← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مهما باعتبار المعنى فإن من آية فضلة جيء للتبيين (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) فدعا عليهم موسى ﵇ (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ) أرسل الله تعالى مطرًا سبعة أيام امتلئت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل مع أن بيوتهم مشتبكة أو المراد من الطوفان الوباء أو الجدري ثم فزعوا إلى موسى وعهدوا بالإيمان إن كشف عنهم العذاب، فلما كشف نقضوا عهودهم (وَالْجَرَادَ) فأرسل الله إليهم الجراد فأكل زروعهم وثيابهم حتى مسامير أبوابهم ثم عهدوا وكشف فنقضوا (وَالْقُمَّلَ) فأرسل الله إليهم السوس أو أولاد الجراد قبل أجنحتها أو الحمنان صغار القردان أو دواب سود صغار أو القمل بفتح القاف حتى أكلت أبدانهم ومصت دماءهم فعهدوا فلما كشف نقضوا (وَالضَّفَادِعَ) فأرسل الله تعالى إليهم الضفادع حتى لا يستطيعوا الطبخ والأكل فإنه يمتلئ قدورهم وظروفهم وأفواههم فعهدوا ونقضوا (وَالدَّمَ) صارت مياههم دمًا وسالت النيل عليهم بالدم أو المراد بالدم

стр. 632

الرعاف فعطشوا فعهدوا ونقضوا (آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) مبينات لا يشتبه على أحد أنها نقمة من الله ونصبها على الحال (فَاسْتَكْبَرُوا) عن الإيمان (وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين وَلَما وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) الآيات المفصلات أو الطاعون فهو عذاب سادس (قَالُوا يَا مُوسى ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) أي: بحق عهده عندك وهو النبوة أو بما أنت تعلمه من أسمائه التي تدعو بها فيستجيب الدعاء (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ) حد من الزمان هم بالغوه فمعذبون أو مهلكون فيه وهو الغرق (إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) عهدهم أي: فلما كشفنا العذاب فجاءوا النقض بلا مهل وتأمل (فَانْتَقَمْنَا) أردنا الانتقام (مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) البحر العميق (بِأَنَّهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) لا يتفكرون في آياتنا (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم (مَشَارِقَ الأرْضِ) أرض الشام (وَمَغَارِبَهَا التِي بَارَكْنَا فيهَا) بالسعة والرخاء (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ ربِّكَ) هي وعده إياهم بالنصر والظفر (الْحُسْنَى) صفة الكلمة (عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) بسبب صبرهم على الشدائد (وَدَمَّرْنَا) استأصلنا (مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) من العمارات (وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) يرفعون من البيوت والقصور أو من البساتين.

стр. 633

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) عبرنا بهم (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ) مروا عليهم (يَعْكُفُونَ) يقيمون (عَلَى) عبادة (أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا) مثالاً نعبده (كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) ما كافة (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لأن العاقل لا

стр. 634

يطلب معبودًا مخلوقًا لا يضر ولا ينفع (إِنَّ هَؤُلاءِ) إشارة إلى القوم (مُتَبَّرٌ) مكسر مدمر (مَا هُمْ فِيهِ) أي: دينهم فاعل متبراً أو مبتدأ و (مُتَبَّرٌ) خبره (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ألبتة لا محالة (قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ) أطلب لكم (إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) بأن أعطاكم نعمًا وخصكم بها (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: واذكروا هذا اللطف العظيم (يَسُومُونَكُمْ) استئناف أو حال أي: يبغونكم (سُوءَ الْعَذَاب) شدته (يُقَتِّلُونَ) بدل من يسومون مبين له (أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ) أي: العذاب (بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قيل الإشارة إلى الإنجاء فالبلاء بمعنى المنحة لا المحنة. * * * (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ

стр. 635

الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) * * * (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاِثينَ لَيْلَةً) ذا القعدة للمناجاة وإرسال كتاب من عنده (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) من ذي الحجة نقل أنه بعد صوم الشهر استاك فزال خلوفه فلذلك أمر بصوم عشر ليكون لفمه خلوف (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي) كن خليفتي (فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) ارفق بهم واحملهم على طاعة الله تعالى (وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) لا تطع من دعاك إلى الفساد.

