هم الأوليان، أو بدل من آخران، ومن قرأ الأولين فهو صفة، أو بدل من الذين، ومن قرأ اسْتَحَقَّ غير مجهول، فهو فاعل أي: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ)، عطف على يقومان، (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ): بالاعتبار، (مِن شَهَادَتِهِمَا)، أو أصدق، (وَمَا اعْتَدَيْنَا): ما تجاوزنا عن الحق فيها، (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ): إن اعتدينا، (ذَلِكَ) أي: الحكم الذي تقدم، (أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) أي: أقرب أن يأتى الشهداء بشهادتهم على نحو تلك الحادثة، فلا يغيرونها، (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ): على المدعين، وهم أولياء الميت، (بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ): إذا ظهر للأولياء أمارات كذب الشاهدين، فيفتضحوا أي: أقرب إلى أحد الأمرين أداء الشهادة على الصدق أو الامتناع عن أدائها بالكذب، (وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا): بسمع إجابة ما أمرناكم، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): أي إن لم تسمعوا كنتم فاسقين والله لا يهديهم، ومحصل الآية أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد على وصيته اثنين من المسلمين أو من قرابته، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع
стр. 492
ارتياب فيهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت أيضًا، فإن اطلع بأمارة، ومظنة على كذبهما أقسم آخران من أولياء الميت، هكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآيات غير واحد من أئمة السلف والتابعين، وهو مذهب الإمام أحمد، والقاضي شريح في خاصة مثل هذه الواقعة، وقال بعضهم حكم الآية منسوخ إن أريد من الغير الكافرون فإن شهادة الكافر كانت في بدأ الإسلام ثم نسخت، وقال بعضهم المراد من الشهادة الوصاية وكون الوصي اثنين للتأكيد فإنهم قالوا: لا نعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد وهو خلاف الظاهر المتبادر، وسبب نزول الآية أن رجلاً من المسلمين خرج مسافرًا معه رجلان من أهل الكتاب، ومات بأرض ليس فيها مسلم فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة مموهًا بالذهب، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فأحلفهما بعد صلاة العصر فحلفا على أنهما ما اطلعا على الإناء، ثم وجد الإناء عند من اشترى منهما، فقام رجلان من أوليائه فحلفا أن الإناء لنا وأخذا.
* * *
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا
стр. 493
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)
* * *
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ) أي: اذكر يوم جمعهم، وقيل ظرف لـ (لا يَهْدِي) (١)، أو بدل اشتمال من مفعول اتقوا، (فَيَقُولُ): لهم، (مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي إجابة أجبتم، إجابة إقرار أو إنكار، (قَالُوا لاَ عِلْمَ لنا): إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا أو بالنسبة إلى علمك، (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): فتعلم ما نعلم، وما لا نعلم، وهذا السؤال لتوبيخ الأمم، (إِذْ قَالَ اللهُ)، بدل من يوم الجمع
стр. 494
أو بتقدير اذكر، (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ): قويتك ظرف نعمتي، أو حال منهما، (بِرُوحِ الْقُدُسِ): جبريل، وقيل بكلام ونفس يحيى به الدين، والموتى، (تُكَلِّمُ النَّاسَ): بدعوتهم إلى الله تعالى، (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، عطف على محل في المهد فإنه حال قالوا، وما وصل إلى سن من الكهولة، ففيه إشارة إلى نزوله من السماء، وهو آية من آياته، (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ): الخط، (وَالْحِكْمَةَ): الفهم، (وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ): تشكله وتصوره على هيئة طائر، (بِإِذْنِي): لك في ذلك، (فَتَنْفُخُ فِيهَا): في تلك الصورة، (فَتَكُونُ طَيْرًا): تطير، (بِإِذْنِي): وأمري (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي): بأن تدعوهم فيقومون من قبورهم بإرادة الله وقدرته، (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ) أي: عن قتلك (إِذْ جئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ)، ظرف لكففت، (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذَا) أي: ما هذا، َ (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ): ألهمت أو بلسانك (إِلَى الحَوَارِيِّينَ): أصحابه، وأنصاره، (أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ): يا الله أو يا أيها الرسول، (بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ): منقادون مخلصون، (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ)، منصوب باذكر، (يَا عِيسَى
стр. 495
ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)، وهذا كما تقول: هل تستطيع أن تجيء معي؟ عالمًا باستطاعته أي هل تفعل أم لا؟ أو بمعنى هل يعطيك ربك بإجابة سؤالك فيكون أطاع واستطاع بمعنى كأجاب واستجاب، وقيل: شكُّوا أي في قدرة الله، ولذلك أجابهم عيسى ﵇ بقوله: " اتقوا الله " (١)، ومن قرأ (هل تستطيع) بالتاء، و (ربَّك) بالنصب، فمعناه هل تستطيع سؤال ربك؟ (أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَائِدَةً مّنَ السَّمَاءِ قَالَ): عيسى، (اتَّقُوا اللهَ): في سؤالها، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: لا يليق اقتراح الآيات بعد الإيمان، (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا)، فأجابوا بأن طلبها لأجل الحاجة لا أنا نطلب آية، (وَتَطْمَئِنَّ قلوبُنَا): بزيادة علمنا، (وَنَعْلَمَ): علم مشاهدة بعد ما علمناه علم إيمان، (أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا): فيما وعدتنا أو في نبوتك، (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: من الشاهدين على تلك المائدة الدالة على نبوتك أو من الشاهدين عليها عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، وعليها متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين، (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا)، نداء ثان فإن اللهم لا يوصف، ولا يبدل منه، (أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً) أي: خوان إذا كان فيه الطعام، (مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا)، العيد اسم ليوم فيه سرور مخصوص فضمير تكون للمائدة على حذف مضافين أي: تكون يوم نزولها أو اسم سرور يعود فلا حذف، لكن في الإسناد مجاز، (لِأَوَّلِنَا)، بدل من لنا، (وَآخِرِنَا): لمتقدمينا ومتأخرينا أو يأكل منها أولنا وآخرنا (وَآيَةً مِنْكَ): على كمال قدرتك، وصحة نبوتي، (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين قَالَ اللهُ): مجيبًا له، (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ): بعد نزولها، (مِنكُمْ
стр. 496
فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا): تعذيبًا، (لَا أُعَذِّبُهُ)، الضمير للمصدر فيكون في موقع المفعول المطلق ويقوم مقام العائد فإن لا أعذبه صفة عذابًا أو من باب الحذف والإيصال أي: لا أعذب به، (أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ): عالمي زمانهم والأصح أن المائدة نزلت وكفروا بها فمسخوا قردة وخنازير، قيل ما مسخ أحد قبلهم خنزيرًا، فالعالمين مطلق قال عبد الله بن عمر: أشد الناس عذاباً (١) يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
* * *
(وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ
стр. 497
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
* * *
((وَإِذْ قَالَ اللهُ): يوم القيامة تقريعًا وتوبيخًا للنصارى على رءوس الأشهاد، (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ)، صفة إلهين أو متعلق بـ اتخذوني، (قَالَ سُبْحَانَكَ): أنزهك تنزيهًا من أن يكون لك شريك، (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ): ما ينبغي أن أقول قولاً لا يحق فى أن أقوله فمتعلق لي بحق المقدر قبله، فإن تقدم صلة الجار على المجرور ممتنع، (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ): نعلم ما أخفيه، ولا أعلم ما تخفيه، (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)، تصريح بنفى المستفهم عنه، (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)، بدل من ضمير به، والمبدل ليس في حكم المطروح بالكلية أو عطف بيان له، (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
стр. 498
شَهِيدًا): مشاهدًا لأحوالهم، (مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)، بالرفع إلى السماء، والتوفي أخذ الشيء وافيًا، (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ). المراقب لأحوالهم، (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): مطلع عليه، (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ): لا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل في ملكه، (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) مع كفرهم (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): القوي القادر على الثواب، والعقاب لا تثيب ولا تعاقب إلا عن حكمة، والمغفرة وإن كانت قطعية الانتفاء في الكفار بحسب الوعيد، لكن يحتمل الوقوع، واللاوقوع بحسب العقل فجاز استعمال إن فيه، ومسألة الكلام أن غفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة قيل معناه، إن تعذبهم أي: من يكفر منهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم أي: من أسلم منهم، (قَالَ اللهُ): مجيبًا لرسوله فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى، (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ): المستمرين، (صِدْقُهُمْ): في دنياهم إلى آخرتهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما معناه ينفع الموحدين توحيدهم، والمشار إليه يوم القيامة، ومن قرأ (يومَ) بالنصب فيكون ظرفًا لقال، والمشار إليه قوله " يا عيسى ابن مريم ءأنت " إلخ، (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ): هذا نفعهم، (ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ لله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ): خلقًا وملكًا فلا شك فى كذب زعم النصارى، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): فلا يكون إلا هو وحده إلها لأنه لو كان متعددًا لابد أن يكون كل واحد قادرًا على كل شيء، وهذا محال.
والحمد لله حقَّ حمده ..
