← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أن سببية مقيدة بانضمامه إليه، إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنب، وظلام للتكثير لكثرة العبيد فالظالم لهم كثير الظلم. (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: دأبهم وطريقتهم كدأبهم (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): من قبل آل فرعون (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ) تفسير الدأب (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنوبِهِمْ) كما أخذ هؤلاء (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ) لا يغلبه شيء (شَديدُ الْعِقَابِ): للكافرين (ذَلِكَ) أي: الأخذ بالذنوب، لا التعذيب بغير ذنب (بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) أي: بسبب أن عادة الله جارية، بأن لا يبدل نعمة على قوم [بنقمة] (١)، حتى غيروا حالهم إلى أسوءها كقريش، كذبوا بآيات الله واستهزؤا بما، وصدوا عن سبيل الله وغيرها من القبائح (وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ): لما يقولون (عَلِيمٌ) بما يضمرون، ولولا إحاطة علمه كيف يأخذهم بأعمالهم؟! (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: عادتهم كعادتهم (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) تكرير للتأكيد (وَكُلٌّ): من الأولين والآخرينَ (كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا): رسخوا في الكفر (فَهمْ لا يُؤْمِنونَ): لرسوخهم فيه (الَّذِينَ) بدل من الذين كفروا (عَاهَدْتَ مِنْهمْ) أي:

стр. 702

أخذت منهم العهد (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) كيهود بني قريظة، نقضوا عهدهم وأعانوا المشركين بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا يوم الخندق (وَهُمْ لا يَتَّقُونَ): عاقبة الغدر (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): تظفرن بهم وتأسرهم (فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ) أي: بسبب قتلهم (مَنْ خَلْفَهُمْ) أي: فافعل بهم عقوبة، يفرق منك ويخافك من ورائهم من الكفرة ليعتبروا، فلا ينقضوا العهد بعد ذلك، يعني: غلظ عقوبتهم ليكون عبرة لغيرهم (لَعَلهُمْ) أي: من خلفهم (يَذكرُون): يتعظون، فيحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل صنيعهم (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ): معاهدين (خِيَانَةً): نقض عهد بإمارة تلوح لك (فَانبِذْ إِلَيْهِمْ): اطرح إليهم عهدهم (عَلَى سَوَاءٍ) أي: ثابتًا على طريق مستو متوسط، بأن تخبرهم أنك قطعت العهد الذي بينك وبينهم، فلا يكونون على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك، فالجار والمجرور حال (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) تعليل لنبذ العهد وعدم مفاجأة القتال بلا إعلام. * * * (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ

стр. 703

أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) * * * (وَلا يَحْسَبَنَّ): يا محمد (الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا): فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، ومن قرأ " لا يحسبن بالياء فالذين كفروا فاعله، بتقدير: أن سبقوا فحذفت أن، أو تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، أو فاعله ضمير إلى " من خلفهم " أو إلى جيل المؤمنين، وفي الجميع تكلف (إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ): لا يجدون طالبهم عاجزًا عن إدراكهم، ومن قرأ بالفتح فتقديره: لأنَّهُم لا يعجزون، قال بعضهم: نزلت فيمن أفلت يوم بدر من المشركين. (وَأَعِدُّوا لَهُمْ): للكفار (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ): من كل ما يتقوى به في الحرب، وفي الحديث الصحيح: " ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثًا (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) الرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله (تُرْهِبُونَ): تخوفون (به): بما استطعتم (عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ): كفار مكة (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) أي: من دون كفار مكة (لَا تَعْلَمُونَهُمُ): لا تعرفونهم (اللهُ يَعْلمُهُمْ): يعرفهم، هم المنافقون أو

