← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الذي خلق آل قصي وهم قريش من نفس واحدة وهو قصي فجعل من جنسها زوجها عربية قرشية فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد المناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار وقيل تم الكلام عند قوله آتاهما ثم ذكر كفار مكة فقال: " فتعالى الله عما يشركون " (١) (أَيُشْرِكُونَ) ابتداء كلام وإنكار على المشركين (مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا) كالأصنام (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) مخلوقون لله جيء بضمير العاقلين بناء على اعتقادهم وتسميتهم إلهًا (وَلا يَسْتَطعُونَ لَهُمْ) لِعُبَّادهم (نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) لا يقدرون على دفع مكروه كمن أراد كسرهم (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ) أي: الأصنام أو المشركين (إِلَى الْهُدَى) إلى أن يهدوكم أو إلى الإسلام (لا يَتَّبِعُوكُمْ) إلى مرادكم ولا يجيبوكم (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) أي: سواء إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمت عن دعائهم فإن الكفار إذا نزل عليهم أمر دعوا الله تعالى دون الأصنام.

стр. 667

(إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ) تعبدونهم (مِنْ دُون الله) أي: الأصنام (عبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) مملوكون مسخرون (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) أي: لا يقدرون على إنجاح سؤال سائل (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إنهم آلهة (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) هذا بيان لقصور معبودهم عن عبادهم كأنه قال: عباد أمثالكم بل أنتم أكمل (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قلِ) يا محمد (ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ) في عداوتي (ثُمَّ كِيدُونِ) ثم بالغوا أنتم وشركاؤكم في مكروهي (فَلَا تُنْظِرُونِ) لا تمهلوني فإني لا أعبأ بكم (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ) القرآن (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) يلي أمرهم وينصرهم (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) دون الله (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) فكيف أخاف ذاك العابد وذاك المعبود (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ) الأصنام (إِلَى الْهُدَى) أي: ما هو صلاحهم أو إلى أن يهدوكم (لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) أي: كأنهم ينظرون فإنهم نحتوها مصورين بالعين والأنف والأذن (وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) لأنَّهُم لا يقدرون إيجاد النور في أعين أصنامهم أو ضمير تدعوهم وتراهم إلى المشركين لقوله تعالى: " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " [البقرة: ١٨] (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس من غير تجسس كقبول أعذارهم والمساهلة معهم وقد ورد أنه لما نزل قال رسول الله ﷺ : " ما هذا يا جبريل قال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من

стр. 668

قطعك " أو خذ الفضل وما تسهَّل به من أموالهم وذلك قبل وجوب الزكاة (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) بالعروف وهو كل ما يعرفه الشرع (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) لا تقابل السفه بالسفه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) نزغه إذا طعنه وكأن الشيطان يطعن حين يغري الناس إلى المعاصي وحاصله إذا عرض لك منه أدنى وسوسة تصدك عن الإعراض عن الجهال (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) فإنه الملجأ أو المنجى (إِنَّهُ سَمِيعٌ) بالدعاء (عَلِيمٌ) بالمصالح وبأحوال الناس (إِن الَّذِينَ اتَّقَوْا) الكبائر (إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ) لمة ووسوسة من طاف به الخيال يطيف أو من طاف يطوف ومن قرأ (طَيفٌ) فهو مصدر، أو تخفيف طيف كلين من لان يلين أو كهين من هان يهون (مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) وعيد الله ووعده (فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فأنابوا لا كالكفار العمى (وَإِخْوَانُهُمْ) أي: الكفرة فإنهم إخوان الشياطين وأتى بضمير الجمع للشيطان؛ لأن المراد منه الجنس (يَمُدُّونَهُمْ) ضمير الفاعل للشياطين أي: يكون الشياطين مددًا لهم (فِي الْغَيِّ) أو المراد من الإخوان الشياطين وضمير إخوانهم للجاهلين أي: شياطينهم يكونون مددًا لهم (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) لا يمسكون على إغوائهم، أو الضمير للكفرة أي: لا يكفون عن الغي أو الضمير للكفرة والشياطين جميعًا أي لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين يمسكون عنهم (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ) من القرآن أو معجزة اقترحوها (قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا) اختلقتها من قبل نفسك قيل: كانوا يسألون الآيات تعنتًا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها وأنشأتها من نفسك، أو معناها لم لا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله

стр. 669

تعالى حتى نراها ونؤمن بها (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) لست بمختلق أو إن منعها لا أسألها إلا بإذنه (هَذَا) أي: القرآن (بَصَائِرُ) للقلوب بها تبصر الحق (مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فلو كان لكم بصيرة لكفاكم القرآن آية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأصح أنها نزلت في ترك التكلم في الصلاة أو ترك القراءة مع الإمام إذا جهر فيها ولا شك أنه يستحب

стр. 670

الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن مطلقًا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) أمر بذكره أول النهار وآخره (تَضَرُّعًا) متضرعًا (وَخِيفَةً) خائفًا (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ)

стр. 671

وهو كما قال ابن عباس - رضى الله عنهما - أن تسمع نفسك دون غيرك (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) بهذين الوقتين لفضلهما (وَلا تَكنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) عن ذكره وهدا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، والآية مكية وأما حمل الآية على غير هذا المعنى فبعيد، ولا يساعده نقل سديد (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) أي: الملائكة المقربين (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ) ينزهونه (وَلَهُ) لا لغيره (يَسْجُدُونَ) لا يشركون بالعبادة غير الله تعالى أي: هم مع كونهم آمنين من سوء العاقبة وعذابه متوجهون إلى الله تعالى دائما فأنتم مع خوفكم تتمادون في الغفلة وتعبدون غيره وهذه أول سجدة في القرن لتاليها ومستمعها بالإجماع. والحمد لله حقَّ حمده .. * * *

