المخزن أو جمع مِفتاح بكسر الميم وهو المفتاح، وقد صح أن مفاتيح الغيب خمس " إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ " [لقمان: ٣٤] (لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: يحيط علمه بالمغيبات والمشاهدات، (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا)، لأنه لا تسقط إلا بعد تعلق إرادته به، (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ): فوق الأرض أو تحته عطف على ورقة، (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) المراد منه كل شيء، (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ): في اللوح المحفوظ، وهو صفة للمذكورات كما أن " إلا يعلمها " صفة لورقة، (وَهُوَ الذِي يَتَوَفاكُم بِالليلِ): هو التوفي الأصغر استعار التوفي للنوم لما بين الموت والنوم من المشاركات، (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ): كسبتم، (بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ): يوقظكم، (فِيهِ)، الضمير للنهار وقيل: في المنام، (لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى): أجل الحياة إلى الممات أي: ليستوفي مدة عمره، (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ):
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ): تصوير لقهره وعلوه بالقدرة، (ويرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً): من الملائكة تحفظ أبدانكم كما قال تعالى: " له معقبات من بين يديه " [الرعد:١١]. أو تحفظ جميع أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ): حان أجله، (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) لملك الموت أعوان يخرجون الروح فيقبض ملك الموت، (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ): فيما أمروا يفعلون ما يؤمرون (ثم رُدُّوا) أي: الملائكة أو الخلائق كلها، (إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ): الذي يتولى أمرهم، (الْحَقِّ): العدل الذي لا يظلم فضلا (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ): يومئذ لا حكم بوجه لغيره فيه، (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ): لا يحتاج في الحساب إلى ضرب وقسمة وفكر وروية وعقد يد لا يشغله حساب عن حساب، (قُلْ مَن يُنَّجِّيكُمْ): سؤال توبيخ، (مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): شدائدها وأحوالها (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً): معلنين
стр. 529
ومسرين، أو إعلانًا وإسرارًا (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ) أي: يقولون لئن أنجيتنا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ): لا من الكافرين، (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا): الظلمة، (وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ): غم سواها، (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ): فلا تشكرون، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ): كما فعل بعاد وثمود وقوم لوط ونوح، (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ): كالخسف، والزلزلة نقل عن ابن عباس ﵄ عذاب الفوق أمراء السوء والتحت خدم السوء، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا): يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شيء، (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ): يسلط بعضكم على بعض بالعذاب، والقتل وفي الحديث الصحيح " سألت ربي ثلاثًا فأعطاني
стр. 530
ثنتين ومنعني واحدة سألت أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها، وسألت أن لا يظهر علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها "، (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ): نوضحها ونكررها، (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ): لكي يفهموا ويتدبروا، (وَكَذبَ بِهِ): بالقرآن وقيل: بالعذاب، (قَومُكَ): قريش، (وَهُوَ الْحَقُّ): الصدق أو الواقع، (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل): ما وكل إليَّ أمركم إنما عليَّ البلاغ، (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ): لكل خبر من أخبار الله تعالى وقوع، ولو بعد حين، (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ): بعضه في الدنيا، وبعضه في الآخرة، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا): بالطعن والاستهزاء، (فَأَعْرِضْ عَنْهمْ): اترك مجالستهم، (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ): الضمير للآيات
стр. 531
باعتبار القرآن، (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ): النهي عن مجالستهم بوساوسه، (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى) بعد أن تذكر، (مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، معهم فإنهم ظلمة لوضع التكذيب، والسخرية موضع التصديق والتعظيم، (وَمَا عَلَى الّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء): ما عليهم شيء مما يحاسبون عليه أي: من آثام الخائضين إن قعدوا معهم، (وَلَكًن ذِكرى) أي: لكن عليهم أن يذكروهم، ويمنعوهم، ويعظوهم، (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون): يجتنبون الخوض كراهة لمساءتهم نقل أنه لما نزل النهي عن مجالستهم قال المسلمون: إذا لم نستطع أن نجلس في الحرم ونطوف فإنهم يخوضون أبدًا، فنزلت رخصة لهم في القعود بشرط التذكير، قال كثير من السلف: هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله " إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ " [النساء: ١٤٠]، وفي رواية قال المسلمون: نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم وحينئذ معنى قوله: " ولكن ذكرى " أي: ولكن عليكم التجنب وتذكر النهي لعلهم يتقون حين يروا إعراضكم عنهم، وصح عن سعيد ابن جبير: إن معناه ما عليكم أن يخوضوا في آيات الله شيء من حسابهم إذا تجنبتم، وأعرضتم عنهم أي: عليكم الإعراض، (وَذَرِ الذِينَ اتخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) أي: استهزءوا بالدين الحق الذي يجب أن يعظم غاية التعظيم، أو معناه جعلوا اللعب كعبادة الأصنام وتحريم البحائر وغيرها دينا واجبًا أي: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) حتى اطمأنوا بها، (وَذَكِّرْ بِهِ): بالقرآن، (أَنْ
стр. 532
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ): مخافة أن تسلم إلى الهلكة بسوء عملها، أو تفضح، أو تجس أو تؤاخذ أو تجزى، (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ): يدفع العذاب عنها، والجملة إما صفة أو حال، (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ): وإن تَفْدِ النفس كل فداء، ونصبه على المصدر، (لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا): فاعله منها لا ضمير العدل؛ لأنه مصدر وهو ليس بمأخوذ، (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا): سلموا للعذاب، (بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ): الماء المغلي، (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ).
