← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): الخارجون عن طاعة ربهم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: القرآن (بِالْحَقِّ) متلبسًا به (مصَدّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْه مِنَ الكِتَابِ): من جنس الكتب المنزلة (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): رقيبًا على سائر الكتب وشهيدًا. فكل خبر يوافقه فحق وما خالفه منها فمحرف باطل أو حاكمًا على ما قبله من الكتب (فَاحْكُم بَيْنَهُم) بين أهل الكتاب (بمَا أَنزَلَ اللهُ) إليك (وَلاَ تَتَّبِع أهْواءَهُمْ) بالانحراف (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ) وَلتضمن لا تتبع معنى الانحراف تعلق به عن أو حال عن الفاعل أي: مائلاً عما جاءك (لِكل جَعَلْنَا منكُمْ) أيها الناس (شِرْعَةً): سبيلاً (وَمِنْهَاجاً): سنة السنن هي مختلفة في التوراة شريعة وفي الإنجيل

стр. 457

شريعة يحل الله فيها أشياء هي حرام في غيرها ليتميز المطيع من العاصي (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) جماعة متفقين على دين وطريقة واحدة في جميع الأعصار ومفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه (وَلَكِنْ) أراد (ليَبْلُوَكُمْ): ليختبركم (فِي مَا آتَاكُمْ) من الشرائع المختلفة في كل عصر هل تعملون بها وتعتقدون حكمتها (فَاسْتَبِقُوا الخيْرَاتِ) ابتدروا وسارعوا إلى الأعمال الصالحة (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ) أيها الناس (جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) بالجزاء فيجزي الصادقين بصدقهم ويعذب الكافرين (وَأَنِ احْكُم) عطف على الكتاب أو على الحق أي: أنزلنا إليك الحكم أو أنزلنا إليك الكتاب بأن احكم أو تقديره وأمرنا أن احكم (بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ) كان رسول الله ﷺ مخيَّرًا بين أن يحكم بينهم وبين أن يعرض عنهم ويردهم إلى حكامهم فأمر أن يحكم بينهم بالقرآن ولا يردهم إلى حكامهم (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ) أهل الكتاب (أَن يَفْتِنُوكَ) بدل اشتمال من هم أو مفعول له أي: مخافة أن يفتنوك ويضلوك (عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) نزلت حين قالت رؤساء اليهود ننطلق إلى محمد لعلنا نفتنه، فقالوا قد تعلم أنا إن اتبعناك [اتبعك] (١) الناس ولنا خصومة فاقض لنا على خصمنا إن جئنا نتحاكم إليك فنؤمن بك (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عما حكمت (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت نكالهم (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ): خارجون عن طاعة ربهم (أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يريدون، وعن حكم الله يعدلون

стр. 458

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا) تمييز (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: عندهم فاللام للبيان أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لمن له اليقين بأنه أعدل العادلين وأرحم الراحمين. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) فلا تعاشروهم معاشرة الأحباب (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فهم متفقون على مخالفتكم ومعاداتكم

стр. 459

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يحشر معهم (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فاحذر عن موالاة من ظلم نفسه فإنهم الظالمون (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): شك ونفاق كابن أبى ابن سلول وأضرابه (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) في محبتهم (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار (فَعَسَى اللهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ) للمسلمين على أعدائهم (أَوْ أَمْرٍ منْ عِندِهِ) كضرب الجزية عليهم وهتك ستر المنافقين (فيُصْبِحُوا) هؤلاء المنافقون (عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ) من النفاق ودس أخبار المسلمين على أعدائهم (نَادِمِينَ وَيَقُولُ الذِينَ آمَنوا) قرئ بالنصب عطف على يأتي بتقدير الضمير أي: عسى الله أن يقول الذين آمنوا به أو باعتبار أن قولهم لما كان مسببًا عن الإتيان بالفتح أقيم مقامه مبالغة في اتحاده معه وبالرفع كلام مبتدأ وبغير أو على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجبًا من كذبهم وحلفهم بالباطل أهؤلاء الذين

стр. 460

أقسموا لكم بأغلظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاونوكم على الكفار أي: يجتهدون جهد أو مصدر من لفظ أقسموا لأنه بمعناه (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) بطل كل عمل خير لهم (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) في الدنيا والآخرة وهو من قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) قد ارتد عن الإسلام قبائل العرب في عهد رسول الله ﷺ وفي خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنه (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ) بدلهم ومكانهم (يُحِبُّهُمْ) يهديهم ويثبتهم (وَيُحِبُّونَهُ) هم أبو بكر

стр. 461

وأصحابه أو أهل اليمن أو الأشعريون (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ): متذللين لهم عاطفين عليهم خافضين لهم أجنحتهم (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ): شداد متغلبين عليهم (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) صفة أخرى لقوم (وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم) لا كالمنافقين يخافون ويراقبون لوم الكفار (ذَلِكَ) أي: ذلك الأوصاف (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ): كثير الفضل (عَلِيمٌ) بمن هو أهله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليس اليهود بأوليائكم بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين (الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) بدل من الذين آمنوا أو مرفوع،