стр. 672

سورة الأنفال مدنية وهي خمس وسبعون آية وعشر ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لله وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) * * * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) أيِ: حكم الغنائم نزلت حين اختلف كلام الشبان

стр. 673

والشيوخ في غنائم بدر، والشبان ادعوا الأحقية بأنَّهم باشروا القتال (قُلِ الْأَنْفَالُ لله وَالرَّسُولِ): فيضعها الرسول حيث يأمره الله، ولذلك قسم رسول الله ﷺ غنائم بدر بين الشبان والشيوخ على السواء، وعن بعض: إن هذا في بدر ثم نسخت بقوله: " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ " إلى آخره، فإن غنائم بدر قسمت من غير تخميس وفيه نظر، لأن بعض الأحاديث يدل على تخميسها صريحًا (فَاتَّقُوا اللهَ): في الاختلاف (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ): الحال التي بينكم بترك المنازعة (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإن من مقتضى الإيمان طاعة الله ورسوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ): بأن سمعوا الأذان والإقامة (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): من الله فأدوا فرائضه (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا): تصديقًا (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): لا يرجون غيره، وإن سألوا غيره، فإنهم يعلمون أنه المعطي والمانع (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ)؛ يديمونها (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ): يؤدون الصدقة الواجبة (وأُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمنونَ حَقًّا): صدقًا من غير شك، صفة مصدر محذوف أي: إيمانًا حَقًّا، أو مصدر مؤكد، بخلاف المنافق، فإنه لا يدخل في قلبه شيء من ذكر الله تعالى عند الصلوات، ولا يصدقون بآيات الله تعالى كلما نزلت، فلا يزداد إيمانهم،

стр. 674

ولا يصلون إذا غابوا عن محضر المسلمين، ولا يؤدون الزكاة، فهم ليسوا بمؤمنين حقًّا، هكذا فسرها ابن عباس - رضى الله عنهما -، أو معناها المؤمن الكامل الإيمان من ضم إلى مكارم أعمال قلبه من الخشية عند ذكر الله تعالى من الإخلاص، واطمئنان النفس ورسوخ اليقين، ومن التوكل عليه في جميع الأمور، محاسن أفعال الجوارح، من الصدقة والصلاة (لَهُمْ دَرَجَاتٌ): من الجنة (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يرتقونها بأعمالهم لا للمنافقين (وَمَغْفِرَةٌ) لسيئاتهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): حسن، وهو رزق الجنة. (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ) خبر مبتدأ محذوف، أي: الحال في كراهتهم القتال كحال إخراجك من المدينة، أو متعلق بما بعده، وهو يجادلونك ومعنى الوجهين واحد، أو تقديره: حالهم في كراهة حكمنا بأن الأنفال لله تعالى كحالهم في حكمنا بإخراجك من المدينة (بِالْحَقِّ) أي: إخراجًا متلبسًا بالحكمة والصواب (وَإِن فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): بعضًا منهم (لَكَارِهُونَ): الخروج وحينئذ الجملة في موقع الحال، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام في تجارة عظيمة، فخرج رسول الله ﷺ في عقبهم، فبلغ الخبر أهل مكة، فخرج أبو جهل مع عسكر عظيم، فأراد رسول الله ﷺ القتال ووعد الأصحاب بالظفر فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له، ثم واجهوا العدو وقاتلوا في بدر، والظفر للمسلمين (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ): وهو إيثار الجهاد (بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ): نصرتهم بإعلام رسول

стр. 675

الله ﷺ (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) أي: يكرهون القتال كراهة من يجر إلى القتل، وهو مشاهد ناظر إلى أسبابه (وَإِذ يَعِدُكم اللهُ) أي: اذكر إذ يعدكم (إِحْدَى الطَّائِفتَيْنِ): العير التي فيها التجارة، أو النفير التي خرت من مكة (أَنَّهَا لَكُمْ) بدل اشتمال من ثاني مفعوليه، وهو إحدى (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) أي: العير التي ليس فيها عدد كثير ولا عُدَد (تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ): أن يثبت ويظهر (الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ): بأمره إياكم بالقتال، قيل الباء بمعنى مع أي: يرفع كلمة الله ويجعل دينه عاليًا غالبًا (وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الدابر: الآخر، وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، يعني إرادتكم إصابة مال بلا مكروه، وإرادة الله إعلاء كلمته، وفوز الدارين لكم (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) متعلق بمحذوف أي: لهذين الجهتين فعلنا ما فعلنا أو متعلق بيقطع (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ): ذلك (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ): هو إلحاح دعاء النبي ﷺ حين رأى شوكة الأعداء، وهو بدل من إذ يعدكم بأن يكون عبارة عن زمان واسع وقع الوعد في بعض أجزائه والاستغاثة في بعض، أو متعلق بـ " ليحق " (رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أي: بأني ومن قرأ " إني " بالكسر فعلى إرادة