* * *
(قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ
ونخلص له العبادة أو اللام للتعليل أي: أمرنا بذلك لنسلم (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ)، عطف على لنسلم، (وَهُوَ الذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون).
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ): بالعدل والحكمة، (وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فيَكُون)، عطف على السماوات فذكر بدء الخلق وإعادته أو على مفعول اتقوه أو بتقدير واذكر، والمراد يوم القيامة فإن الأمر فيه غير تدريجي، (قَوْلُهُ الْحَقُّ) أي: الصدق الواقع لا محالة مبتدأ وخبرًا أو (قوله) مبتدأ و (الحق) صفته " ويوم يقول " خبره أى: قضاؤه الحكمة والصواب حين يقول للشيء كن فيكون ذلك الشيء يعني ما ظهر من مكوناته شيء إلا عن حكمة وصواب، فلا يكون المراد من يوم يقول يوم القيامة، (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) إما ظرف لقوله: " له الملك " كقوله: " لِمَنِ
стр. 535
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ " [غافر: ١٦] وإما بدل من " يقول " والصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقيل: جمع صورة أي ينفخ فيها فتحيا، (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: هو عالم الغيب، (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ)، عطف بيان لأبيه والأصح أنه اسم أبيه وله اسمان (آزر) و (تارخ) أو أحدهما لقبه، (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً): دون الله، (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ): عن الحق، (مُبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ) أي: مثل هذا التبصير نبصره، وهو حكاية حال ماضية، (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: ملكها والتاء زائدة للمبالغة، (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) أي: ليستدل، وليكون، أو وفعلنا ذلك ليكون، (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ): ستره بظلامه، وهذا تفصيل لإراءته، (رَأَى كَوْكَبًا): هو الزهرة أو المشترى، (قَالَ هَذا ربي)، قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل، ثم يكر عليه فيبطله بالحجة وهذا النوع أدعى إلى القبول فإن قومه يعبدون الكواكب، وهذا هو الأصح، أو قال ذلك على وجه النظر والاستدلال في أول بلوغه (١)، بل قبله فقد نقل أنه في السرب سبع سنين أو أكثر لخوف والديه من نمرود لأنه يقتل الصبيان، فإنه قد أخبر بمولود ذهاب ملكه على يديه، وهو ما رأى في السرب لا سماء ولا أرضًا فلما خرج ورأى كوكبًا قال هذا ربي، (فَلَمَّا أَفَلَ): غاب، (قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ): عبادة شيء يتغير عن حال إلى حال فعرفهم جهلهم، (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا): طالعًا، (قَالَ هَذَا رَبِّي
стр. 536
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا) أي: الشيء الطالع صان ما سماه ربا عن وصمة التأنيث، (رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ) جرمًا، وإضاءة، فأليق بالربوبية، (فَلَمَّا أَفَلَتْ): وظهر حدوثه، وأنه مسخر، (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ): من الأجرام المفتقرة إلى محدث يحدثها، ثم توجه إلى موجدها الذي دلت هذه الممكنات عليه وقال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ): أخلصت ديني وأفردت عبادتي، (لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض): ابتدعهما على غير مثال سبق، (حَنيفًا): حال كوني مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، (وَمَا أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ): لله، (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) جادلوه في التوحيد، (قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ): في وحدانيته، (وَقَدْ هَدَانِ): إلى التوحيد، وأنا على بينة منه، (وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُون بِهِ) أي: معبوداتكم فإنها لا تملكَ ضَرًّا ولا نفعًا وهم يخوفونه منها، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا)، استثناء منقطع، أي: لكن أَخاف مشيئة الله، أو متصل تقديره لا أخاف معبوداتكم في وقت قط إلا وقت مشيئة ربي شيئًا من مكروه يصيبني من جهتها مثل أن يرحمني بكوكب أو يجعلها قادرة على مضرتي، (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ): فتعتبروا أن ما قلت لكم حق
стр. 537
فتتركوا عبادتها، (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ) وهو لا يملك ضرًا، (وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ): الذي هو حقيق بأن يخاف منه، لأنكم أشركتم المصنوع بالصانع، وسويتم بين العاجز والقادر، (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا): شيئًا لم ينزل بإشراك ذلك الشيء حجة من كتاب وغيره، (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ): من الموحدين والمشركين، (أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كنتُمْ تَعْلَمُونَ): إن لم يكن لكم جهل، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ): لم يخلطوه بشرك، (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ): وقد صح أنها لما نزلت قد شق على الصحابة، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال ﵊: " ليس كما تظنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:
стр. 538
" يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " [لقمان: ٣٠] " إنما هو الشرك "، وقد فسره السلف بذلك، والمراد من الخلط النفاق، أو المراد من الإيمان مجرد تصديقه وشركه عدم توحيده، أو المراد الثبات على الإيمان وكثير من الناس يزعمون إيمانهم وهم عنه بمراحل لفساد عقيدتهم بصفة من صفات الله.
