لعيسى أقوى وأشد فيهم لا أب ولا أم لهم ولهم قوة لا تفي بها طاقة البشر كقلع الجبال والتصرف في الأهوال والأحوال وهم مع ذلك لا يستنكفون (وَمَن يَسْتنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ) الاستنكاف تكبر مع أنفة والاستكبار بدونه (فسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) مجازاة (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) وهذا تفصيل للمجازاة العامة الدال عليها فحوى الكلام، وإن لم يجر سوى ذكر المستنكفين فكأنه قال: ومن استنكف ومن آمن فسيحشرهم.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: محمدًا ﵊ أو القرآن وقيل: المعجزات (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) أي: القرآن (فَأَمَّا الّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) جمع بين مقامي العبادة والتوكل على الله أو اعتصموا بالقرآن (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ منْهُ وَفَضْلٍ) زائد على قدر أعمالهم (وَيَهْدِيهِمْ
стр. 422
إِلَيْهِ) إلى الله (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) في العلم والعمل فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وفي الآخرة على صراط مستقيم يفضي إلى روضات الجنات، وصراطًا: إما بدل من إليه أو مفعول يهديهم وإليه حال مقدم (يَسْتَفتُونَكَ) أي: عن الكلالة (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) نزلت في جابر بن عبد الله حين " سأل رسول الله ﷺ : إني مريض وكللة، فكيف أصنع في مالي؟ " (إِذ امْرُؤٌ) مرفوع بفعل يفسره ما بعده (هَلَكَ) مات (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) أصلاً ولا والد أيضًا فإن الأخت لا ترث مع الأب، وهو صفة لا غير (وَلَهُ أُخْتٌ) أي: من الأبوين أو الأب، فإن ذكر ولد الأم مضى حكمه فِي أول السورة (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ) أي المرء (يَرِثُهَا) أي الأخت (إِن لَّمْ يَكُن لهَا وَلَدٌ) أي إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ إن لم يكن لها ولد أصلاً ولا والد (فَإِن كَانَتَا) أي: الأختان (اثْنَتَيْنِ) فصاعدًا (فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) الأخ (وَإن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاءً) أصله: وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب الذكر (فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ) الحق كراهة (أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فهو عالم بمصالح العباد في المعاش والمعاد.
والحمد لله حقَّ حمده.
* * *
حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أي: العهود وهو ما حد في القرآن كله (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) تفصيل للعقود والإضافة بيانية وهي الإبل والبقر والغنم وألحق بها الظباء وبقر الوحش (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) تحريمه أو إلا محرم ما يتلى عليكم وهو قوله: " حرمت عليكم الميتة " [المائدة: ٣] (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) حال من ضمير لكم أو من ضمير أوفوا (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال من ضمير محلي يعني أحلت لكم جميع الأنعام إنسيًّا ووحشيًّا وإحلالها عن عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه تحريم البعض وهو الوحشي أو الاول: حال من الفاعل الحقيقي المتروك لأحلت، والثاني: حال من ضمير لكم المقدر أي: أحللنا حال كوننا غير محلين الصيد لكم في حال إحرامكم (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ): من تحليل وتحريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ): مناسك الحج أو محارم الله أو الهدايا المعلمة للذبح بمكة (وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ) بعدم تعظيمه والقتال فيه والجمهور على أنه منسوخ يجوز ابتداء القتال مع أهل الشرك في أشهر الحرم (وَلاَ الهَدْيَ): ما أهدي إلى
стр. 425
الكعبة بأن تتعرضوا له (وَلاَ القَلاِئدَ): ذوات القلائد من الهدي ذكرها لأنها أشرف الهدي، قال بعضهم: معناه لا تتركوا الإهداء إلى البيت، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها (وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ) أي: لا تستحلوا قتال قوم قاصدين إلى بيت الله (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ): رزقًا بالتجارة حال من ضمير أمين (وَرِضْوَانًا) بزعمهم؛ لأن الكافرين ليس لهم نصيب من الرضوان، نزلت فيمن أغار على سرح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر من البيت فأراد بعض الصحابة أن يتعرضوا عليه في طريقه إلى البيت، وهذا الحكم منسوخ الآن فيهم. قال بعضهم: أهل الجاهلية يقلدون أنفسهم بالشعر والوبر في سفر الحج في غير أشهره وإبلهم من لحا شجر الحرم فيأمنون به، فنهى الله التعرض لهم بقوله: " ولا القلائد " وهو أيضًا منسوخ وقيل: معناه يتقلدون من لحا شجر الحرم فنهى الله عن قطع شجرة (وَإِذَا حَلَلْتُمْ): من الإحرام (فَاصْطَادُوا) إذن فى