стр. 676

القول، أو استجاب بمنزلة قال (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ): متتابعين بعضهم على إثر بعض، أو مردفين بألف آخر فقد نقل عن علي ﵁: إن جبريل في ألف عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر وميكائيل في ألف عن ميسرته وأنا فيها، ومن قرأ بفتح الدال فمعناه أردف الله المسلمين بهم، أو أردف الله ألفًا بألفٍ آخر وقد أنزل الله تعالى أولاً ألفًا ثم ألفًا ثم ألفًا إلى خمسة آلاف كما ذكرناه في سورة آل عمران (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ) أي: الإمداد (إِلا بُشْرَى): بشارة (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) فيزول منها الوجل (وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْد اللهِ) وإمداد الملائكة وكثرة العدد والعُدَد وسائط لا تأثير لها (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ): َ لا يغالب (حَكِيمٌ) في أفعاله. * * * (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ * * *

стр. 677

وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) * * * (إِذْ يُغَشِّيكُمُ): الله (النُّعَاسَ) بدل ثان من إذ يعدكم أو بإضمار اذكر (أَمَنَةً): أمنًا وهو مفعول له وفيه شرط النصب؛ لأن حاصل معنى يغشيكم النعاس تنعسون والأمنة فعل لفاعله (مِنْهُ) أي: حاصلة من الله تعالى وهذه السِّنَة في البدر أيضًا ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ مع الصديق يدعوان يوم بدر في العريش أخذته سنة ثم استيقظ متبسمًا وقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع، وعن علي ﵁ قال: لقد رأينا يوم بدر وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي ويبكي حتى أصبح (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ): من الجنابة والحدث (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ

стр. 678

الشَّيْطَانِ): وسوسته، فإنهم في البدر نزلوا على غير الماء، فاحتلم أكثرهم وقد غلب الكفار على الماء، وقد وسوس إليهم الشيطان بأنكم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسول الله وحينئذ تصلون على جنابة، فأنزل الله تعالى المطر، وسال الوادي (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) بالصبر واليقين (وَيُثَبِّتَ بِهِ): بسبب المطر والربط (الأقْدَامَ) على المحاربة يعني قوى قلوبهم، وشجعهم أو المطر لبد الرمل بحيث لا يغوص أرجلهم فيه، فثبت أقدامهم، فإنهم في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام (إِذْ يُوحِي) بدل ثالث أو بإضمار اذكر (رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ): بالعون والنصر، وهو مفعول يوحي، وعند بعضهم أن الخطاب مع المؤمنين أي: أوحى للملائكة أن يقولوا للمؤمنين: إن الله معكم (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) ببشارة النصر، أو بتكثير سوادهم، ومحاربة أعدائهم (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ): الخوف (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ) أي: الرؤوس أو أعاليها، وهي المذابح، قال ربيع

стр. 679

بن أنس: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة من قتيلهم، بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق بها (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ): أصابع أو كل طرف ومفصل، قيل: الخطاب في قوله فاضربوا للمؤمنين، والأكثرون على أنه للملائكة (ذَلِكَ) أي: الضرب أو الأمر به (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ): خالفوهما، تركوا الشرع فصاروا في شق (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ): له (ذَلِكُمْ): الخطاب مع الكفرة أي: الأمر ذلكم، أو ذلكم العذاب (فَذوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) عطف على ذلكم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا) الزحف: الجيش الكثير منصوب عطى الحال (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) بالانهزام (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ): يوم القتال مطلقًا، أو يوم قتال البدر خاصة (دُبُرَهُ): فانهزم (إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ): يفر مكيدة، ليرى أنه خاف، فيتبعه العدو فيكر عليه ويقتله (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ) فر من ههنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونونه، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إمامه الأعظم لجاز، ونصب متحرفًا ومتحيزًا على الحال، أو استثناء من المولين أي: إلا رجلاً متحرفًا

стр. 680

(فَقَدْ بَاءَ): رجع (بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): جهنم، أكثر السلف على أن هذا في يوم بدر خاصة (١)، ولهذا " قال رسول الله ﷺ فيه: " اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدًا "، وأما في سائر الحروب فجاز الفرار إذا كان الكفار أكثر من مثليهم وعن بعض الفرار مطلقًا حرام وكبيرة إلا عن هذين السببين، وعن بعض هذا خاصة الصحابة (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) تقديره: إن فخرتم بقتلهم يوم بدر، فلم تقتلوهم بقوتكم (وَلَكِنَّ الله قَتَلَهُمْ): بأن أظفركم عليهم، وأرسل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، نزلت حين انصرفوا عن القتال يتفاخرون، يقولون: قتلنا فلانًا أو أسرنا فلانًا، فهو تعالى يبين أنه خالق أفعالهم وأنه المحمود على جميع خير صدر عنهم (وَمَا رَمَيْتَ): يا محمد قبضة التراب في أعينهم (إِذْ رَمَيْتَ) أتيت بصورة الرمي (وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) أتى بما هو غاية الرمي، فصورة الرمي منك، وحقيقتها مني كأنه قال: ما رميت خلقًا إذ رميت كسبا،