стр. 462

أو منصوب على المدح (وَيُؤتونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكعُونَ) متخشعون في صلاتهم وزكاتهم، أو حال من الذين بمعنى أنهم دائمون للركوع أي لصلاة التطوع أو حال من فاعل يؤتون؛ فإن عليًّا رضى الله عنه أعطى خاتمة في ركوعه لسائل فنزلت (وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: من يتخذهم أولياء (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) أي: فإنهم الغالبون: كأنه قال فهم حزب الله وجنده وحزب الله هم الغالبون. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا

стр. 463

كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ) قرئ والكفار بالجر فيكونون داخلين في المستهزئين، وبالنصب عطف على الذين اتخذوا (وَاتَّقُوا اللهَ) في اتخاذ هؤلاء أولياء (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرعه ودينه الذي اتخذه هؤلاء هزوًا (وَإِذَا نَادَيْتُمْ) الناس (إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا) أي: المناداة (هُزُوًا وَلَعِبًا) تضاحكوا فيما بينهم

стр. 464

يحكونه ويستهزءونه (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) فإن العقل يمنع من الاستهزاء بأمر معقول مشروع (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ): تنكرون وتعيبون (مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ) قيل: نزلت في اليهود سألوا رسول الله ﷺ عمن يؤمن به فقال: " نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل " إلى قوله " ونحن له مسلمون " فقالوا لما سمعوا ذكر عيسى والله لا نعلم دينًا شرًا من دينكم (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) عطف على " أن آمنا " وحاصله: أنكم ما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإيمان وأنتم خارجون عنه، أو عطف على علة محذوفة تقديره: تنكرون منا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم ويجوز أن يكون حالاً من فاعل تنقمون (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ): المنقوم (مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ) تمييز عن شر أي جاء ثابتًا عنده، وهو من باب: تحيتهم بينهم ضرب وجيع. فإن المثوبة مختصة بالخير (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) أي: هو دين من لعنه الله فلا بد من حذف مضاف هنا أو في قوله بشر من ذلك أي: من أهل ذلك (وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) عطف على لعنه والطاغوت: العجل أو الكهنة أو الشيطان (أوْلَئكَ شَرٌّ مكَاناً) فيه مبالغة ليست في قوله أولئك شر قيل: لأن مكانهم سقر (وَأَضَل عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ): قصد الطريق المتوسط والمراد من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقًا لا بالإضافة إلى المؤمنين (وَإِذَا جَاءُوكمْ قَالوا آمنَّا) يعني

стр. 465

منافقي اليهود (وَقَد دخَلُوا) حال من ضمير قالوا (بِالْكُفْرِ) حال من فاعل دخلوا (وَهُمْ قَدْ حرَجُوا بِه) أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين لم يؤثر فيهم كلامك (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانوا يَكْتُمُون): من الكفر وفيه وعيد (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ): من منافقيهم أو من اليهود (يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ): المحارم أو الكذب (وَالْعُدْوَانِ): الاعتداء على الناس أو مجاوزة الحد في المعاصي (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ): الحرام خُصَّ بالذكر للمبالغة (لَبئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون): شيئًا عملوه (لَوْلا يَنْهَاهمُ الربانِيُّونَ): زهادهم (وَالأَحْبَارُ): علماؤهم (عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ): كذبهم وافتراءهم (وَأَكْلِهِم السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ): من عدم النكير عليهم التحضيض لهم على

стр. 466

النهي عن ذلك، فإن لولا إذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض (وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَة) مجاز عن البخل أي هو مسك كف الله عنهم نعمة الدنيا حين جحدوا القرآن بعد ما كانوا في خصب ورخاء فقالوا ذلك (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) أي: هم البخلاء أو دعا عليهم بالبخل. قيل: هي من الغل في النار (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ليس له بخل أصلاً وله غاية الجود وتثنية اليد تدل عليها، وقيل يداه أي: نعمة الدنيا والآخرة (يُنفقُ كيْفَ يَشَاءُ) تأكيد لذلك أي هو مختار يوسع ويقتر بحسب مشيئته وإرادته (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ) فاعل يزيدن (إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا): كلما نزلت آية كفروا وازدادوا طغيانًا وكفرًا (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ): بين طوائف اليهود (الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فلا يتفق كلمتهم (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ): مع المسلمين (أَطْفَأَهَا اللهُ) بأن أوقع

стр. 467

بينهم منازعة كف بها شرهم (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا): للفساد أو يسعون بمعنى يفسدون (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ): لا يرضى عنهم ولا يعزّهم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ) مع هذه الجرائم (آمَنُوا): بالقرآن (وَاتَّقَوْا): معاصيهم (لَكَفرْنَا عَنْهُمْ َ سَيًّئَاتِهِمْ): الماضية (وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ): بأن يصدقوا ولا يحرفوا ويعملوا بالأحكام (وَمَا أنزِلَ إِلَيْهِم مِّن ربهِمْ) أى: القرآن أو كتب الأنبياء مطلقًا (لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم): لأنزل عليهم المطر وأخرج لهم نبات الأرض، أو من الأشجار والزروع أو من غير كَدٍّ وتعب قيل أراد به التوسعة كقولهم: فلان بالخير من قرنه إلى قدمه (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ): جماعة غير غالية ولا مقصرة كمؤمني أهل الْكِتَاب (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ): مقول في شأنه (سَاءَ مَا يَعْمَلُون): بئس ما يعملونه، وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم. * * * (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ

стр. 468

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) * * *

стр. 469

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: جميعه غير خائف من شيء (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ): ولم تبلغ جميعه وكتمت آية منه (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ): وما أديت شيئًا منها كمن أضاع ركن صلاة، أو فكأنك ما بلغت شيئًا منها، فإن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي: أنا ناصرك وحافظ روحك فلا تخف أحدًا وكان رسول الله ﷺ يحرس من قبل ذلك، فلما نزلت تلك الآية تركت الحراسة ويجاهد الأعداء بعيب دينهم وسب آلهتهم بلا خوف. قيل: المائدة آخر ما نزل من القرآن فلا يشكل بشج رأسه الأشرف ﷺ ، أو المراد حفظ روحه (إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ) أي: بلغ إليهم رسالتك والله الهادي وليس عليك هداهم قيل معناه: لا يمكنهم مما يريدون بك من الهلاك. قيل: الأمر بتبليغ كل ما قصد منه اطلاع الناس فإن من الأسرار ما يحرم إفشاؤه (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) أي: دين يصح أن يسمى شيئًا (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: تؤمنوا بجميع الكتب وتصدقوها ولا تكتموا شيئًا منها فمن إقامتها الإيمان بمحمد ﷺ (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) كرره ليتعقب عليه قوله: (فَلَا تَأْسَ): لا تحزن (عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ) لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإنهم الأشقياء وضرر كفرهم لا يلحق لغيرهم (إِنَّ الذَينَ آمَنُوا): باللسان كالمنافقين أو المراد منه المسلمون (وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) مرفوع بالابتداء وخبره محذوف

стр. 470

أي وَالصَّابِئُونَ كذلك (١) وهو اعتراض مشعر بأنهم مع كمال ضلالهم إن آمنوا يتاب عليهم فغيرهم من باب الأولى وهم طائفة من النصارى أو من عبدة الملائكة أو قوم يعرفون الله وحده وليست لهم شريعة، وقيل: غير ذلك (وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ): بقلبه أو ثبت على الإيمان مبتدأ خبره " فلا خوف " والجملة خبر إن وضمير اسمها محذوف أي: من آمن منهم أو بدل من اسم إن وخبره فلا خوف (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُ): على ما فات عنهم من الدنيا (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا): ليذكروهم (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى): تشتهي (أَنفُسُهُمْ) جملة شرطية وقوله: (فرِيقًا): من الأنبياء (كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) دال على جواب الشرط وهو استكبروا، وقوله: " فريقًا كذبوا " مستأنفة كأنه قيل: كيف فعلوا برسلهم؟ وجملة الشرط والجزاء صفة " رسلا " أى كلما جاءهم رسول منهم (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: حسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم شر بما صنعوا ومن قرأ " أَلَّا تَكُونُ " بالرفع يكون أن مخفف من المثقلة (فَعَمُوا): عن الدين والدلائل (وَصَمُّوا): عن إسماع الحق حين عبدوا العجل (ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي: ثم تابوا فقبل الله توبتهم (ثمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) كرة أخرى (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) بدل من ضمير الجمع (وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون): فيجازيهم (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) أي: إني مخلوق مثلكم فاعبدوا خالق الكل (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ): في عبادته (فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأوَاهُ): منزله (النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ): ما لهم أحد ينصرهم لأنهم ظلمة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) أي: أحد ثلاثة من الآلهة هو والمسيح وأمه (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ

стр. 471

وَإِن لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) أي: ولم يوحدوا (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وضع الظاهر موضع الضمير ليعلم أن ترتب العذاب لكفرهم، ومن للبيان (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ) بالانتهاء عن تلك العقيدة الوخيمة بعد هذا التهديد (وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): يغفر لهم ويرحم عليهم بعد التوبة مع هذا الذنب الجسيم (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ): ما هو إلا رسول كالرسل السابقة (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ): صدقت بكلمات ربها وكتبه (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ): يحتاجان إليه، فكيف يكونان إلهين؟!! (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: كيف يصرفون عن الحق وتدبر الآيات (قُلْ): يا محمد لمن يعبد غير الله ومنهم النصارى (أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا): لا يملك أن يدفع عنكم ضر المصائب ولا أن يوصل إليكم نفع الصحة

стр. 472

والسعة (وَاللهُ هُو السمِيعُ): بالأقوال (العَلِيمُ): بالعقائد فيجازي عنها (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ): لا تتجاوزوا عن الحد فيه (غَيْرَ الْحَقِّ): حال كون دينكم غير الحق أي باطلاً وقيل: صفة مصدر أي غلوًّا باطلاً فإن غلو الحق وهو التفحص عن حقائقه محمود (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) أي: أئمتهم الذين ضلوا قبل بعثة محمد ﷺ (وَأَضَلُّوا): خلقًا (كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) أي: استمروا على الضلال أو بعد بعثته أو ضلوا قبل عن مقتضى العقل ثم عن مقتضى الشرع. * * * (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا

стр. 473

وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) * * * (لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَريمَ) أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وأصحاب المائدة لما لم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير أو ملعونون في الزبور والإنجيل على لسانهما (ذلِكَ) أي: اللعن (بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) أي: بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ): لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه قيل: أي لا ينتهون من تناهى عن الأمر إذا امتنع (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) تعجيب مؤكد بالقسم (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ): من أهل الكتاب (يَتَوَلَّوْنَ): يوالون (الذِينَ كَفَرُوا) فإن المنافقين يوالون المشركين (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ) ما بعد أن هو المخصوص بالذم كأنه قال: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم أي

стр. 474

موجب سخطه (وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ باللهِ وَالنَّبِيِّ) أي: محمد ﵊ (وَمَا أنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِياءَ) إذ الإيمان يمنع عن ذلك (وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنهُمْ فَاسِقُونَ): خارجون عن طاعة الله (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) فإنهم متفقون في الانهماك فى حسدهم وعنادهم (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله ﷺ فلما قرأ عليهم القرآن بكوا وأسلموا ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبره وقيل: غير ذلك (ذلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ قِسِّيسِينَ) أي: علماء (وَرُهْبَاناً) أي: عبادًا (وَأنَّهُمْ لاَ يَسْتَكبِرُونَ) كما يتكبر المشركون واليهود (وَإِذا سَمِعُوا) عطف على يستكبرون بيان لرقة أفئدتهم (مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ): محمد ﵊ (تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) جعلت أعينهم من كثرة البكاء كأنها تسيل بأنفسها (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)

стр. 475

من الأولى للابتداء والثانية للتبيين (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) من الذين شهدوا بأنه حق أو من أمة محمد ﵊ فإنهم شاهدون يوم القيامة لنبيهم أنه قد بلغ، وللرسل أنَّهم قد بلغوا (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ) نقل أن رسول الله ﷺ قال لهم: لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم فأجابوا. أي: أي شيء حصل لنا؟ وقوله: لا نؤمن حال من ضمير " لنا " أي: غير مؤمنين (بِاللهِ): بتوحيده (وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ): أمة محمد ﵊، ونطمع حال وعامله عامل الحال الأولى، لكن مقيدًا بالحال الأولى بتقدير: ونحن نطمع وعطف على لا نؤمن أو حال من فاعل لا نؤمن (فَأَثَابَهُمُ اللهُ): أعطاهم (بِمَا قَالُوا): سألوا ربهم وتمنوا (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ): من تحت غرفها (خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ): الذين أحسنوا القول والعمل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التكذيب بالآيات وإن كان داخلاً في الكفر لكن كفرهم لأجل تكذيبهم آيات ربهم والكلام في بيان المكذبين وذكرهم في معرض المصدقين. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ

стр. 476

يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) أي: ما طاب ولذ منه (وَلاَ تَعْتَدُوا): لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم المباحات عليها، أو لا تجاوزوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم، أو لا تعتدوا في تناول الحلال بل خذوا منه بقدر الكفاية (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ): لا يرضى عمن تجاوز الحد في الأمور

стр. 477

نزلت في جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب رضى الله عنه تبتلوا واعتزلوا النساء وطيبات الطعام واللباس وهموا بالإخصاء ولذلك قيل الاعتداء: الإخصاء (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا) من ابتدائية متعلقة بكلوا وحلالاً مفعوله أو للتبعيض مفعول كلوا وحلالاً حال من الموصول (وَاتَّقُوا الله الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) قيل لما نزلت الآية في منعهم عما اتفقوا عليه من الإخصاء وغيره قالوا: يا رسول الله: إنا قد حلفنا على ذلك فنزل قوله (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ): هو قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا واللهِ، وبلى واللهِ، أو في الهزل أو في المعصية أو على

стр. 478

غلبة الظن أو في الغضب أو في النسيان أو هو في ترك المأكل والملبس (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ): بما صممتم عليه وقصدتموه إذا حنثتم (فَكَفارَتُهُ) أى: كفارة نكثه التي تذهب إثمه (إِطْعامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ): وهو من لا يجد ما يكفيه (مِنْ أَوْسَطِ) صفة إطعام أو تقديره إطعامًا من أوسط أو طعامًا من أوسط (مَا تُطْعِمُون أَهْلِيكُمْ) أي: من أعدله أو من أمثله، قال كثير من السلف: لكل واحد مدّ من برٍّ ومعه إدامه، وقال بعضهم: نصف صاع من برٍّ أو تمر ونحوهما وعند الشافعي مدّ بمدّ النبي ﷺ وقيل غير ذلك (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) عطف على إطعام أى: ما يقع عليه اسم الكسوة أو كسوة تجوز صلاته فيها وقيل غير ذلك (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ): مؤمنة عند الشافعي فالحانث مخير بين هذه الثلاثة (فمَن لمْ يَجِدْ): واحدًا منها بأن لم يفضل ما يطعم عشرة مساكين من قوته وقوت عياله في يومه وليلته (فصِيَامُ ثَلاَثةِ أَيَّامٍ) أي: فكفارته ذلك، والتتابع ليس بشرط عند الشافعي (ذلِكَ) أى: المذكور (كَفارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) يعني: حنثتم (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) لا تتركوها بغير تكفير أو لا تحلفوا أو عن الحنث إذا لم يكن على ترك مندوب أو فعل مكروه فإن الأفضل الحنث والكفارة حينئذ (كَذَلِكَ): مثل ذلك البيان (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): نعمه فيزيدنكم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ): هو القمار بجميع أنواعه (وَالأَنصَابُ): هي حجارة كانوا يذبحون

