حتى تأتينا الملائكة بتصديقك كما يأتي إلى الرسل، (اللهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ): استئناف يرد عليهم أنَّهم ليسوا بأهل الوحي والرسالة أي: أعلم بالمكان الذي فيه يضعها، (سَيُصِيبُ الّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَار): ذل وحقارة، (عِندَ اللهِ): يوم القيامة، (وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ): بسبب مكرهم، (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ): يوسع قلبه، (لِلْإِسْلَامِ): للتوحيد وفي الحديث تلا رسول الله ﷺ هذه الآيات قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: " نور يُقذف به في القلب " قالوا: هل لذلك من أمارة؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله "، (وَمَن يُّرِدْ): الله، (أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا): فلا يبقى فيه منفذ للخير، ومكان حرج أي: ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ): أي: مثله في امتناع قبول الإيمان مثل صعود السماء، فإنه ممتنع غير مستطاع أو معناه كأنما يتصاعد إلى السماء هربًا من الإيمان، وتباعدًا عنه، (كَذَلِكَ): كما ضيق الله صدره، (يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ): يسلط الشيطان أو العذاب، (عَلَى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي: عليهم لعدم إيمانهم، (وَهَذَا): الذي أنت عليه يا محمد، (صِرَاطُ رَبِّكَ): الطريق الذي ارتضاه، (مُسْتَقِيمًا): لا عوج فيه حال، وعامله معنى الإشارة، (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ
стр. 562
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ): لهم فهم ووعي، (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ): الجنة، لأن فيه سلامة عن الآفات أو السلام من أسماء الله، (عِنْدَ رَبِّهِمْ): في ضمانه أو يوم القيامة، (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ): ناصرهم، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): بسبب أعمالهم، (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) أي: اذكر يوم نحشر الثقلين قائلين: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ) أي: الشياطين، (قَدِ
стр. 563
اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) أي: من إغوائهم أي: أضللتم كثيرًا، (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ): محبوهم ومطعوهم، (مِنَ الْإِنْسِ): مجيبين لله عن ذلك، (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ): بعضهم مطاع وبعضهم مطيع، أو كان في الجاهلية إذا نزلوا مفازة قالوا: أعوذ بكبير هذا الوادي، فيفتخر كبير الجن بتعوذ الإنس بهم، ويقولون: نحن سيد الإنس والجن، وهذا هو الاستمتاع، (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) أي: القيامة والبعث، وهذا اعتراف بطاعة الشيطان وتكذيب البعث، وتحسر على حالهم، (قَالَ): الله، (النَّارُ مَثْوَاكُمْ): منزلكم، (خَالِدِينَ فِيهَا)، حال، والعامل معنى الإضافة، (إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) أي: هم مخلدون جميع الأوقات إلا مدة حياتهم في الدنيا والبرزخ أو المراد الانتقال من النار إلى أنواع أُخر من العذاب كالزمهرير، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارًا، (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ): في أفعاله، (عَلِيمٌ): بأعمال خلقه.
(وَكَذَلِكَ): كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض، (نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ): نسلط بعضهم على بعض، كما ورد
إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
* * *
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) هو الله سبحانه يقرع الكافرين يوم القيامة بهذا السؤال وهو استفهام تقرير، والأصح بل الصحيح أن الرسل من الإنس والجن تبع لهم قالوا نظيره " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " [الرحمن: ٢٢] وهما لا يخرجان من العذب كما سنذكر إن شاء الله تعالى، (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا): يوم القيامة، (قَالُوا): جوابًا، (شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا): أنَّهم قد بلغوا ذلك حين شهدت عليهم جوارحهم قال تعالى: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا): فأعرضوا عن رسلنا ولم يرفعوا إليهم رأسا، (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ): يوم الميامة، (أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ): في الدنيا، (ذَلِكَ): أي: إرسال الرسل، (أَن لَمْ يَكُن ربُّكَ) خبر ذلك، وأن إما مصدرية أو مخففة، واللام محذوف أي: لأن، أو تقديره الأمر ذلك لأن لم يكن إلخ، (مُهْلِكَ الْقرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا غافِلُونَ): أي: لانتفاء كون ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلمهم وأهلها غافلون
стр. 566
لم ينبهوا برسول كما قال تعالى: " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا " [الإسراء: ١٥] أو (بظلم) حال من (ربك)، وحاصله أنه لا يهلكهم دون التنبيه بالرسل والآيات فإنه ظلم والله غير ظلام للعبيد (وَلِكُلٍّ): من المكلفين، (دَرَجَاتٌ): مراتب، (مِمَّا عَمِلُوا): من أعمالهم، (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ): فيخفى عليه خافية.