الاصطياد بعد الإحرام (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ): يحملنكم (شَنَئَانُ قَوْمٍ): بعضهم (أَن صَدُّوكُمْ) أي: لأن صدوكم (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وقرئ إن فحَّرَف الشرط معترض بين العامل والمعمول (أَنْ تَعْتَدُوا) بالانتقام وهو ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، نزلت حين أراد الصحابة صد بعض المشركين عن العمرة انتقامًا من أصحابهم لما صدوهم عن البيت بالحدييية (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ) المأمورات عطف على لا يجرمنكم (وَالتَّقْوَى) عن المنهيات (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ): المعاصي (وَالْعُدْوَانِ): الظلم (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) أي: المسفوح (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) لقوله عند الذبح: بسم اللات والعزى، والإهلال: رفع الصوت
стр. 426
(وَالْمُنْخَنِقَةُ): التي ماتت بالخنق (وَالْمَوْقُوذَةُ) هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، وذلك من عادات الجاهلية (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) التي أطيحت من موضع فماتت (وَالنَّطِيحَةُ) كشاتين تناطحتا فماتتا أو ماتت إحداهما، والتاء فيها للنقل (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ). منه فمات (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، وفيه حياة مستقرة فإنه حلال (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) هي حجارة حول
стр. 427
البيت يذبحون عندها وينضحونها بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، فحرم الله أكل هذا اللحم وإن ذكر عليها اسم الله لما فيه من الشرك، وقال بعضهم: هي الأصنام ومعناه: ما ذبح على النصب، وعلى هذا هو وما أهل لغير الله واحد (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) أي: حرم الاستقسام بالأزلام وهي عبارة عن قداح مكتوب في بعضها افعل وفي بعضها لا تفعل، وبعضها غفل لا شيء عليه، يستقسمون بها في الأمور فإذا خرج الأمر فعلوه وإذا خرج الناهي تركوه وإذا خرج الغفل أجالوها ثانيًا (ذَلِكُمْ فِسْقٌ) أي: تعاطيه فسق وضلالة وجهالة (اليَوْمَ) أريد به الأزمان الحاضرة (يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ): من إبطاله بأن ترجعوا إلى دينهم (فَلَا تَخْشَوْهُمْ): بعد ما أظهرت دينكم (وَاخْشَوْنِ): أخلصوا الخشية لي
стр. 428
(اليَوْمَ) قيل المراد يوم النزول يوم عرفة في حجة الوداع (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فلا زيادة بعده ولم ينزل بعده حرام ولا حلال (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي): بالهداية وإكمال الدين (وَرَضِيتُ) اخترت (لَكُمُ الْإِسْلَامَ دينًا) من بين الأديان فلا أسخطه أبدًا، ودينا، إما حال أو تمييز (فَمَنِ اضْطُرَّ) إلى تناول شيء من هذه المحرمات وهو متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض (فِي مَخْمَصَةٍ): مجماعة (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) غير مائل لمعصية بأن يأكلها تلذذًا أو مجاوزًا حد الرخصة (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث رخص فلا يؤاخذه به (يَسْأَلُوئكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) نزلت حين سئل رسول الله ﷺ : إن الله قد حرم الميتة فماذا يحل لنا؟ وماذا مبتدأ وأحل لهم خبره (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) أي: الذبائح الحلال، وقيل: كل ما يستطيبه العرب من غير أن ورد بتحريمه نص (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) يعني
стр. 429
أحل لكم صيد ما علّمتم من كواسب الصيد على أهلها من سباع وطيور (مُكَلِّبِينَ) حال كونكم معلمين إياه الصيد وذكرها للمبالغة في التعليم (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال أو استئناف (مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ): من طرق التأديب (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) كثير من السلف على أن الجوارح إذا أخذت الصيد وأكلت شيئًا منه ولم يدركه صاحبه حيًّا فيذبحه فهو حرام، وبعض آخر منهم عليٌّ وابن عباس على حلته وإن أكل منه ثلثيه (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ): على ما علمتم أي عند إرساله إلى الصيد وهذا الأمر على الندب عند الأكثرين (وَاتَّقُوا اللهَ): في الحرام (إِنْ الله سَرِيعُ الحِسَابِ) فيؤاخذكم بما كسبت أيديكم (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ): الذبائح على اسم الله (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) من اليهود والنصارى يعني ذبائحهم (حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) بمعنى حل وجاز لكم أن تطعموهم من ذبائحكم (وَالْمُحْصَنَاتُ): الحرائر العفائف أو الحرائر أو العفائف (مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) أكثر السلف على أنه لا يجوز تزوج الذمية الزانية، وهو يعم كل كتابية عفيفة، وقيل: المراد بها الذميات دون الحربيات، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما -: لما نزلت " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " (البقرة: ٢٢١) حجر الناس عنهن حتى نزلت والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فنكح الناس نساء أهل الكتاب (إِذَا آتيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ): مهورهن وتقيد الحل به لتأكييد وجوبها، وقيل المراد بإيتائها: التزامها محصنين (مُحْصِنينَ) أعفاء بالنكاح (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) مجاهرين بالزنا (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) مسرين به والخدن: الصديق. بعض السلف ذهب إلى أنه لا يصح نكاح البغية من عفيف وعقد
نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) أي: إذا أردتم القيام إليها وهو مطلق أريد به التقييد أي: إذا قمتم إليها محدثين وقيل: الأمر شامل للمحدثين على الإيجاب وللمطهرين على وجه الندب وقال بعضهم: إن الآية نزلت إعلامًا من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى صلاة دون غيرها من الأعمال، لأنه ﵊ كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق فالجمهور على دخول المرفقين في الغسول، قيل: ومنه علم وجوب النية كما إذا قلنا إذا رأيت الأمير فقم أي: فقم له (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) الباء للإلصاق (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ) نصبه نافع والكسائى وابن عامر وحفص ويعقوب عطفا على (وجوهكم)، وجرَّه الباقون وعلى الإنصاف ظاهر قراءة النصب على وجوب الغسل وظاهر الثانية على وجوب المسح، فإن جر الجوار وإن كان بابًا واسعًا فهو خلاف الظاهر، والأحاديث الصحاح تدل على وجوب الغسل دلالة
стр. 432
لا محيص عنها (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) فاغتسلوا (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) قد مر تفسيره في سورة النساء ولعل فائدة التكرار بيان أنواع الطهارة هنا أيضًا (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ): بما فرض من الغسل والوضوء والتيمم (مِنْ حَرَجٍ): ضيق (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ): من الإحداث والذنوب (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) ببيان ما هو مطهرة للقلوب والأبدان عن الآثام والإحداث (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): نعمتي فأزيدها عليكم (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ): من القديم والحديث لأجل الدين والدنيا (وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) حين بايعوا النبي ﷺ على السمع والطاعة في منشطهم ومكرهم أو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من العهود في متابعة محمد ﵊ (وَاتقُوا اللهَ) في نقض عهده (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بذَاتِ الصدورِ) بخفياتها فضلاً عن جلياتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا قَوَّامِينَ لله) أي: قائمين بالحق لله لا للرياء (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) بالعدل لا بالجور (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ) يحملنكم (شَنَئَانُ قَوْمٍ) عداوتهم (عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) بل الزموا العدل مع العدو والصديق (اعْدِلُوا هُوَ) أي: العدل (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) اللام للاختصاص واستعمل أفعل التفضِيل في محل
стр. 433
ليس في الجانب الآخر منه شيء كقوله تعالى: " أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا " [الفرقان: ٢٤] وكم مثله في كلام البلغاء (وَاتَّقوا الله إِنْ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فيجازيكم به (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغفرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) مستأنفة مبنية لثاني مفعولي وعد أو وعد واقع على تلك الجملة كأنه قال: وعدهم هذا القول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) فلا ينفكون عنها (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكرُوا نعْمَتَ اللهِ عَلَيْكمْ إِذْ هَمَّ) متعلق بنعمة الله (قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ): بَالقتل (فكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ) رد مضرتها عنكم (وَاتَّقوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنونَ) فمن توكل عليه كفاه اللهُ أربه، نزلت لما أراد قوم من العرب أن يكبوا على رسول الله وأصحابه ﷺ إذا اشتغلوا بصلاة العصر، فأخبرهم جبريل وجاء بصلاة الخوف. أو في قوم من اليهود صنعوا طعامًا ليقتلوهم فأوحى الله إليه بشأنهم. أو في بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأسه ﵊ الرحا إذا جلس تحت الجدار فأطلعه على كيدهم، أو في قوم أرسلوا أعرابيًا لقصده فجاءه وهو ﷺ راقد تحت شجرة فسل سيف رسول الله ﷺ فقال من يمنعك مني؟ فقال: اللهُ فأسقطه جبريل من يده وأخذه الرسول ﷺ .
