← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) * * * (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) التي حرمتموها على أنفسكم في الطواف (الَّتِي أَخْرَجَ) من النبات والحيوان والمعادن كالقطن والحرير والدروع (لِعِبَادِهِ وَالطّيِّبَاتِ مِن الرِّزقِ) المستلذات من المآكل والمشارب كما حرمتم من عند أنفسكم في أيام الحج (قُلْ هِيَ) أي: الطيبات مخلوقة (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنيَا) بالأصالة والكفرة شريكهم تبعًا (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لا يشاركهم الكافرون وقيل: خالصة في الآخرة من التنغيص والغم خلافًا للدنيا، ونصبه على الحال من المستكن في الظرف (كَذَلِكَ) كتفصيلنا هذا الحكم (نفَصِّلُ) جميع (الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أن الله هو الذي يحرم ويحلل أو لقوم غير جاهلين (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) ما تزايد قبحه كالكبائر (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) جهرها وسرها (وَالْإثْمَ) كل ذنب، أو الصغائر أو

стр. 597

الخمر (وَالْبَغْيَ) الظلم (بِغَيْرِ الْحَقِّ) متعلق بالبغي مؤكد له معنى (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) برهانًا ومن المحال إنزال البرهان على الإشراك فيكون هذا تهكمًا واستهزاء (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) بالافتراء عليه (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ) كذبت رسولها (أَجَلٌ) وقت معين لنزول العذاب والاستئصال (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أي: إذا جاء وقت العذاب لا يتأخر ولا يتقدم أقصر وقت، ويصل إليهم في ذلك الوقت المقدر، أو لا يطلبون التأخر والتقدم؛ لشدة الهول (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) إن حرف شرط وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) التي فيها الفرائض والأحكام (فَمَنِ اتَّقَى) الشرك منكم (وَأَصْلَحَ) عمله (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الآخرة (وَلا هُمْ يَحْزنونَ) وهذا الشرط والجزاء إما يأتينكم (وَالّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) منكم عطف على من اتقى (وَاستَكْبَرُوا عَنْهَا) فتركوا العمل بها (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) تَقَوَّل عليه ما لم يقله (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أو كذب ما قاله (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) ينالهم

стр. 598

ما كتب عليهم وهو قوله: " وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ " [الزمر: ٦٠]، أو ما وعدوا في الكتاب من خير وشر أو ما أثبت لهم في اللوح المحفوظ أو مما كتب لهم من العمل والرزق والعمر (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا) ملكْ الموت وأعوانه (يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أي: أرواحهم حال من الرسل (قَالُوا) جواب إذا (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ما موصولة أي: أين الآلهة التي كنتم (تَدْعُون) تعبدونها (مِنْ دُونِ اللهِ) وهو سؤال وتقريع (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا) غابوا فلا نراهم ولا ننتفع بهم (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ قَالَ) الله لهم يوم القيامة (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أي: ادخلوا في النار كائنين في زمرة أمم تقدم زمانهم أي: كفار الجن والإنس (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ) في النار (لَعَنَتْ أُخْتَهَا) في الدين التي ضلت بالاقتداء بها (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا) تلاحقوا واجتمعوا (فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ) دخولاً في النار (لأُولاهُمْ) أي: لأجل أولهم دخولاً، أي: الأتباع للمتبوعين، فإن المتبوع دخل قبل التابع، لأنه أشد جرمًا، أو آخر كل أمة لأولها، أو أهل آخر الزمان لأولهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا) أي: سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا) مصاعفًا (مِنَ النَّارِ) أي: أضعف عليم العقوبة (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ) أي: لكل واحد

стр. 599

ضعف من عذاب جهنم في هذا الحين، أو لكل عذاب لا مزيد له، أو عذاب ضعف ما يتصور أحدكم في شأن الآخر (وَلَكِن لَا تَعْلَمُون) ما لكل فريق منكم من العذاب. (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ) القادة (لِأُخْرَاهُمْ) الأتباع (فَمَا كاَنَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْل) رتبوا هذا الكلام على قول الله يعني: أن القادة لما سمعوا قوله تعالى: (لكل ضعف) قالوا للسفلة: ما لكم فضل علينا فإنا متساوون في الضلال والعذاب (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتمْ تَكْسِبُونَ) من قول القادة، أو من قول الله. * * * (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) * * *

стр. 600

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا) أي: عن الإيمان بما (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ) لأرواحهم (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) بل يُهوَى بما إلى السجين أو لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاء (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة وذلك مما لا يكون فكذا ما توقف عليه (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك الجزاء الفظيع (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ) فراش (وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) لحاف جمع غاشية (وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ) سماهم مرة ظالمًا ومرة مجرمًا؛ لتعدد قبائحهم وتكثرها (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) " لا نكلف " جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب والإعلام بأن هذه المرتبة الجليلة ممكنة الوصول إليها بسهولة (وَنزَعْنَا) أخرجنا (مَا في صُدُورِهِم مّنْ غِلٍّ) حسد وحقد كان بينهم في الدنيا فلم يبق بينهم إلا التواد (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) تحت منازلهم (الْأَنْهَارُ وَقَالُوا) لما رأوا تلك النعمة (الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) لعملٍ هذا ثوابه (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ) اللام لتوكيد النفي ويدل ما قبل لولا على جوابه (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فحصل لنا هذه النعمة بإرشادهم (وَنُودُوا أَن تِلْكُم الْجَنَّةُ) إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها، وأن هي المخففة أو مفسرة فإن المناداة من القول (أورِثْتُمُوهَا) حال من الجنة أو خبر والجنة صفة (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون)