(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ): عن خلقه من جميع الجهات، (ذُو الرَّحْمَةِ) بهم فلا يعجل بالعقوبة، (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ): إذا عصيتم، (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ): قومًا آخرين يعملون بطاعته، (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) أي: هو قادر على ذلك كما أذهب القرن الأول وأتى بالذي بعده، (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ): من أمر المعاد، (لَآتٍ): كائن ألبتَّة، (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ): اللهَ في قدرته، (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ): على تمكنكم من أمركم أو على جهتكم، وحالكم التي أنتم عليها، (إِنِّي عَامِلٌ): على ما أنا عليه أي: اثبتوا على الكفر فإني ثابت على الإسلام، وهو أمر تهديد شديد، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ) أي: سوف تعلمون أينا له العاقبة المحمودة، والجنة أو المراد من عاقبة الدار أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، و (من) استفهامية مبتدأ خبره تكون، وفعل العلم علق عنها أو موصولة فهو مفعول (تعلمون) على أنه متعد إلى مفعول واحد بمعنى يعرفون، (إِنَّهُ): إن الشأن، (لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ): لا يسعد من كفر، (وَجَعَلُوا) أي: مشركو العرب، (لِلّهِ مِمَّا ذَرَأَ): خلق، (مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لله بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لله فَهُوَ
стр. 567
يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ): كانوا يجعلون من أموالهم نصيبًا لله ومصرفه الضيفان، ونصيبًا لآلهتهم ومصرفه خدم أصنامهم فإن سقط شيء من الثمر مثلاً من نصيب الوثن فيما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن هلك أو انتقص منه شيء أخذوا بدله مما جعلوا لله، وإن سقط شيء من نصيب الله في نصيب الأوثان خلوه أو مات شيء منه لم يبالوا به، وقالوا: الله غني، وهذا معنى قوله: " فما كان لشركائهم " الآية، وفي قوله: " مما ذرأ " إشارة إلى جهلهم بأنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا، ثم جعلوا له النصيب الأوفر، وقوله: " بزعمهم " إشارة إلى أن هذا مخترعهم ليس من أمر الله، ولا يصل إليه، (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ): حكمهم هذا، (وَكَذَلِكَ): مثل هذا الفعل القبيح، (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، فإن الشياطين وهم
стр. 568
آلهتهم أمروهم وزينوا لهم وأد أولادهم، ومن قرأ (زُيَّنَ) بالمجهول ورفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إليها، والفصل بينهما يدل على أن هذا الفصل جائز فصيح، والمطعون من طعن فيه، (لِيُرْدُوهُمْ): ليهلكوهم بالإغواء، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ): ليدخلوا الشك في دينهم، فكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان، وقيل: دينهم الذي يجب أن يكونوا عليه، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ) أي: المشركون ما زين لهم، أو الشركاء التزيين، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ): ما يختلقون من الكذب على الله، (وَقَالُوا هَذِهِ): إشارة إلى مما جعل للآلهة، (أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ): حرام، (لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ): من رجال خدم الأوثان، (بِزَعْمِهِمْ): لا حرمة من الله، (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا): كالسائبة والبحيرة والحام، (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا): يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، أو لا يحجون على ظهورها، والمعنى أنهم قسموا أنعامهم، فقالوا: هذه حجر، وهذه محرمة الظهور، وهذه لا يذكر عليها اسم الله (افْتِرَاءً عَلَيْهِ)، نصبه على أن قالوا بمعنى افتروا أو حال أي: مفترين أو مفعول له، (سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ): بسبب افترائهم، (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنعَامِ) أي: أجنة البحائر والسوائب، (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا): نسائنا خاصة للذكور دون الإناث إن ولد حيًّا، (وَإِن يَّكُن مَّيْتَةً فَهُمْ): الذكور والإناث، (فِيهِ شُرَكَاءُ)، وتأنيث خالصة، وتذكير محرم لمعنى ما فإنه الأجنة ولفظه أو التاء للمبالغة، (سَيَجْزِيهِمْ): الله، (وَصْفَهُمْ) أي: جزاء وصفهم الكذب على الله قيل: تقديره على وصفهم، (إِنَّهُ حَكِيمٌ): في فعله، (عَلِيمٌ): بأعمال خلقه، (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ):
مرفوعات على ما يحملها، (وغير معروشات) قيل: الأول ما غرسه الناس، والثاني ما نبت في البراري، (والنخل والزرع مختلفًا أكله) أي: أكل كل واحد منهما يعني ثمره في الكيفية، والهيئة و (مختلفًا) حال مقدرة، لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك، (والزيتون والرمان متشابهًا): في النظر، (وغير متشابه): في الطعم قيل: بعض أفرادهما يتشابه في اللون والطعم ولا يتشابه بعضها، (كلوا من ثمره): ثمر كل واحد، (إذا أثمر): وإن لم ينضج، (وآتوا حقه يوم حصاده): هذا شيء كان واجبًا قبل وجوب الزكاة، وعن بعض السلف أنه الزكاة، قيل فيه دليل على رخصة الأكل قبل أداء الزكاة، (ولا تسرفوا): في التصدق أو في الأكل والتصدق أو في البخل فلا تعطوا حق الله، (إنه لا يحب المسرفين): لا يرتضي فعلهم، (ومن الأنعام) عطف على جنات أي: أنشأ من الأنعام، (حمولة): ما يحمل الأثقال، (وفرشًا): ما يفرش المنسوج من شعره أو الصغار منها ولدنوها من الأرض كأنها فرش أو ما يفرش للذبح، (كلوا مما رزقكم الله): من الثمار، والزروع، والأنعام، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان): طرائقه وأوامره كما اتبعها المشركون افتراء على الله، (إنه لكم عدو مبين): ظاهر العداوة، (ثمانية أزواج): بدل من حمولة وفرشًا أو مفعول كلوا أو الزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه، (من الضأن): زوجين، (اثئين): الكبش والنعجة، وهو بدل من ثمانية إن جوزنا البدل من البدل، وإلا فمن