* * *
(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ
(وَلَقَدْ أَخَد اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لما أمر المؤمنين بالوفاء بعهده وأمرهم بالحق والعدل وذكرهم نعمه شرع يبين لهم كيفية أخذ العهود على من كان قبلهم وطردهم ولعنهم لما نقضوها ليتعظ المؤمنون (وَبَعَثْنَا منْهُمُ اثْنيْ عَشَرَ نَقيباً) كفيلاً ضمنوا عن قومهم الوفاء بالعهد (وَقَالَ اللهُ إِنِّيَ مَعَكُمْ) بالنصرة (لَئِنْ) أي: والله لئن (أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي) صدقتموهم بما جاءوا به (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) نصرتموهم وعظمتوهم (وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) بأن تنفقوا فى سبيل الخيرات نصب بالمصدر أو بالمفعول الثاني (لَأُكَفِّرَنَّ) جواب القسم سد مسد جواب الشرط (عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) تحت غرفها (الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) الميثاق (منكُمْ فَقَدْ ضَل سَوَاءَ السَّبِيلِ) صراط الحق فإن الضلال بعده أظهر وأعظم وأقبح (فَبِمَا نَقْضِهِم) ما زائدة للتأكيد (مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) أبعدناهم عن رحمتنا (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسيَةً) يابسة غليظة لا تنتفع بالمواعظ وقرئ (قَسِيَّة) أي: مغشوشة (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) كلام الله (عَنْ مَوَاضِعِهِ) يبدلون نعت محمد أو يأولون الآيات بسوء تأويل (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) تركوا نصيبهم من التوراة فلم يعملوا بها أو زلت بعض آياتها عن حفظهم
стр. 436
(وَلَا تَزَالُ) يا محمد (تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) خيانة وغدر فاعل بمعنى المصدر (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) " لم يخونوا استثناء من ضمير منهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) نسخ باية السيف، وقيل: معناه إن تابوا أو عا@دوا والضزموا الجزية (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) تعليل للأمر بالعفو (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) كما أخذنا من اليهود، سموا أنفسهم نصارى ادعاء لنصرة الله (فَنَسُوا حَظًّا): نصيبًا وافيًا (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) من اتباع محمد ﵊ (فَأَغْرَيْنَا) ألصقنا وأوقعنا (بَيْنَهُمُ) بين اليهود والنصارى أو بين فرق النصارى وهم كذلك (الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) بشنيع صنيعهم بأقطع جزاء (يَا أَهلَ الْكِتَابِ) عام لكل كتابي (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) كآية الرجم وبشارة عيسى بأحمد (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) لا يتعرض لكثير مما حرفوه وأخفوه لأنه لا يحتاج إلى بيانه (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ) أي: قرآن أو محمد ﵊ (وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ) أي: بالنور والكتاب المبين، فإنهما واحد أو في حكم
стр. 437
الواحد (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ): من آمن منهم (سُبُلَ السَّلَامِ) طرق السلامة والنجاة (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ): أنواع الكفر (إِلَى النُّورِ) إلى الإيمان (بِإِذْنِهِ) بإرادته وتوفيقه (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ): يوصلهم إلى رحمة الله.
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) اليعقوبية من النصارى قالوا: المسيح هو الله (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا): من يستطيع إمساك شيء من قدرة الله (إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: هو وجميع الخلائق مقهور تحت قدرته قابل للفناء فلا يكون إلهًا (وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على إيجاد شيء من غير أصل ومادة ولا أب وأم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ) أي: هو كالأب لنا في العطوفة أو وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوا بيا أبناء أبكاري، وقيل: نحن أبناء رسل الله، وقيل: جمع ابن الله للابن وأشياعه والابن بزعم الفريقين عزير وعيسى كقول أقارب الملك: نحن الملوك (وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ): في الدنيا والآخرة، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه أقبح لتعذيب والوالد لا يعذب ولده بل يؤدبه ويزكيه (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ): كسائر المخلوقات (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) وهو من آمن برسه (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) من مات
стр. 438
على الكفر لا مزية لكم على سائر الخلق (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) فيجازي المحسن والمسيء (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ): الدين (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) أي جاء على حين فتور من الوحي أو حال من ضمير يبين (أَن تَقُولُوا) كراهة أن تقولوا (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ) فتعتذروا به (فَقَدْ جَاءكُم بَشِرٌ وَنَذِيرٌ) أي: لا تعتذروا فقد جاءكم (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فقادر على إرسال الرسل تترى، وعلى الإرسال على فترة، وعلى عقاب العاصي وثواب المطيع.