стр. 601

أعطيتموها بلا تعب كالميراث، أو ميراثكم من أهل الجنة، فقد ورد " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة وفي النار، والكافر يرث المؤمن منزله من النار والمؤمن الكافر من الجنة " (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ) تبجحًا بحالهم وشماتة بالكفرة (أَن قَد وَجَدْنَا) يحتمل المخففة والتفسير (مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا) في الدنيا من الثواب (حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ) من العذاب وأهوال الآخرة (حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذنَ مُؤَذِّنٌ) نادى مناد (بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) " أن " كما مر (الَّذِينَ يَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللهِ) صفة الظالمين أي: يمنعون الناس عن اتباع شرعه (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) زيغًا وميلاً حتى لا يتبعها أحد (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) بين الجنة والنار حاجز يمنع من وصول أهل النار إلى الجنة، وهو الأعراف (وَعَلَى الأعْرَافِ) وهو السور المضروب بينهما (رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا) من أهل الجنة والنار (بِسِيمَاهُمْ) بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها قبل دخول أهل الجنةِ الجنةَ والنارِ النارَ وَبَعَّدَه لارتفاع محلهم وإشرافهم، وبإعلام الله تعالى إياهم فهم يعرفونهم بأشخاصهم، والأصح بل الصحيح أنهم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم (وَنَادَوْا) عطف على يعرفون (أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) وأن مثل ما مر (لَمْ يَدْخُلُوهَا) استئناف (وَهُمْ يَطْمَعُونَ) في دخولها عطف، أو حال من النفي أي: هم عند عدم الدخول

стр. 602

كانوا طامعين (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ) فيه إشارة إلى أن نظرهم إلى أصحاب النار لا برغبة منهم وميل (تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) في النار. * * * (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) * * *

стр. 603

(وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالاً) من الكفرة (يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهمْ) من رؤساء الكفرة يقولون: يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل يا فلان يا فلان (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) لم تنفعكم كثرتكم أو جمعكم المال (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرونَ) عن الحق (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ) من تتمة قول أهل الأعراف لأولئك الكفار، والإشارة إلى ضعفاء الجنة التي كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أنَّهم لا يدخلون الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي: ثم يقال لأهل الأعراف ذلك، أو لما عير أهل الأعراف أهل النار قال أهل النار: إن دخل هؤلاء الجنة فوالله أنتم لا تدخلونها تعييرًا لهم فقال الملائكة: أهؤلاء أي: أهل الأعراف الذين أقسمتم يا أهل النار أنه لا ينالهم الله برحمته؟!، ثم قالت الملائكة لهم " ادخلو الجنة " الآية (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ) ألقوا علينا (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) من الطعام (قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا) أي: ماء الجنة وطعامها (عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا) فاستهزءوا به أو جعلوا اللهو واللعب دينهم، وهو ما زين لهم الشيطان كتحريم البحيرة والتصدية وغيرهما (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) فتركوا الآخرة (فَالْيَوْمَ نَنسَاهمْ) نعاملهم معاملة الناسين فنخليهم في جهنم (كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) فلم يستعدوا له (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) وكما كانوا منكرين أنه من عند الله.

стр. 604

(وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ) قرآن (فَصَّلْنَاهُ) بينا مواعظه وأحكامه (عَلَى عِلْمٍ) منا بما فصلناه به حال من المفعول (هُدًى وَرَحْمَةً) نصبهما بالحال من المفعول (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ) ينتظرون (إِلا تَأوِيلَهُ) ما يئول إليه أمر الكتاب من صدق وعده ووعيده وكذبهما (يَوْمَ يَأتِي تَأوِيلُهُ) وهو يوم القيامة (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ) تركوا الإيمان به والعمل له (مِن قَبْلُ) قبل إتيانه أي: في الدنيا (قَدْ جَاءَتْ رُسُل ربنَا بِالْحَقِّ) ونحن كذبناهم (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) اليوم (أَوْ نُرَدُّ) أي: هل نرد إلى الدنيا؛ (فَنَعْمَلَ) جواب هل نرد (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بصرف العمر في الكفر (وَضَلَّ) غاب وبطل (عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: لم ينفعهم آلهتهم. * * * (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي

стр. 605

أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) * * * (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي: في مقدار ستة أيام الدنيا أو أيام الآخرة كل يوم ألف سنة (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)