стр. 571
الضأن بدل من الأنعام واثنين من حمولة وفرشًا، (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ): التيس، والعنز، (قُلْ): يا محمد، (آلذكَرَيْنِ): من الضأن والمعز، (حَرَّمَ): الله عليكم أيها المشركون، (أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ): منهما، (أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ) أو ما حملت إناث الجنسين ذكرًا كان أو أنثى كما قالوا " ما في بطون هذه الأنعام خالصة " الآية [الأنعام: ١٣٩]، (نَبِّئونِي بِعِلْمٍ): دليل على حرمته، (إن كنتمْ صَادِقِينَ): في دعوى التحريم، (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) بل أكنتم حاضرين: (إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذا): حين وصاكم بتحريم بعض وتحليله وهذا من باب التهكم، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ): متلبسًا بغير دليل، (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي فإنه أول من غير دين إسماعيل.
* * *
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا
و (دمًا) عطف على أن يكون أي: إلا وجود ميتة، (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ): لحمه أو الخنزير، (رِجْسٌ): حرام، (أَوْ فِسْقًا) عطف على لحم خنزير (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) صفة له موضحة، (فَمَنِ اضْطُرَّ): إلى كل شيء من ذلك، (غَيْرَ بَاغٍ): على مضطر مثله، (وَلَا عَادٍ): قدر الضرورة وقد مرَّ معناهما في البقرة، (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ): لا يؤاخذه، والآية دالة على أن ما أُوحي في حرمته إلى تلك الغاية هو ذلك، وهذا لا ينافي التحريم في أشياء أخر بعد هذا، (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ
стр. 574
ذِي ظُفُرٍ) أي: حرمنا على اليهود ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعامة والبط، أو كل ذي حافر، وقيل: كل ذي مخلب من الطير، (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) أي: حرمنا جميع شحومهما، (إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا): ما علق بالظهر من الشحوم (أَوِ الْحَوَايَا): ما اشتمل على الأمعاء، (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) أي: ما اختلط من الشحوم بالعظام فإنه حلال وأو هاهنا كأو في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين، وما بقي على الحرمة الثروب وشحوم الكلى، (ذلِكَ): التحريم والتضييق، (جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ): بسبب ظلمهم ومخالفتهم أوامرنا، (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ): فيما أخبرنا من تحريمنا ذلك عليهم كما زعموا أن إسرائيل حرمه، (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ): فيمهلكم، (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ): عذابه إذا نزل، (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ): فلا تغتروا بالإمهال.
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ): خلاف ذلك، (مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ): فإن ما لم يشأ لم يكن، وما شاء فهو مرضي مأمور به فأرادوا بذلك أن ما هم عليه مرضى عند الله مأمور به، (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أي: بهذه الشبهة الداحضة كذب الأمم السالفة أنبياءهم، (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا): فعلموا
стр. 575
أنهم على دين مبغوض غير مرضي أراد الله لهم خزيهم وسوء شكيمتهم، (قُلْ هَل عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ): يدل على رضى الله عنكم فيما أنتم عليه، (فَتُخْرِجُوهُ لَنَا): تظهروه لنا، (إِن تَتبِعُونَ إِلا الظّنَّ): في ذلك لا العلم، (وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُون): تكذبون على الله فإنه منع الشرك، وغضب على المشركين مع أنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء لا يزاحمه أحد تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا، (قُلْ فَلله الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ): التي بلغت غاية المتانة وهي الكتاب والرسول والبيان، (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) لكن شاء هداية قوم، وضلال آخرين، والمعنى وإذ قد ظهر ألا حجة لكم فلله الحجة لكن لا يهدي الله الكل إليها لعدم مشيئته، وله في ذلك حكم، ومصالح لا يهتدي إليها إلا من هداه الله، (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ): أحضروهم، اسم فعل متعد ويكون لازمًا، (الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا): وهم قدوتهم ليلزمهم الحجة، (فَإِنْ شَهِدُوا): عنادًا، (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ): لا تصدقهم فيه وبين فسادهم، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: لا تتبعهم فإنهم يكذبون بآياتنا، (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ): كعبدة الأوثان، (وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ): يجعلون له عديلاً سبحانه!