стр. 479

قرابينهم عندها (وَالأَزلامُ): هي قداح كانوا يستقسمون بها وقد مر (رِجْسٌ): سخط وإثم خبر للخمر وخبر الباقي محذوف أو تقديره تعاطي الخمر والميسر رجس (مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَان)، لأنه مسبب من تسويله (فاجْتَنِبُوهُ) أي: الرجس (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): لكي تفلحوا بالاجتناب عنه (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ): يمنعكم (عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَن

стр. 480

الصَّلاةِ) ذكر الأنصاب والأزلام اللذين هما من الكفر مع الخمر والميسر كأنه للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة، ولذلك خصهما بإعادة الذكر (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) من أبلغ عبارة في النهي كأنه قال قد تلوت عليكم من أنواع الصوارف فهل أنتم معها منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه ولم ينفعكم الزجر؟! (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا): مخالفتهما (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) عن الطاعة (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) فلا ضرر له، وإنما ضررتم به أنفسكم، ولما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بمن كان يشربها قبل التحريم وبعض الذين قتلوا يوم أحد شهداء والخمر في بطونهم فأنزل الله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ): إثم (فِيمَا طَعِمُوا): مما لم يحرم عليهم (إِذَا مَا اتقَوْا): الحرامَ (وَآمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحات (ثُمَّ اتَّقَوْا) ما حرم عليهم بعد (وَآمنوا) بتحريمه (ثُمَّ اتَّقَوْا) استمروا على اتقاء المعاصي (وَأَحْسنوا): العمل ومعناه في الأول: اتقوا الشرك وآمنوا ثم اتقوا أي: داموا على ذلك وآمنوا وثبتوا عليه وازدادوا إيمانًا ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا العمل (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فلا يؤاخذهم بشيء. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ

стр. 481

الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ): يختبرنكم (بِشَيْءٍ مَنَ الصَّيْدِ) هذا في عمرة الحديبية المسلمون محرمون والصيد من الوحش والطير تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط (تَنالُهُ أَيْدِيكمْ): تتمكنون من أخذه باليد، لأن فيه صغارًا وفراخًا (وَرِمَاحُكُمْ): تحتاجون إلى مزاولة الرمح لأن فيه الكبار (لِيَعْلَمَ اللهُ): ليرى الله وليتميز (مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ): من يخاف الله ولم يره أو من يخاف عقاب الله وهو غائب غير شاهد (فمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ): الإعلام والإنذار (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي: محرمون جمع حرام (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً): ذاكرًا لإحرامه، والأصح عند السلف والخلف أن العمد والخطأ سيان في لزوم الكفارة

стр. 482

دون الإثم والآية فيهما ولذلك قيده بمتعمد، أو يدل عليها صريحًا قوله " ومن عاد فينتقم الله " (فجَزَاءٌ): أي فعليه أو فواجبه جزاء (مِثْلُ مَا قَتَلَ) صفة جزاء (مِنَ النَّعَمِ) بيان للمثل ومن قرأ (فجزاءُ) بالإضافة فمن إضافة المصدر إلى المفعول والمثل غير زائد، لأنه بصدد بيان أن الجزاء ما هو لا بيان أن عليه جزاء ما قتل، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة على الأصح المنقول عن السلف (يَحْكُمُ بِهِ): الجزاء (ذَوَا عَدْلٍ): رجلان صالحان فإن الأنواع تتشابه، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، (مِّنكُمْ): من المسلمين فما حكم الصحابة بالمثلية فهو المتبع وإلا فلا بد من عدلين يحكمان، هذا هو الأصح، (هَدْياً) حال من ضمير به، (بَالِغَ الكَعْبَةِ)، صفة هديًا، والإضافة لفظية أي: واصلاً إليه بأن يذبح فيه، ويتصدق به، (أَوْ كَفارَةٌ)، عطف على جزاء، (طَعَامُ مَسَاكِينَ) بدل منه أو تقديره هي طعام وظاهره التخيير وعليه الأكثرون، وقال بعض من السلف: إن لم يجد هديًا يعدل على أن يقوم مثل ما قتل، فيشترى بثمنه طعامًا لكل مسكين مدّ فإن لم يجد يصوم، (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ

стр. 483

صِيَامًا) أي: ما ساواه من الصوم فيصوم عن إطعام كل مسكين يومًا وصيامًا تمييز للعدل، (ليَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ): ثقل أمره، وجزاء معصيته أي: أوجبنا عليه ذلك ليذوق، (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ): قبل التحريم، (وَمَنْ عَادَ): إلى مثل ذلك، (فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ): في الآخرة أي: فهو ينتقم الله منه ليصح دخول الفاء وعليه مع ذلك الكفارة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا كفارة عليه فإن الأمر أشد، (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ): على المصر بالمعاصي، (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ): مما لا يعيش إلا في

стр. 484

الماء في جميع الأحوال (وَطَعَامُهُ) أي: ما يتزود منه يابسًا مالحًا أو ما لفظه ميتًا، (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ): منفعة للمقيم، والمسافر، وهو مفعول (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ) أي: مصيدها، وعن بعضهم المراد بالصيد في الموضعين فعله (مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) وأما أكل لحم صيد غير المحرم لا لأجله في حال الإحرام فالأصح الجواز بدليل الحديث، (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ)، عطف بيان للكعبة على جهة المدح، (قِيَامًا لِلنَّاسِ): في أمر دينهم ودنياهم به الحج وبه يلوذ الخائف، وهو ثاني مفعولي جعل، (وَالشَّهْرَ الحَرَامَ)، عطف على الكعبة جعل الأشهر الحرم قيامًا للناس فيه الحج، والأمن من القتال، (وَالْهَدْيَ): ما أهدى إلى الكعبة، (وَالْقَلَائِدَ): ذوات الْقَلَائِدَ من الهدي ما قلد به الهدي من نعل، أو لحاء شجر أي: علامة يعلم منها أنه هدي، وكانوا يؤمنون بتقليد الهدي فبه يحصل القيام، (ذلِكَ) أي: الجعل وقيل إشارة إلى ما في السورة من أخبار الغيب، (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل الوقوع، وجلب المنافع دليل كمال علمه أو لتعلموا أنا نعلم مصالح دينكم ودنياكم،

стр. 485

فتستدلوا بهذا على أنه عالم بما في السماوات والأرض، (وَأَنْ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، تعميم بعد تخصيص. (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ): لمن انتهك محارمه، (وَأَن الله غَفُورٌ رحِيمٌ) لمن حافظ عليها (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ): فإذا بلغ ليس لكم عذر في التفريط، (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكتُمُونَ): من تصديق وتكذيب، (قُل لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ): الحرام والحلال، (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كثْرَةُ الخَبِيثِ): فإن ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى (واتَّقُوا اللهَ): في الخبيث (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ): أرباب العقول السليمة، (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): راجين أن تبلغوا الفلاح. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى

стр. 486

الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْألوا): رسول الله ﷺ . (عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ): تظهر لكم، (تَسُؤْكُمْ): تغمكم وتضركم. الشرطية وما عطف عليها من الشرطية الأخرى صفة أشياء نزلت لما سئل من يطعن في نسبه مَن أبي فعينه رسول الله ﷺ ثم قال آخر أيت أبي؟ قال: " فى النار " أو نزلت

стр. 487

لما نزل وجوب الحج، فقال: " في كل عام، فقال: ولو قلت نعم لوجبت فاتركوني ما تركتم " (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي: وإن تسألوا عنها فى زمان الوحي تظهر لكم، (عَفَا اللهُ عَنْهَا) أي: عما سلف من مسألتكم، فلا تعودوا لمثلها فهي استئناف أو صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها، (وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ): لا يعاجلكم بالعقوبة، (قَدْ سَأَلَهَا) أي: عن الأشياء بالحذف والإيصال، وقيل الضمير إلى المسألة التي دل عليها " لا تسألوا " فيكون في موقع الصدر وليس من قبيل سألته درهما، لأنهم ما طلبوه، بل سألوا عنه، (قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ)، متعلق بسألها، (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا) أي: بالأشياء أو بسببها، (كَافِرِينَ)، لأنهم تركوها وهجروها وقد ورد " اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) أي ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير، فلا يطلب إلا مفعولاً واحدًا و (مِن) زائدة، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن بحروا أى: شقوا أذنها وتركوا الحمل، والركوب عليها، (وَلَا سَائِبَةٍ): هي ناقة لا تركب، ولا تحبس عن كلاء وماء لنذر صاحبها إن حصل ما أراد من شفاء المريض، أو غيره أنها سائبة، (وَلاَ وَصِيلَةٍ): الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظر إن كان السابع ميتًا فهو