стр. 606

أجمع السلف على أن استواءه على العرش صفة له بلا كيف نؤمن به ونكل العلم إلى الله تعالى وليس المراد منه خلق العرش بعد السماوات والأرض كما فسر بعض العلماء (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) يغطيه به وفيه حذف، أي: ويغشى النهار الليل ولم يذكر للعلم

стр. 607

به (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) يعقبه سريعًا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء، والجملة حال من النهار وحثيثًا صفة مصدر، أي: طلبًا سريعًا (وَالشَّمْسَ) عطف على السماوات (وَالْقَمَرَ وَالنجُومَ مُسَخَّرَاتٍ) نصب على الحال (بِأَمْرِهِ) بقضائه وتصريفه (أَلا لَهُ الْخَلْقُ) لا خالق إلا هو (وَالأمْرُ) لا يجري في ملكه إلا ما يشاء (تَبَارَكَ اللهُ) تعالى وتعظم (رَبُّ الْعَالَمِينَ). (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضرعًا وَخُفْيَةً) أي: ذوي تذلل واستكانة وخفية، فالأصح أنه يكره الصياح والنداء في الدعاء (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المتجاوزين في شيء أمروا به ومنه الإطناب في الدعاء بمثل مسألة الجنة ونعيمها وإستبرقها وقصورها وأمثال ذلك (وَلا تُفسِدُوا في الأرضِ) بالشرك والمعاصي (بَعْدَ إِصْلاحِهَا) ببعث الأنبياء، وقيل: لا تفسدوا بالمعاصي فإن من شؤمها يمسك المطر فتخرب الأرض بعدما كانت مخضرة (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) من عقابه وثوابه حالان من الفاعل (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) المطيعين في أمره ونهيه لم يقل قريبة، لأن الرحمة بمعنى الثواب ولاكتساب المرجع التذكير من المضاف إليه كما صرح الزمخشري في " ما إن مفاتحه لينوء " [القصص: ٧٦]، بالياء التحتانية (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا) جمع بشير

стр. 608

يبشر بالمطر، أي: باشرات، أو للبشارة، ومن قرأ نُشُرًا بالنون وضمها وشين مضمومة أو ساكنة أو فتح النون وسكون الشين فمن النشر أي: ناشرات للسحاب الثقال (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) قدام المطر قيل: الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ) حملت الرياح (سَحَابًا) أي: سحائب (ثِقَالًا) بما فيها من الماء (سُقْنَاهُ) أي: السحاب (لِبلَدٍ ميِّتٍ) لأجل أرض لا نبات فيها (فَأَنْزَلْنَا بِهِ) بالبلد أو بسبب السحاب (الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ) بسبب الماء أو بالبلد فالباء للظرفية (مِن كُلِّ) أنواع (الثمَرَاتِ كَذَلِكَ) مثل إخراج الثمرات وإحياء البلد (نُخْرِجُ الْمَوتى) من قبورهم بعد إحيائهم (لَعَلكُمْ تَذَكرُونَ) أن من قدر على ذلك قدر على هذا (وَالْبلَدُ الطيِّبُ) أي: أرض كريمة التربة (يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) بمشيئته وتيسيره سريعًا حسنًا (وَالذِي خَبُثَ) ترابه (لا يَخْرُجُ) أي: نباته حذف المضاف وأقيم المضاف إليه، أي: الضمير المجرور مقامه فصار مرفوعًا مستترا (إِلَّا نَكِدًا) بطيئًا عديم النفع ونصبه على الحال (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ) نبينها مكررًا (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) فيتفكرون في الآية وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر. (لَقَدْ أَرْسَلْنَا) جواب قسم محذوف (نوحًا إِلَى قَوْمِهِ) لما ذكر قصة آدم في أول السورة شرع في قصص الأنبياء (فقَالَ يَا قَوْمِ اعبدُوا اللهَ) أي: وحده (مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) صفة إله باعتبار محله (إِني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) القيامة

стр. 609

(قَالَ الْمَلأ) أي: الأشراف والسادة (مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مبِينٍ) بين لأنك تركت دين آبائك (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) أي: أقل ما يطلق عليه اسم الضلال (وَلَكِنِّي رَسُولٌ من ربِّ الْعَالَمِينَ) ثابت على الصراط المستقيم (أبَلِّغُكُمْ) صفة لرسول أو استئناف (رِسَالاتِ ربي وَأَنصَحُ لَكُمْ) يقال نصحته ونصحت له (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ) من جهته بالوحي (مَا لا تَعْلَمُون) من صفات لطفه وقهره (أَوَعَجِبْتُمْ) الهمزة للإنكار، أي: أكذبتم وعجبتم من (أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ) موعظة (مِن ربكُمْ عَلَى) لسان (رَجُلٍ مِنْكُمْ) من جنسكم (لِيُنذِرَكُمْ) عاقبة المعاصي (وَلِتَتَّقُوا) من المعصية بسبب الإنذار (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بالتقوى (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) ظرف معه أي: صاحبوه في الفلك، أو حال من ضمير معه، أو من الموصول، والأصح أنَّهم ثمانون (وَأَغرَقنا) بالطوفان (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) عمى القلوب عن معرفة الله تعالى. * * * (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا

стр. 610

لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) * * * (وَإِلَى عَادٍ) أي: إلى قومه عطف على " نوحًا " (أَخَاهُمْ) في النسب، أو واحد منهم كقولك: يا أخا العرب (هُودًا) عطف بيان لـ أخاهم (قَالَ يَا قَوْمِ اعبدُوا الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتقُونَ) عذاب الله (قَالَ الْمَلأ) الأشراف (الذِين كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ) ومن أشرافهم من آمن به (إِنَّا لَنَرَاكَ في سَفَاهَةٍ) في خفة عقل (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي) كامل العقل لأني

стр. 611

(رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ ربِّي وَأَنَا لَكمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) على الرسالة لا أكذب فيها (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) قد مر تفسيره قريبًا فلا نعيده (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نوحٍ) في مساكنهم أو في الأرض بأن أخذ منهم وأعطاكم (وَزَادَكمْ في الْخَلْق بَصْطَةً) قامة وقوة (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) تعميم بعد تخصيص (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بسبب ذكر النعم وشكره (قَالُوا أَجِئْتَئنا) مجاز من القصد والتعرض أي: أقصدتنا (لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) من الأصنام (فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في الوعد (قَالَ قَدْ وَقَعَ) وجب وحق أو جعل متحقق الوقوع كالواقع (عَلَيْكُمْ مِنْ ربِّكمْ رِجْسٌ) عذاب (وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) أي: في أشياء ما هي إلا أسماء أحدثتموها فما هي إلا من موضوعاتكم ومخترعاتكم وليس تحتها مسميات، فإن معنى الإلهية فيها بالكلية منتف فكيف تتخذونها إلها (مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) ما جعل الله لكم في عبادتها حجة ولا دليلاً (فانتَظِروا) أمر الله تعالى (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) حتى تروا حالكم وحالنا (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا

стр. 612

دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أهلكناهم عن آخرهم واستأصلناهم (وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) والناجي في الدارين المؤمنون. * * * (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ

стр. 613

أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) * * * (وَإِلَى ثَمُودَ) أي: إلى قبيلته (أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ) معجزة (مِنْ ربِّكُمْ) على صدقي (هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيةً) استئناف يبين البينة وإضافة الناقة إلى الله؛ لأنها جاءت من عنده بلا سبب معهود، فإنها خرجت من الصخرة يوم عيدهم بمحضرهم حين سألوا تلك المعجزة وعهدوا أن يؤمنوا به بعد ما تظهر، ونصب آية على الحال والعامل معنى الإشارة (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) من الضرب والطرد والأذى (فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) جواب للنهي (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ) في مساكنهم (وَبَوَّأَكُمْ) سكنكم (فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) تبنون القصور من سهولة الأرض مما تصنعون منها من اللبن والآجر (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) كانوا يثقبون في الجبال ويسكنون في الشتاء فيها لتنعمهم، ونصب بيوتًا على الحال المقدرة، لأن الجبل ما كان بيتًا في حال النحت، أو تقديره من الجبال

стр. 614

بيوتًا (فَاذْكرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا) العثي: أشد الفساد (فِي الأرْضِ مُفْسدِينَ) أي: لا تبالغوا في الفساد في حال فسادكم (قَالَ الْمَلأ) الأشراف (الَّذِينَ استَكْبَرُوا) عن الإيمان (مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استُضْعِفوا) أي: الرعايا (لِمَنْ آمَن مِنْهمْ) بدل من للذين بدل البعض؛ لأن ضمير منهم راجع إلى للذين فإن المستضعفين كثيرون والمؤمنون أربعة آلاف (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) قيل قالوه على الطنز والسخرية. (قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) عدلوا به عن مثل نعم إشارة إلى أن إرساله معلوم مسلم إنما الكلام في الإيمان به ونحن مؤمنون (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) فما سلموا إرساله الذي ادعوا ظهوره (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) نحروها وكلهم راضون بنحرها فأسند الفعل إلى جميعهم (وَعَتَوْا) استكبروا (عَنْ) قبول (أَمْرِ ربهِمْ وَقَالوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب (إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهمُ الرَّجْفَةُ) الزلزلة فإنه كان عذابهم صيحة من السماء وزلزلة من الأرض تقطعت قلوبهم في صدورهم (فأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ) أرضهم ومسكنهم (جَاثِمِينَ) خامدين ميتين (فَتَوَلَّى) أعرض (عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) خاطبهم به بعد هلاكهم كما خاطب نبينا ﵊ قليب بدر بقوله " هل وجدتم ما