стр. 636

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا) أي: لوقتنا الذي وقتنا له (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) فلما سمع كلامه اشتاق لقاءه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي) نفسك بأن تتجلى إلي (أَنْظُرْ إِلَيْكَ) أراك (قَالَ لَنْ تَرَانِي) في الدنيا وقد وردت أحاديث صحاح صريحة على رؤية الله تعالى في الآخرة وأجمعت الأمة على ذلك سوى المعتزلة وحسبهم من الخسران والحسرة أن عاملهم الله تعالى في الآخرة بعقيدتهم وحرمهم من نعمة لقائه كما قال جدي قدس سره (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ) ويطيق الرؤية مع أنه أعظم

стр. 637

وأئقل جسمًا (فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) ظهر نور ربه وقد ورد ما تجلى إلا قدر الخنصر (جَعَلَهُ دَكًّا) أي: مدكوكًا كالتراب ومن قرأ دكاء فمعناه أرضًا مستوية (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) سقط مغشيًا عليه (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ) أنزهك مما لا يليق بك أو قال سبحانك لعظمة ما رأى (تُبْتُ إِلَيْكَ) من مسألة الرؤية بغير إذن (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنه لا يراك أحد إلى يوم القيامة أو أول قومي إيمانًا. (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ) اخترتك (عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي) بوحيي (وَبِكَلامِي) من غير واسطة (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) أعطتك من الرسالة (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ولا تطلب ما لا طاقة لك به. (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ) ألواح التوراة وقيل الألواح قبل نزول التوراة وهي من خشب أو من جوهرة (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) هم إليه محتاجون في أمر دينهم (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) تبيينًا لكل أمر ونهي حلال وحرام فنصبهما على المفعول له أي: للموعظة ولتبيين الحلال والحرام وقيل من كل شيء مفعول كتبنا وموعظة وتفصيلاً بدل منه (فَخُذْهَا) أي: فقلنا له خذ الألواخ (بِقُوَّةٍ) بجد وعزيمة (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) أي: التكليف عليك يا موسى أشد من التكليف على قومك قيل في الألواح ما هو أحسن كالصبر بالإضافة إلى الانتصار مثلاً فأمرهم على طريقة الندب

стр. 638

أن يتبعوا أفضل ما فيها وهو الصبر والعفو (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) أي: سترون عاقبة من خالف أمري كيف تصير إلى الهلاك أو هي جهنم فاحذروا أن تكونوا منهم أو منازلهم كيف تكون خاوية على عروشها قيل هذا بشارة بأنه سيرزقهم أرض أعدائهم (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ) أي: أمنعهم عن فهم الحجج والأدلة الدالة على وحدانيتي وعظمتي وأنزع عنهم فهم كلامي (بِغَيْرِ الْحَقِّ) صلة يتكبرون أو حال فإن تكبر المحق على المبطل حق والتكبر على المتكبر صدقة (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ) معجزة (لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) لعنادهم (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ) طريق الهدى والسداد (لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ) طريق الضلال (يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ) إشارة إلى مصيرهم إلى هذه الحالة (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) لا يتدبرون فيها (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ) أي: لقائهم الدار الآخرة (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) بطلت فليس لها نفع (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إلا جزاء أعمالهم. * * * (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي

стр. 639

فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) * * * (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى) أي: اتخذ السامري لهم بإعانتهم ورضاهم فكأنهم هم الذين اتخذوا (مِنْ بَعْدِه) من بعد ذهابه إلى الجبل (مِنْ حُلِيِّهِمْ) التي استعاروا من القبط (عِجْلًا جَسَدًا) بدنا ذا لحم ودم بدل من عجلا (لَهُ خُوَارٌ) صوت البقر قال بعضهم: استمر على كونه من الذهب إلا أنه يدخل في فيه الهواء فيصوت كالبقر (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) أي: ألم يروا حين اتخذوه إلها أنه حيوان لا يقدر على كلام ولا على إرشاد فكيف اعتقدوا على أنه خالق القوى والقدر؟! (اتَّخَذُوهُ) إلهًا (وَكَانُوا ظَالِمِينَ) فلوضعهم الأشياء في غير موضعها اتخذوه إلها (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) كناية عن الندامة فإن النادم يعض يده (وَرَأَوْا) اعلموا (أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا) بقبول توبتنا (وَيَغْفِرْ لَنَا) هذا الذنب العظيم (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الهالكين.