* * *
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠)
* * *
(الْحَمْدُ لله الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) جمع السَّمَاوَات لظهور تعددها دون الأرض، (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) أي: أنشأهما، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها، فإن لكل جرم نور، (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، عطف على الحمد لله وثم للاستبعاد ومفعول يعدلون محذوف أي: يسوون الأوثان (بِرَبِّهِمْ) أو بِرَبِّهِمْ متعلق بـ " كفروا " و " يعدلون " من العدول لا من العدل وصلته محذوفة أي: يعدلون عنه، وقيل: الباء بمعنى عن فيتعلق بـ يعدلون، (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ): ابتدأ خلقكم، (مِن طِينٍ) فإن آدم منه، (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا) أي: الموت، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) أي: الآخرة، (عِندَهُ): لا يعلمه إلا هو، أو مدة الدنيا وعمر الإنسان، أو النوم والموت، أو مدة العمر ومدة البرزخ، والواو إما للعطف على (هو الذي) أو للحال، (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ): تشكون في أمر الساعة، (وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ): متعلق بالله باعتبار المعنى الوصفي الذي ضمنه اسم الله وهو مقولية هذا الاسم عليه خاصة
стр. 501
أو متعلق بقوله: (يَعْلَمُ) ولا يلزم كون ذاته أو علمه فيهما: بل يكفي كون المعلوم فيهما وهو إما خبر ثان أو حال، (سرِّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون): من خير وشر، (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ) (من) زائدة للاستغراق، (مِنْ آياتِ ربِّهِمْ): الدالة على وحدانيته، و (من) تبعيضية لا تبيينية إلا أن تكون النكرة في النفي بمعنى جميع الأفراد، (إِلا كَانُوا عَنْهَا): عن التفكر فيها، (مُعْرِضِينَ): لا يلتفتون إليها، (فَقَدْ كَذبُوا بِالْحَقِّ) أي: القرآن، (لَمَّا جَاءَهُمْ) أي: إن أعرضوا فلا تعجب فإنهم كذبوا بأعظم آية، وهذا أشد من الإعراض، (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) أي: أخبار القرآن وأحواله بأنَّهم بأي شيء استهزءوا، وهذا تهديد ووعيد شديد، (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ): قوم، (أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) والقرن أهل كل عصر أو مدة أعمار الناس، (مَكنَّاهُمْ فِي الأرْضِ): أعطيناهم من العمر، والمال، (مَا لَمْ نمكِّن لَكُمْ): ما لم نعطه لكم، (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ): المطر والسحاب، (عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا): كثير الدر أي: الصب، (وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ): بالعذاب من القحط والصواعق وغيرهما، (وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ): بدلاً منهم فليخافوا أن نفعل بهم كما فعلنا بهؤلاء، (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا): مكتوبًا، (فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) واللمس أبلغ في إيقاع العلم من المعاينة، فإن الأكثر أنه بعد المعاينة، وأكثر السحر والتزوير في المراءي، (لَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا): عنادًا، (إِنْ هَذا): ما هذا، (إِلا سِحْر مُبِين) قيل: نزلت حين قالوا لا نؤمن بك حتى تأتينا
стр. 502
بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملك يشهدون أنه من عند الله، (وَقَالُوا لَوْلا): هلا (أُنزِلَ عَلَيْهِ): على محمد، (مَلَكٌ): يخبرنا أنه نبي، (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا): بحيث يرونه كما اقترحوا، (لَقُضِيَ الْأَمْرُ): لحق إهلاكهم وعذابهم، فإن سنة الله جرت على أن من اقترح آية ولم يؤمن بها بعد نزولها استؤصلوا بالعذاب، (ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ): لا يمهلون، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ) أي: الرسول الذي أنزل على محمد، (مَلَكًا): يشهد على صدقه، (لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا): في صورة رجل فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، أو معناه؛ ولو جعلنا الرسول إليكم بدل الرسول البشري ملكًا فإنهم قالوا أيضًا: " لو شاء ربنا لأنزل ملائكة " (فصلت: ١٤)، (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، ولو جعلناه رجلاً لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فينفون رسالته، ويقولون هو بشر مثلنا كما يقولون في شأن محمد حليه الصلاة والسلام، (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ)، تسلية لمحمد ﵊ (فَحَاقَ): أحاط أو نزل، (بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ): من الرسل وبال، (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ قُلْ): لهم يا محمد. (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ).
* * *
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لله كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ
وملكًا (قُلْ لله)، فإن الكفرة متفقون معكم في ذلك، فإن هذا من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن ينكره، (كَتَبَ): التزم، (عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ): لطفًا وفضلاً فمن أقبل إليه مع عظم ذنبه قبله، (لَيجْمَعَنَّكُمْ) أي: في القبور، (إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ): فيجازيكم بأعمالكم، (لا رَيْبَ فِيهِ) أي: في اليوم، (الَّذِينَ خسِرُوا أَنفُسَهُمْ): بتضييع الفطرة، والعقل نصب على الذم أو رفع أو مبتدأ ما بعده خبره، (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فإن استعمال العقل باعث على الإيمان، (وَلَهُ) عطف على الله في " قل لله "، (مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار) أي: وله ما استقر في الأزمنة، وهو من السكنى قيل: تقديره ما سكن فيهما وتحرك واكتفى بأحد الضدين عن الآخر، (وَهُوَ السمِيعُ): لكل مسموع، (الْعَلِيمُ): بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء، (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)، إنكار لاتخاذ غير الله تعالى وليًّا معبودًا ربًا، (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): مبدعهما، صفة الله، فإنه بمعنى الماضي فالإضافة معنوية (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ لا أحد إلا يحتاج إليه، وهو غير محتاج إلى أحد، (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ): من هذه الأمة، (وَلَا تَكُونَنَّ) عطف على أمرت أي: قيل لي لا تكونن، أو على قل، (مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، جواب الشرط دال عليه (أخاف)، والشرط معترض بين الفعل ومفعوله،
стр. 505
وفيه تعريض بأنَّهم مستوجبون للعذاب بألطف وجه، (مَنْ يُصْرَفْ): العذاب، (عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ): وأنعم عليه، ومن قرأ (يَصْرِفْ) مبني للفاعل فالضمير لله، والمفعول وهو العذاب محذوف، (وَذَلِكَ) أي: الصرف والرحم، (الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ): كمرض وبلاء، (فَلا كَاشِفَ لَه): لا قادر على رفعه، (إِلا هوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ): كصحة ونعمة، (فَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْء قَدِيرٌ): فيقدر على حفظه وإدامته، ولا راد لفضله، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ): قهره استعلى عليهم فهم تحت تسخيره، (وَهُوَ الْحَكِيمُ): في أمره، (الْخَبِيرُ) بخفايا العباد.
стр. 506
(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)، نزلت حين زعم قريش أن أهل الكتاب أنكروا نبوة محمد ﷺ فسألوا عنه من يشهد بنبوتك، (قُلِ اللهُ) أعظم شهادة، فإن أعظمية شهادة الله تعالى أمر لا ينكر، (شهِيدٌ) أي: هو شهيد، (بَيْنِي
стр. 507
وَبَيْنَكُمْ) أو الله مبتدأ، وشهيد خبر فإنه إذا كان هو الشهيد فأكبر شيء شهادة شهيد له، (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ): الذي ترونه ناطقًا بحجج وبينات، (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ): يا أهل مكة، (وَمَنْ بَلَغَ): وسائر من بلغه من الأسود والأحمر قل: (أَئِنَّكُم لَتشْهَدُونَ أَن مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى) تقرير لهم مع إنكار، (قُلْ لا أَشْهَدُ): بما تشهدون، (قلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَىٌ وَاحِدٌ وَإِننِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون): من الأصنام، (الذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَه) أي: محمدًا ﵊ بنعته المذكور في التوراة والإنجيل، (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ): بحيث لا يشكون في رسالته، فعدم شهادكم برسالته لعنادهم، (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ): من أهل الكتاب، وهجروا ما في كتابهم، (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ): به.
* * *
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ
стр. 508
يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)
* * *
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى): اختلق، (عَلَى اللهِ كَذِبًا): ككذب المشركين، وأهل الكتاب، (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ): كالقرآن، ومعجزات محمد ﵊ أي: لا أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف بمن جمع بينهما؟! (إِنَّهُ) أي: إن الشأن، (لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ): فضلاً ممن هو أظلم، (وَيَوْمَ) أي: اذكر، (نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا): العابد والمعبود، (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ): آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، (الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أي: تزعمونهم شركاءهم "حينئذ" يشاهدون آلهتهم في غاية الهوان، فيسأل عنهم تقريعًا وتوبيخًا، (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا) أي: لم تكن غاية فتنتهم، ومقاتلتهم وكفرهم في الدنيا إلا التبرؤ، في الآخرة أو عاقبة افتتانهم ومحبتهم في الأصنام إلا التبرؤ أو معذرتهم أو جوابهم وسماه فتنة لأنه كذب أو لأنهم قصدوا به الخلاص يقال: فتنت الذهب إذا خلصته، ومن قرأ بنصب (فِتْنَتَهُمْ)، فون تأنيث الفعل للخبر كقولك: من كانت أمك؟ (وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيحلفون
стр. 509
بالكذب لحيرتهم "فحينئذ" يختم على أفواههم، ويشهد عليهم جوارحهم، (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ): في الآخرة بنفي شركهم في الدنيا (وَضَل عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، وغاب عنهم ما كانوا يفترون إلهيته، وشفاعته، (وَمِنهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) إذا قرأت القرآن كأبي جهل، والوليد، وأضرابهم، (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً): أغطية كراهة (أَن يَفْقَهُوهُ) أو عن أن (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا): ثقلا وصمما مثل نبو قلوبهم ومسامعهم عن قبول القرآن، واعتقاد صحته بالأكنة والوقر، (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) لقوة عنادهم، (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ): بلغ عنادهم إلى أنَّهم إذا جاءوك، (يُجَادِلُونَكَ) جملة حالية، (يَقُولُ الذِينَ كَفَرُوا) جواب إذا وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها، (إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) والأساطير: الأباطيل أو أحاديث الأمم السالفة التي سطروها في كتبهم (وَهُمْ يَنْهَوْنَ): الناس (عَنْهُ) استماع القرآن أو عن الإيمان، (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) يتباعدون
стр. 510
عنه بأنفسهم وعن بعض السلف أنه في شأن أبي طالب، فمعناه ينهون عن التعرض لمحمد ﷺ وإيذائه، ويتباعدون عنه، فلا يؤمنون به، (وَإِن يُّهْلِكُونَ): وما يهلكون بذلك (إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ): ذلك، (وَلَوْ تَرَى)، جوابه محذوف أي: لرأيت أمرًا فظيعًا، وحالاً عجيبًا، (إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ): وعاينوا ما فيها من أنواع العذاب، (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ): إلى الدنيا، (وَلَا نُكَذِّبَ)، عطف على (نُرَدُّ) فيكون المعنى على تمني مجموع الأمرين، أو عطف على التمني عطف إخبار على إنشاء، وهو جائز باقتضاء المقام أو حال وأما على قراءة النصب فبإضمار أن بعد الواو كما بعد الفاء، (بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم): إضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني، (مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) أي: ظهر لهم قبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرًا لا محبة للإيمان، (وَلَوْ رُدُّوا): إلى الدنيا، (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ): من الكفر لقضاء شقاوتهم في الأزل، (وَإِنَّهُمْ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)
* * *
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذبُوا بِلِقَاءِ اللهِ): بالبعث، وما يتبعه، (حَتَّى إِذَا جَاءَتهُمُ السَّاعَةُ): غاية لكذبوا، أو من مات فقد قامت قيامته، (بَغْتَةً): فجأة، مفعول مطلق لأنها نوع من المجيء أو حال، (قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا): تعالى فهذا أوانك، (عَلَى مَا فَرَّطْنَا): قصرنا، (فِيهَا): في الدنيا أو في الساعة أي: في شأنها، (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ): آثامهم، (عَلَى ظُهُورِهِمْ): تمثل ذنوبهم بأقبح صورة منتنة فتركب عليهم وتسوقهم إلى النار، (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُون): بئس شيئًا يزرونه وزرهم، (وَمَا الْحَياةُ الدُّنيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، لأنها تنقضي عن قريب، ولا تعقيب منفعة، (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ): لدوام لذاتها ومسراتها، (أَفَلا تَعْقِلُونَ):
стр. 513
إنها كذلك، (قَدْ نَعْلَمُ) أي: الشأن، (إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ): تسلية لرسوله فيما قال الكفار: إنك كذاب، (فَإِنَّهمْ لا يُكَذِّبُونَكَ): في نفس الأمر، أو في السر، (وَلَكِن الظالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدونَ): لكنهم لظلمهم جحدوا الآيات، وكذبوا بها، نزلت حين قال أبو جهل: لا نكذبك لكن نكذب بما جئت به، أو لما سئل أبو جهل عنه قال: والله إنه لصادق وما كذب قط، لكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا): بمعونتهم وإهلاك أعدائهم فاصبر أنت أيضًا كما صبروا فسيجيء نصرك، وما مصدرية، (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ): لمواعيده وحكمه، (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ): بعض أخبارهم كيف صبروا، وكيف دمرنا قومهم، (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ): عظم وشق، (عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ): عن الإيمان، (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا): تطلب منفذًا، (في الأرْضِ): تنفذ فيه إلى جوفه، (أَوْ سُلَّمًا): مصعدًا، (فِي السَّمَاءِ): تصعد به إليه، (فَتَأْتِيَهُمْ): من الأرض أو السماء، (بِآيَةٍ)، وجواب الشرط الثاني مقدر أي: فافعل، والجملة جواب الأول يعني لا مغير لحكم الله فاصبر، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) أي: لو أراد جمعهم على الهدى لجمعهم وهداهم، ولكن
стр. 514
لم يتعلق به مشيئته (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ): بالحرص على خلاف مرادنا والجزع فإنه دأب الجهلة، (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ) أي: يجيب دعوتكم بالإيمان، (الذِينَ يَسْمَعُونَ)، لا من ختم الله على سمعه فلا يتأمل ولا يفهم، (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ) أي: الكفار الذين كالموتى لا يسمعون يبعثهم الله فيعلمون حين لا ينفعهم، (ثمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ): للجزاء، (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) كمَلَكٍ يشهد له، وكقولهم: " حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا " [الاسراء: ٩٠] (قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيةً): وفق ما طلبوا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ): أنه قادر على ذلك، وأنه لو أنزل ثم لم يؤمنوا لعاجلهم بالعقوبة كما هو سنة الله، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ): إتيان الصفة لدابة وطائر لزيادة التعميم، والمبالغة بحيث لا يبقى وهم خروج شيء من الإفراد لكون الوصفين من أوصاف الجنس دون النوع، فيشعر بأن القصد فيها إلى الجنس، (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ): مقدرة أرزاقها وآجالها محفوظة أحوالها أصناف تعرف بأسمائها وجمع الأمم للحمل على المعنى، (مَا
стр. 515
فَرَّطْنَا): ما أهملنا، (فِي الْكِتَابِ): في اللوح المحفوظ (مِنْ شَيْءٍ): فإنه مشتمل على ما يري في العالم ومن شيء أي: شيئًا من التفريط، فيكون مصدرًا فإن فرط غير متعد بنفسه، (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) أي: الأمم كلها، فينصف بعضها عن بعض، " وإذا الوحوش حشرت " (التكوير: ٥)، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - موت البهائم حشرها، (وَالذِينَ كَذبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ): عن سماع آياته سماع قبول وتأثر، (وَبُكْمٌ): لا ينطقون بالحق، (في الظُّلُمَاتِ)، خبر ثالث، أو حال عن المستكن في الخبر ظلمة الكفر، والجهل، والعناد، (مَنْ يَشَإِ اللهُ): إضلاله، (يُضْلِلْهُ): فيميته على الكفر، (وَمَنْ يَشَإِ): هدايته، (يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ): فيميته على الإيمان، (قُلْ): يا محمد للكفرة، (أَرَأَيْتَكُمْ): أخبروني استفهام وتعجب، والكاف لتأكيد الفاعل لا محل له من الإعراب، وهو من وضع السبب موضع المسبب فإنه وضع الاستفهام عن العلم موضع الاستخبار؛ لأنه لا يخبر عن الشيء إلا العالم به، (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ): قبل الموت، (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ): القيامة، وأهوالها، (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ): في صرف العذاب عنكم، وهو متعلق الاستخبار، (إِن كُنتمْ
стр. 516
صَادِقِينَ) في أن الأصنام آلهة فأخبروني لم لا تعبدون أصنامكم في ذلك الحال؟! (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ): تخصونه بالدعاء كما قال تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [لقمان: ٣٢] (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ): الله، (إِلَيْهِ): إلى كشفه، (إِنْ شَاءَ) لكن لم يشأ كشف عذاب الآخرة عنهم، (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) فلا تذكرونه في ذلك الوقت.
* * *
مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ) أي: الرسل فكذبوهم، (فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ): بالشدة والجوع، (وَالضَّرَّاءِ): الأمراض والنقصان، (لَعَلهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)،: لكي يسألوا ربّهم متذللين تائبين، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، حاصله نفي التضرع، لكن جاء بـ (لولا) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر سوى العناد والقساوة، لأن (لولا) يفيد اللوم والتنديم، وذلك إنما يحسن إذا لم يكن في ترك الفعل عذر، وعنه مانع، (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ): ما رقت، (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): فأصروا عليه، (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ): من البأساء والضراء ولم يتعظوا به، (فتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء): من أنواع النعم استدراجًا ليكون الأخذ والهلاك أشد عليهم وأفظع، (حَتَّى إِذا فرِحُوا بِمَا أُوتُوا): وحسبوا أنَّهم على شيء، (أَخَذنَاهُمْ بَغتَةً): فجأة، مفعول مطلق لأنها نوع من الأخذ، (فإذَا هُم مُبْلِسُونَ): آيسون من كل خير، (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا):
стр. 519
آخرهم لم يترك منهم أحد، (وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): على إهلاك الظلمة الذين من شؤمهم تقطع الرحمة، وتحزن الطير في وكره، (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ): أيها المشركون، (إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ): أصمكم وأعماكم، (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ): حتى لا تفهموا شيئًا، (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ): بما أخذ وختم أو بأحد هذه المذكورات، (انظُرْ كَيْفَ نصَرِّفُ الآيَاتِ): نوضحها ونكررها، (ثُمَّ هُم يَصْدِْفُون): يعرضون، (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ): أخبروني، (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً): على غفلة أو ليلاً، (أَوْ جَهْرَةً): معاينة تعلمون نزوله أو نهارًا، (هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظّالِمُون) فإن الموحدين لا يهلكون بالعذاب ألبتة بل (أولئك لهم الأمن) كما فعل بالأمم الماضية ما نزل العذاب إلا بعد تمييز المسلمين، ولو نزل على مسلم مصيبة فهي ليست بعذاب، (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ): العمل، (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ): بالعذاب، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فات من دنياهم، (وَالّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ): يصيبهم، (بِمَا كَانُوا يفْسُقُون): بسبب فسقهم، (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ): فأعطيكم ما
(وَأَنذِرْ بِهِ): بالقرآن، (الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ): يخافون هول يوم الحشر لا من جزم استحالته، (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ): يتولَّى أمرهم، (وَلا شَفِيعٌ):
стр. 522
يشفع بغير إذنه إن أراد العذاب بهم، والجملة حال، (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): عن كفرهم ومعصيتهم، (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ): لا تبعدهم عنك، (يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ): يصلون المكتوبات في ليلهم ونهارهم، أو صلاة الصبح، والعصر، أو يذكرون ربَّهم، (يُرِيدُون وَجْهَهُ) أي: يعبدونه حال كونهم مخلصين فيها، (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، (من) زيدت للاستغراق وهو فاعل عليك لاعتماده على النفي، ومن حسابهم حال من شيء، أو من شيء مبتدأ وما عليك خبره، والحال من ضمير في الخبر أي: من شيء من تبعة حسابهم ليست عليك، ولا تكلف أمرهم، (وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ): وليست تبعة حسابك عليهم، ولا يكلفون أمرك أو
стр. 523
معناه إنما حسابهم على الله ليس عليك كما أنه ليس عليهم من حسابك من شيء كقول نوح ﵇ في جواب: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) قال: (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)) [الشعراء: ١١١ - ١١٣]، (فَتَطْرُدَهُمْ)، جواب النفي، (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) جواب النهي نزلت في فقراء المؤمنين قال رؤساء قريش: يا محمد نَحِّ هؤلاء الأعبد عن مجلسك حتى نجالسك ونسمع كلامك، (وَكَذَلِكَ): مثل ذلك الفتن العظيمة (فَتَنَّا): ابتلينا، (بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا): رؤساء قريش قالوا في شأن فقراء المسلمين وضعفائهم: (أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّن بَيْنِنَا) إنكارا لأن يخصهم الله بهداية ونعمة كما قالوا: " لو كان خيرًا ما سبقونا إليه " [الأحقاف: ١١]، واللام للعاقبة للتعليل، (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)؛ هذا جواب لقولهم أي: الله أعلم بمن يشكر الإيمان وطبعه مستقيم فيهديه، (وَإِذَا جَاءكَ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا) هم فقراء الصحابة الذين في الله طردهم، (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ): أكرمهم ببدء السلام عليهم، (كَتَبَ ربُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ): بشرهم بسعة رحمة الله، (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا): من قرأ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة يكون بدلاً من الرحمة، ومن قرأها بكسرها فاستئناف، (بِجَهَالَةٍ) في موضع الحال أي: جاهلاً بما يورثه ذلك الذنب أو متلبسًا بفعل الجهالة، لأن ما يؤدي إلى الضرر لا يرتكبه سوى الجاهل قال بعض السلف: كل
стр. 524
من عصى الله فهو جاهل نزلت في عمر حين أشار بإجابة قريش إلى طرد المؤمنين فأنزل الله، " ولا تطرد الذين " إلخ ثم جاء واعتذر من مقالته، (ثمَّ تَابَ مِن بعدِهِ): العمل أو السوء، (وَأَصلَحَ) عمله أو أخلص توبته، (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) من قرأ (فأنه) بفتح الهمزة تقديره فأمره، أو فله غفرانه ألبتَّة، ومن قرأ بالكسر فتقديره: فالله يغفره ويرحمه ألبتَّة فإنه غفور رحيم، (وَكَذَلِكَ): مثل ذلك التبيين الواضح، (نُفَصِّلُ الْآيَاتِ): التي يحتاج الناس إلى بيانها، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ): من قرأ تستبين بالتاء وسبيلَ بالنصب فمعناه: ولتعرف طريقهم، فتعاملهم بمقتضى علمك، ومن قرأ بالتاء، ورفعها أي: ولتبين سبيلهم ومن قرأ بالياء ورفعها فلأن السبيل يذكر ويؤنث وهو إما عطف على مقدر أي: فصلنا ليظهر الحق ولتستبين وإما تقديره: ولتستبين فصلنا هذا التفصيل.