стр. 704

اليهود أو أهل فارس (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ): قليل أو كثير (فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أجره وجزاؤه (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون) بتضييع العمل. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ): مالوا للصلح (فَاجْنَحْ لَهَا): مل إليها، قال بعضهم: الآية منسوخة بقوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون "، وفيه شيء لأن المهادنة لكثرة الأعداء ولغيرها جائزة إذا رأى الإمام، وقال بعضهم: الآية مخصوصة بأهل الكتاب (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في الصلح، ولا تخف خداعهم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ): لأقوالهم (الْعَلِيمُ) بنياتهم (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ): يريدون بالصلح خديعة (فَإِنَّ حَسْبَكَ): محسبك وكافيك (اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) مع ما فيهم من الضغينة في أدنى شيء (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لتناهي عداوتهم وجهالتهم، فإن بين الأوس والخزرج من العداوة والحروب ما لا يمكن الإصلاح، فالله بمحض قدرته ألف بينهم فاجتمعوا وأنفقوا، وأنساهم الله تلك الشحناء فصاروا أنصارًا (وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) فإنه مقلب القلوب (إِنَّهُ عَزِيزٌ): غالب لا يغالب أبدًا (حَكِيمٌ) يضع كل شيء في موضعه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ): كافيك (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

стр. 705

مفعول معه، أي: محسبك مع المؤمنين الله، أو عطف على " الله "، نزلت في غزوة بدر، وقال بعضهم: نزلت حين أسلم عمر، ثم اعترض عليه بأن الأنفال كلها مدنية، وإسلام عمر قبل الهجرة فلا يصح هذا. * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)

стр. 706

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) أي: بالغ في حثهم عليه (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة والوعد بالغلبة (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ): بسبب جهالتهم بالله يقاتلون لأجل حظ دنيوي، فلا تثبت أقدامهم إذا رأوا شدة القتال وظنوا الهلاك (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) نزلت لما ثقلت على المسلمين مقابلة الواحد مع العشرة، فنسخها وخفف عنهم (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) في البدن أو في البصيرة، فإن في بعضهم ضعف البصيرة (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) أي: إن كانوا على الشطر من عدوهم لم يجز الفرار، وإلا جاز ولم يجب القتال، ثم اعلم أنه ذكر في الأول العشرين والمائة، وفي الثاني المائة والألف، للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد (بِإِذْنِ اللهِ) بأمره وإرادته (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): بالنصر والظفر (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) ما صح وما استقام لبى من الأنبياء أن يأخذ أسرى، ولا يقتلهم (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ): يكثر القتل فيعز الإسلام ويذل الكفر (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا): حطامها، أي: الفداء (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) أي: يريد لكم ثواب الآخرة، أو ما هو سبب نيل الجنة من إعزاز الدين وقمع الملحدين (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) يعلم ما

стр. 707

يليق بالأحوال، نزلت حين جاءوا بأسارى بدر، فاستشار فيهم، فقال عمر: هم أئمة الكفر والله أغناك عن الفداء فاضرب أعناقهم، وقال أبو بكر: هم قومك وأهلك لعل الله يتوب عليهم، خذ منهم فدية تقو ي بها أصحابك، فقبل الفداء وعفى عنهم (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ) يعني في أم الكتاب أن لا يعذب مسلم شهد بدرًا، وهم [مغفور لهم] (١)، أو فيه أن المغانم والفداء حلال لكم، أو لا أعذب من عصاني إلا بعد تصريح بنهي (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ): من الفداء قبل أن آذن لكم (عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا) أي: أبحْت لكم الغنائم فكلوا (مِمَّا غَنِمْتُمْ): من الفدية، فإنها من جملة الغنائم (حَلَالًا) حال، أو أكلا حلالاً (طَيِّبًا) قيل: إنهم أمسكو عن الغنائم أيضًا، وخافوا وَاتَّقُوا اللهَ أشد خوف، فنزل " فكلوا " الآية (وَاتَّقُوا اللهَ): في مخالفته (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) فيغفر ذنبكم (رَحِيمٌ) فأباح لكم الفداء. * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)

стр. 708

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) * * * (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا) بأن يتعلق علم الله بحصول إرادة إيمان وإخلاص فيها (يُؤْتِكُمْ) إن أسلمتم (خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ): من الفداء (وَيَغفِرْ لَكُمْ) ما صدر قبل الإسلام منكم (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت في [العباس] وأصحابه، أسروا يوم بدر وأخذ منهم الفداء، وكان العباس بعد ذلك يقول: أعطاني الله مكان عشرين أوقية أفديتها لنفسي ولابني أخي كانت معي، والتمست من النبي ﵊ أن يحاسبني من جملة فدائي وفداء ابني أخوي فأبى فأبدلني الله في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله.