стр. 640

(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ) عليهم (أَسِفًا) شديد الغضب أو حزينًا فإنه قد أعلمه الله بذلك وهو على الطور كما قال تعالى: " فإنا قد فتنا قومك من بعدك " [طه: ٨٥]، (قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتمونِي مِنْ بَعْدِي) أي: فعلتم بعد ذهابي وفاعل بئس ضمير يفسره ما والمخصوص بالذم محذوف أي: بئس فعلاً فعلتموه من بعدي فعلكم (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) وهذا كما يقال لمن ولى أحدًا غير مستحق للولاية: عجلت أمر السلطنة أي: في حالها وأمرها أو ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته أي: سبقتم أمر ربكم أو ميعاد ربكم أو سخط ربكم (وَأَلْقَى الألْوَاحَ) طرحها غضبًا (وَأَخَد بِرَأْسِ أَخِيهِ) بشعره (يَجُرُّهُ إلَيْهِ) خوفًا عن أن يكون قد قصر في نهيهم وهارون أكبر من موسى (قَالَ ابْنَ أُمَّ) كانا أخوين من أب وأم وذكَر الأم ليرققه (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) أي: بذلت وسعي في النهي حتى قهروني وقاربوا قتلى (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ) لا تفعل بي شيئًا يشمتون

стр. 641

لأجله (وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) معدودًا في عداد عابدي العجل في عقوبتك. (قَالَ) لما علم براءة ساحته (رَبِّ اغْفِرْ لِي) ما صنعت بأخي (وَلِأَخِي) إن قصر في نهيهم (وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ) بمزيد الإنعام أو في جنتك (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). * * * (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) * * *

стр. 642

(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) إلهًا (سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وهو أمرهم بقتل أنفسهم للتوبة كما مر فهو حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى حين أخبره أو غضب في الآخرة (وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إخراجهم من ديارهم وهوانهم إلى الأبد وقيل المراد من الذين اتخذوا العجل: أبناؤهم وهم يهود زمن النبي ﷺ وصف الأبناء بقبائح فعل الآباء (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) على الله تعالى (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) أي: الشرك (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا) بعد السَّيِّئَاتِ (وَآمَنُوا) أخلصوا الإيمان واشتغلوا بما هو مقتضى الإيمان (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) بعد التوبة (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَمَّا سَكَتَ) أي: سكن (عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ) التي ألقاها (وَفِي نُسْخَتِهَا) أي: في الألواح فإنها نسخت من اللوح المحفوظ أو لما ألقى الألواح تكسرت ثم رد عليه لوحان أو لما تكسرت نسخ منها نسخة أخرى (هُدًى) من الضلال (وَرَحْمَةٌ) من العذاب (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) للخائفين ودخول اللام في المفعول لضعف الفعل بالتأخير وقيل في يرهبون تضمين معنى الخضوع (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) منصوب بنزع الخافض أي: من قومه (سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنا) أمر موسى أن يختار من بني إسرائيل سبعين ليدعوا ربَّهُم فلما دعوا قالوا اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدًا من قبلنا ولا من بعدنا فكره الله تعالى ذلك

стр. 643

فأخذكم الرجفة أو اختار سبعين ليعتذروا من عبادة العجل فلما سمعوا كلام الله تعالى قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا أو أخذتهم الرجفة فإنهم علماء وما نهوا بني إسرائيل عن عبادة العجل، وقال بعضهم: ما ماتوا ثم بعد تضرع موسى كشف عنهم الرجفة فاطمأنوا أو ماتوا لكن أحياهم الله تعالى بدعاء موسى (فَلَمَّا أَخَذَتهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ) موسى: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ) لو للتمني (أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبلُ وَإِيَّايَ) تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما يرى، أو المراد أهلكتهم أي: عبدة العجل من قبل عبادتهم (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) من التجاسر على طلب الرؤية فإن بعضًا من السبعين طلبوا الرؤية، أو من عبادة العجل، ولذلك قيل: علماؤهم ما عبدوا العجل (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) اختبارك وامتحانك حين أسمعتهم كلامك فطمعوا في الرؤية، أو حين خلقت في العجل خوارًا فضلوا (تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ) ضلاله (وَتَهْدِي) بها (مَنْ تَشَاءُ) هداه (أَنْتَ وَلِيُّنَا) القائم بأمرنا (فَاغْفِرْ لَنَا) ذنوبنا الماضية (وَارْحَمْنَا) بأن لا توقعنا بعد في مثله (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) لأنك تغفر الذنوب جميعًا بلا عرض ولا عوض (وَاكْتُبْ) أي: أثبت (لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) عافية وطاعة (وَفِي الْآخِرَةِ) جنة وقربة (إِنَّا هُدْنَا) رجعنا وتبنا (إِلَيْكَ قَالَ) الله مجيبًا له في قوله: " إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ " (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ

стр. 644

أَشَاءُ) تعذيبه (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) في الدنيا حتى الشجر والحجر (فَسَأَكْتُبُهَا) فسأوجب رحمتي في الآخرة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الكبائر (وَيُؤتونَ الزكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) بما أنزل على جميع الأنبياء لا يكفرون بشيء منها قيل لما اختار موسى سبعين قال لهم: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم؟ فقالوا: لا نريد إلا أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في القلوب، ولا أن نقرأ التوراة إلا نظرًا قال تعالى: " فسأكتبها للذين يتقون " الآية (الذِينَ يَتَّبِعُونَ) أي: هم الذين أو بدل من الذين يتقون، والمراد اليهود الذين فِي آخر الزمان وآمنوا بمحمد ﵊ أو عامة أمته الصالحين (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الذي لا يكتب ولا يقرأ (الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ) اسمه وصفته (فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأمُرُهُمْ) النبي

стр. 645

(بِالْمَعْرُوفِ) والخير (وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) والشر (ويحِل لَهُمُ الطيِّبَاتِ) مما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة ومما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا (وَيَضَعُ) يخفف ويسقط (عَنْهمْ إِصْرَهمْ) أي: ثقلهم العهد الثقيل الذي أخذ عليهم بالعمل بالتوراة (وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) التكاليف الشاقة التي كانت في دينهم (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) بهذا الرسول (وَعَزَّرُوهُ) عظموه (وَنَصَرُوهُ) على عدوه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ) أي: القرآن (الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي: مع نبوته وقيل: متعلق باتبعوا القرآن مع اتباع النبي أي: اتبعوا الكتاب والسنة (أُولَئِكَ هُمُ الْمفْلِحون) الفائزون في الدارين. * * * (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ

стр. 646

فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) * * * (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطاب عام لا يشذ عنها أحد (إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي) صفة الله والفصل غير أجنبي أو منصوب بتقدير أعني (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) بدل اشتمال من له ملك السماوات (يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ) جميع كتبه (وَاتَّبِعُوهُ) في الإيمان بالله وجميع الكتب وبما أمر ونهى (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) لكي تهتدوا (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى) بني إسرائيل (أمَّةٌ يَهْدُون) الناس (بِالْحَقِّ) محقين (وَبِهِ) بالحق (يَعْدِلُون) في الحكم وهم الثابتون على الحق من اليهود قرنا بعد قرن أو من

стр. 647

آمن منهم كعبد الله بن سلام وأتباعه أو قوم وراء الصين هم على الحق آمنوا بمحمد لا يصل أحد منهم إلينا ولا منا إليهم. (وَقَطَّعْنَاهُمُ) صيرنا بني إسرائيل قطعًا وفرقناهم (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) مفعول ثان لقطع لأنه متضمن معنى صير أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة (أَسْبَاطًا) تمييز له وهو من الجمع الذي وقع موقع المفرد فإن معناها القبيلة؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط أو بدل منه (أُمَمًا) بدل أو نعت لأسباطًا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ) في التيه (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) جنس الحجر أو حجرًا خاصًا كان

стр. 648

معه كما مر ذكره في سورة البقرة (فَانْبَجَسَتْ) أي: فضرب فانفجرت (مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ) كل قبيلة (مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ) لدفع حر الشمس (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ) شيء كالترنجبين (وَالسَّلْوَى) طير كالسماني وقلنا لهم (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) مستلذات (مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا) ما رجع ضر كفران نعمه إلينا (وَلَكِنْ كَانُوا أَئفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يضرون أنفسهم ووبال فعلهم راجع إليهم (وَإِذ قِيلَ لَهُمُ) أي: واذكر هذا الزمان (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَريةَ) بيت المقدس أو أريحا (وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شئْتُمْ وَقُولُوا حِطةٌ) أي: مغفرة يعني استغفروا أو أقروا بالذنب أو احطط عنا الخطايا (وَادْخُلُوا الْبَابَ) باب البلد (سُجَّدًا) شكرًا لله تعالى على الفتح والإنقاذ من التيه (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) ثوابًا وهو استئناف ولم يأت بالعطف إشعارًا على أنه تفضل محض (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) بدلوا بحطة حنطة استهزاء (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا) عذائا مقدرًا (مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) بسبب ظلمهم. * * *

стр. 649

(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) * * * (وَاسْأَلْهُمْ) أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين بحضرتك سؤال توبيخ وتقريع (عَنِ الْقَريةِ) أي: خبر أهلها (التِي كَانتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) قريبة منه، وهي أيلة بين مدين والطور (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) بدل من اشتمال القرية أو ظرف كانت أو حاضرة،