* * *
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا
стр. 439
مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)
* * *
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ) كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن إبراهيم حتى ختم بعيسى (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) أصحاب خدم وحشم وهم أول من ملك الخدم أو كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم سمي ملكًا، قيل: ملكوا أنفسهم بعد ما كانوا مملوكين في أيدي القبط (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) من فلق البحر والمنِّ والسلوى أو من الفضل والشرف على عالمي زمانهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) بيت المقدس أو الطور وما حوله أو الشام، فإنه مقر الأنبياء مطهر من الشرك (الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ): وعدكموها الله أنه وراثة من آمن منكم (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) لا ترجعوا مدبرين خوفًا من الجبابرة وجاهدوهم فإنكم غالبون (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) ثواب الدارين (قَالُوا يَا مُوسَى إِن فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ) متغلبين أقوياء (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ) يوشع وكالبُ (مِنَ الذِينَ يَخَافون) أمر الله وعقابه وقيل: هما من الجبابرة أسلما واتبعا موسى فمعناه يخافون أي بنو إسرائيل منهم (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) بالعصمة هو الثبات صفة ثانية لرجلين أو
стр. 440
اعتراض (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ) باب قريتهم أي: ازحفوا عليهم (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) لما جربنا ضعف قلوبهم ولتيقُن انجاز وعد الله في نصرة نبيه (وَعَلَى اللهِ فَتَوَكلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) به مصدقين لوعده (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا) تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول (مَا دَامُوا فِيهَا) بيان للأبد (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا): الجبارين (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) قال بعض الصحابة يوم بدر: " إنا لا نقوله كما قالت بنو إسرائيل، بل نقول اذهب أنت وربك إنا معكم مقاتلون " (قَالَ): موسى لبث الحزن إلى الله (رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي) عطف على نفسى (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) اقض بيننا وبينهم بما نستحق أو خلصنا من صحبتهم (قَالَ) الله (فَإِنَّهَا) أي: الأرض المقدسة (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ): دخولها (أَرْبَعِينَ سَنَةً) ظرف لمحرمة فيكون التحريم مؤقتًا فقد نقل عن بعض
стр. 441
السلف أن موسى سار بمن بقي من التيه بعد الأربعين ففتح بيت المقدس أو ظرف لقوله (يَتِيهُونَ) أي: يسيرون متحيرين (فِي الْأَرْضِ) فيكون التحريم مؤبدًا وقد نقل عن كثير من السلف أن موسى وهارون ماتا في التيه ولم يبق أحد من أهل التيه -سوى يوشع وكالبُ- إلا مات فيه، ويوشع سار بأولادهم وفتح الشام (فَلاَ تَأْسَ): لا تحزن (عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) هذا تسلية لموسى فإنهم مستحقون لما عاملناهم.
* * *
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
стр. 442
أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
* * *
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): هابيل وقابيل (بِالْحَقِّ) أي: تلاوة متلبسة بالصدق (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) ظرف للنبأ. والقربان: اسم لكل ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة وغيرها (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) هابيل (وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ) قابيل كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه فبينما هما قاعدان فقالا: نقرب قربانا فقرب هابيل خير غنمه وقرب الآخر أبغض زرعه، فجاءت نار من السماء وأكلت الشاة وتركت الزرع وكان هذا علامة القبول والرد وهذا الكبش هو الذي فدي به إسماعيل أتى به من الجنة فحسد قابيل أخاه (قَالَ لأَقتلَنَّكَ قَالَ) هابيل (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الُمتَّقِينَ) أي: لم تقتلني ولا ذنب لي وإنما أتيت من قبل نفسك بتركك التقوى (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) لا أقابلك على صنيعك الفاشل بمثله (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) كان هابيل أشد وأقوى لكن
стр. 443
منعه الورع (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) بإثم قتلى (وَإِثْمِكَ) الذي عملته قبل ذلك فلم يتقبل من أجله قربانك أي: ترجع متلبسًا بالإثمين حاملاً لهما وقيل: معناه إثمي لو بسطت يدي إليك وإثمك ببسطك يدك إليَّ ونحوه المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم فإن على البادي إثم سبه ومثل إثم صاحبه، لأنه الباعث، والإثم محطوط عن صاحبه؛ لأنه دافع مكافئ عن عرضه إذا لم يخرج عن حد المكافأة (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظالِمِينَ) وهذا الكلام من هابيل موعظة لأخيه وزجر له، قال ابن عباس رضى الله عنهما: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر، وقيل: هو يعلم أن أخاه ظالم وإرادة جزاء الظالم حسن (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) سهلته ووسعت له (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ): في الدنيا والآخرة (فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا
стр. 444
يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ) لما قتله تحير في أمره لم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابًا إلى غراب ميت فبحث عليه من التراب حتى واراه (لِيُرِيَهُ): الله أو الغراب (كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) أي: جسده، فإنه مما يستقبح أن يرى، وكيف: حال من ضمير يواري، والجملة ثاني مفعولي (لِيُرِيَهُ) (قَالَ يَا وَيْلَتَى) كلمة جزع والألف بدل من ياء المتكلم أي: احضري يا هلاكى فهذا أوانك (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ) عطف على أكون أو جواب استفهام؛ لأنه للإنكار بمعنى النفي أي: إن لم أعجز واريت (سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) على قتله قيل اسود جسده وتبرأ منه أبواه، وقد ذكر أكثر المفسرين إن الله قد شرع لآدم أن يزوج بناته من بنيه، وكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى وكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر فكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل جميلة فأراد أن يستأثر بها على أخيه فأبى آدم ذلك، وأمرهما بأن يقربا قربانًا فمن تقبل منه فهي له فتقبل من هابيل فحسد. هذا ما نقلوه والذي صح عن ابن عباس ما نقلناه أولاً وهو يشعر بل يدل على أن قربانهما لا عن سبب ولا عن بداءة في امرأة، وهو ظاهر القرآن فلذلك اخترناه (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ) أي: بسبب قتله أخاه ظلمًا (كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) حكمنا وقضينا عليهم
стр. 445
(أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي: بغير قتل نفس يوجب القصاص (أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) أو بغير فساد فيها كالشرك وقطع الطريق (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) أى: من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس أو لأنه يقتل قصاصًا كما لو قتل الجميع أو كما قتل الناس وزرًا أو إثمًا (وَمَنْ أَحْيَاهَا) حرم قتلها وكف عنها أو عفا عن قاتل أو أنجاها عن هلكة (فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) حيى الناس منه جميعًا وحرم قتل جميع الناس أو في الأجر والثواب والمقصود تعظيم القتل والإحياء في القلوب (وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ) أي: بني إسرائيل (رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الظاهرات على صدقهم (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ): إرسال الرسل مع البينات (فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ): في مثل القتل (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ)
стр. 446
يحاربون أولياءهما من قاطع الطريق وغيره (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا): مفسدين أو كأنه قال: يفسدون في الأرض فسادًا أو يسعون في الفساد، والفساد يطلق على أنواع الشر قال بعضهم نزلت في بعض أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق فنقضوا وأفسدوا في الأرض أو في جماعة مرضوا في المدينة فداواهم رسول الله ﷺ من ألبان الإبل وأبوالها، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل فلما أخذوا قطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ثم ألقوا في الرمضاء حتى ماتوا فعلى هذا تكون تعليمًا لرسول الله ﷺ ولهذا ما سمر بعد ذلك عينًا (أَنْ يُقَتَّلُوا) أي من غير صلب إن أفردوا القتل (أَوْ يُصَلَّبُوا) مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) أيدي اليمنى وأرجل اليسرى إن أخذوا المال فقط (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إن اقتصروا على الإخافة والنفي هو أن يطلبهم الإمام فيقام عليهم الحد أو يهربوا من دار الإسلام أو ينفى من بلد إلى بلد وهكذا وقال بعضهم لا يخرجون من أرض الإسلام أو المراد من النفي السجن أو يخرج من بلده إلى آخر فيسجن فيه حتى تظهر توبته وقال كثير من السلف: إن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربعة في كل قاطع طريق فيكون أو للتخيير
стр. 447
لا للتفصيل (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ) فضيحة (فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) هذا يدل على أن الآية نزلت في جمع من المشركين وإلا فالجمهور على أن من أذنب ذنبًا وعوقب في الدنيا فهو كفارة له (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) على قول من قال هي في أهل الشرك فظاهر لأن من آمن ما بقي عليه شيء وأما المحاربون المسلمون إذا تابوا قبل القدرة سقط عنهم حد الله لا حقوق بني آدم وكثير من السلف يدل على أنه يسقط حقوق بني آدم، أيضًا إلا إذا أخذ مالاً معينًا فيجب الضمان (فَاعْلَمُوا أَن الله غَفُورٌ رحِيمٌ).
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي
стр. 448
الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) أي: القربة بطاعته (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) بمحاربة أعداء الله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): لكي تفوزوا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) ليجعلوه فدية لأنفسهم، واللام متعلق بثبت الدال عليه " لو " وإفراد ضمير به لإجرائه مجرى اسم الإشارة أو لأنه من قبيل إني قيار بها لغريب لا أن ومثله مفعول معه (مِنْ عَذاب يَوْمِ القِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) جواب لو ولو بما في حيزه خبر إن (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلم (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
стр. 449