* * *
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)
* * *
стр. 525
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ): عن (أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ): تعبدون، (مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ) فيه إشارة إلى علة النهي، ومبدأ ضلالهم فإن طريقهم اتباع الهوى لا الهدى، (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) أي: إن فعلت ذلك فقد ضللت، (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) فيه تعريض بأنَّهم كذلك، (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ): حجة واضحة، (مِنْ رَبِّي): غير متبع الهوى، وهو صفة لبينة، (وكَذبتم بِه): بربي، حيث أشركتم أو الضمير للبينة فإنها بمعنى الدليل، (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ): من العذاب كما قالوا: " إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً " [الأنفال: ٣٢] (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله): في تعجيل العذاب وتأخيره، (يَقُصُّ الْحَقَّ): يتبع الحق والحكمة فيما حكم، ومن قرأ " يقضي الحقَّ " أي: يحكم القضاء الحق فيكون صفة مصدر أو يصنع، الحق فيكون مفعولاً به، (وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ): القاضين، (قُلْ لَوْ أَنْ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ): من العذاب، (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي: لعجلته حتى أتخلص منكم حين سألتم أنتم العذاب، (وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) أي: لكن هو أعلم بوقت العقوبة، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ): خزائنه جمع مفتح بالميم وهو
стр. 526
المخزن أو جمع مِفتاح بكسر الميم وهو المفتاح، وقد صح أن مفاتيح الغيب خمس " إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ " [لقمان: ٣٤] (لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: يحيط علمه بالمغيبات والمشاهدات، (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا)، لأنه لا تسقط إلا بعد تعلق إرادته به، (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ): فوق الأرض أو تحته عطف على ورقة، (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) المراد منه كل شيء، (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ): في اللوح المحفوظ، وهو صفة للمذكورات كما أن " إلا يعلمها " صفة لورقة، (وَهُوَ الذِي يَتَوَفاكُم بِالليلِ): هو التوفي الأصغر استعار التوفي للنوم لما بين الموت والنوم من المشاركات، (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ): كسبتم، (بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ): يوقظكم، (فِيهِ)، الضمير للنهار وقيل: في المنام، (لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى): أجل الحياة إلى الممات أي: ليستوفي مدة عمره، (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ):
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ): تصوير لقهره وعلوه بالقدرة، (ويرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً): من الملائكة تحفظ أبدانكم كما قال تعالى: " له معقبات من بين يديه " [الرعد:١١]. أو تحفظ جميع أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ): حان أجله، (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) لملك الموت أعوان يخرجون الروح فيقبض ملك الموت، (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ): فيما أمروا يفعلون ما يؤمرون (ثم رُدُّوا) أي: الملائكة أو الخلائق كلها، (إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ): الذي يتولى أمرهم، (الْحَقِّ): العدل الذي لا يظلم فضلا (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ): يومئذ لا حكم بوجه لغيره فيه، (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ): لا يحتاج في الحساب إلى ضرب وقسمة وفكر وروية وعقد يد لا يشغله حساب عن حساب، (قُلْ مَن يُنَّجِّيكُمْ): سؤال توبيخ، (مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): شدائدها وأحوالها (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً): معلنين
стр. 529
ومسرين، أو إعلانًا وإسرارًا (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ) أي: يقولون لئن أنجيتنا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ): لا من الكافرين، (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا): الظلمة، (وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ): غم سواها، (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ): فلا تشكرون، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ): كما فعل بعاد وثمود وقوم لوط ونوح، (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ): كالخسف، والزلزلة نقل عن ابن عباس ﵄ عذاب الفوق أمراء السوء والتحت خدم السوء، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا): يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شيء، (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ): يسلط بعضكم على بعض بالعذاب، والقتل وفي الحديث الصحيح " سألت ربي ثلاثًا فأعطاني
стр. 530
ثنتين ومنعني واحدة سألت أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها، وسألت أن لا يظهر علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها "، (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ): نوضحها ونكررها، (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ): لكي يفهموا ويتدبروا، (وَكَذبَ بِهِ): بالقرآن وقيل: بالعذاب، (قَومُكَ): قريش، (وَهُوَ الْحَقُّ): الصدق أو الواقع، (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل): ما وكل إليَّ أمركم إنما عليَّ البلاغ، (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ): لكل خبر من أخبار الله تعالى وقوع، ولو بعد حين، (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ): بعضه في الدنيا، وبعضه في الآخرة، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا): بالطعن والاستهزاء، (فَأَعْرِضْ عَنْهمْ): اترك مجالستهم، (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ): الضمير للآيات