стр. 650

ومعناه يتجاوزون حدود الله يوم السبت (إِذ تَأتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ) ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل (يَوْمَ سَبْتِهِمْ) أي: يوم تعظيمهم أمر السبت من سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة (شُرَّعًا) ظاهرة على الماء حال من الحيتان (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُون) لا يعظمون سبتهم وهو غير يوم السبت (لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ) مثل ذلك الامتحان التام (نَبْلُوهُمْ) نختبرهم بإظهار السمك في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائها في اليوم المحلل لهم (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى (وَإِذْ قَالَتْ) عطف على إذ يعدون (أُمَّةٌ مِنْهُمْ) أي: فرقة من أهل القرية فإنهم ثلاث فرق: فرقة ارتكبوا الخطيئة، وفرقة ناهية، وفرقة سكتوا فما ارتكبوا وما نهوهم، فقالت الفرقة الساكتة للناهية: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) فإنهم علموا لكثرة عدم نفع الموعظة أنها لا تنفع لا محالة استحقوا سخط الله تعالى (قَالُوا) أي: الفرقة الناهية ترهيبًا لهم هذه (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر، ومن قرأ بالنصب فتقديره وعظناهم معذرة (وَلَعَلَّهُمْ يَتقُونَ) عن الاصطياد في السبت فلا نيأس من أن تدركهم الرحمة (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) تركوا ترك الناسي (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) خالفوا أمرنا (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) شديد (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) بسبب فسقهم والأصح أن

стр. 651

الفرقة المرتكبة دون غيرهم صاروا قردة والفرقتين الأخريين نجوا وعند بعضهم أن الفرقة الساكتة أيضًا مسخوا (فَلَمَّا عَتَوْا) تكبروا (عَن) ترك (مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ) عن بعض السلف أنَّهم سمعوا مناديًا قال: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) ذليلين أو المراد من أمرهم سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك لا حقيقة الأمر والأصح أن المسخ صوري ومعنوي ثم هلكوا بعد ثلاثة أيام ولم يبق منهم نسل، والعذاب البئيس هو المسخ فهذه الآية تقرير وتفصيل للأولى. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أعلم أو قال أو أمر وحكم (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) على اليهود وأجرى تَأَذَّنَ كعلم الله وشهد الله مجرى القسم ولذلك أجيب بقوله ليبعثن (إِلَى يَوْمِ الْقيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ) يعذبهم (سُوءَ الْعَذَابِ) أي: أوجب الله على نفسه ليسلطن عليهم من يعذبهم بضرب الجزية والإهانة وسبي النساء إلى آخر الدهر (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) لمن أصر على المعصية (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) على من تاب وأناب (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) فرقناهم في البلاد فلا تجتمع كلمتهم مفعول ثان؛ لأن القطع بمعنى التصيير (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) صفة أمم (وَمِنْهُمْ) ناس (دُونَ ذَلِكَ) منحطون عن الصلاح (وَبَلَوناهُمْ) امتحناهم (بِالْحَسَنَاتِ) بالنعم (وَالسَّيِّئَاتِ) بالنقم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عما كانوا فيه (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ) من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح (خَلْفٌ) والخلف بسكون العين البدل السوء (وَرِثُوا الْكِتَابَ) التوراة من أسلافهم (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) أي: حطام هذه الدنيا الحقير كالرشوة في تبديل حكم الله والجملة حال من فاعل ورثوا (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ

стр. 652

لَنَا) الفعل مسند إلى الجار والمجرور (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) أي: يرجون المغفرة والحال أنَّهم مصرون على الذنب عائدون على مثله. عن السدي كان بعضهم يطعن في حكامهم بأخذ الرشوة فإذا جعل مكان حاكمهم من يطعن بأخذ الرشوة هو أيضًا يأخذ فحاصله وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ) أي: في التوراة (أَنْ لَا يَقُولُوا) أي: بأن لا يقولوا أو عطف بيان لميثاق (عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) فهم ذاكرون لهذا الميثاق عطف على (أَلَمْ يُؤْخَذْ) (وَالدَّارُ الْاخِرَةُ خَيْرٌ لِلذِينَ يَتَّقُونَ) المعاصي لا للذين يخالفون أمر الله تعالى فإن مصيرهم إلى النار (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فيعلموا ذلك ويرتدعوا عما هم فيه (وَالذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكتَابِ) اعتصموا بكتابهم فآمنوا بمحمد ﷺ (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ) خبر الذين يمسكون (أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) أي: أجرهم لإصلاحهم (وَإِذْ نَتَقْنَا) رفعنا (الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) الظلة: كل ما أظلك (وَظَنُّوا) تيقنوا (أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ) ساقط عليهم إن خالفوا وقلنا لهم: (خُذُوا مَا آتيْنَاكُم) من الكتاب (بِقُوَّةٍ) بجد واجتهاد في العمل به (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) فاعملوا به (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) كي تتقوا عن القبائح وذلك أنَّهم أبوا قبول أحكام التوراة فرفع الطور فوقهم، وقيل لهم: إن قبلتم وإلا ليقعن عليكم فسجدوا وقبلوا. * * *