стр. 681

" وذلك أن رسول الله ﷺ أخذ قبضة من تراب، بتعليم جبريل ﵇ فرمى بها وجوه الأعداء، قائلاً: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا وامتلأت عينه منها "، فاشتغلوا بأعينهم فردفهم المؤمنون بالقتل والأسر، وهذه الرمية ليست من جنس أفعال البشر وقوتهم (وَلِيُبْلِيَ) تقديره: ولكن الله رمى لفوائد كثيرة وليبلي (الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ): من الله (بَلاءً حَسَنًا) أي: ولينعم عليهم نعمة حسنة عظيمة بالنصر، ومشاهدة الآيات فيشكروا (إِنَّ الله سَمِيعٌ): بدعائهم (عَلِيمٌ) بضمائرهم (ذلِكُمْ): إشارة إلى البلاء الحسن، وتقديره: الأمر والحكمة ذلكم (وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) أي: الحكمة إبلاء المؤمنين، وإبطال حيل الكافرين (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) المشركون حين خرجوا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الحزبين وأهدى الفئتين، أو قال أبو جهل يوم بدر: اللهم أهلك أيتنا أقطع للرحم، فيقول تعالى: إن طلبتم الفتح للأكرمين أو لواصل الرحم، فقد استجاب الله تعالى، فالخطاب على سبيل التهكم (وَإنْ تَنْتَهُوا) عن الشرك (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا): إلى الكفر والمحاربة (نَعُد) لكم بمثل وقعة بدر (وَلَنْ تُغنِيَ): ترفع (عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ): جماعتكم (شَيْئًا) من الإغناء أو المضار (وَلَوْ كَثُرَتْ) فئتكم (وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): بالنصر، فلا يغلبون، ومن قرأ " أن " بفتح الهمزة تقديره: لأن الله مع المؤمنين وقعت تلك الواقعة. * * *

стр. 682

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ) لا تتولوا عن الرسول، ولا تعرضوا عنه، فإن طاعته طاعة الله تعالى (وَأَنتمْ تَسْمَعون) القرآن أي: بعد ما علمتم وأجبتم داعي الله (وَلا تَكُونوا كَالذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا) هم الكفرة أو المنافقون (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) سماع انتفاع، فكأنهم ما سمعوا، أو معناه يقولون: أطعنا وهم لا يطيعون. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ): جميع الحيوانات (عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ): عن الحق (الْبُكْمُ) عن التكلم به (الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) فهذا الضرب من بني آدم شر الخلائق (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا): انتفاعًا بالآيات (لَأَسْمَعَهُمْ): إسماع تفهيم (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) وقد علم ألا خير فيهم (لَتَوَلَّوْا): ما صدقوا وما انتفعوا به، فكيف على تقدير عدم

стр. 683

الإسماع، كقوله: نعم العبد صهيب، ولو لم يخف الله لم يعصه (وَهُمْ مُعْرِضون): عنه عنادًا بعد الفهم، أو معناه وهم قوم عادتهم الإعراض عن الحق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ) بالطاعة (إِذَا دَعَاكُمْ) وحَّد الرسول لأن دعوة الله تسمع من رسوله (لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: الإيمان فإنه يورث الحياة الأبدية، أو القرآن فيه الحياة والنجاة، أو الشهادة فإنهم أحياء عند الله يرزقون، أو الجهاد فإنه سبب بقائكم (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ): بين المؤمن وكفره وبين الكافر وإيمانه، أو يحول حتى لا يدري ما يعمل، أو حتى لا يستطيع أن يعزم على شيء إلا بإذنه، أو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " [ق: ١٦]. (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) لجزاء الأعمال. (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) حذر الله المؤمن عن محنة تعم المسيء وغيره، لا تخص من باشر الذنب، والفتنة إقرار المنكر بين أظهرهم والمساهلة في

стр. 684

الحسبة، بمعنى لا تصيبن وبالها، أو نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وما وقع عليهم يوم الجمل بعد شهادة عثمان - رضى الله عنهم - أو في قوم مخصوصين من الصحابة أصابتهم الفتنة يوم الجمل، والأول أصح، وقوله " لا تصيبن " إما جواب الأمر على مذهب الكوفيين فتقديره إن لا تتقوا لا تصب الظالمين خاصة، ودخول النون لما فيه من معنى النهي، كأن إصابة الفتنة إليهم خاصة مطلوب، وإما صفة فتنة ولا للنهي؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم بتقدير القول أي: فتنة مقولاً في حقها (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). (وَاذْكُرُوا): ياَ معشر المهاجرين (إِذْ أَنتمْ قَلِيلٌ): في العدد (مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ) بمكة قبل الهجرة (تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطكُمُ النَّاسُ): يذهب بكم، ويعدمكم كفار قريش أو كفار سائر البلاد (فَآوَاكُمْ) إلى المدينة (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) على الأعداء يوم بدر وغيره (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) الغنائم، وكانت لا تحل للأمم السابقة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): لكي تشكروا نعمة، والآية خطاب للعرب كافة لا للمهاجرين خاصة، فإن العرب كانوا أذل الناس وأجوعه وأعراه وأضله، حتى جاء الله بالإسلام فمكنهم في البلاد، وسلطهم على العباد وجعلهم ملوكًا شرفاء، وصيرهم مترفهين أغنياء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) بترك فرائض الله وسننه، أو بما تضمروا خلاف ما تظهرون (وَتَخُونُوا) داخل في النهي، أو نصب

стр. 685

بإضمار أن (أَمَانَاتِكُمْ) أي: لا تنقضوا كل عمل ائتمن الله عليه العباد، أو لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنها أمانة، أو أنتم علماء، قال كثير من السلف: نزلت في أبي لبابة حين حاصر رسول الله ﷺ قريظة وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد فاستشار قريظة من أبي لبابة في النزول على حكم سعد، وكان أهل أبي لبابة وأمواله فيهم فأشار إلى حلقه أنه الذبح فتلك خيانة (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ): اختبار وامتحان ليختبركم أنكم