стр. 615

وعد ربُّكم حقًا " قيل: ويجوز أن يتولى عنهم ويقول ذلك حين مقدمة نزول العذاب وهذا كما قال بعضهم في الآية تقديم وتأخير. (ولوطًا) أي: أرسلنا، أو واذكر لوطًا (إِذ قَالَ) ظرف على الأول وبدل من لوطًا على الثاني (لِقَوْمهِ أَتَأتونَ الْفَاحِشَةَ) تلك الفعلة القبيحة (ما سَبَقَكُمْ) استئناف مقررة للإنكار (بِهَا) الباء للتعدية (مِنْ أَحَدٍ) من زائدة للاستغراق (مِنَ الْعَالَمِينَ) من للتبعيض أي: ما فعلها أحد قط قبلكم (إِنَّكُمْ) الهمزة للإنكار (لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ) من أتى المرأة إذا غشيها (شَهْوَةً) للاشتهاء أنكر أن يكون الحامل على هذه القباحة مجرد الشهوة، أو حال أبي: مشتهين غير ملتفتين إلى سماجتها (مِنْ دُون النسَاءِ) المخلوق لكم (بَلْ أَنتمْ قَوْمٌ مُسْرِفون) إضراب على الإنكار إلى الإخبار عن طريقتهم وعادتهم كأنه قال: بل أنتم قوم لكم الإسراف في الأمور كلها وهو الباعث لكم إلى تلك القبيحة (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) أي: قال بعضهم لبعض: أخرجوهم في مقابلة النصح والإرشاد (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) من دبر الرجال والنساء قيل قالوا سخرية (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) فإنه ما من

стр. 616

أحد سوى أهل بيته (إِلَّا امْرَأَتَهُ) فإنها تستر الكفر (كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) الباقين في ديارهم فهلكت (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا) نوعًا من المطر وهو حجارة (فَانْظُرْ) يا محمد (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ). * * * (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا

стр. 617

لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) * * * (وَإِلَى مَدْيَنَ) قبيلة، أو المراد بلد مدين (أَخَاهُمْ) في النسب (شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُمْ بَيّنَةٌ) معجزة (مِنْ ربِّكُمْ) وليس في القرآن أنها ما هي (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ) أراد بالكيل الذي هو المصدر ما يكال به كالعيش على المعاش (وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) لا تنقصوهم حقوقهم قيل كانوا مكاسين (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالكفر (بَعْدَ إِصْلاحِهَا) ببعث

стр. 618

النبي وأمره بالعدل (ذَلِكُمْ) إشارة إلى العمل بما أمرهم (خيْرٌ لَكُم) في الدنيا والآخرة (إِنْ كنتمْ مُؤْمِنِينَ) مصدقين بمقالي (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون) فإنهم يقعدون طرق الناس يوعدون الآتين إلى شعيب للإيمان بالقتل وغيره، أو معناه النهي عن وعيد الناس لإعطاء أموالهم فإنهم مكاسين ويوعدون في موضع الحال (وَتَصُدُّونَ) عطف على توعدون (عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ) بشعيب أو بالله وتوعدون وتصدون تنازعا في من آمن والعمل للثاني (وَتَبْغونَهَا) وتطلبون لسبيل الله (عِوَجًا) بإلقاء الشبه ووصفها للناس بالاعوجاج (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا) في العدد والعُدد (فَكَثَّرَكُمْ) بالأموال والبنين (وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) قبلكم فاعتبروا منهم (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا) بتعذيب المكذبين (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) لا حيف في حكم@ ولا معقب له (قَالَ الْمَلأُ) الأشراف (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) عن الإيمان (مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) أي: ليكونن أحد الأمرين إما الإخراج أو العود، وشعيب ﵇ قط لم يكن على ملتهم لكن غلَّبوا قومه عليه فإنهم كانوا على ملتهم (قَالَ) شعيب (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) أي: أنعود في ملتكم وإن كنا

стр. 619

كارهين لها؟ (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا) يدل على جواب الشرط قد افترينا، أي: قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها فإن المرتد مفترى في إثبات الند، وفي ظهور الحقية عنده للدين الباطل فهو أقبح من الكافر (وَمَا يَكُونُ) لا يمكن (لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ربُّنَا) ارتدادنا فإنه مصرف القلوب كيف يشاء، ولو أراد الله بأحدٍ سوءًا فلا مرد له (وَسِعَ ربُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) أحاط علمه بما كان وما يكون وعلمًا تمييز (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا) في تثبيتنا على الإيمان وتخليصنا منكم (رَبَّنَا افْتَحْ) اقض واحكم (بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) أنزل على كل منا ما يستحقه لا أن تهلكهم بدعائي وهم غير مستحقين للعذاب (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) لاستبدالكم دينه الباطل بدين آبائكم الحق، وجملة إنكم إذًا لخاسرون ساد مسد جواب القسم والشرط (فأَخَدتْهُمُ الرَّجْفَةُ) الزلزلة (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ) مدينتهم (جَاثِمِينَ) ميتين قد اجتمع عليهم أنواع من العذاب بسحابة فيها شرر من النار ولهيب وهو قوله تعالى " عَذَابُ يَوْمِ