стр. 653

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلله الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) * * * (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من بني آدم (ذُرِّيَّتَهُمْ) أي: أن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في

стр. 654

الترتيب (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أشهد بعضهم على بعض (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) قال بعضهم: شهدنا قول الملائكة لا قول بني آدم وهو أنه قال الله تعالى للملائكة اشهدوا على إقرارهم قالوا شهدنا (أَنْ تَقُولُوا) أي: كراهة أن تقولوا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا) أي: عن إنك ربنا (غَافِلِينَ) لم ننبه عليه ولذلك نصبنا الأَدلة على الربوبية وأرسلنا الرسل بذكرهم العهد فلا يكون لهم عذر (أَوْ تقُولُوا) عطف على أن تقولوا (إِنَّمَا أَشْرَكَ آباؤُنَا مِنْ قَبْلُ) قبل زماننا (وَكُنَّا ذُريةً مِنْ بَعْدِهِمْ) فاقتدينا بهم (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) الآباء المبطلون بتأسيس الشرك. اعلم أن الأحاديث الصحاح الدالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربُّهم ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر ﵃ كما حققه الثبات من المحدثين

стр. 655

ووافقهما أكثر السلف والخلف كأبي بن كعب ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم وقال بعض السلف والخلف: المراد بهذا الإشهاد أنه خلقهم على فطرة الإسلام ونصب لهم دلائل التوحيد ولظهورها صارت بمنزلة أنه قيل لهم: " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " وأنت تعلم أن ابن عباس حبر الأمة وأعلم الناس بمعاني القرآن (وَكَذَلِكَ) مثل ذلك التبيين (نُفَصِّلُ الْآيَاتِ) لفوائد جمة (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لكي يرجعوا عن اتباع الأصل. (وَاتْل عَلَيْهِمْ) على اليهود أو على قومك (نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) من الآيات بأن أعرض وكفر (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) لحقه وأدركه (فَكَانَ مِنَ

стр. 656

الْغَاوِينَ) صار من الضالين هو رجل من بني إسرائيل والأكثرون على أنه بلعم بن باعوراء عالم باسم الله الأعظم سألوا عنه أن يدعو على موسى وجنوده فأبى ثم ألحوا فألحوا وجاءوه بالرشوة فقبل فدعا عليهم فقبل الله ثم دعا موسى عليه فنزع عنه الإيمان والاسم الأعظم، وقال بعضهم: ما يسر الله له الدعاء على موسى لكن قال لهم: أخرجوا النساء تستقبلهم فعسى أن يزنوا ففعلوا فوقع واحد من بني إسرائيل في الزنا فنزل عليهم الطاعون فقتل أحد علمائهم الزاني فكشف عنهم العذاب قيل فحسب من هلك في الطاعون في ساعة من النهار فوجدوا سبعين ألفًا (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ) إلى الدرجات العلى (بِهَا) بسبب تلك الآيات (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) مال إلى الدنيا وزخارفها فإن جميع زخارفها من الأرض (وَاتبَعَ هَوَاهُ) في أخذ الرشوة والإعراض عن أمر الله تعالى (فَمَثَلُهُ كَمَثلِ الْكَلْبِ) في أخس أحواله وهو (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ) إن شد عليه فطرد (يَلْهَثْ): هو إخراج الكلب اللسان (أَوْ تَتْرُكْهُ) غير متعرض له بالزجر (يَلْهَثْ) قد نقل: إن بلعم لما دعا عليهم اندلع لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب أو مثله في أنه إن وعظته أو تركته فهو على