стр. 686

تشتغلون بها عن الله سبحانه، فتنسونه وتعصونه أو تذكرونه وتطيعونه فيها، فإن أبا لبابة خان بسبب الأولاد والأموال (وَأَنْ الله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ): خير لكم من أموالكم وأولادكم، فحافظوا على حدود الله تعالى فيهم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) * * *

стр. 687

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا): مخرجًا ونجاة في الدنيا والآخرة، أو فصلاً بين الحق والباطل أو يفرق بينكم وبين ما تخافون، أو ظهورًا يعلي قدركم (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ): يسترها عن أعين الناس (وَيَغفِرْ لَكُمْ) لا يؤاخذكم بها (وَاللهُ ذو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فبمحض إحسانه يفي بما وعدكم على التقوى. (وَإِذْ يَمْكُرُ) أي: واذكر هذا الزمان (بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ): ليقيدوك ويحبسوك (أوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخرِجُوكَ): من مكة، اجتمع قريش وشاور بعضهم بعضًا في شأن محمد ﷺ ، فقيل: قيدوه حتى يموت وقيل: أخرجوه فتستريحوا من أذاه ثم اتفقوا على رأى أبي جهل وهو: أن يؤخذ من كل بطن رجل، يضربونه ضربة رجل واحد، فلا يقوى بنو هاشم على طلب قوده من جميع قريش، وهذا بتصويب الشيطان فإنه بينهم في صورة شيخ جليل فأمر الله تعالى نبيه بالهجرة (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ): يعاملهم الله تعالى معاملة الماكرين (وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) إذ مكره أنفذ تأثيرًا (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ

стр. 688

الْأَوَّلِينَ): ما هذا إلا ما سطره الأولون من القصص، هو اقتبسها وتعلم منها، نزلت في نضر بن الحارث ومن وافقه ورضى بقوله حين ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم، فلما رجع يحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: تالله أينا أحسن قصصًا أنا أو محمد، وهذا غاية مكابرته وفرط عناده، فإنهم لا يجدون إلى أقصر سورة سبيلاً. (وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا) أي: القرآن (هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هذا قول النضر بن الحارث أيضًا أو قول أبي جهل، وغرضه إظهار عدم الشك في بطلان القرآن، والتعريف في الحق إشارة إلى الحق الذي يدعيه رسول الله ﷺ أنه منزل من ربه، فإنهم يسلمون أنه قصص القرون الماضية، وقد نقل أن معاوية قال لرجل من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة أي: بلقيس قال: أجهل من قومي قومك؛ قالوا حين دعاهم إلى الحق: " إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ " الآية، ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ): مقيم بمكة، فإن الله تعالى لا يستأصل قومًا وفيهم نبيهم، واللام لتأكيد النفي (وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي:

стр. 689

وفيهم مَن يستغفر كالمومنين الذين كانوا بمكة، وما استطاعوا الهجرة أو لما أمسوا ندموا على قولهم: اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ، فقالوا: غفرانك غفرانك، فنزلت، أو المراد من استغفارهم أنه في علم الله تعالى أن بعضهم يؤمنون، فالمعنى يمهلهم، لأن فيهم من يستغفر بعد ذلك، وقد ورد: " أنزل على أمانين لأمتي: " وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ " الآية فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار "، قيل: هذا دعوتهم إلى الإسلام والاستغفار، أي: استغفروا لا أعذبكم كما تقول: لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي: أطعني لا أعاقبك، وقيل معناه: وفي أصلابهم من يستغفر (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ) قال بعضهم: قوله: " وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ " نزل بمكة، فلما خرج ﵊ إلى المدينة نزل: (وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، أي: من بقى من المؤمنين في مكة، فلما خرجوا أنزل الله تعالى " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ " والتعذيب فتح مكة، أو القتل يوم بدر، أو الجوع والضر، وقال بعضهم: قوله " وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ " الآية منسوخة بقوله: " وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ " وهذا عند من قال المراد بالاستغفار: صدور الاستغفار منهم نفسهم، كما ذكرنا غفرانك غفرانك (وَهُمْ يَصُدُّونَ): يمنعون المؤمنين (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) كعام الحديبية وإخراج رسول الله ﷺ (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) مستحقين ولاية أمر المسجد الحرام، فإنهم يقولون: نحن أولياء الحرم نفعل فيه ما نريد (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ):

стр. 690

عن الشرك (وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) إنهم غير مستحقين لولاية الحرم ومنهم من يعلم ويعاند. (وَمَا كَانَ صَلاتهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً) أي: كيف لا يستحقون العذاب، وكيف يكونون ولاة الحرم، وتقربهم إلى الله تعالى وما يضعون موضع صلاتهم الصفير يدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون في الطواف (وَتَصْدِيَةً): تصفيقًا، وقد نقل كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفرون بأفواههم ويصفقون بأيديهم، وقال بعضهم: كان إذا - صلى النبي ﷺ في الحرم قام رجلان عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان ليخلطوا عليه صلاته، وقال بعضهم: المراد صد الناس عن سبيل الله تعالى، فحينئذ من قلب إحدى الدالين تاء كما في ظنيت من الظن (فَذُوقُوا الْعَذَابَ): ببدر (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا): الناس (عَنْ سبِيلِ اللهِ) لما رجع من بقى من الكفرة من بدر إلى مكة، استعانوا من أبي سفيان وغيره من مال تجارة الشام، واستقرضوا أيضًا ثم أنفقوا في غزوة أحد، ولهذا قالوا: نزلت في أبي سفيان، أو المراد صرف أموالهم في غزوة بدر (فَسَيُنْفِقُونَهَا) أي: بعد ذلك في غزوة أحد (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً): في الآخرة، أو في الدنيا لذهاب الأموال، وعدم نيل المرام (ثُمَّ يُغْلَبُونَ): عاقبة الأمر، وقيل: المراد من قوله: " فَسَيُنْفِقُونَهَا " ذكر قرب زمان الإنفاق ثم الحسرة على صرفه ثم غلبة المؤمنين، فإنه وإن كان الإنفاق وحده واقعًا متقدمًا لكن الإنفاق والحسرة