* * *
стр. 576
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
* * *
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ): أقرأ، (مَا حَرَّمَ ربُّكمْ عَلَيْكمْ): حقًّا لا ظنًّا ولا تخرصًا متعلق بـ (حَرَّمَ) أو (أَتْلُ)، (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ): (أن) مفسرة يعني أي: لا تشركوا، ولا للنهي، (شَيْئًا) مصدر أو مفعول به، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: أحسنوا بهم، وضع أحسنوا موضع ألا تسيئوا للدلالة على أن عدم الإساءة في شأنهما غير كاف، (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ): من أجل فقر، (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، بدل من (الفواحش) أي: العلانية والسر فإن المشركين لا يستقبحون الزنا سرًا، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ): بجهة من الجهات، (إِلَّا بِالْحَقِّ): القود، والارتداد والرجم، (ذَلِكمْ) إشارة إلى المذكور، (وَصَّاكمْ بِهِ): بحفظه، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): عنه أمره ونهيه أو ترشدون، (وَلا تَقْربوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالتي هِيَ أَحْسَنُ) أي: إلا بطريقة هي أحسن الطرق كحفظه
стр. 577
وتثميره، (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ): حتى يصير بالغًا فادفعوا إليه جمع شده، (وَأَوْفُوا
الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ): بالعدل أي: لا تبخسوهما، (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا): إلا ما يسعها ولا تعجز عنه فإن أخطأ بعد بذل جهَده فلا حرج، (وَإِذَا قُلْتُمْ): تكلمتم في شيء، (فَاعْدِلُوا): في القول لا تجوروا فيه، (وَلَوْ كَانَ): المقول له أو عليه، (ذَا قُربى): من قرابتكم، (وَبعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا): وبوصيته أوفوا فاعملوا بكتابه لا تنكثوه، (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ): تتعظون به، (وَأَنَّ هَذَا) إشارة إلى ما في الآيتين، وقيل إلى ما في السورة، (صِرَاطِي): ديني، (مُسْتَقِيمًا): لا عوج فيه، (فَاتَّبِعُوهُ): عطف على لا تشركوا " وأن هذا صراطي " إلخ علة الاتباع أي: لأن (هذا) إلخ، والجمع بين حرفي العطف الواو والفاء عند تقديم المعمول فصلاً بينهما شائع، (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)، وقيل عطف على لعلكم تذكرون أي وصاكم به لأن هذا ديني المستقيم، (وَلا تَتَّبعُوا السُّبُلَ) أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ) الباء للتعدية، (عَن سَبِيلِهِ): الذي هو اتباع الحق، (ذَلِكُمْ): الاتباع، (وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): الضلال، (ثُمَّ آتيْنَا مُوسَى
стр. 578
الْكِتَابَ)، عطف على ذلكم وصاكم وثم للتراخي للإخبار، (تَمَامًا): كاملاً جامعًا لما يحتاج إليه، (عَلَى الذِي أَحْسَنَ) أي: جزاءً على إحسانه في الطاعة وتبليغ الرسالة أو تمامًا بمعنى كرامة، ونعمة أي: حال كون الكتاب نعمة على من أحسن القيام به أي: على المحسنين أو معنى تمامًا زيادة أي: حال كون الكتاب زيادة على ما أحسنه من العلم أي: على علمه، (وَتَفْصِيلاً): بيانًا مفصلاً، (لِكلِّ شَيْءٍ): يحتاج إليه عطف على تمامًا، فهو حال، وقيل نصبهما بالعلية أو بالمصدر، (وَهُدًى وَرَحْمَة لَعَلَّهُمْ): بني إسرائيل، (بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ): لكي يؤمنوا بالبعث.