стр. 657

الضلال كالكلب في لهثته فِي الحالتين أو إن قلب الكافر ضعيف كالكلب فإن لهث الكلب من ضعف قلبه ولا يلهث سائر الحيوان إلا في حال إعياء أو عطش (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) المذكور على اليهود أو على كفار مكة (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيعلموا أنها شابهت قصتهم وحالهم فيتعظوا (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) أي: مثل القوم على حذف المضاف (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فتقديم المفعول للتخصيص (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) والاهتداء من أعظم الصفات (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) والإفراد في الأول والجمع في الثاني إشارة إلى أن طريق الهدى واحد فهم كرجل واحد وأنواع الضلال مختلفة متكثرة (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا) خلقنا (لِجَهَنَّمَ) اللام للعاقبة (كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) وهم الذين حقت عليهم كلمة الشقاوة (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) أي: لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي خلقها الله للاهتداء (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ) فِى عدم فقه معرفة الحق والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبر بل صرفوا مشاعرهم وقصروها في أسباب التعيش (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) فإن الدواب تفعل ما خلقت له إما بالطبع وإما بالتسخير وترتدع عن مضارها بخلاف الكافر فإنه خلق ليعبد الله وهو يعبد الشيطان ويعلم بعضهم أنه يضره ويرتكبه عنادًا (أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) أشد غفلة لا

стр. 658

غفلة بعد (وَلله الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) هي أحسن الأسماء دالة على أحسن المعاني وليست منحصرة في التسعة والتسعين (فَادْعُوهُ بِهَا) سموه بتلك الأسماء (وَذَرُوا

стр. 659

الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على آلهتهم بزيادة ونقصان كاللات من الله والمنات من المنان والعزى من العزيز وقيل الإلحاد فيها تسميته بما لم يرد في الكتاب ولا في السنة كـ يا سخي ويا مكار، ويا عاقل (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من الإلحاد (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) يقولونه ويدعون إليه (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) يعملون ويقضون وهم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان إلى يوم الدين وهذه صفة من ذرأ للجنة كما وصف من ذرأ لجهنم. * * * (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي

стр. 660

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) * * * (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) سنقربهم إلى الهلاك والعذاب قليلاً قليلاً (مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) كلما جددوا معصية جددنا لهم وأسبغنا عليهم النعم وننسيهم الشكر والاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة درجة (وأُمْلِي لَهُمْ) وأمهلهم ليزدادوا ضلالاً بعد ضلال (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) مكري شديد (أَوَلَمْ يَتَفَكرُوا) فيعلموا (مَا بِصَاحِبِهِمْ) أي: محمد ﵊ (مِنْ جِنَّةٍ) جنون نزلت حين علا ﵊ الصفا فدعاهم يحذر فقال قائل منهم: إن صاحبكم مجنون بات يهوت إلى الصباح (إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبينٌ) إنذاره (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) نظر استدلال (فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) ربوبيتها وملكها وقيل

стр. 661

عجائبها والتاء فيه للمبالغة (وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) وفيما يقع عليه اسمًا لشيء ففي كل شيء له آية (وَأَنْ) أي: أنه (عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) أي: أولم ينظروا في اقتراب آجالهم ليسارعوا إلى ما ينجيهم من العذاب واسم كان ضمير الشأن (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ) بعد القرآن (يُؤْمِنُونَ) إن لم يؤمنوا به وليس بعد هذا البيان حديث آخر ينتطر وروده ليؤمنوا به (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) حال من هم ومن قرأ ويذرهم بالياء والجزم فعطف على محل فلا هادي. (يَسْألونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) أي: القيامة (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) متى يكون، وأي وقت إثباتها؟ نزلت في قريش يسألون وقتها استبعادًا لوقوعها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) أي: لا يظهر أمرها في وقتها إلا هو أي: الخفاء به مستمر إلى وقت الوقوع واللام للتأنيث كقولهم كتب لثلاث من رجب (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) عظمت وشقت على أهل السماوات والأرض لهولها أو ثقلت عليهما عند الوقوع حتى انشقت وانهدمت، أو ثقل علمها وخفاؤها على أهلهما وعلى الوجوه كلمة في استعارة منبهة على تمكن الثقل، أو معناه خفيت في السماوات والأرض لا يعلمها شيء وكل خفي ثقيل (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) فجأة على غفلة ونصبه على المصدر فإنها نوع من الإتيان (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: عالم بها

стр. 662

من حفى عن الشيء بالغ في السؤال عنه، والمبالغة في السؤال مستلزم للعلم أطلق الحفى وأريد العالم، أو كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمت، أو عنها متعلق بـ يسألونك أي: يسألونك عنها كأنك شفيق بهم من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشًا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة، وكأنك في موقع الحال أي: مشبهًا حالك بحال الحفي (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ) لا يطلع عليه أحد كرره تأكيدًا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن علمها مختص بالله (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا) أي: جلب نفع ولا دفع ضر (إِلا مَا شَاءَ اللهُ) أي: لكن ما شاء يصل فمنقطع أو إلا نفعًا وضرًّا يملكني الله ويوفقني به فمتصل (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي: لكانت حالي من استكثار الخير واستفراز المنافع واجتناب السوء على خلاف ما هي عليه، فلم أكن غالبًا مرة ومغلوبًا أخرى، ورابحًا وخاسرًا في التجارة (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي: إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لهم فإنهم المنتفعون بهما، أو ما أنا إلا نذير

стр. 663

للكافرين وبشير للمؤمنين فمتعلق النذير محذوف، ونزلت حين قالت قريش: ألا تعلم الرخص قبل الغلاء فتشتري وتربح والأرض التي تريد أن تجدب فترتحل إلى المخصبة. * * * (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

стр. 664

الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) * * * (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة) آدم (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) خلق من ضلع آدم حواء (لِيَسْكُنَ) ليطمئن (إِلَيْهَا) ويأنس بها فإنها جزءه (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا) جامعها (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) عليها يعني النطفة (فَمَرَّتْ بِهِ) استمرت به أو قامت وقعدت بالحمل لخفته (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) صارت ذات ثقل لكبر الولد (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا) بشرًا سويًّا فإنهما أشفقا أن يكون بهيمة (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لك (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) (١) لما حملت حواء جاءها إبليس في غير صورته وقال: هذا الذي في بطنك ربما يكون بهيمة، وهل تدري من أين يخرج فخوفها مرارًا كثيرة ثم قال: لي عند الله منزلة وإن دعوت أن يخرج سالمًا سويًّا أتسميه عبد الحارث وهذا اسم إبليس في الملائكة، فلم يزل بها حتى غرها فسمته عبد الحارث بإذن من آدم ولم تعرف حواء أنه إبليس وقد صح هذا النقل عن ابن

стр. 665

عباس ﵄ وكثير من السلف والخلف، وهذا ليس بشرك حقيقي لأنهما ما اعتقدا أن الحارثَ ربُّه بل قصدا إلى أنه سبب صلاحه فسماه الله تعالى شركًا للتغليظ ويكون لفظ شركاء من إطلاق الجمع على الواحد (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فإن الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم، وعن الحسن البصري ﵀ يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصروا، وعلى هذا تقدير الآية جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما فسموه عبد شمس وعبد مناف وغيرهما، فحذف المضاف وهو الأولاد وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: " شركاء " و " تعالى الله عما يشركون " بلفظ الجمع يدل عليه قيل معناه هو

стр. 666

الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: " فتعالى الله عما يشركون " (١) (أَيُشْرِكُونَ) ابتداء كلام وإنكار على المشركين (مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا) كالأصنام (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا (وَلا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ) لِعُبَّادهم (نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ) أي: الأصنام أو المشركين (إِلَى الْهُدَى) إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام (لا يَتَّبِعُوكُمْ) إلى مرادكم ولا يجيبوكم (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.

стр. 667

(إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ) تعبدونهم (مِنْ دُون الله) أي: الأصنام (عبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) مملوكون مسخرون (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إنهم آلهة (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قلِ) يا محمد (ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ) في عداوتي (ثُمَّ كِيدُونِ) ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي (فَلَا تُنْظِرُونِ) لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ) القرآن (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) يلي أمرهم وينصرهم (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) دون الله (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ) الأصنام (إِلَى الْهُدَى) أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم (لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن (وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) لأنَّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " [البقرة: ١٨] (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ : " ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من

стр. 668

قطعك " أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) لا تقابل السفه بالسفه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) فإنه الملجأ أو المنجى (إِنَّهُ سَمِيعٌ) بالدعاء (عَلِيمٌ) بالمصالح وبأحوال الناس (إِن الَّذِينَ اتَّقَوْا) الكبائر (إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ) لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ (طَيفٌ) فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون (مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) وعيد الله ووعده (فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى (وَإِخْوَانُهُمْ) أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس (يَمُدُّونَهُمْ) ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم (فِي الْغَيِّ) أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ) من القرآن أو معجزة اقترحوها (قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا) اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله

стр. 669

تعالى حتى نراها ونؤمن بها (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه (هَذَا) أي: القرآن (بَصَائِرُ) للقلوب بها تبصر الحق (مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب

стр. 670

الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) أمر بذكره أول النهار وآخره (تَضَرُّعًا) متضرعًا (وَخِيفَةً) خائفًا (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ)
следующие страницы →