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أي: أيمانهما وتقديره عند سيبويه: حكم السارق والسارقة فيما يتلى عليكم، فيكون جملتين وجملة عند المبرد والفاء للسببية أي: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا (جَزَاء بمَا كَسَبَا نَكَالاً) عقوبة (مِّنَ اللهِ) منصوبان على المفعول له (وَاللهُ عَزِيزٌ) في الإنتقام (حَكِيمٌ) فيما حكم من القطع (فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ) سرقته (وَأَصْلَحَ) العمل (فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) يقبل توبته (إِنْ الله غَفُورٌ رحِيمٌ) فلا يعذبه في الآخرة، وأما القطع فلا يسقط عنه على الأصح (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
стр. 450
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) أي: لا تهتم بمسارعَّتَهم فيه (مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ) متعلق بقالوا (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) وهم المنافقون (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا) اليهود عطف على من الذين (سَمَّاعُونَ) أي: هم سَمَّاعُونَ أو تقديره: ومن اليهود قوم سَمَّاعُونَ (لِلْكَذِبِ) أي: قابلون له يقبلون من أحبارهم ما يفترونه وقيل: سَمَّاعُونَ كلامك لأجل الكذب أي: ليكذبوا ويفترون عليك (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) أي: يسمعون من جمع من اليهود لا يأتون مجلسك ويقبلون كلامهم أو معناه سَمَّاعُونَ منك لأجله، وقيل: سَمَّاعُونَ الثاني للتأكيد، ولقوم متعلق بالكذب أي: سَمَّاعُونَ ليكذبوا لقوم لم يأتوا مجلسك تجافيًا عنك وتكبرًا (يُحَرِّفُونَ الكلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ): من بعد أن وضعه الله مواضعه إما لفظًا وإما معنى بحمله على غير مراده، الجملة صفة لقوم أو مستأنفة أو خبر محذوف، وكذلك قوله (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) أي: إن أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) بل يفتى بخلافه (فَاحْذَرُوا) قبوله. " نزلت في رجل وامرأة محصنين من اليهود زنيا وهم قد بدلوا الرجم في التوراة بمائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبًا فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة أرسلوا إلى رسول الله ﷺ واستفتوا وقالوا: إن حكم بمثل ما قلنا اعملوا أو يكون نبي من أنبياء الله قد حكم بذلك فيكون حجة بينكم وبين الله، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه فأمر ﵊ بالرجم
стр. 451
وألزمهم أنه حكم التوراة فرجما " (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ): ضلالته (فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا) في دفع الفتنة عنه (أوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) من خبائث الشرك (لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ): فضيحة وهتك ستر للمنافقين وجزية وخذلان لليهود (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) كرره للتأكيد (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ): الحرام كالرشى، فإنه مسحوت البركة (فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) تخيير في الحكم والإعراض (وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا) فإن الله يعصمك من الناس قال كثير من السلف: الآية منسوخة بقوله: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) (المائدة: ٤٨) (وَإِذ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ) أي: العدل وإن كانوا ظلمة مستحقين للتعذيب (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الُمقْسِطِينَ): يرضى عنهم ويعظمهم (وَكَيْفَ) حال من فاعل (يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ) تعجب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أن الحكم في كتابهم المؤمن به منصوص (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): التحكيم فلا يقبلون حكمك المطابق لما في كتابهم عطف على يحكمونك (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ): لا بك ولا بكتابك.
* * *
ثم مدح التوراة بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى): يهدى إلى الحق (وَنُورٌ): به ينكشف المبهم (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ): أنبياء بني إسرائيل (الَّذِينَ أَسْلَمُوا) فيه تعريض باليهود وأنهم بمعزل عن دين الأنبياء (لِلذِينَ هادُوا) متعلق بـ أنزلنا أو بـ يحكم أى: لأجل اليهود (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ) عطف على " النبيون "، وهم الزهاد والعلماء (بِمَا استحْفِظُوا مِن كَتابِ اللهِ): بسبب أمر الله إياهم بحفظ كتابه، وإظهاره وضمير ما محذوف ومن للتبيين (وَكَانوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ): رقباء لئلا يبدل أو بأنه من عند الله (فَلاَ تَخشَوُا النَّاسَ وَاخشَوْن) نهي للحكام عن المداهنة خشية الناس (وَلاَ تَشْتَرُوا): تستبدلوا (بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً): الرشوة والجاه (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) نزلت في أهل الكتاب دون من أساء من هذه الأمة
стр. 454
أو من تركه عمدًا وأجاز وهو يعلم فهو من الكافرين، فيكون في المسلمين أو ليس
стр. 455