* * *
(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا
قلتم فقد جاءتكم حجة واضحة فيها بيان الحلال والحرام، (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ): لمن عمل به، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ): بعد ما تمكن من معرفته، (وَصَدَفَ عَنْهَا): أعرض أو صدَّ الناس عنها، (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ): بسبب إعراضهم أو صدهم، (هَلْ يَنْظُرُونَ) أهل مكة أي: ما ينتظرون، (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ): لقبض أرواحهم، وهم إن كانوا غير منتظرين لذلك لكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بهم، (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ): المراد يوم القيامة، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ): كطلوع الشمس من
стр. 581
المغرب، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ): التي تضطرهم إلى الإيمان، (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) صفة نفسًا، (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا): عطَف على، آمنت أي: لا ينفع الكافر إيمانه في ذلك الحين ولا الفاسق الذي ما كسب خيرًا في إيمانه وتوبته، فحاصله أنه من باب اللف التقديري أي: لا ينفع نفسًا إيمانها ولا كسبها في الإيمان إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه أي: لا ينفعهم تلهفهم على ترك الإيمان بالكتاب، ولا على ترك العمل بما فيه، (قُلِ انْتَظِرُوا): إتيان أحد هذه الثلاث، (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ): له، وعيد شديد (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ): اليهود والنصارى أخذوا بعض ما أمروا وتركوا بعضه، أو أهل الشبهات والبدع من هذه الأمة، (وَكَانُوا شِيَعًا): فرقًا بعضهم يكفر بعضًا، وقد ورد " ستفترق أمتي على ثلات وسبعين كلها في النار إلا واحدة "، (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ): لست من عقابهم في شيء، ومن قال: إنه نهي عن التعرض لهم، فعنده الآية منسوخة وإذا كان المراد هذه الأمة فيحتمل أن يكون معناه أنت بريء منهم، (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ): بالعقاب، (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) أي: عشر
стр. 582
حسنات أمثالها فضلاً من الله، وهذا أقل ما وعد لا ينقص منه، (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) أي: إلا جزاء مثلها لا يضاعف، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ): بنقص الثواب، وزيادة العقاب، (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي): بالوحي، (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا) أعني دينًا أو بدل من محل (صراط) إذ معناه وهداني صراطًا: (قِيَمًا)، مصدر بمعنى القيام أي: قائمًا ثابتًا لا زوال له كرجل عدل، (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، عطف بيان لـ (دينًا) لما في الإضافة من زيادة التوضيح، (حَنِيفًا): مائلاً عن غير الصواب حال عن إبراهيم فإنه بمنزلة الحال من المضاف الذي هو معمول الفعل، (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): كما يقول المشركون، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي): الذبح في الحج والعمرة وقيل: عبادتي (١) كلها، (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: حياتي وموتي، (لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: ملك له، وهو خالقه فأنا خالص في العبادة لا شرك أو ما أنا عليه في حياتي ومماتي من الإيمان والطاعة خالص له، (لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ): القول والطريق، (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ): من هذه الأمة، (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا) غير الله حال من ربًا والهمزة للإنكار، (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)، حال في موقع العلة،
стр. 583
(وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا)، فإثم الجاني عليه لا على غيره، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى): لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى، وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم قائلين: " اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ " [العنكبوت: ١٢]، (ثُمَّ إِلَى ربَِّكُم مَّرْجِعُكُمْ): يوم القيامة، (فَيُنَبِّئُكُم بمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) فتعلموا أننا على الحق أو أنتم، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ). يا أمة محمد، (خَلائِفَ الأرْضِ): خلفاء الأمم السالفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة، لأنه يخلفه في الأرض، وقيل: يخلف بعضكم بعضًا أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها فالخطاب عام، (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ): بالغنى والرزق منصوب على التمييز أو بدل من بعضكم أو بنزع الخافض أي: بدرجات، (لِيَبْلُوَكُمْ): ليختبركم، (فِي مَا آتَاكُمْ): يمتحن الغني في غناه، ويسأله عن شكره والفقير في فقره ويسأله عن صبره، (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ): بمن عصاه، وخالف رسله وكل ما هو آت قريب، (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ): لمن والاه واتبع رسله.
والحمد لله حقَّ حمده ..