стр. 691

والمغلوبية، لم يقع بعد حين نزول الآية، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون) يعني: من مات على الكفر منهم (لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطيِّبِ): الشقي من السعيد، أو الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل الله تعالى، واللام متعلق بـ يحشرون، وهذا التمييز في الآخرة أو في الدنيا وحينئذ متعلق اللام مقدر أي: يسر الله للكافرين إنفاق أموالهم في محاربتكم، ليميز الخبيث من الطيب، أي: من يطيعه بقتال أعداء الله ممن يعصيه بالنكول عنه كما قال تعالى " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه " [آل عمران: ١٠٩]، وقال تعالى " وما أصابكم يوم التقى الجمعان " [آل عمران: ١٦٦] (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ) أي: الفريق الخبيث (بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا): عبارة عن الضم والجمع حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو معناه يضم على الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه، كقوله " فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ " [التوبة: ٣٥]. (فَيجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ) أي: الفريق الخبيث (هُم الْخَاسِرُونَ). * * * (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ

стр. 692

كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) * * * (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا): كأبي سفيان وغيره أي: لأجلهم (إِنْ يَنْتَهُوا): عن الكفر ومعاداة الدين (يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ): من الذنوب (وَإِنْ يَعُودُوا) إلى القتال ويستمروا على كفرهم (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) في نصرة أنبيائه وإهلاك أعدائه، أو سنة الأولين في قريش يوم بدر (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ): لا يوجد شرك، أو لا يفتن مؤمن عن دينه (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله): لا يعبد غير الله تعالى في جزيرة العرب (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الكفر (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

стр. 693

يجازيهم مجازاة البصير بهم، أو معناه فإن انتهوا عما هم فيه من الكفر والقتال، فكفوا عنهم وإن كنتم لا تعلمون بواطنهم، فإن الله بما يعملون بصير ومن قرأ " تعملون " بالتاء، فمعناه: فإن الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإسلام، وتسببكم إلى إخراجهم من ظلمة الكفر بصير، فيجازيكم (وَإِن تَوَلوْا) ولم ينتهوا عن الشرك والقتال (فَاعْلَمُوا أَن الله مَوْلاكُمْ): ناصركم (نعمَ الْمَوْلَى): لا يضيع من تولاه (وَنِعمَ النَّصيرُ) فمن نصره لا يغلب أبدًا. (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ): أخذتم من الكفار قهرًا لا صلحًا، أي شيء كان (فأَن لله خُمُسَهُ) مبتدأ خبره مقدر أي: فثابت أن لله خمسه، والأصح أن ذكر الله افتتاح كلام للتبرك، وقال بعضهم: سهم الله يصرف إلى الكعبة (وَلِلرَّسُولِ) كان يصرف فيما شاء، والآن لمصالح المسلمين أو للخليفة، أو مردود إلى الأصناف الباقية، أو لقرابة النبي ﷺ (وَلِذِي الْقُربى) هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، أو من لا يحل له الزكاة، أو بنو هاشم وحدهم، أو

стр. 694

قريش كلهم (وَالْيَتَامَى): يتامى المسلمين فقراءهم، أو فقرائهم وأغنيائهم، أو يتامى ذوي القربى (وَالْمَسَاكِينِ): المحاويج الذين لا يجدون ما يصدون خلتهم، أو مساكين ذوى القربى (وَابْنِ السَّبيلِ): المسافر أو مريد السفر إلى مسافة القصر، وليس له ما ينفقه في سفره، أو ابن السبيل من ذوي القربى، فعلى هذا الغنيمة تقسم على خمسة: أربعة منها للمحاربين، وخمس لهؤلاء المذكورين (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) تقديره: امتثلوا ما شرعت لكم في الغنيمة، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ): يوم فرق فيه بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، والآية نزلت فيه (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ): المسلمون والكفار، وهو يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان (وَاللهُ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولهذا قدر على نصر القليل على الكثير.