стр. 620

الظُّلَّةِ " [الشعراء: ١٨٩] في سورة الشعراء ثم جاءتهم صيحة من السماء وهو قوله تعالى " فأخذتهم الصيحة " [الحجر: ٨٣] في سورة الحجر ورجفة من الأرض فزهقت أرواحهم وخمدت أجسادهم (الذِينَ كَذبُوا شُعَيْبًا) مبتدأ (كَأَنْ لَمْ يَغنَوا فِيهَا) خبره أي: كأن لم يقيموا فيها قط (الَّذِينَ كذبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ) لا الذين صدقوه كما زعموا (فتَوَلى عَئْهُمْ) الظاهر أنه بعد عذابهم وموتهم (وَقَالَ) تأسفًا بهم (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) وقد كفرتم (فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) مستحقين للعذاب. * * * (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) * * * (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) فكذبه أهلها (إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ) الفقر (وَالضَّرَّاءِ) المرض (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) كي يتضرعوا ويتركوا الاستكبار عن الإيمان (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أعطنا السلامة والسعة مكان البلاء والشدة ابتلاء واستدراجًا (حَتَّى عَفَوْا) كثروا عددًا ومالاً (وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ

стр. 621

وَالسَّرَاءُ) فأصابنا مثل ما أصابهم وهذا عادة الدهر ولم ينتبهوا وغفلوا (فأَخَذناهُمْ بَغتَةً) فجأة مصدر أي: هذا النوع من الأخذ (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بنزول العذاب (وَلَوْ أَنَّ أَهلَ الْقُرَى) أي: تلك القرى التي أرسلنا فيها رسلاً (آمنوا وَاتَّقَوْا) المعاصي (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ) يسرنا الخير لهم (مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) من كل جانب أو قطر السماء ونبات الأرض (وَلَكِنْ كَذبُوا) رسلنا (فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) بسبب كفرهم وعصيانهم (أَفَأَمِنَ) الهمزة للإنكار وهو عطف على فأخذناهم بغتة، أو فأخذناهم بما كانوا، وحاصله فعلوا كيت وكيت فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن (أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا) عذابنا (بَياتًا) أي: وقت بيات، أي: بيتوتة فنصبه على الظرف بحذف المضاف (وَهُمْ نائِمُون) جملة حالية (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى) ضحوة النهار ظرف (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) من فرط غفلتهم (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ) استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر واستدراجه (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) فطرتهم. * * *

стр. 622

(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) * * * (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بعْدِ أَهْلِهَا) أي: يرثون ديار من قبلهم (أَنْ) أي: أن الشأن (لَوْ نَشَاءُ أَصَباهُمْ) بالبلاء (بِذُنُوبِهِمْ) بسببها كما عذبنا من قبلهم وجملة أن لو نشاء فاعل يهد ومن قرأ بالنون فهو مفعول وفي الهداية حينئذ تضمين التبيين ولهذا عدي باللام (وَنَطْبَعُ) نختم (عَلَى قُلُوبِهِمْ) هو استئناف ولهذا غير الأسلوب أي: نحن نطبع، أو عطف على مدلول أو لم يهد يعني يغفلون ونطبع وليس بعطف على أصبناهم؛ لاستلزام انتفاء كونهم مطبوعين مع بطلانه لقوله: " فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ " وقوله: " كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " وقوله: " فما كانوا ليؤمنوا "؛ لدلالته على أن حالهم منافية للإيمان (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) الموعظة أبدًا سماع قبول.

стр. 623

(تِلْكَ الْقُرَى) إشارة إلى قرى الأمم التي مر ذكرها (نَقُصُّ عَلَيْكَ) حالٌ، أو خبرٌ إن جعلت القرى صفة تلك (مِنْ أَنْبَائِهَا) أي: بعض أخبارها (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) المعجزات (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي: ما صلحوا للإيمان بعد رؤية المعجزات (بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) أي: قبل رؤيتهم تلك المعجزات يعني بعدما طبعناهم لا يمكن لهم الإيمان بما جاءهم الرسول أو الباء للسببية أي: كفرهم السابق سبب كفرهم اللاحق وعن بعض السلف المراد من قبل يوم أخذ الميثاق فإنهم حينئذ أقروا باللسان وأضمروا التكذيب (كذَلِكَ) مثل ذلك الطبع الشديد (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافرينَ) الوارثين والموروثون (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ) أي: الأمم الماضية (مِنْ عَهْدٍ) وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق، أو عهدهم مع أنبيائهم (وَإِنْ وَجَدْنَا) أي: إن الشأن علمنا (أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) خارجين عن طاعتنا وعند الكوفيين أن نافية واللام بمعنى إلا. (ثمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: الرسل الذين مر ذكرهم (مُوسَى بِآيَاتِنا) المعجزات (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا) أي: بالآيات بأن وضعوا الكفر بها مكان الإيمان (فَانْظُرْ) يا محمد (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسدِينَ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ) على بمعنى الباء أي: بألاَّ أقول، كما تقول: رميت على القوس أو أصله حقيق على ألاَّ أقول كما هو قراءة نافع فقلب لأمن الإلباس، أو أراد موسى أن يغرق في وصف نفسه بالصدق فيقول: أنا حقيق على قول الحق، أي: واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله، ولا