أو نهي لأمته أو ضيق قلب من تبليغه مخافة التكذيب (لِتُنذِرَ بِهِ) متعلق بأنزل أو بـ فلا يكن فإنه إذا لم يكن ذا حرج كان أجسر على الإنذار (وَذكْرَى) موعظة، (لِلْمُؤْمِنِينَ) تقديره: لتنذر به الكافرين ولتذكر ذكرى للمؤمنين أو عطف على محل تنذر، أو عطف على كتاب (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) اتبعوا أوامر الله ونواهيه، (وَلا تَتَّبعُوا مِن دُونِهِ): من دون ربكم، (أَوْلِيَاءَ) من الجن والإنس فيضلوكم (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) تتعظون اتعاظًا قليلاً وما مزيدة لتأكيد القلة (وَكَم مِّن قَريةٍ) كثيرًا منها (أَهْلَكْنَاهَا) بالعذاب لمخالفة الرسل، أي: أردنا إهلاك أهلها (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) عذابنا (بَيَاتًا) بايتين ليلاً (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) عطف على بياتًا فإنه حال من القيلولة، أي: الضحى وكلا الوقتين وقت غفلة واستراحة فالعذاب فيهما أفظع (فمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ) دعاؤهم وقولهم (إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: أقروا بحقية العذاب تحسرًا (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِليهم) عن إجابتهم الرسل (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) عن إبلاغ الرسالة وعما أجيبوا به
стр. 586
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ) على الرسل والأمم يخبر عباده بما عملوا من جليل وقليل (بِعِلْمٍ) عالين بجملته (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) عنهم فيخفى علينا (وَالْوَزْنُ) أي: للأعمال (يَوْمَئِذٍ) يوم السؤال (الْحَقُّ) العدل ووزن الأعمال بتقليبها أجسامًا أو بوزن
стр. 587
صحيفة الأعمال أو صاحب الأعمال، قيل: تارة توزن الأعمال وتارة صحيفتها وتارة صاحبها جمعًا بين الأحاديث، ويومئذ خبر الوزن والحق صفته. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) جمع موزون أي: أعماله مطلقًا أو ميزان وجعه على الثاني باعتبار كثرة الموزون.
(فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ) الفائزون الناجون.
(وَمَنْ خَفتْ مَوَازَينُهُ فأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ) بتضييع الفطرة السليمة. (بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) فينكرونها. (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) بالتمليك والتصرف والقدرَة. (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) أسباب تعيشون بها. (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي: شكرًا قليلاً، وما مزيدة.
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ
كالذر، أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء، وعلى هذا (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ): للتراخي في الإخبار.
(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) وقد مر الكلام في أن المأمور به جميع الملك، أو ملائكة الأرضين وأن إبليس منهم، أو من الجن (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) منع بمعنى أحوج واضطر؛ لأن الممنوع عن شيء مضطر إلى خلافه، أي: ما أحوجك إلى عدم السجدة؟ أو لا زائدة مؤكدة معنى الفعل الداخلة هي عليه والسؤال للتوبيخ (إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) كأنه قال: المانع أني خير منه.
(خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) والنار ألطف وأنور، فقاس وقصر النظر بالعنصر، وما نظر إلى تشريف خلقه بيده ونفخ روحه فيه، وأخطأ في القياس أيضًا؛ فإن (مِنْ طِينٍ) الحلم والوقار والرزانة والصبر وهو محل النبات والنمو، ومن النار الإهلاك والطيش والسرعة والارتفاع.
(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا) من الجنة أو من السماء أو من منزلتك (فمَا يَكُونُ لَكَ) ما يستقيم (أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) ممن أهانه الله لكبره.
стр. 590
(قَالَ أَنظِرْنِي) أمهلني فلا تمتني (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) إلى ابتداء القيامة وهي النفخة الثانية فتموت حين موت الخلائق.
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: بسبب إغوائك إياي أقسم بالله لأقعدن لهم كما يقعد القطاع للسابلة طريق الإسلام والباء متعلق بأقسم القدر، ولأن لام القسم مانع من تعلقه بأقعدن، ونصب صراط على الظرف، أو تقديره على صراطك (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) من قبل آخرتهم فأشككهم فيها أو دنياهم (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) دنياهم أزين لهم أو آخرتهم (وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ) من قبل حسناتهم، (وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) قبل سيآتهم، أو المراد من أي وجه ممكن، (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) مطيعين، وإنما قاله ظنًّا وقياسًا، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه.
(قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا) معيبًا، والذأم: أشد العيب (مَدْحُورًا) مطرودًا، (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) لام توطئة القسم وجوابه (لأمْلأَن جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) وهو ساد مسد جواب الشرط.
(وَيَا آدَمُ) أي: قلنا (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) وقد مر الخلاف في الشجرة (فَتَكُونَا) يحتمل النصب على الجواب، والجزم على العطف (مِنَ الظَّالِمِينَ).