стр. 695

(إِذ أَنْتُمْ) بدل من يوم الفرقان (بِالْعُدْوَةِ): شط الوادي (الدُّنْيَا): الأقرب من المدينة (وَهُمْ): كفار مكة (بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى): جانب الوادى الأبعد من المدينة (وَالرَّكْبُ) أي: ركب أبي سفيان الذين جاءوا من الشام (أَسْفَلَ مِنْكُمْ): في مكان أسفل من مكانكم أي: ساحل البحر، منصوب على الظرف واقع موقع خبر و " الركب " (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ) أنتم والكفار للقتال (لَاخْتَلَفْتُمْ): أنتم (فِي الْمِيعَادِ): خوفًا وهيبة لقلتكم وكثرتهم (وَلَكِنْ) جمع الله تعالى بينكم بصنعه من غير ميعاد وإرادة لكم (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا): في علمه، أو معناه حقيقًا بأن يفعل من نصر أوليائه، وإعلاء كلمة الإسلام (لِيَهْلِكَ) بدل من ليقضي، أو متعلق بمفعولاً (مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة) أي: ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآيات، فلا يبقى له حجة وعذر بوجه، ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ويقين، فالهلاك والحياة: الكفر والإيمان، أو ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة (وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ): بكفر من كفر، وإيمان من آمن (عَلِيمٌ) بما في قلوبهم. (إِذ يُرِيكَهمُ اللهُ) بدل ثان من يوم الفرقان، أو مقدر باذكر (في مَنَامِكَ قَلِيلاً) لتخبر أصحابك فيكون تشجيعًا لهم، وهو ثالث مفاعيل يريكم (وَلَوْ أَرَاكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتمْ): لجبنتم (وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ): اختلفت كلمتكم في أمر القتال (وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ): أنعم بالسلامة من التنازع (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ما كان وما سيكون

стр. 696

من الجبن والتنازع (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ) لا في المنام (قَلِيلًا) حال عن ثاني مفعولي يريكموهم لا مفعول ثالث، لأنه من رؤية العين ههنا، وإنما قللهم في أعين المسلمين تثبيتًا لهم، وتصديقًا لرؤيا رسول الله ﷺ (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) ليجترؤا، أو لا يستعدوا للحرب حتى قال أبو جهل: إنهم أكلة جزور، ثم كثرهم في أعينهم حتى يرونهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتكسر قلوبهم (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا): من إهلاكهم وإذلالهم (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ): فلا أمر إلا وهو خالقه، وعلى الحقيقة هو فاعله، أو بعد الدنيا مصير الكل إليه فيجازيهم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)

стр. 697

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً): حاربتم جماعة، والمؤمنون لا يحاربون إلا الكفار (فَاثْبُتُوا): ولا تنهزموا (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا): في تلك الحال بأن تستغيثوا به، وتتوكلوا عليه وتسألوا النصر (لَعَلكمْ تُفْلِحون): كي تظفروا بمرامكم (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا): باختلاف الآراء (فَتَفْشَلُوا) فتجبنوا جواب النهي (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ): دولتكم ووقاركم وريح النصر، فإن النصرة لا تكون إلا بريح كما في الحديث: " نصرت بالصبا " (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا): فخرًا

стр. 698

وطغيانًا (وَرِئَاءَ النَّاسِ): ليثنوا عليهم بالشجاعة والغلبة والرياسة، كما قال أبو جهل، لما قيل: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر وننحر الجزور، ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) عطف على بطرًا، سواء كان مفعولاً، أو حالاً على تأويل المصدر (وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ): عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم شر الجزاء (وَإِذْ زَيَّنَ) مقدر باذكر (لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) في معاداة الرسول، فإنه تمثل لهم في سورة سراقة بن مالك الكناني، وهو من أكابر بني كنانة معه عسكر وراية (وَقَالَ لا غَالبَ لَكُمُ) خبر لا، أو صفة غالب، ولو كان ظرفًا لغالب لوجب أن يقال: لا غالبًا (اليوْمَ مِنَ النَّاسِ) لكثرة عددكم وعددكم (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ): مجيركم من بني كنانة وممدكم في الحرب، وكان بين قريش وبني كنانة حرب وعداوة،

стр. 699

وخافوا من بني كنانة فلهذا أجارهم (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ): التقى الجمعان (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ): رجع القهقري وكانت يده في يد أحد من المشركين فقال له: أفرارًا من غير قتال؟! فضرب في صدر صاحبه المشرك فانطلق (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) من جنود الله: ملائكته (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) وهذا كذب منه، ما به مخافة الله تعالى لكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، أو أخاف الله أن يهلكني فيمن أهلك، أو خاف أن يصله مكروه من الملائكة، وهذا عادته الشؤمة كما حكاه تعالى " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر " الآية [الحشر: ١٦] (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) من تتمة كلام الشيطان، أو ابتداء كلام الله تعالى. * * * (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)

стр. 700

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) * * * (إِذْ يَقُولُ) مقدر باذكر (الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): شرك، أو قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا وخرجوا مع الكفار يوم بدر، ولما رأو المسلمين قليلاً ارتابوا وارتدوا، وقالوا: (غرَّ هَؤلاءِ) أي: المؤمنين (دِينُهُمْ) حتى تعرضوا مع قلتهم كثرتنا، فقتلوا جميعًا، فقال تعالى مجيبًا لهم: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ): لا غالب لأمره، ولا يضام من التجأ إليه (حَكِيمٌ): في أفعاله لا يضعها إلا في موضعها (وَلَوْ تَرَى) يا محمد (إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ) أي: لو رأيت حالهم حين قتلَهم الملائكةُ يوم بدر، وقال بعضهم: هذا عند الموت لا يخص بيوم بدر (يَضْرِبون وجُوهَهمْ): إذا أقبلوا (وَأَدْبَارَهمْ): إذا أدبروا، والجملة حال (وَذوقوا) أي: ويقولون: ذوقوا، عطف على يضربون (عَذابَ الْحَرِيقِ): بشارة لهم بجهنم، قال بعضهم: مع الملائكة مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها، وجواب " لو " مقدر أي: لو ترى لرأيت أمرًا فظيعًا هائلاً (ذلِكَ) الضرب (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) أي؛ بشؤم ذنوبكم (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) عطف على ما قدمت، قيل: للدلالة على