стр. 709

(وَإِنْ يُرِيدُوا) أي: الأسارى (خِيَانَتَكَ) فيما أظهروا لك من الإسلام والإخلاص (فَقَّدْ خَانوا الله): بالكفر (مِنْ قَبْلُ): من قبل بدر (فَأَمْكَنَ) أي: فأمكنك (مِنْهُمْ) يوم بدر، فإن عادوا فعد، قال بعضهم: نزلت في عبد الله بن سعد الكاتب حين ارتدَّ ولحق بالمشركين، قال بعض: نزلت في العباس وأصحابه حين قالوا: آمنا بك ولننصحن لك على قومنا، والأكثرون على أنه عامر (وَاللهُ عَلِيمٌ): بخيانة من خان (حَكِيمٌ): بتدبيره. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا): أسكنوا المهاجرين منازلهم (وَنَصَرُوا) أي: نصروهم على أعدائهم (أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ): في الميراث دون أقاربهم، آخا رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) أي: ليسوا لكم بأولياء في الميراث (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ) أي: المؤمنون الذين لم يهاجروا (فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) فواجب عليكم نصرتهم على المشركين (إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ): عهد فلا تنقضوا عهدكم في نصرتهم عليهم (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُون) من الوفاء بالعهد ونقضه

стр. 710

(بَصِيرٌ): فيجازيكم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) في الميراث دون المسلمين (إِلا تَفْعَلُوهُ) أي: إن لم تفعلوا ما أمرتم من قطعِ العلائق حتَّى في الميراث بينكم وبين الكفار (تَكُنْ): تحصل (فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) في الدين كقوة الكفر وضعف الإسلام (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا): صدقًا من غير ريب، دون من آمن وسكن دار الشرك، وفي الحديث المتفق على صحته بل المتواتر: " المرء مع من أحب "، ونصب حقًا على المصدر المؤكد، أو تقديره: إيمانًا حقًا (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): في الجنة (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكمْ): من جملتكم، أيها المهاجرون والأنصار، فإن المهاجرين بعضهم هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم بعد صلحها قبل فتح مكة وهي الهجرة الثانية (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) في التوارث من الأجانب (فِي كِتَابِ اللهِ) في حكمه، أو في اللوح وهذه ناسخة للإرث بالحلف والإخاء الذي كانوا يتوارثون به أولاً (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيعلم صلاح الأوقات.

стр. 711

سورة التوبة سورة براءة والتوبة ولها أسماء أخر مدنية قيل إلا الآيتين (لقد جاءكم رسول) وآيها مائة وثلاثون وقيل تسع وعشرون ولها ستة عشر ركوعًا * * * (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) * * * (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)، أي: هذه براءة واصلة من الله ورسوله (إِلَى