стр. 591
(فوَسْوَسَ لَهُمَا) فعل الوسوسة لأجلهما (الشَّيْطَانُ) والوسوسة حديث يلقيه في القلب (لِيُبْدِيَ لَهُمَا) ليظهر لهما، واللام إما للعاقبة وإما للغرض، فإن اللعين يعلم أن العصيان في الجنة سبب لسلب اللباس والفضيحة (مَا وُورِيَ عَنْهُمَا) ما غطى عنهما وستر (مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا) أكل (عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا) كراهة (أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) يحصل لكما ما للملائكة من القوة والاستغناء عن الغذاء وغيره (أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) في الجنة (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي: أقسم لهما على ذلك، و " لكما " متعلق بـ الناصحين على حذف المفسر، أو التوسع في الظرف (فَدَلَّاهُمَا) خدعهما (بِغُرُورٍ) بما غرهما به من القسم (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) وجد طعمها (بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا) بأن تافت عنهما لباسهما
(وَطَفِقَا) أخذا (يَخْصِفَان) يلزقان (عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ) أشجار (الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الهالكين، والأصح أن هذه كلمات تلقاها آدم من ربه فتاب عليه
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ) أي: خلقنا لكم ولما كان بقضاء سماوي، وأسباب من السماء قال: (وأنزلنا) وكم مثله في القرآن (لِبَاسًا يُوَارِي) يستر (سَوْءَاتِكُمْ) فأغناكم عن خصف الورق (وَرِيشًا) مالاً أو ما يتجمل به من الثياب، أو جمالاً (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) خشية الله أو الإيمان أو العمل الصالح، أو العفاف، أو هو اللباس الأول يعني لباسًا يواري عوراتكم، أو لباس الحرب وهو مبتدأ (ذلِك خَيْرٌ) خبره (ذلِكَ) أي: خلق اللباس (مِنْ آيَاتِ اللهِ) الدالة على فضله (لَعَلَّهُمْ يَذكرونَ) يتعظون فيتورعون عن كشف العورة.
(يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) لا يضلنكم (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ) فتنهما فأخرجهما (مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) حال من أبويكم أو من فاعل أخرج، والشيطان سبب الإخراج والنزع (لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا) فإن كل واحد منهما ما رأى عورة صاحبه قط (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) جنوده (مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) تعليل للنهي فإن عدوًا يراك ولا تراه لشديد المؤنة (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ) أحباء (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) فإنهم متابعوهم، أو سلطناهم عليهم ليزيد غيهم
стр. 594
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) ككشفهم عورتهم في الطواف نسائهم ورجالهم (قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا) على تلك الفعلة المتناهية في القبح (آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا) اعتقدوا أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع (قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) فإنه لا يأمر إلا بما لا ينفر عنه الطبع السليم، ولا يستعيبه العقل المستقيم (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) بالعدل لا الإفراط ولا التفريط (وَأقِيمُوا) عطف على أمر ربي، ومثله شائع (وُجُوهَكمْ عِنْدَ كلِّ مَسْجِدٍ) استقيموا في العبادة في محالها وهي متابعة الأنبياء أو وجهوا وجوهكم إلى الكعبة في الصلاة حيث كنتم، أو صلوا في أي مسجد كنتم فيه إذا حضرت الصلاة ولا تؤخروها إلى مساجدكم (وَادْعُوهُ مخلصينَ) فلا تقبل عبادة إلا إذا كانت موافقة للشريعة خالصة (لَهُ الدِّينَ) الطاعة (كَمَا بَدَأَكُمْ) أنشأكم ابتداء (تَعُودُونَ) بإحيائكم وإيجادكم بعد موتكم وفنائكم أو كما خلقكم مؤمنًا وكافرًا تعودون مؤمنًا وكافرًا (فَرِيقًا هَدَى) فوفقهم للإيمان (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) وانتصابه بمقدر
стр. 595
تفسيره ما بعده، أي: وفريقًا أضل (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ) فيتبعونهم (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) ثيابكم التي تستر عورتكم (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) بصلاة وطواف (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) نزلت حين كان بنو عامر لا يأكلون دسمًا في أيام حجهم، ولا يأكلون إلا قوتًا فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك، أي: كلوا ما طاب (وَلَا تُسْرِفُوا) بتحريم الحلال (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ) لا يرتضي فعل (الْمُسْرِفِينَ) المعتدين حده في حلال أو حرام، أو معناه لا تسرفوا بإفراط الطعام والشراب.