* * *
(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)
* * *
(وَتِلْكَ) إشارة إلى ما مر من قوله: " فلما جنَّ " إلى قوله: " وهم مهتدون "، (حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ): ألهمناها، (عَلَى قَوْمِهِ) متعلق بـ (حُجَّتُنَا)، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ
стр. 539
نَشَاءُ) قرئ بالإضافة، وبلا إضافة فـ (من نشاء) مفعول (نرفع) و (درجات) إما مصدر أو ظرف أو تمييز إن جوزنا تقديمه، (إِن رَبَّكَ حَكِيمٌ) في الرفع والخفض، (عَلِيمٌ)، بحال من يرفعه ويخفضه وقابليته، (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا): منهما، (هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل إبراهيم وهداية الوالد شرف للولد، (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ)، الضمير لإبراهيم، ولوط هو ابن أخيه أدخل في ذريته تغليبًا أو الضمير لنوحٍ ﵇ (دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) أي: هدينا من ذريته داود وسليمان، (وَأيوبَ ويُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ): مثل ما جزينا إبراهيم برفع الدرجة، وكثرة أولاد مهتدين، (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيىَ وَعِيسَى)، فيه دليل على أن ولد البنت من الذرية، (وَإِلْيَاسَ) الصحيح أنه غير إدريس، (كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ): بالنبوة، (وَمِن آبائِهِمْ) عطف على (كُلًّا) أي: فضلناهم وبعض آبائهم، (وَذرّيَّاتِهِمْ) وفيهم سيد الكونين ﵇ فهم أفضل جميع المخلوقات بأسرها، (وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ): اخترناهم، (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ ذَلِكَ) إشارة إلى ما هم عليه، (هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا) بحسب الفرض أي: هؤلاء الأنبياء مع علو درجتهم (لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): بطل عملهم كآحاد الناس، (أُولَئِكَ الذِينَ آتيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)، يريد جنس الكتاب، (وَالْحُكْمَ): العلم والحكمة، (وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا): بالنبوة، أو بهذه الثلاثة،
الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
* * *
(وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه): ما عظموه حق تعظيمه، أو ما عرفوه حق معرفته في اللطف والرحمة على عباده، (إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ): إذ كذبوا إرسال الرسل الذي هو من عظائم نعمه، (قُلْ): لهم، (مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ): نزلت في قريش، وهم يسمعون كتاب موسى من اليهود، ويسلمونه، ويقولون: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ، أو في طائفة من اليهود حين قالوا ذلك مبالغة في إنكار القرآن على رسول الله ﷺ فألزموه ما لابد لهم من الإقرار به أو رجل معين من اليهود قال: ما أنزل الله على بشر من شيء حين غضب، (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) أي: جملتها بجعلها قطعًا قطعًا، ويجزئونها جزءًا جزءًا يبدون ما يحبون ويخفون بعضًا لا يشتهون، مثل صفة محمد ﷺ ، وآية الرجم، وقراءة الخطاب يؤيد كلام من يقول: إن الآية في اليهود اللهم إلا أن يقال إن قريشًا واليهود والنصارى متشاركون في إنكار القرآن، فلم يبعد أن يكون الكلام بعضه خطابًا مع قريش، وبقية
стр. 542
مع اليهود، والنصارى كأنهم طائفة واحدة، وأما قراءة الياء أي: الغيبة تكون التفاتًا عند من يقول الآية في اليهود، (وَعُلِّمْتُمْ): بسبب القرآن، (مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ): من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي، وإذا كان الخطاب مع اليهود فمعناه علمتم بالقرآن زيادة على التوراة وبيانًا لما التبس عليكم، وعلى آباءكم كما قال تعالى " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " [النمل: ٧٦]، (قُل اللهُ): أنزله أَجِبْ عنهم ذلك، لأنه متعين وفيه إشعار بأنَّهم تحيروا في الجواب (ثمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ): دعهم في أباطيلهم، (يَلْعَبُونَ): يعملون ما لا ينفع، وهو حال من مفعول ذر، (وَهَذَا): القرآن، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ): كثير النفع، (مُصَدّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ): من الكتب السماوية، (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى) أي: أهل مكة فـ (عطف على) صريح لفظ مبارك أي: كتاب مبارك كائن للإنذار، (وَمَنْ حَوْلَهَا): أهل الشرق والغرب، (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْأخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ): بالقرآن، (وَهُمْ عَلَى صَلاِتهِمْ يُحَافِظُونَ)، فإن لازم الإيمان بها الخوف، والخوف يجره إلى الإيمان بالقرآن والمداومة بصلاته فإنها عماد الدين، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا): كمن ادعى أنه أرسله كاذبًا، (أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)، نزلت في مسيلمة الكذاب ادعى النبوة والوحي، (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ):
стр. 543
كما قالوا: " لو نشاء لقلنا مثل هذا " [الأنفال: ٣١]، (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ)، جوابه محذوف أي: ولو ترى زمان سكراتهم لرأيت أمرًا فظيعًا، (فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ): شدائده، (وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ)، بتعذيبهم لقبض أرواحهم، فقد ورد أن أرواح الكفرة تتفرق في أَجسادهم وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج، (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) أي: قائلين ذلك تعنيفًا وتغليظًا وزجرًا وإضرارًا لهم، (الْيَوْمَ): يوم الموت، (تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): الهوان والذل، (بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ): كإثبات الشريك والولد، وإدعاء النبوة، (وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ): فلا تؤمنون بها، فالهوان لاستكبارهم، (وَلَقَدْ جئتُمُونَا فُرَادَى).
стр. 544
منفردين عن الشفعاء، والأموال، والأهل، (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، وقد كنتم تنكرون ذلك حال ثانية أو صفة مصدر جئتمونا أي: مجيئًا مثل خلقناكم أو بدل من فرادى، (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ): تفضلنا عليكم من المال، (وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ): تركتموه كليًّا وليس معكم شيء منه، (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ): في ربوبيتكم واستعبادكم، (شُرَكَاءُ): لله، (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)، على قراءة رفع (بينُكم) يكون بمعنى الوصل ليس بظرف، أو ليس بلازم الظرفية، وعلى قراءة النصب أسند لتقطع إلى ضمير الأمر لتقرره في النفوس أي: تقطع الأمر بينكم، (وَضَلَّ عَنْكُمْ): ضاع وبطل، (مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ): تزعمونه شفيعًا.
* * *
(إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ
стр. 545
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لله شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)
* * *
(إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) يشقهما في الثرى فينبت منهما الزرع والشجر، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ): النبات والحيوان من الحب والنطف، (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ): الحب والنطف (مِنَ الْحَيِّ): النبات والحيوان عطف على فالق الحب فإن (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) كالبيان له ولذا ترك العطف، (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) لا يصلح للبيان، لأن فلق الحب ليس إلا لإخراج الحي، (ذَلِكُمُ اللهُ) أي: فاعل هذه الأشياء هو الله، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): تصرفون عنه إلى غيره، (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ): شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، (وَجَعَلَ الليْلَ)، إعمال اسم الفاعل، لأنه بمعنى الدوام التجددي نحو:
" ولقد أمر على اللئيم يسبني "
لا بمعنى الثبوت الدائمي كـ " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ "، (سكَنًا): يسكن فيه خلقه، ويستريح، (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) أي: تجريان بحساب معين لا
стр. 546
تتجاوزان، أو معناه جعلهما علمي حسبان؛ لأن حساب الأوقات يعرف بدورهما، (ذلِكَ) أي: المذكور من فلق الصبح، وجعل الليل، والشمس، والقمر، (تقدِيرُ الْعَزِيزِ): الذي يفعل ما يريد، (الْعَلِيمِ): بما قدر وأراد، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُم النُّجُومَ): خلقها لكم، (لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: في ظلمات الليل فيهما، (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ): بيناها مفصلاً لا مجملاً، (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، فإن الجاهل لا ينتفع به، (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: آدم، (فَمُسْتَقَرٌّ) أي: فلكم مستقر في الأرحام، (وَمُسْتَوْدَعٌ): في الأصلاب، أو بالعكس أو في الأرحام، وعلى ظهر الأرض أو في القبر وفي الدنيا أو في الرحم والقبر أو في الجنة أو النار وفي القبر وهما اسما مكان أو مصدران، وفي قراءة كسر القاف الأول اسم فاعل، والثاني اسم المفعول أي: فمنكم قار ومنكم مستودع، (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ
стр. 547
لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)، الفقه: تدقيق النظر، فهو أليق بالاستدلال بالأنفس لدقته بخلاف الاستدلال بالآفاق، ففيه ظهور ولهذا قال في الأول: " لقوم يعلمون ".
(وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ): من جانبه، (مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِه): بسبب الماء، (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ): تنبت، (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ): من النبات أو الماء، (خَضِرًا): زرعًا وشجرًا أخضر، (نُخْرِجُ مِنْهُ): من الخضر، (حَبًّا مُتَرَاكِبًا): بعضه على بعض كسنابل البر وغيره، (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ)، الطلع: أول ما يخرج من ثمرها والقنو: العرجون، وهو مبتدأ " ومن النخل " خبره، " ومن طلعها " بدل، (دَانيَةٌ): سهلة المجتنى لقصر النخل اللاصقة عذوقها بالأرض، أو قريب بعضها من بعض على التفسير الأول ذكر الدانية لأن النعمة فيها أظهر أو دل بذكر القريبة على ذكر البعيدة كقوله " سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ " [النحل: ٨١] أي: والبرد، (وَجَنَّاتٍ من أَعْنَابٍ) عطف على (نبات)، أو على (خضراً) (وَالزَّيتونَ وَالرُّمَّانَ) أي: شجريهما بدليل انظروا إلى ثمره، (مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) أي: متشابهًا ورقهما، فإن ورقهما قريب غير متشابه
стр. 548
ثمرهما، أو بعضه متشابه ببعض آخر منه في الهيئة، واللون والطعم وبعضه غير متشابه، (انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ): ثمر كل واحد من ذلك، (إِذَا أَثْمَرَ): أخرج ثمره، (وَيَنْعِهِ): وإلى نضجه نظر استدلال بعد أن كان حطَبًا صار عنبًا ورطبًا وبعد أن كان جافًّا تفها صار لذيذًا، (إِن فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ) أي: على كمال قدرته، (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ): يصدقون بالله.
(وَجَعَلُوا لله شُرَكاَءَ الْجِنَّ): عبادة غير الله تعالى، عبادة الشيطان هم جعلوا الشيطان شريكًا له، أو كما قال الثنوية: الله خالق النور، والشيطان خالق الشرور، (وشركاء الجن) مفعول (جعلوا) أو (للهِ) متعلق بـ (شركاء) أو حال منه أو (لله شُرَكَاءَ) مفعولاه، و (الْجِنَّ) منصوب بمقدر، كأنه قيل: من جعلوه شركاء؟ فقال: " الجن "، (وَخَلَقَهُمْ)، حال بتقدير قد والضمير إما إلى الكفار أي: جعلوا غير خالقهم شريكًا لخالقهم، وإما إلى الجن: أي جعلوا المخلوقين شركاء للخالق، (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ): اختلقوا وافتروا، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من فاعل خرقوا أي: خرقوا عن عمى وجهالة لا عن فكر وروية، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) تعالى عطف على أسبح.
* * *
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
стр. 549
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
* * *
(بَدِيع السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: هو مبدعهما ومحدثهما على غير مثال سبق قيل: من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي: هو بديع سماواته، وقيل الإضافة حقيقية بمعنى في أي هو عديم النظير فيهما، (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)، والولد إنما يكون بين متجانسين ولا يناسبه شيء فإنه خالق الأشياء وأين الخالق من المخلوق؟! (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، لم يقل وهو به عليم لأن علمه أشمل من خلقه، (ذلِكُمُ) أي: الموصوف بما سبق من الصفات، وهو مبتدأ، (اللهُ رَبُّكُمْ
стр. 550
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، أخبار مترادفة، (فَاعْبُدُوهُ)؛ لأن من له هذه الصفات استحق العبودية، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ): متولي أموركم فكلوها إليه، (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) أي: في الدنيا أو لا يحيط به الإبصار، فإن الإدراك أخص من الرؤية أو لا يراه أحد على ما هو عليه لا بشر ولا ملك، لكن إذا تجلى بوجه يمكن رؤيته تدركه الأبصار، أو لا يراه جميع الأبصار؛ بل الكفار عنه محجوبون، (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ): يحيط علمه بها ويراها، (وَهُوَ اللَّطِيفُ): بأوليائه، (الْخَبِيرُ):
стр. 551
بأعمالهم قيل من باب اللف والنشر أي لا تدركه الأبصار، لأنه لطيف لا كثافة فيه بوجه، وهو يدرك الأبصار؛ لأنه خبير، (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ): البصيرة للقلب كالبصر للجسد أي: جاءتكم بالوحي الآيات البينات، والحجج القرآنية التي هي للقلوب كالبصائر، (فَمَنْ أَبْصَرَ): يرى تلك الآيات وآمن بها، (فَلِنَفْسِهِ): أبصر، وله نفعه، (وَمَنْ عَمِيَ)، فلا يؤمن بها، (فَعَلَيْهَا): فعلى نفسه عمى، وعليها ضره، (وَمَا أَنَا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ): أحفظ أعمالكم فأجازيكم إنما أنا منذر والله الحفيظ، وهذا وارد على لسان رسول الله ﷺ (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ): مثل ذلك التبيين نبينها ونكررها، (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ)، معلله محذوف أي: وليقولوا درست نصرفها، والدرس القراءة، والتعلم أي: ليقول المشركون درست، وتعلمت من اليهود، ثم تزعم أنه من عند الله عليك يعني لشقاوة بعض كما قال تعالى: " يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا " [البقرة: ٢٦]، فيكون اللام على أصله أو اللام لام العاقبة، وقرئ (دارست) أي: دارست أهل الكتاب وقارءتهم، وقرئ (دَرَسَتْ) أي: قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم أساطير الأولين، (وَلِنُبَيِّنَهُ)، الضمير للقرآن أو الآيات باعتبار أنها قرآن أي: كررناه لنبينه، (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: لهداية المؤمنين، وحاصله تصريف الآيات لشقاوة بعض وسعادة بعض آخر، (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ): بالعمل به، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) حال مؤكدة (مِنْ رَبِّكَ) أي: منفرداً بالألوهية، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: لا تجادلهم، واحتمل أذاهم حتى ينصرك الله فإن لله حكمة في
стр. 552
إضلالهم، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ): توحيدهم، (مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا): رقيبًا تحفظ أعمالهم وتجازيهم أو تحفظ من عذاب الله، (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيل): تقوم بأمرهم.
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ): يعبدون، (مِن دُون اللهِ) أي: أصنامهم، (فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا): ظلمًا، (بِغَيْرِ عِلْمٍ): على جهالة بالله يعني سب آلهتهم، وإن كان حقًا لكن فيه مفسدة عظيمة، نزلت حين قالوا: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك أو كان المسلمون يسبون آلهتهم وهم يسبون الله عدوًا، (كَذَلِكَ): مثل ذلك التزيين، (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ): من أمم الكفار، (عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): بالمجازاة.
стр. 553
(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ): أوكدها أي: أقسموا قسمًا غليظًا (لَئِنْ جَاءَتهُمْ آيةٌ): كما لموسى وعيسى، (لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ): لا عندي حتى آتيكم بها (وَمَا يُشْعِرُكُمْ) ابتداء كلام وليس في حيز (قل) و (ما) استفهام إنكار (أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ): تلك الآية التي طلبوها، (لَا يُؤْمِنُونَ) أي: لا تدرون أنهم لا يؤمنون والله يعلم ذلك، ولا ينزلها وقيل: لا مزيدة، وقيل: فيه حذف تقديره: ما يدريكم أنَّهم لا يؤمنون، أو يؤمنون وقيل: إن بمعنى لعل، ومن قرأ إنها بكسر الهمزة على أن الكلام قد تم قبله بمعنى وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بما علم منهم فقال ذلك، والخطاب للمؤمنين أو للمشركين، ويؤيده قراءة التاء في " لا تؤمنون " نزلت حين قالوا: والله لئن تجعل لنا الصفا ذهبًا لنتبعنك أجمعين، (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ): عن الحق لو أنزلنا ما اقترحوا من الآيات فلا يفقهونه عطف على (لا يؤمنون) أو جملة على حيالها، (وَأَبْصَارَهُمْ): فلا يبصرونه، ولا يؤمنون بها، (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ): بما أنزل من الآيات، (أَوَّلَ مَرَّةٍ): من انشقاق القمر وغيره، أو المراد كما لم يؤمنوا بما أنزلنا على موسى، وعيسى لقوله: " أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ " [القصص: ٤٨]، وعن بعض السلف نقلبهما فلا يؤمنون لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا، (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ): في كفرهم، وضلالهم متحيرين.
* * *
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا
بشقاوتهم، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ): أنَّهم لو أتوا بكل آية لم يؤمنوا، فيقسمون جهد أيمانهم قيل: أو إن أكثر المسلمين يجهلون أنَّهم لا يؤمنون فيتمنون نزول آية طمعًا في إيمانهم، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) أي: كما جعلنا لك عدوًّا جعلنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، (شَيَاطِينَ): مردة، (الْإِنسِ وَالْجِنِّ) بدل من (عَدُوًّا)، أو أحد مفعولي (جعلنا لِكُلِّ نَبِيٍّ) ظرف (عَدُوًّا)، (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ): يوسوس ويلقى بعضهم بعضًا، (زُخْرُفَ الْقَوْلِ): أباطيله المزينة يغرونهم، (غُرُورًا) أو للغرور، يعني أن مردة الجن يوحون إلى مردة الإنس، ويغرونهم بالإضلال، وهذا هو الأصح، وقال بعضهم: معناه الشيطان الموكل بالجن يوحي، ويعلم الشيطان الموكل بالإنس أباطيل القول في إضلال المسلمين وبالعكس، (وَلَوْ شَاءَ ربُّكَ): ألا يكون لهم عدو، (مَا فَعَلُوهُ) أي: إيحاء الزخارف، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ): ولا تغتم أنت منهم، (وَلِتَصْغَى) أي: ولتميل، (إِلَيْهِ): إلى زخرف القول، (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)، عطف على (غرورًا) إن جعلته مفعولاً له، وإلا فهو متعلق بمحذوف أي: وجعلنا لكل في عدوا لتصغى، أو تقديره: جعلنا ذلك لمصالح لا تحصى ولتصغى، (وَلِيَرْضَوْهُ): ليحبوه، (وَلِيَقْتَرِفُوا): ليكتسبوا، (مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ):
стр. 556
من الآثام، (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) أي: قل أغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، و (حكما) حال من غير الله، (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ): القرآن، (مُفَصَّلًا): بين وميز الحق والباطل، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ): من اليهود والنصارى، (يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)، لأن وصفه مذكور في كتبهم، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) في أنه من عند الله، وهذا من باب التحريض، والتهييج، قال تعالى: " فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ " الآية [يونس: ٩٤]، وقد جاءت في الحديث أنه ﵇ قال حين نزوله: " لا أشك ولا أسأل " أو المراد نهي الأمة، وقيل: معناه لا تكن من الشاكين في أنَّهم يعلمون ذلك، (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ): بلغت الغاية، وعداته وأقضيته، (صِدْقًا): فيما وعد،
стр. 557
(وَعَدْلًا): فيما حكم وهو إما حال أو تمييز، (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ): لا راد لقضائه، ولا مغير لحكمه، ولا خلف لوعده، (وَهُوَ السَّمِيعُ). لأقوالهم، (الْعَلِيمُ): لما في صدورهم، (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ): فإن أكثرهم على الضلال، (يُضِلوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ): الموصل إليه، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ): فإن دينهم ظن وهوى لم يأخذوه عن بصيرة، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): يكذبون على الله، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) أي: بمن يضل، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ): أعلم بالفريقين، (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)، أي: على ذبحه لا مما مات حتف أنفه، ولا مما ذكر عليه اسم غيره، (إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) فإن الإيمان يقتضي
стр. 558
استباحة ما أحله الله لا ما أحله الظن، والهوى، (وَمَا لَكُمْ): أيُّ غرضٍ لكم، (أَلَّا تَأْكلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) أي: منه وحده وتأكلوا من غيره، (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ): في " حرمت عليكم الميتة " الآية [المائدة: ٣]، (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (ما) موصولة والاستثناء من ضمير حرم، أو (ما) مصدرية في معنى المدة أي: الأشياء التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها، (وَإِنْ كثِيرًا لَّيُضِلونَ): بتحليل الحرام وتحريم الحلال، (بِأَهْوَائِهِمْ): بتشهيهم، (بِغَيْرِ عِلْمٍ): غير متعلقين بدليل، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ): المتجاوزين الحق إلى الباطل، (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ): معصية العلن والسر، (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ): يكسبون، (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الضمير لـ " ما " أو للأكل، وعند بعض السلف إن ذبيحة تركت التسمية عليها عمدًا أو سهوًا حرام، والآية دليلهم وعند بعض التسمية مستحبة، وقالوا: الآية فيما ذبح لغير الله، وقيل: الواو في (وإنه لفسق) حالية، والفسق: ما أهل لغير الله بدليل قوله: " أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ "، وقال بعض منهم المراد من الآية الميتة، وعند كثير من السلف: إن ترك التسمية نسيانًا لا يضر أما عمدًا، فالذبيحة حرام، (وَإِنَّ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)
* * *
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا): بالكفر والجهل، (فَأَحْيَيْنَاهُ): بالعلم والإيمان، (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ): يهتدي كيف يسلك وكيف ينصرف والنور القرآن أو الإسلام، (كَمَنْ مَثَلُهُ): صفته، (فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا): بقي على الضلالة لا يفارقها بحال حال من المستكن في الظرف وحاصله أنه كمن إذا وصف يقال له " في الظلمات ليس بخارج "، فـ (في الظلمات ليس بخارج) خبر مثله على سبيل الحكاية، والجملة صلة من، (كَذَلِكَ): كما زين للمؤمنين الإيمان، (زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قيل: الآية نزلت في حمزة وأبي جهل، أو في عمر وأبي جهل، أو في عمار بن ياسر وأبي جهل، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) أي: كما صيرنا فساق مكة أكابرها صيرنا مجرمي كل قرية رؤساءَها، ومترفيها و (أكابر مجرميها) بالإضافة هي المفعول الأول والثاني (في كل قرية) أو (ليمكروا فيها) مفعولاه قيل: جاز أن يكون (أكابر) مضافًا إلى مجرميها مفعوله الأول، و (ليمكروا) مفعوله الثاني، (لِيَمْكُرُوا فِيهَا): لصد الناس عن الهدى، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ): فإن وباله يحيط بهم، (وَمَا يَشْعُرُون): ذلك، (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ): دالة على صدق محمد ﵊، (قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ) أي:
стр. 561
حتى تأتينا الملائكة بتصديقك كما يأتي إلى الرسل، (اللهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ): استئناف يرد عليهم أنَّهم ليسوا بأهل الوحي والرسالة أي: أعلم بالمكان الذي فيه يضعها، (سَيُصِيبُ الّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَار): ذل وحقارة، (عِندَ اللهِ): يوم القيامة، (وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ): بسبب مكرهم، (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ): يوسع قلبه، (لِلْإِسْلَامِ): للتوحيد وفي الحديث تلا رسول الله ﷺ هذه الآيات قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: " نور يُقذف به في القلب " قالوا: هل لذلك من أمارة؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله "، (وَمَن يُّرِدْ): الله، (أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا): فلا يبقى فيه منفذ للخير، ومكان حرج أي: ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ): أي: مثله في امتناع قبول الإيمان مثل صعود السماء، فإنه ممتنع غير مستطاع أو معناه كأنما يتصاعد إلى السماء هربًا من الإيمان، وتباعدًا عنه، (كَذَلِكَ): كما ضيق الله صدره، (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ): يسلط الشيطان أو العذاب، (عَلَى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي: عليهم لعدم إيمانهم، (وَهَذَا): الذي أنت عليه يا محمد، (صِرَاطُ رَبِّكَ): الطريق الذي ارتضاه، (مُسْتَقِيمًا): لا عوج فيه حال، وعامله معنى الإشارة، (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ
стр. 562
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ): لهم فهم ووعي، (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ): الجنة، لأن فيه سلامة عن الآفات أو السلام من أسماء الله، (عِنْدَ رَبِّهِمْ): في ضمانه أو يوم القيامة، (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ): ناصرهم، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): بسبب أعمالهم، (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) أي: اذكر يوم نحشر الثقلين قائلين: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ) أي: الشياطين، (قَدِ
стр. 563
اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) أي: من إغوائهم أي: أضللتم كثيرًا، (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ): محبوهم ومطعوهم، (مِنَ الْإِنْسِ): مجيبين لله عن ذلك، (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ): بعضهم مطاع وبعضهم مطيع، أو كان في الجاهلية إذا نزلوا مفازة قالوا: أعوذ بكبير هذا الوادي، فيفتخر كبير الجن بتعوذ الإنس بهم، ويقولون: نحن سيد الإنس والجن، وهذا هو الاستمتاع، (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) أي: القيامة والبعث، وهذا اعتراف بطاعة الشيطان وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم، (قَالَ): الله، (النَّارُ مَثْوَاكُمْ): منزلكم، (خَالِدِينَ فِيهَا)، حال، والعامل معنى الإضافة، (إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) أي: هم مخلدون جميع الأوقات إلا مدة حياتهم في الدنيا والبرزخ أو المراد الانتقال من النار إلى أنواع أُخر من العذاب كالزمهرير، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا، (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ): في أفعاله، (عَلِيمٌ): بأعمال خلقه.
(وَكَذَلِكَ): كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض، (نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): نسلط بعضهم على بعض، كما ورد
إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
* * *
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) هو الله سبحانه يقرع الكافرين يوم القيامة بهذا السؤال وهو استفهام تقرير، والأصح بل الصحيح أن الرسل من الإنس والجن تبع لهم قالوا نظيره " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " [الرحمن: ٢٢] وهما لا يخرجان من العذب كما سنذكر إن شاء الله تعالى، (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا): يوم القيامة، (قَالُوا): جوابًا، (شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا): أنَّهم قد بلغوا ذلك حين شهدت عليهم جوارحهم قال تعالى: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا): فأعرضوا عن رسلنا ولم يرفعوا إليهم رأسا، (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ): يوم الميامة، (أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ): في الدنيا، (ذَلِكَ): أي: إرسال الرسل، (أَن لَمْ يَكُن ربُّكَ) خبر ذلك، وأن إما مصدرية أو مخففة، واللام محذوف أي: لأن، أو تقديره الأمر ذلك لأن لم يكن إلخ، (مُهْلِكَ الْقرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا غافِلُونَ): أي: لانتفاء كون ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلمهم وأهلها غافلون