стр. 624

يرضى إلا بمثلي ناطقًا به أو معناه أني حريص على ألَّا أقول (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنةٍ) وهي العصا (مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) خلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة فإن فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ) من عند من أرسلك (فَأتِ بِهَا) أحضرها عندي (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواك (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ) حية عظيمة لا يشك في أنها حية (وَنَزَعَ يَدَهُ) أخرجها من جيبه بعدما أدخلها فيه (فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) لها شعاع غلب نور الشمس ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول وللناظرين متعلق بـ بيضاء، أي: بيضاء للنظارة (١). * * * (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ

стр. 625

لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦) * * * (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) في صنعته أي: قالوا ذلك موافقين لقول فرعون كما حكاه تعالى: " قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم " [الشعراء: ٣٤]، فوافقوه وقالوا كمقالته أو قال الملأ بطريق التبليغ من لسان فرعون إلى القوم يعني القبط (١) (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ) يا معشر القبط (مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأمُرُون) تشيرون في أمره (قَالُوا) بعدما اتفقوا رأيهم (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) الإرجاء التأخير أي: أخر أمره وأمر أخيه أو احبسه وأصله أرجئه (وَأَرْسِلْ في الْمَدَائِن حَاشرينَ) أي رجالاً يحشرون إليك من في مدائن صعيد مصر من نواحي مصر من السحرة (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) على موسى (قَالَ) فرعون (نَعَمْ) إن لكم أجرًا (وَإِنَّكُم لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) فهو معطوف على محذوف سد مسد نعم (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) عصاك (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) ما معنا من الحبال ورغبتهم في أن

стр. 626

يلقوا قبله، ولهذا غيروا نظم الكلام إلى آكد وجه (قَالَ) موسى كرمًا ووثوقًا على الله (أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) خيلوا إليها ما لا حقيقة له (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) خوفوهم (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) قيل خمسة عشر ألف ساحر وقيل أكثر، ومع كل عصي وحبال غلاظ طوال، وألقوا فإذا حيات قد ملأت (١) الوادي تركب بعضها بعضًا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) فألقاها (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ) تبتلع (مَا يَأْفِكُونَ) ما يزورونه من الإفك، فلما أكلت حبالهم وعصيهم بأسرها، قالت السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا (فَوَقَعَ الْحَقُّ) ثبت وظهر (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من السحر (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) صاروا أذلاء، وأرجعوا إلى مدينتهم أذلاء مغلوبين، والضمير لفرعون وقومه (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) ألقاهم الله تعالى، أو ألهمهم أن يسجدوا، أو من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا (قَالُوا آمَنَّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ رَبّ مُوسَى وَهَارونَ) لا رب

стр. 627

القبط فإنه فرعون (قَالَ فِرْعَوْن آمَنتمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكمْ) في الإيمان (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ) أي: حيلة صنعتموها أنتم وموسى في مصر قبل الخروج إلى هنا (لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا) أي: القبط فتبقى مصر (١) لكم (فَسَوْفَ تَعْلَمونَ) عاقبة صنيعكم، ثم فصل ما أجل وقال: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) من كل شق طرفًا (ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا) بالموت (مُنْقَلِبُونَ) فلا نخاف من وعيدك، أو مصيرنا ومصيرك إلى الله فيحكم بيننا (وَمَا تَنْقِمُ) تنكر (مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا) ثم أعرضوا عنه وفزعو إلى الله تعالى، وقالوا: (رَبَّنَا أَفْرِغْ) أفض (علَيْنَا صَبْرًا) حتى لا نرجع من الدين (وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) قال ابن عباس ﵄ وغيره: كانوا أول النهار سحرة وفي آخره شهداء. * * * (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ

стр. 628

عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) * * * (وَقَالَ الْمَلاً مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ) لفرعون (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ) بني إسرئيل (لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ) بدعوتهم إلى مخالفتك (وَيَذَرَكَ وَآلِهتَكَ) عطف على يفسدوا، أو جواب للاستفهام بالواو، كما يجاب بالفاء قيل: [كان] لفرعون بقرة يعبدها ويأمر أن يعبدوا بقرة حسناء، وقيل علق على عنقه صليبًا يعبده، وقيل: اتخذ لقومه أصنامًا وأمر بعبادتها، وقال لهم: هذه آلهتكم وأنا ربكم الأعلى (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ) كما كنا نفعل من قبل حين حكمت الكهنة بوجود مولود على يده زوال ملكنا (وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) نتركهن أحياء للخدمة (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) هم تحت أيدينا مقهورون (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) حين شكوا إليه (اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) فلربما يأخذ منهم ويعطيكم بسهولة كالميراث (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: عاقبة الأمر بالنصر والظفر للمتقين فثقوا بالله تعالى وقال بعضهم معناه الآخرة للمتقين خاصة (قَالُوا) بنوا إسرائيل (أُوذِينَا) بقتل الأبناء (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأتِيَنَا) بالرسالة (وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) بإعادة القتل (قَالَ)

стр. 629

موسى (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أرضهم وملكهم (فَيَنْظُرَ) يرى (كَيْفَ تَعْمَلُونَ) من شكر وكفران وطاعة وعصيان. * * * (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ

стр. 630

آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) * * * (وَلَقَدْ أَخَدنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) بالجدوب لقلة الأمطار (وَنَقْصٍ مِن الثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذكرونَ) لكي ينتبهوا ويتعظوا (فَإِذَا جَاءَتْهُم الْحَسَنَة) السعة والمال (قَالوا لَنا هَذِه) لأجلنا ونحن مستحقوها ولم يشكروا منعمها (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) بلاء وجدب (يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) يتشاءموا بهم وقالوا ما هذا إلا بشؤمهم (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) أي: شؤمهم من قبل الله ومن عنده، أو سبب شؤمهم وهو أعمالهم القبيحة عنده مكتوب (وَلكِنَّ أَكثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ما أصابهم من الله تعالى (وَقَالُوا) لموسى (مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ) أي: أيما شيء تأتنا به فمحل مهما الرفع وجاز النصب بفعل يفسره (تَأتِنَا) أي: أيما شيء تحضرنا تأتنا به (مِنْ آيَةٍ) بيان لهما وسموها آية على زعم موسى (لِتَسْحَرَنَا بِهَا) الضمير لما في

стр. 631

مهما باعتبار المعنى فإن من آية فضلة جيء للتبيين (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) فدعا عليهم موسى ﵇ (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ) أرسل الله تعالى مطرًا سبعة أيام امتلئت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل مع أن بيوتهم مشتبكة أو المراد من الطوفان الوباء أو الجدري ثم فزعوا إلى موسى وعهدوا بالإيمان إن كشف عنهم العذاب، فلما كشف نقضوا عهودهم (وَالْجَرَادَ) فأرسل الله إليهم الجراد فأكل زروعهم وثيابهم حتى مسامير أبوابهم ثم عهدوا وكشف فنقضوا (وَالْقُمَّلَ) فأرسل الله إليهم السوس أو أولاد الجراد قبل أجنحتها أو الحمنان صغار القردان أو دواب سود صغار أو القمل بفتح القاف حتى أكلت أبدانهم ومصت دماءهم فعهدوا فلما كشف نقضوا (وَالضَّفَادِعَ) فأرسل الله تعالى إليهم الضفادع حتى لا يستطيعوا الطبخ والأكل فإنه يمتلئ قدورهم وظروفهم وأفواههم فعهدوا ونقضوا (وَالدَّمَ) صارت مياههم دمًا وسالت النيل عليهم بالدم أو المراد بالدم

стр. 632

الرعاف فعطشوا فعهدوا ونقضوا (آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) مبينات لا يشتبه على أحد أنها نقمة من الله ونصبها على الحال (فَاسْتَكْبَرُوا) عن الإيمان (وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين وَلَما وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) الآيات المفصلات أو الطاعون فهو عذاب سادس (قَالُوا يَا مُوسى ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) أي: بحق عهده عندك وهو النبوة أو بما أنت تعلمه من أسمائه التي تدعو بها فيستجيب الدعاء (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ) حد من الزمان هم بالغوه فمعذبون أو مهلكون فيه وهو الغرق (إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) عهدهم أي: فلما كشفنا العذاب فجاءوا النقض بلا مهل وتأمل (فَانْتَقَمْنَا) أردنا الانتقام (مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) البحر العميق (بِأَنَّهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) لا يتفكرون في آياتنا (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم (مَشَارِقَ الأرْضِ) أرض الشام (وَمَغَارِبَهَا التِي بَارَكْنَا فيهَا) بالسعة والرخاء (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ ربِّكَ) هي وعده إياهم بالنصر والظفر (الْحُسْنَى) صفة الكلمة (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) بسبب صبرهم على الشدائد (وَدَمَّرْنَا) استأصلنا (مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) من العمارات (وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) يرفعون من البيوت والقصور أو من البساتين.

стр. 633

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) عبرنا بهم (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ) مروا عليهم (يَعْكُفُونَ) يقيمون (عَلَى) عبادة (أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا) مثالاً نعبده (كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) ما كافة (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لأن العاقل لا

стр. 634

يطلب معبودًا مخلوقًا لا يضر ولا ينفع (إِنَّ هَؤُلاءِ) إشارة إلى القوم (مُتَبَّرٌ) مكسر مدمر (مَا هُمْ فِيهِ) أي: دينهم فاعل متبراً أو مبتدأ و (مُتَبَّرٌ) خبره (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ألبتة لا محالة (قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ) أطلب لكم (إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) بأن أعطاكم نعمًا وخصكم بها (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: واذكروا هذا اللطف العظيم (يَسُومُونَكُمْ) استئناف أو حال أي: يبغونكم (سُوءَ الْعَذَاب) شدته (يُقَتِّلُونَ) بدل من يسومون مبين له (أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ) أي: العذاب (بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قيل الإشارة إلى الإنجاء فالبلاء بمعنى المنحة لا المحنة. * * * (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ

стр. 635

الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) * * * (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاِثينَ لَيْلَةً) ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي) كن خليفتي (فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى (وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) لا تطع من دعاك إلى الفساد.
следующие страницы →