* * *
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي
стр. 596
فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
* * *
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) التي حرمتموها على أنفسكم في الطواف (الَّتِي أَخْرَجَ) من النبات والحيوان والمعادن كالقطن والحرير والدروع (لِعِبَادِهِ وَالطّيِّبَاتِ مِن الرِّزقِ) المستلذات من المآكل والمشارب كما حرمتم من عند أنفسكم في أيام الحج (قُلْ هِيَ) أي: الطيبات مخلوقة (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنيَا) بالأصالة والكفرة شريكهم تبعًا (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لا يشاركهم الكافرون وقيل: خالصة في الآخرة من التنغيص والغم خلافًا للدنيا، ونصبه على الحال من المستكن في الظرف (كَذَلِكَ) كتفصيلنا هذا الحكم (نفَصِّلُ) جميع (الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أن الله هو الذي يحرم ويحلل أو لقوم غير جاهلين (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) ما تزايد قبحه كالكبائر (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) جهرها وسرها (وَالْإثْمَ) كل ذنب، أو الصغائر أو
стр. 597
الخمر (وَالْبَغْيَ) الظلم (بِغَيْرِ الْحَقِّ) متعلق بالبغي مؤكد له معنى (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) برهانًا ومن المحال إنزال البرهان على الإشراك فيكون هذا تهكمًا واستهزاء (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) بالافتراء عليه (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) كذبت رسولها (أَجَلٌ) وقت معين لنزول العذاب والاستئصال (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أي: إذا جاء وقت العذاب لا يتأخر ولا يتقدم أقصر وقت، ويصل إليهم في ذلك الوقت المقدر، أو لا يطلبون التأخر والتقدم؛ لشدة الهول (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) إن حرف شرط وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) التي فيها الفرائض والأحكام (فَمَنِ اتَّقَى) الشرك منكم (وَأَصْلَحَ) عمله (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الآخرة (وَلا هُمْ يَحْزنونَ) وهذا الشرط والجزاء إما يأتينكم (وَالّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) منكم عطف على من اتقى (وَاستَكْبَرُوا عَنْهَا) فتركوا العمل بها (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) تَقَوَّل عليه ما لم يقله (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أو كذب ما قاله (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) ينالهم
стр. 598
ما كتب عليهم وهو قوله: " وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ " [الزمر: ٦٠]، أو ما وعدوا في الكتاب من خير وشر أو ما أثبت لهم في اللوح المحفوظ أو مما كتب لهم من العمل والرزق والعمر (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا) ملكْ الموت وأعوانه (يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أي: أرواحهم حال من الرسل (قَالُوا) جواب إذا (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ما موصولة أي: أين الآلهة التي كنتم (تَدْعُون) تعبدونها (مِنْ دُونِ اللهِ) وهو سؤال وتقريع (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا) غابوا فلا نراهم ولا ننتفع بهم (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ قَالَ) الله لهم يوم القيامة (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أي: ادخلوا في النار كائنين في زمرة أمم تقدم زمانهم أي: كفار الجن والإنس (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ) في النار (لَعَنَتْ أُخْتَهَا) في الدين التي ضلت بالاقتداء بها (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا) تلاحقوا واجتمعوا (فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ) دخولاً في النار (لأُولاهُمْ) أي: لأجل أولهم دخولاً، أي: الأتباع للمتبوعين، فإن المتبوع دخل قبل التابع، لأنه أشد جرمًا، أو آخر كل أمة لأولها، أو أهل آخر الزمان لأولهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا) أي: سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا) مصاعفًا (مِنَ النَّارِ) أي: أضعف عليم العقوبة (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ) أي: لكل واحد
стр. 599
ضعف من عذاب جهنم في هذا الحين، أو لكل عذاب لا مزيد له، أو عذاب ضعف ما يتصور أحدكم في شأن الآخر (وَلَكِن لَا تَعْلَمُون) ما لكل فريق منكم من العذاب.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ) القادة (لِأُخْرَاهُمْ) الأتباع (فَمَا كاَنَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل) رتبوا هذا الكلام على قول الله يعني: أن القادة لما سمعوا قوله تعالى: (لكل ضعف) قالوا للسفلة: ما لكم فضل علينا فإنا متساوون في الضلال والعذاب (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتمْ تَكْسِبُونَ) من قول القادة، أو من قول الله.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
* * *
стр. 600
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا) أي: عن الإيمان بما (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ) لأرواحهم (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) بل يُهوَى بما إلى السجين أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاء (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك الجزاء الفظيع (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ) فراش (وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) لحاف جمع غاشية (وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ) سماهم مرة ظالمًا ومرة مجرمًا؛ لتعدد قبائحهم وتكثرها (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) " لا نكلف " جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب والإعلام بأن هذه المرتبة الجليلة ممكنة الوصول إليها بسهولة (وَنزَعْنَا) أخرجنا (مَا في صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ) حسد وحقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) تحت منازلهم (الْأَنْهَارُ وَقَالُوا) لما رأوا تلك النعمة (الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) لعملٍ هذا ثوابه (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ) اللام لتوكيد النفي ويدل ما قبل لولا على جوابه (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فحصل لنا هذه النعمة بإرشادهم (وَنُودُوا أَن تِلْكُم الْجَنَّةُ) إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها، وأن هي المخففة أو مفسرة فإن المناداة من القول (أورِثْتُمُوهَا) حال من الجنة أو خبر والجنة صفة (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون)