي: المشركون لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى فنزلت (مَن يَعْمَلْ سوءاً يُجْزَ بِهِ) إما في الدنيا أو في الآخرة، وقد صح المصائب والأمراض في الدنيا جزاء (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) يواليه وينصره من عذاب الله (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) من للبيان حال من ضمير يعمل وليس
стр. 397
للابتداء (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) شرط للجزاء المرتب (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمر بأن ينقص من فضله على المطيع وهو أرحم الراحمين فمعلوم أنه لا يزيد في عقاب العاصي (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله) أخلص العمل لربه (وَهُوَ مُحْسِنٌ) تابع للشرع في علمه أو
стр. 398
أخلص نفسه له لا يعرف لها ربًا سواه ثم يعمل الحسنات ويترك السيئات أو خضع في عبادته وهو موحد (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) الموافقة لدين الإسلام (حَنِيفاً) مائلا عن سائر الأديان حال من إبراهيم، أو من فاعل اتبع، أو من مدة (وَاتَّخَد اللهُ إِبْرَاهِيم خَليِلاً) صفيًا خالصًا ليس في محبته خلل، روي أنه لما نزلت (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) الخ قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء فنزلت " ومن يعمل من الصالحات " " ومن أحسن دينًا " الخ فتبجح به المسلمون (وَللهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ) خلقًا وملكًا (وَكَان اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً) بعلمه وقدرته فيجازيهم على الخير والشر.
* * *
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ
стр. 399
الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)
* * *
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) في طريق المعاشرة مع اليتامى، نزلت في كل من عنده يتيمة هو وليها ووارثها فيرغب في نكاحها إن كانت جميلة ويأكل مالها، وإن كانت دميمة يعضلها حتى تموت فيأخذ ميراثها، أو في ميراث بنات أم كجّة من أبيهن فإن ْالعرب كانت لا تورث النساء والصبيان وحينئذ معناه في ميراث النساء (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فيهِنَّ) الإفتاء تبيين المبهم (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ) عطف على لفظ الله أو على الضمير في يفتيكم والإفتاء مسند إلى الله وإلى ما في القرآن من قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) إلخ أو من قوله: " يوصيكم الله في أولادكم " إلخ على ما ذكرنا من اختلاف سبب النزول على طريقة قولهم: أغناني زيد وكرمه (فِى يَتَامَى النِّسَاء) صلة يتلى أو بدل من فيهن والإضافة بمعنى من (اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ) من صداقهن أو ميراثهن (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) أي: عن أن تنكحوهن لدمامتهن فنهاهم الله عن عضلهن طمعًا في ميراثهن، كما ذكرنا في قوله: (وإن خفتم
стр. 400
ألا تقسطوا) إلخ أو معناه: ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن ومالهن ولا تعطون صداقهن وتأكلون مالهن (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدَان) عطف على يتامى النساء، فإن العرب لا يورثونهم كما لا يورثون البنات (وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) أي: العدل عطف على يتامى النساء أيضًا أي: يفتيكم في أن تقوموا أو منصوب بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا، أو عطف على فيهن بإضمار في (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا) فما ينساه ويجزيكم (وَإِنِ امْرَأَةٌ) مرفوع بفعل يفسره قوله (خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) علمت منه (نشُوزاً) تجافيا عنها ومنعا لحقوقها (أَوْ إِعْرَاضاً) بأن يقل مجالستها (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) على المرأة والزوج (أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) بأن تحط له بعض المهر أو القسم أو النفقة، وصلحا مصدر، وبينهما مفعول به ومن قرأ: يصَّالحا فمعناه: يتصالحا (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفرقة وسوء العشرة (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) يعني أن النفس مطبوعة على البخل لا يغيب عنها، فلا تكاد المرأة تسمح بحط شيء من مهرها وقسمها ولا الزوج يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها إذا لم يردها، وهو وقوله: " الصلح خير " اعتراض للترغيب في المصالحة وتمهيد العذر في المماكسة (وَإِنْ تُحْسِنُوا) في العشرة (وَتَتَّقُوا) النشوز ونقص الحق (فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ) من الإحسان (خَبِيرًا) فيثيبكم (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) أي تساووا بينهن من جميع الوجوه فإنه لا بد من التفاوت في
стр. 401
المحبة والشهوة والجماع (وَلَوْ حَرَصْتُمْ) على العدل (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) إلى واحدة منهن فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: الواحدة الأخرى كالتي ليست بذات بعل ولا مطلقة (وَإِن تُصْلِحُوا) بالعدل في القسم (وَتَتَّقُوا) فيما يستقبل الجور فيها (فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رحِيماً) يغفر لكم ما كان من ميل إلى واحدة (وَإِن يَتَفَرَّقَا) بالطلاق ولم يصلحا بينهما (يُغْنِ اللهُ كُلًّا) منهما عن صاحبه (مِّن سَعَتِهِ) فضله الواسع وقدرته (وَكَانَ اللهُ وَاسِعاً) واسع
стр. 402
الفضل (حَكِيماً) فيما حكم وأمر (وَلله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْضِ) فله السعة وكمال القدرة (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) من اليهود والنصارى وغيرهم (مِن قَبْلِكُمْ) متعلق بـ أوتوا أو بـ وصينا (وَإِياكم) عطف على الذين (أَن اتقُوا الله) أي: بتقوى الله وجاز أن يكون أن مفسرة، فإن التوصية في معنى القول (وَإِن تَكْفُرُوا) أي: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا (فإنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ) مالك الملك كله لا يضره كفركم كما لا ينفعه شكركم فما الوصية إلا لحاجتكم وصلاحكم (وَكَان اللهُ غَنِيًّا) عن الخلق. (حَمِيداً) في ذاته حمد أو لم يحمد (وَلله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً) (١) فتوكلوا عليه فكأنه قال له ما في السماوات وما في الأرض فاقبلوا وصيته وله ذلك فهو الغني فاسألوا الله وله ذلك فاتخذوه وكيلاً لا غيره (إِنْ يَشَأْ) إذهابكم (يُذْهِبْكُمْ) يفنيكم (أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) يوجد قومًا آخرين (وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ) الإعدام والايجاد (قَدِيرًا) بليغ القدرة وهذا تقرير لغناه وتهديد لمن كفر (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) مواظبين على العدل لا تعدلوا عنه يمينًا ولا شمالاً (شُهَدَاءَ لله) ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله (وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْربِينَ) أي: ولو عاد ضررها على نفسك أو عليهم أو تقول الإقرار شهادة على نفسه (إِن يَكُنْ) المشهود عليه (غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فاللهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: بالغني والفقير منكم فكلوا أمرهما إليه فلا ترحم فقره ولا ترهب غناه، وضمير التثنية لما دل عليه المذكور وهو جنس الغني والفقير لا إليه وإلا لوحد (فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا) أي: لأن تعدلوا عن الحق (وَإِن تَلْوُوا) أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها (أَوْ تُعْرِضُوا) عن أدائها (فإن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فيجازيكم عليه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خطاب للمؤمنين كلهم أو لمؤمني أهل الكتاب حين قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه، أو خطاب لليهود والنصارى (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) اثبتوا عليه أو آمنوا بمحمد كما آمنتم بموسى وعيسى (وَالْكِتَابِ الَّذِي نزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) القرآن (وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن
стр. 405
قَبْلُ) يعني جنس الكتاب لا بكتاب دون كتاب (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: بشئ من ذلك (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) عن المقصد بحيث لا يكاد يعود على سواء السبيل (إِنْ الذِينَ آمنوا) بالتوراة (ثُمَّ كَفَرُوا) بها بعبادة العجل (ثُمَّ آمنوا) بها بعد عود موسى إليهم (ثُمَّ كَفَرُوا) بعيسى (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) بمحمد ﵊ واستمروا عليه حتى ماتوا (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) طريقًا إلى الهدى، ولا فرجًا ولا مخرجًا، فإن الكافر إذا أسلم يغفر الله كفره السابق، لكن من تقرر منه الإيمان والكفر ثم استمر على الكفر لا يغفر الله كفره اللاحق والسابق.
أو نزلت في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا مرارًا لا في اليهود فقيل معناه: من تكرر منه الإيمان فالكفر لا يغفر الله له لاستبعاد التوبة منه، لأن قلوبهم طبعت على الباطل فلا يثبت على الحق، وعن علي رضى الله عنه يقتل ولا يقبل توبته (بَشِّرِ المُنَافِقِينَ) من باب التهكم (بِأَنْ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) فإنهم أيضًا آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن مرارًا، ثم استمروا بالإصرار على النفاق (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) مرفوع أو منصوب بالذم (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العِزَّةَ) والغلبة على المسلمين أو يتعززون بموالاتهم (فإِن العِزةَ للهِ جَمِيعاً) أي: له القوة والغلبة لا يعز إلا من أعزه
стр. 406
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) في القرآن (أَنْ) أي: أنه (إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) حالان من الآيات (فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) مع من يكفر ويستهزئ (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الاستهزاء، وهذا تذكار ما نزل عليهم بمكة من قوله " وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا " الآية [الأنعام: ٦٨]، (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) في الكفر إن رضيتم بذلك، أو في الإثم فإنكم قادرون على الإعراض والإنكار، وقيل: هي منسوخة بقوله: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء) إلخ (إِنَّ الله جَامِعُ الُمنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) ينتظرون وقوع أمر بكم، بدل من الذين أو مبتدأ وخبره (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) ففي الدين والنصرة فأسهموا لنا من الغنيمة (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) من الظفر فإن الحرب سجال (قَالُوا) للكافرين (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فما فعلنا شيئًا من ذلك (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم بتخييلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم، أو معناه نصرفكم عن الدخول في جملتهم، فإن
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ) بزعمهم الباطل كما يحلفون يوم القيامة أنَّهم على الاستقامة (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) يجازيهم على خداعهم أو يعاملهم معاملة المخادع في الدنيا بإمهالهم واستدراجهم في طغيانهم، وفي الآخرة بأنهم يعطون نورًا يوم القيامة، فإذا مضوا قليلاً يطفأ نورهم (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصلاةِ قَامُوا كُسَالَى) متثاقلين كالمكره (يُرَاءُونَ النَّاسَ) ليحسبوهم مؤمنين لا لإخلاص ومطاوعة أمر الله، صفة كسالى أو مستأنفة (وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) لأنَّهُم يفعلونه رياءً ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان كثيرًا وقيل: لأن ذكرهم باللسان فقط وقيل المراد من الذكر الصلاة أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا على ندرة (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ) مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان حال من واو الجمع أي: يرونهم غير ذاكرين إلا قليلاً مذبذبين (لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ) لا منضمين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين (وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)
стр. 409
إلى الصواب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) فإن مصاحبتهم ومصادقتهم وإسرار المودة إليهم صنيع المنافقين فلا تكونوا مثلهم (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لله عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) حجة بينة في عقابكم بموالاتكم إياكم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) هو الطبقة التي في قعر جهنم، أو توابيت من حديد مقفلة في النار أو بيوت مقفلة عليهم توقد من تحتهم وفوقهم (وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) يخرجهم منها (إِلا الذِينَ تَابُوا) عن النفاق (وَأَصلَحُوا) العمل (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ) وثقوا به والتجأوا إليه (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لله) من شوائب الرياء فلا يعملون إلا لله (فَأُولئِكَ مَعَ الُمؤْمِنِينَ) في زمرتهم يوم القيامة (وَسَوْفَ يُؤْت اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيمًا) فيشاركونهم فيه (مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) أيدفع به ضرًّا أو يستجلب به نفعًا وهو الغني المتعالي لا كالملوك فمن أخرج نفسه عن خساستها الباعثة للمذلة فلا تهان ولا تخذل، قيل: تقديم الشكر لأن الناظر بأدنى نظر في النعم يعرف أن لها منعمًا فيشكر وإن لم يعرفه زيادة معرفة، ثم يفضي به إلى زيادة النظر في معرفته، والتصديق به قدر ما يجب على العبد، فالشكر المبهم أصل التكليف من الإيمان وغيره (وَكَانَ اللهُ شَاكِراً) يرضى بالقليل (عَلِيماً) بظاهركم وباطنكم.
стр. 410
(لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) أي: إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم، وقيل: هو من يشتمك فتشتمه بمثله فالبادئ ظالم، والأصح أنها نزلت فيمن ضاف أحدًا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فرخص الله شكايته (وَكَان اللهُ سَمِيعًا) لدعاء المظلوم (عَلِيمًا) بفعل الظالم (إِن تُبْدُوا خيْرًا) عمل بر (أَوْ تُحفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) يأتيكم من أخيكم (فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا) لمن عفى (قَدِيرًا) على الانتقام وهو إشارة إلى حثِّ المظلوم على العفو وإن جاز له الشكاية (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ) بأن يؤمنوا به ويكفروا برسله (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) أي: ببعض الأنبياء (وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) أي: بعضهم (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: الإيمان والكفر (سَبِيلًا) وسطًا ولا واسطة بين الكفر والإيمان وهم اليهود والنصارى (أُولئِك هُمُ الكَافرُونَ) الكاملون في الكفر، ما نقص ذاك الإيمان من كفرهم شيئًا (حَقًّا) مصدر مؤكد لغيره (وَأَعْتَدنا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ) في الإيمان به (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ عفُوراً رّحِيماً) عليهم بتضعيف حسناتهم.
* * *
مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي: إن استعظمت ما سألوك، فقد سألوا موسى أعظم من ذلك، وهذا السؤال وقع من آبائهم لكنهم تابعون لهذيهم وقوم مثل ذلك لا يستغرب عنهم (فقَالُوا أَرِنَا الله جَهْرَةً) أي: أرنا الله نره عيانا قيل معناه قالوا جهرة لا سرًّا وخفية (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) نار من السماء (بِظُلْمِهِمْ) أي: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم في السؤال وطلب ما يستحيل في تلك الحال لهم (ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ) إلهًا (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البَيِّنَاتُ) معجزات موسى ﵇ (فَعَفَونا عَن ذَلِكَ) ولم نستأصلهم بالكلية وقبلنا توبتهم (وَآتيْنَا مُوسى سُلْطَاناً مُّبِيناً) يعني هم إن بالغوا في العناد معه لكن نصرناه وعفونا عن قومه، ففيه إشارة ببشارة المصطفى ﵊ (وَرَفعْنَا فَوْقَهُمُ الطورَ) عند امتناعهم قبول شريعة التوراة
стр. 413
(بِمِيثَاقِهِمْ) بسبب ميثاقهم ليقبلوه (وَقُلْنَا) بلسان نبيهم (لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) متواضعين منحنين (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) لا تظلموا في اصطياد السمك فيه (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) على ذلك (فَبمَا نقْضِهِم) ما مزيدة للتأكيد (مِّيثَاقَهُمْ) فعلنا بهم ما فعلنا (وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ) المعجزات الباهرات (وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) بعناد وتشهي نفس (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) في غطاء لا نسمع ما تقول أو أوعية للعلم ولا نحتاج إلى شيء آخر (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) على الأول معناه: نعم صدقوا فيما ادعوا من عدم السماع لكن بختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم، وعلى الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من أن قلوبهم أوعية للعلم (فَلاَ يُؤْمُنونَ إِلا قَلِيلاً) إلا إيمانًا قليلاً لا ينفعهم أو إلا قليلاً منهم (وَبِكفْرِهِمْ) بعيسى (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَريمَ بُهْتَاناً عَظِيمًا) نسبتها إلى الزنا (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ)،، أي: من يزعم أنه رسول الله أو سموه رسولاً استهزاء، فالذم بسبب جرأتهم على الله تعالى وتبجحهم بقتله بعد ما أظهر المعجزات (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) أي: لكن وقع لهم التشبيه بين
стр. 414
عيسى والمقتول فقتلوا شابًا من أنصاره حسبوه عيسى، أو شبه لهم من قتلوه بأن ألقى الله على رجل من اليهود شبهه فقتل (وَإِن الذِينَ اخْتَلَفوا فيه) في شأن عيسى فإنهم لما قتلوا ذلك الرجل قال بعضهم: عيسى، وقال بعضهم: ليس بعيسى وجهه وجه عيسى والبدن بدن غيره، وقال بعضهم: كذاب قتلناه وقال بعضهم: ابن الله رفع إلى السماء (لَفِي شَكّ مِّنْهُ) تردد من قتله (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) لكنهم يتبعون الظن (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) يقينا تأكيد لـ " ما قتلوه " نحو: ما قتلوه حقًا أي: حق انتفاء قتله حقًّا قيل: ما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) فإن السماء محل ظهور سلطانه (وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً) لا يغلب إراداته (حَكِيمًا) فيما دبر (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: أحد منهم (إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى بعد نزوله عند قيام الساعة فتصير الملل واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية، أو قبل موت الكتابي إذا وقع في الباس حين لا ينفعه إيمانه (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) يشهد عليهم أنه قد بلغ الرسالة وأقر على نفسه بالعبودية، قيل: يشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) أي: ما استمر
стр. 415
تحريمها إلا بظلم عظيم منهم، " وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ " الآية [الأنعام: ١٤٦]، (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا) صدًّا كثيرًا أو ناسًا كثيرًا (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنهُ) في التوراة (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) بالرشوة وغيرها (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ) دون من آمن وتاب (عَذَابًا أَلِيمًا). (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ) كعبد الله بن سلام وأصحابه (وَالْمُؤْمِنُون) منهم، وقيل أي: الصحابة (يُؤْمِنُونَ) خبر المبتدأ (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) نصب على المدح، وهو شائع في كلام الفصحاء، وقيل: مخفوض عطف على ما أنزل أي: آمنوا بإقامة الصلاة أي بوجوبه، أو المراد بالمقيمين: الأنبياء (١) (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) قدم الإيمان بالقرآن والكتب، لأنه المقصود من الآية (أوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيمًا).
* * *
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا
(وَرُسُلاً) نصب على مضمر يدل عليه أوحينا أي: أوحينا إليك وأرسلنا رسلاً أو على مضمر يفسره قوله: (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ) في السور المكية (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) نصب على المدح أو على الحال أو على تقدير أرسلنا (مُّبَشِّرِينَ) بالثواب على الطاعة (وَمُنْذِرِينَ) بالعقاب على المعصية (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولاً يعلمنا الدين متعلق: بـ " أرسلنا " وبـ " منذرين " ومبشرين وأحد المجرورين خبر كان، والآخر حال والظرف لحجة (وَكَانً اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) فيما أراد ودبر (لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ) استدراك عما فهم من قبل من تَعَنُّتِهِمْ بأنَّهم لا يشهدون (بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ) من القرآن الدال على نبوتك (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) متلبسًا بعلمه الذي
стр. 418
أراد أن يطلع عباده من صفاته ومغيباته وأوامره ونواهيه، أو أنزله عالمًا بأنك أهل لإنزاله إليك (وَالْمَلاِئكَةُ يَشْهَدُونَ) أيضًا بنبوتك نزلت في جماعة من اليهود قال لهم رسول الله ﷺ : " إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك " (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) فإنه أقام الحجج والبينات الواضحة على صحة نبوتك (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا) فإنهم جمعوا بين الضلال والإضلال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) محمدًا ﷺ بكتمان نعته أو الناس بصدهم أو أنفسهم (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) بعد ما ماتوا عليه أو هذا فيمن علم أنه يموت على الكفر (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) إلى النجاة (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) استثناء منقطع أو متصل على السخرية (خَالِدِينَ) حال مقدرة (فيهَا أَبَدًا وَكَان ذلِكَ) أي: عدم الغفران والخلود (عَلَى اللهِ يَسِيرًا يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) لما قرر أمر النبوة وأوعد المنكر خاطب الناس بالدعوة (فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ) أي: إيمانًا خيرًا لكم أو ائتوا أمرًا خيرًا لكم مما أنتم عليه أو يكن الإيمان خيًرا لكم (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فهو الغني عنكم (وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا) بأحوالكم (حَكِيمًا) فيما أراد لكم (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) النصارى تجاوزوا الحد في عيسى ﵇ بل في الأحبار، كما قال: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا " (التوبة: ٣١)، (وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ) لا تفتروا عليه (إِلا الحَقَّ) لكن قولوا الحق فنزهوه عن شريك وولد (إِنَّمَا
стр. 419
المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَريمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ) أوجده بكلمة كن (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) يعني خلقه بالكلمة التي أرسل الله بها جبريل إلى مريم فنفخ في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة إلقاح الأب الأم (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: صدر منه بغير مادة وإضافة الروح إلى الله للتشريف (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثةٌ) أي: آلهتنا ثلاثة الله والمسيح ومريم (انتَهُوا) عن التثليث وائتوا أمرا (خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا تعدد فيه أصلاً (سُبْحَانَهُ) أي: أسبح سبحانه من (يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ملكًا وخلقًا لا يماثله شيء حتى يكون له ولد (وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً) فلا يحتاج إلى ولد؛ لأن الولد وكيل والده وهو وكيل كل شيء.
* * *
(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا
стр. 420
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
* * *
(لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ) لن يأنف من (أَنْ يَكُون عَبْدًا للهِ) فإن عبوديته شرف، قيل: نزلت حين " قال وفد نجران لرسول الله ﷺ : أتعيب عيسى تقول: إنه عبد الله؟ قال: إنه ليس بعار أن يكون عبدًا لله قالوا بلى " (وَلاَ المَلاِئكَة الُمقَربون) عطف على المسيح أي لا يستنكفون مع أن ما بعثكم في دعوى الإلهية
стр. 421
لعيسى أقوى وأشد فيهم لا أب ولا أم لهم ولهم قوة لا تفي بها طاقة البشر كقلع الجبال والتصرف في الأهوال والأحوال وهم مع ذلك لا يستنكفون (وَمَن يَسْتنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ) الاستنكاف تكبر مع أنفة والاستكبار بدونه (فسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) مجازاة (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) وهذا تفصيل للمجازاة العامة الدال عليها فحوى الكلام، وإن لم يجر سوى ذكر المستنكفين فكأنه قال: ومن استنكف ومن آمن فسيحشرهم.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: محمدًا ﵊ أو القرآن وقيل: المعجزات (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) أي: القرآن (فَأَمَّا الّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) جمع بين مقامي العبادة والتوكل على الله أو اعتصموا بالقرآن (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ منْهُ وَفَضْلٍ) زائد على قدر أعمالهم (وَيَهْدِيهِمْ
стр. 422
إِلَيْهِ) إلى الله (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) في العلم والعمل فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وفي الآخرة على صراط مستقيم يفضي إلى روضات الجنات، وصراطًا: إما بدل من إليه أو مفعول يهديهم وإليه حال مقدم (يَسْتَفتُونَكَ) أي: عن الكلالة (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) نزلت في جابر بن عبد الله حين " سأل رسول الله ﷺ : إني مريض وكللة، فكيف أصنع في مالي؟ " (إِذ امْرُؤٌ) مرفوع بفعل يفسره ما بعده (هَلَكَ) مات (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) أصلاً ولا والد أيضًا فإن الأخت لا ترث مع الأب، وهو صفة لا غير (وَلَهُ أُخْتٌ) أي: من الأبوين أو الأب، فإن ذكر ولد الأم مضى حكمه فِي أول السورة (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ) أي المرء (يَرِثُهَا) أي الأخت (إِن لَّمْ يَكُن لهَا وَلَدٌ) أي إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ إن لم يكن لها ولد أصلاً ولا والد (فَإِن كَانَتَا) أي: الأختان (اثْنَتَيْنِ) فصاعدًا (فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) الأخ (وَإن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً) أصله: وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب الذكر (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ) الحق كراهة (أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فهو عالم بمصالح العباد في المعاش والمعاد.
والحمد لله حقَّ حمده.
* * *
حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أي: العهود وهو ما حد في القرآن كله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) تفصيل للعقود والإضافة بيانية وهي الإبل والبقر والغنم وألحق بها الظباء وبقر الوحش (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) تحريمه أو إلا محرم ما يتلى عليكم وهو قوله: " حرمت عليكم الميتة " [المائدة: ٣] (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) حال من ضمير لكم أو من ضمير أوفوا (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال من ضمير محلي يعني أحلت لكم جميع الأنعام إنسيًّا ووحشيًّا وإحلالها عن عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه تحريم البعض وهو الوحشي أو الاول: حال من الفاعل الحقيقي المتروك لأحلت، والثاني: حال من ضمير لكم المقدر أي: أحللنا حال كوننا غير محلين الصيد لكم في حال إحرامكم (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ): من تحليل وتحريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ): مناسك الحج أو محارم الله أو الهدايا المعلمة للذبح بمكة (وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ) بعدم تعظيمه والقتال فيه والجمهور على أنه منسوخ يجوز ابتداء القتال مع أهل الشرك في أشهر الحرم (وَلاَ الهَدْيَ): ما أهدي إلى
стр. 425
الكعبة بأن تتعرضوا له (وَلاَ القَلاِئدَ): ذوات القلائد من الهدي ذكرها لأنها أشرف الهدي، قال بعضهم: معناه لا تتركوا الإهداء إلى البيت، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها (وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ) أي: لا تستحلوا قتال قوم قاصدين إلى بيت الله (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ): رزقًا بالتجارة حال من ضمير أمين (وَرِضْوَانًا) بزعمهم؛ لأن الكافرين ليس لهم نصيب من الرضوان، نزلت فيمن أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر من البيت فأراد بعض الصحابة أن يتعرضوا عليه في طريقه إلى البيت، وهذا الحكم منسوخ الآن فيهم. قال بعضهم: أهل الجاهلية يقلدون أنفسهم بالشعر والوبر في سفر الحج في غير أشهره وإبلهم من لحا شجر الحرم فيأمنون به، فنهى الله التعرض لهم بقوله: " ولا القلائد " وهو أيضًا منسوخ وقيل: معناه يتقلدون من لحا شجر الحرم فنهى الله عن قطع شجرة (وَإِذَا حَلَلْتُمْ): من الإحرام (فَاصْطَادُوا) إذن فى الاصطياد بعد الإحرام (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ): يحملنكم (شَنَئَانُ قَوْمٍ): بعضهم (أَن صَدُّوكُمْ) أي: لأن صدوكم (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وقرئ إن فحَّرَف الشرط معترض بين العامل والمعمول (أَنْ تَعْتَدُوا) بالانتقام وهو ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، نزلت حين أراد الصحابة صد بعض المشركين عن العمرة انتقامًا من أصحابهم لما صدوهم عن البيت بالحدييية (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ) المأمورات عطف على لا يجرمنكم (وَالتَّقْوَى) عن المنهيات (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ): المعاصي (وَالْعُدْوَانِ): الظلم (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) أي: المسفوح (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) لقوله عند الذبح: بسم اللات والعزى، والإهلال: رفع الصوت