стр. 488

للرجال دون النساء، وإن كان ذكرًا فهو مذبوح للرجال، وإن كان أنثى تركوها فلم يذبح، وإن كان ذكرًا وأنثى خلوا الذكر أيضًا من أجل أنثى، وقالوا: وصلت أخاها ولبنها للرجال (وَلاَ حَامٍ): هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يحمل عليه، وقد قيل في تفسير كل واحد غير ما نقلنا، (وَلَكِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ): في تحريمهم هذه الأنعام، (وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُون): جهلة كالأنعام، بل هم أضل أو أكثرهم مقلدون لرؤسائهم لا يعرفون أن ذلك افتراء منهم، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ): في الفرائض والسنن، (قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنَا): من سننهم السيئة، (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، الواو للحال والهمزة للإنكار أي: أحَسبهم وجدان آبائهم على هذا المثال، ولو كان الحال أن آباءهم جهلة ضلال، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الجار والمجرور اسم فعل أي: الزموا صلاحها، (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، فيه رخصة في ترك الحسنة إذا علم عدم قبولها أو فيها مفسدة وإضرار له منها اتفقت كلمة السلف على ذلك،

стр. 489

والأحاديث تدل عليه أو معنى إذا اهتديتم إذا ائتمرتم بالمعروف، وأمرتم به، وانتهيتم عن المنكر، ونهيتم عنه حسب طاقتكم أو المراد المنع عن هلاك النفس أسفًا على ما عليه الكفرة والفسقة كقوله: " فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ " [فاطر: ٨]، وهو استئناف أو جواب للأمر أي: إن لزمتم أنفسكم لا يضركم، والقياس الفتح لكن أوثرت ضمة الراء لاتباع الضاد، (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كنتُمْ تَعْمَلُونَ)، وعد ووعيد للفريقين. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)، إضافة إلى الظرف على الاتساع، (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، ظرف للشهادة، وحضوره: ظهور أماراته، (حِينَ الوَصِيَّةِ)، بدل من الظرف وفيه دليل على أن الوصية مما لا ينبغي التساهل فيها، (اثْنَانِ)، خبر شهادة أي: شهادة بينكم شهادة اثنين أو فاعلها أي: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ): من المسلمين، وقيل من أقاربكم وهما صفتان لاثنان، (أَوْ

стр. 490

آخَرَانِ)، عطف على اثنان، (مِنْ غَيْرِكُمْ): من غير المسلمين أو من غير أقاربكم، (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ): أي: شهادة غير المسلم إذا كنتم في السفر يعني: لم تجدوا مسلمًا، (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ)، عطف على ضربتم، وجواب الشرط محذوف أي: إن كنتم في سفر ولم تجدوا مسلمين، فيجوز إشهاد غير المسلمين، (تَحْبِسُونَهُمَا): تقفونهما صفة للآخران، أو استئناف كأنه جواب ما قيل كيف نعمل إن ارتبنا في الشاهدين؟! (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) أي: صلاة العصر، فإن أهل الكتاب أيضًا يعظمونها أو بعد صلاة ما، أو بعد صلاتهم، (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي: إن ارتاب أحد الوارثين فيهما حبسهما للحلف، (لَا نَشْتَرِي بِهِ) بالقسم، (ثَمَنًا)، الجملة مقسم عليه أي: لا نستبدل به عرضًا من الدنيا أي: لا نحلف كاذباً، (وَلَوْ كَان): من نقسم له، (ذا قُرْبَى): قريبًا منا لا نحلف له كاذبًا أي نحن رجال عادتنا الصدق لنا أو علينا، (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ) أي: الشهادة التي أمر الله بإقامتها، (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ): إن كتمنا، (فَإِنْ عُثِرَ): اطلع (عَلَى أَنَّهُمَا) أي: آخرين (اسْتَحَقَّا إِثْمًا): استوجبا إثمًا بيمينهما الكاذبة، (فَآخَرَانِ): فشاهدان آخران، (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا)، خبر لقوله (فَآخَرَانِ)، (مِنَ الذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ): من الذين جنى عليهم، وهم الورثة، فضمير استحق للإثم أي ارتكب الذنب بالقياس إليهم، (الْأَوْلَيَانِ) أي: أحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما استئناف كأنه قيل من هما قال:

стр. 491

هم الأوليان، أو بدل من آخران، ومن قرأ الأولين فهو صفة، أو بدل من الذين، ومن قرأ اسْتَحَقَّ غير مجهول، فهو فاعل أي: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ)، عطف على يقومان، (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ): بالاعتبار، (مِن شَهَادَتِهِمَا)، أو أصدق، (وَمَا اعْتَدَيْنَا): ما تجاوزنا عن الحق فيها، (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ): إن اعتدينا، (ذَلِكَ) أي: الحكم الذي تقدم، (أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) أي: أقرب أن يأتى الشهداء بشهادتهم على نحو تلك الحادثة، فلا يغيرونها، (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ): على المدعين، وهم أولياء الميت، (بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ): إذا ظهر للأولياء أمارات كذب الشاهدين، فيفتضحوا أي: أقرب إلى أحد الأمرين أداء الشهادة على الصدق أو الامتناع عن أدائها بالكذب، (وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا): بسمع إجابة ما أمرناكم، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): أي إن لم تسمعوا كنتم فاسقين والله لا يهديهم، ومحصل الآية أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد على وصيته اثنين من المسلمين أو من قرابته، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع

стр. 492

ارتياب فيهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت أيضًا، فإن اطلع بأمارة، ومظنة على كذبهما أقسم آخران من أولياء الميت، هكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآيات غير واحد من أئمة السلف والتابعين، وهو مذهب الإمام أحمد، والقاضي شريح في خاصة مثل هذه الواقعة، وقال بعضهم حكم الآية منسوخ إن أريد من الغير الكافرون فإن شهادة الكافر كانت في بدأ الإسلام ثم نسخت، وقال بعضهم المراد من الشهادة الوصاية وكون الوصي اثنين للتأكيد فإنهم قالوا: لا نعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد وهو خلاف الظاهر المتبادر، وسبب نزول الآية أن رجلاً من المسلمين خرج مسافرًا معه رجلان من أهل الكتاب، ومات بأرض ليس فيها مسلم فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة مموهًا بالذهب، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فأحلفهما بعد صلاة العصر فحلفا على أنهما ما اطلعا على الإناء، ثم وجد الإناء عند من اشترى منهما، فقام رجلان من أوليائه فحلفا أن الإناء لنا وأخذا. * * * (يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا

стр. 493

وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) * * * (يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ) أي: اذكر يوم جمعهم، وقيل ظرف لـ (لا يَهْدِي) (١)، أو بدل اشتمال من مفعول اتقوا، (فَيَقُولُ): لهم، (مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي إجابة أجبتم، إجابة إقرار أو إنكار، (قَالُوا لاَ عِلْمَ لنا): إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا أو بالنسبة إلى علمك، (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): فتعلم ما نعلم، وما لا نعلم، وهذا السؤال لتوبيخ الأمم، (إِذْ قَالَ اللهُ)، بدل من يوم الجمع

стр. 494

أو بتقدير اذكر، (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ): قويتك ظرف نعمتي، أو حال منهما، (بِرُوحِ الْقُدُسِ): جبريل، وقيل بكلام ونفس يحيى به الدين، والموتى، (تُكَلِّمُ النَّاسَ): بدعوتهم إلى الله تعالى، (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، عطف على محل في المهد فإنه حال قالوا، وما وصل إلى سن من الكهولة، ففيه إشارة إلى نزوله من السماء، وهو آية من آياته، (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ): الخط، (وَالْحِكْمَةَ): الفهم، (وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ): تشكله وتصوره على هيئة طائر، (بِإِذْنِي): لك في ذلك، (فَتَنْفُخُ فِيهَا): في تلك الصورة، (فَتَكُونُ طَيْرًا): تطير، (بِإِذْنِي): وأمري (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي): بأن تدعوهم فيقومون من قبورهم بإرادة الله وقدرته، (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ) أي: عن قتلك (إِذْ جئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ)، ظرف لكففت، (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذَا) أي: ما هذا، َ (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ): ألهمت أو بلسانك (إِلَى الحَوَارِيِّينَ): أصحابه، وأنصاره، (أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ): يا الله أو يا أيها الرسول، (بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ): منقادون مخلصون، (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ)، منصوب باذكر، (يَا عِيسَى

стр. 495

ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)، وهذا كما تقول: هل تستطيع أن تجيء معي؟ عالمًا باستطاعته أي هل تفعل أم لا؟ أو بمعنى هل يعطيك ربك بإجابة سؤالك فيكون أطاع واستطاع بمعنى كأجاب واستجاب، وقيل: شكُّوا أي في قدرة الله، ولذلك أجابهم عيسى ﵇ بقوله: " اتقوا الله " (١)، ومن قرأ (هل تستطيع) بالتاء، و (ربَّك) بالنصب، فمعناه هل تستطيع سؤال ربك؟ (أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَائِدَةً مّنَ السَّمَاءِ قَالَ): عيسى، (اتَّقُوا اللهَ): في سؤالها، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: لا يليق اقتراح الآيات بعد الإيمان، (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا)، فأجابوا بأن طلبها لأجل الحاجة لا أنا نطلب آية، (وَتَطْمَئِنَّ قلوبُنَا): بزيادة علمنا، (وَنَعْلَمَ): علم مشاهدة بعد ما علمناه علم إيمان، (أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا): فيما وعدتنا أو في نبوتك، (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: من الشاهدين على تلك المائدة الدالة على نبوتك أو من الشاهدين عليها عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، وعليها متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين، (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا)، نداء ثان فإن اللهم لا يوصف، ولا يبدل منه، (أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً) أي: خوان إذا كان فيه الطعام، (مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا)، العيد اسم ليوم فيه سرور مخصوص فضمير تكون للمائدة على حذف مضافين أي: تكون يوم نزولها أو اسم سرور يعود فلا حذف، لكن في الإسناد مجاز، (لِأَوَّلِنَا)، بدل من لنا، (وَآخِرِنَا): لمتقدمينا ومتأخرينا أو يأكل منها أولنا وآخرنا (وَآيَةً مِنْكَ): على كمال قدرتك، وصحة نبوتي، (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين قَالَ اللهُ): مجيبًا له، (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ): بعد نزولها، (مِنكُمْ
следующие страницы →