стр. 701

أن سببية مقيدة بانضمامه إليه، إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنب، وظلام للتكثير لكثرة العبيد فالظالم لهم كثير الظلم. (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: دأبهم وطريقتهم كدأبهم (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): من قبل آل فرعون (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ) تفسير الدأب (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنوبِهِمْ) كما أخذ هؤلاء (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ) لا يغلبه شيء (شَديدُ الْعِقَابِ): للكافرين (ذَلِكَ) أي: الأخذ بالذنوب، لا التعذيب بغير ذنب (بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) أي: بسبب أن عادة الله جارية، بأن لا يبدل نعمة على قوم [بنقمة] (١)، حتى غيروا حالهم إلى أسوءها كقريش، كذبوا بآيات الله واستهزؤا بما، وصدوا عن سبيل الله وغيرها من القبائح (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ): لما يقولون (عَلِيمٌ) بما يضمرون، ولولا إحاطة علمه كيف يأخذهم بأعمالهم؟! (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: عادتهم كعادتهم (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) تكرير للتأكيد (وَكُلٌّ): من الأولين والآخرينَ (كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا): رسخوا في الكفر (فَهمْ لا يُؤْمِنونَ): لرسوخهم فيه (الَّذِينَ) بدل من الذين كفروا (عَاهَدْتَ مِنْهمْ) أي:

стр. 702

أخذت منهم العهد (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) كيهود بني قريظة، نقضوا عهدهم وأعانوا المشركين بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا يوم الخندق (وَهُمْ لا يَتَّقُونَ): عاقبة الغدر (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): تظفرن بهم وتأسرهم (فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ) أي: بسبب قتلهم (مَنْ خَلْفَهُمْ) أي: فافعل بهم عقوبة، يفرق منك ويخافك من ورائهم من الكفرة ليعتبروا، فلا ينقضوا العهد بعد ذلك، يعني: غلظ عقوبتهم ليكون عبرة لغيرهم (لَعَلهُمْ) أي: من خلفهم (يَذكرُون): يتعظون، فيحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل صنيعهم (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ): معاهدين (خِيَانَةً): نقض عهد بإمارة تلوح لك (فَانبِذْ إِلَيْهِمْ): اطرح إليهم عهدهم (عَلَى سَوَاءٍ) أي: ثابتًا على طريق مستو متوسط، بأن تخبرهم أنك قطعت العهد الذي بينك وبينهم، فلا يكونون على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك، فالجار والمجرور حال (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) تعليل لنبذ العهد وعدم مفاجأة القتال بلا إعلام. * * * (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ

стр. 703

أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) * * * (وَلا يَحْسَبَنَّ): يا محمد (الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا): فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، ومن قرأ " لا يحسبن بالياء فالذين كفروا فاعله، بتقدير: أن سبقوا فحذفت أن، أو تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، أو فاعله ضمير إلى " من خلفهم " أو إلى جيل المؤمنين، وفي الجميع تكلف (إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ): لا يجدون طالبهم عاجزًا عن إدراكهم، ومن قرأ بالفتح فتقديره: لأنَّهُم لا يعجزون، قال بعضهم: نزلت فيمن أفلت يوم بدر من المشركين. (وَأَعِدُّوا لَهُمْ): للكفار (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ): من كل ما يتقوى به في الحرب، وفي الحديث الصحيح: " ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثًا (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) الرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله (تُرْهِبُونَ): تخوفون (به): بما استطعتم (عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ): كفار مكة (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) أي: من دون كفار مكة (لَا تَعْلَمُونَهُمُ): لا تعرفونهم (اللهُ يَعْلمُهُمْ): يعرفهم، هم المنافقون أو

стр. 704

اليهود أو أهل فارس (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ): قليل أو كثير (فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أجره وجزاؤه (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون) بتضييع العمل. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ): مالوا للصلح (فَاجْنَحْ لَهَا): مل إليها، قال بعضهم: الآية منسوخة بقوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون "، وفيه شيء لأن المهادنة لكثرة الأعداء ولغيرها جائزة إذا رأى الإمام، وقال بعضهم: الآية مخصوصة بأهل الكتاب (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في الصلح، ولا تخف خداعهم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ): لأقوالهم (الْعَلِيمُ) بنياتهم (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ): يريدون بالصلح خديعة (فَإِنَّ حَسْبَكَ): محسبك وكافيك (اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) مع ما فيهم من الضغينة في أدنى شيء (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لتناهي عداوتهم وجهالتهم، فإن بين الأوس والخزرج من العداوة والحروب ما لا يمكن الإصلاح، فالله بمحض قدرته ألف بينهم فاجتمعوا وأنفقوا، وأنساهم الله تلك الشحناء فصاروا أنصارًا (وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) فإنه مقلب القلوب (إِنَّهُ عَزِيزٌ): غالب لا يغالب أبدًا (حَكِيمٌ) يضع كل شيء في موضعه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ): كافيك (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

стр. 705

مفعول معه، أي: محسبك مع المؤمنين الله، أو عطف على " الله "، نزلت في غزوة بدر، وقال بعضهم: نزلت حين أسلم عمر، ثم اعترض عليه بأن الأنفال كلها مدنية، وإسلام عمر قبل الهجرة فلا يصح هذا. * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)
следующие страницы →