بكفر ينقل عن الملة والدين، ولكن كفر دون كفر (وَكتبنا عَلَيْهِمْ): فرضنا على اليهود (فِيهَا): في التوراة (أَن النَّفْسَ) مقتولة (بِالنفْسِ وَالْعَيْنَ) مفقوءة (بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ) مجدوع (بِالأَنفِ وَالأذُنَ) مصلومة (بِالأذُنِ وَالسِّنَ) مقلوعة (بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) أي: ذات قصاص فيما يمكن الاقتصاص منه، وأما ما لا يمكن القصاص ككسر عظم وجرح لحم مما لا يمكن الوقوف على نهايته فلا قصاص فيه، ومن قرأ (والعينُ بالعينِ) بالرفع وكذلك الباقى فيكون عطفًا على أن وما في حيزه أي: كتبنا عليهم فيها العين بالعين (فَمَن تَصَدَّقَ به): بالقصاص بأن عفا عنه (فهُوَ) أي: التصدق (كَفارَةٌ له): للمتصدق يكفر الله به ذنوبه أو للجاني لا يؤاخذه الله به كما أن القصاص كفارة له (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم بالعدل نزلت لما اصطلحوا أن لا يقتل شريف بوضيع ورجل بامرأة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ) أي: وأتبعناهم فحذف المفعول لدلالة الظرف عليه والضمير للنبيين (بعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) مفعول ثان متعدى إليه بالباء (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ): حاكمًا بما فيها (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى) إلى الحق (وَنُورٌ) يستضاء به في إزالة الشبهات، والجملة أعني: " فيه هدى " في موضع نصب على الحال (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لا يخالفه إلا في قليل (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) زاجرًا عن ارتكاب المحارم لمن اتقى الله وخاف عقابه (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) عطف على وآتيناه الإنجيل أي: وآتيناه الإنجيل، وقلنا لهم: ليحكم ومن قرأ (لِيحكمَ) بكسر اللام وفتح الميم فتقديره وآتيناه ليحكم (وَمَنْ لَمْ
стр. 456
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): الخارجون عن طاعة ربهم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: القرآن (بِالْحَقِّ) متلبسًا به (مصَدّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْه مِنَ الكِتَابِ): من جنس الكتب المنزلة (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): رقيبًا على سائر الكتب وشهيدًا. فكل خبر يوافقه فحق وما خالفه منها فمحرف باطل أو حاكمًا على ما قبله من الكتب (فَاحْكُم بَيْنَهُم) بين أهل الكتاب (بمَا أَنزَلَ اللهُ) إليك (وَلاَ تَتَّبِع أهْواءَهُمْ) بالانحراف (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ) وَلتضمن لا تتبع معنى الانحراف تعلق به عن أو حال عن الفاعل أي: مائلاً عما جاءك (لِكل جَعَلْنَا منكُمْ) أيها الناس (شِرْعَةً): سبيلاً (وَمِنْهَاجاً): سنة السنن هي مختلفة في التوراة شريعة وفي الإنجيل
стр. 457
شريعة يحل الله فيها أشياء هي حرام في غيرها ليتميز المطيع من العاصي (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) جماعة متفقين على دين وطريقة واحدة في جميع الأعصار ومفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه (وَلَكِنْ) أراد (ليَبْلُوَكُمْ): ليختبركم (فِي مَا آتَاكُمْ) من الشرائع المختلفة في كل عصر هل تعملون بها وتعتقدون حكمتها (فَاسْتَبِقُوا الخيْرَاتِ) ابتدروا وسارعوا إلى الأعمال الصالحة (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ) أيها الناس (جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) بالجزاء فيجزي الصادقين بصدقهم ويعذب الكافرين (وَأَنِ احْكُم) عطف على الكتاب أو على الحق أي: أنزلنا إليك الحكم أو أنزلنا إليك الكتاب بأن احكم أو تقديره وأمرنا أن احكم (بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ) كان رسول الله ﷺ مخيَّرًا بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم ويردهم إلى حكامهم فأمر أن يحكم بينهم بالقرآن ولا يردهم إلى حكامهم (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ) أهل الكتاب (أَن يَفْتِنُوكَ) بدل اشتمال من هم أو مفعول له أي: مخافة أن يفتنوك ويضلوك (عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) نزلت حين قالت رؤساء اليهود ننطلق إلى محمد لعلنا نفتنه، فقالوا قد تعلم أنا إن اتبعناك [اتبعك] (١) الناس ولنا خصومة فاقض لنا على خصمنا إن جئنا نتحاكم إليك فنؤمن بك (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عما حكمت (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت نكالهم (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ): خارجون عن طاعة ربهم (أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يريدون، وعن حكم الله يعدلون
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يحشر معهم (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فاحذر عن موالاة من ظلم نفسه فإنهم الظالمون (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): شك ونفاق كابن أبى ابن سلول وأضرابه (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) في محبتهم (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار (فَعَسَى اللهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ) للمسلمين على أعدائهم (أَوْ أَمْرٍ منْ عِندِهِ) كضرب الجزية عليهم وهتك ستر المنافقين (فيُصْبِحُوا) هؤلاء المنافقون (عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ) من النفاق ودس أخبار المسلمين على أعدائهم (نَادِمِينَ وَيَقُولُ الذِينَ آمَنوا) قرئ بالنصب عطف على يأتي بتقدير الضمير أي: عسى الله أن يقول الذين آمنوا به أو باعتبار أن قولهم لما كان مسببًا عن الإتيان بالفتح أقيم مقامه مبالغة في اتحاده معه وبالرفع كلام مبتدأ وبغير أو على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجبًا من كذبهم وحلفهم بالباطل أهؤلاء الذين
стр. 460
أقسموا لكم بأغلظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاونوكم على الكفار أي: يجتهدون جهد أو مصدر من لفظ أقسموا لأنه بمعناه (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) بطل كل عمل خير لهم (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) في الدنيا والآخرة وهو من قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) قد ارتد عن الإسلام قبائل العرب في عهد رسول الله ﷺ وفي خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنه (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ) بدلهم ومكانهم (يُحِبُّهُمْ) يهديهم ويثبتهم (وَيُحِبُّونَهُ) هم أبو بكر