стр. 712

الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: الله ورسوله برءا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وإن كان صادرًا من رسوله - صلى الله علمِه وسلم - بإذن الله تعالى، يعني وجب نبذه ولا عهد بعد ذلك (فسِيحُوا في الأَرْضِ): أيها المشركون، (أَرْبَعَةَ أَشْهُر)، والأصح أنه من يوم النحر إلى عاشر ربيع الآخر، وعند بعضهم أنه إلى سلخ المحرم؛ لأن الآية نزلت في شوال والأكثرون على أن من كان له عهد مؤقت ولم ينقض عهده فأجله إلى مدته مهما كان، ومن له عهد غير مؤقت أو دون أربعة أشهر أو أكثر لكن نقضه فيكمل له أربعة أشهر وقد صحت بهذا الروايات عن على ﵁، وفي رواية عن ابن عباس أن من له عهد مؤقت أو غير مؤقت فأجله أربعة أشهر ومن ليس له عهد فأجله انسلاخ الأشهر الحرم فمن يوم النحر إلى انسلاخ المحرم خمسون ليلة ثم السيف حتى يدخلوا في الإسلام، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ): لا تفوتونه وإن أمهلكم، (وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ): مذلهم في الدنيا والآخرة، (وَأَذَانٌ) أي: إعلام، عطف على براءة (مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ): يوم أفضل أيام المناسك وأكبرها جميعاً وهو يوم العيد أو يوم عرفة أو أيام الحج كلها، وعن الحسن البصري ﵀: عام، حج فيه أبو بكر ﵁ -

стр. 713

بالاستخلاف، وعن بعضهم: الذي حج فيها النبي ﵊؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين ولم يجتمع قبله ولا بعده وقال بعضهم الحج الأصغر العمرة، (أَن الله) أي: بأنه (بَرِيءٌ منَ الُمشْرِكِينَ) أي: من عهودهم، (وَرَسُولُهُ) عطف على المستكن في بريء، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: ورسوله كذلك وعند ابن حاجب جاز في مثله أن يكون عطفًا على محل اسم " أن "، (فَإِنْ تُبْتُمْ): من الكفر والغدر، (فَهُوَ)، أي: الرجوع، (خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّيتمْ): من التوبة، (فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ): غير فائتين أخذه وعقابه، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم)، في الآخرة، (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، استثناء من المشركين في قوله " بريء من المشركين " فالمستثنى من جميع المشركين من كان أجل عهده فوق أربعة أشهر ولم ينقضوا العهد، فوجب إتمام عهدهم على الأصح، وأما على ما نقلنا عن ابن عباس ﵄ -

стр. 714

في بعض الروايات فمعناه: أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، أي: مدة قدرنا وهي أربعة أشهر لكن في الاستثناء يختل الفصل بأجنبي أو تقديره: فقولوا لهم: سيحوا واعلموا أن الله بريء منهم لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم أتموا عهدهم وأمهلوهم بعد أربعة أشهر إلى انقضاء أجلهم، (ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا): من شرط العهد، (وَلَمْ يُظَاهِرُوا): لم يعاونوا (عَلَيْكمْ أَحَداً): من أعدائكم، (فَأَتِموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهمْ إِلَى)، تمام (مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، فإتمام العهد من التقوى، (فَإِذَا انسَلَخَ)، انقضى، (الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ): الأشهر التي حرمنا فيها قتالهم وأجلناهم فيها وهو أربعة أشهر لغير من كان معاهدته أكثر من أربعة أشهر ولم ينقض عهده وأكثر من أربعة أشهر لهم فإن بني ضمرة وبني كنانة بقي من مدة عهدهم تسعة أشهر وأوله يوم النحر أو يوم نزول الآية وقد نزلت في شوال كما ذكرنا، (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ): كافة ناكثاً وغير ناكث، وعلى ما نقلنا عن ابن عباس ﵄ فمعناه: إذا انقضى الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم فاقتلوا المشركين الذين لا عهد لهم أصلاً، فعلى هذا أول [صفر] ابتداء جواز المقاتلة مع من ليس له عهد، (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ): من حل أو حرم، (وَخذوهمْ): ائسروهم، (وَاحْصُروهُمْ)، احبسوهم وضيقوا عليهم، (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ): كل ممر حتى لا يتوسعوا في البلاد، (فَإِنْ تَابُوا): عن الشرك، (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء، (إِنَّ اللهَ غَفورٌ رَّحِيمٌ): يغفر زلاتهم وينعم عليهم. (وَإِنْ أَحَدٌ منَ المشْرِكِينَ): الذين أمرتك بقتلهم ورفع " أَحَدٌ " بشريطة التفسير، (اسْتَجَارَكَ): طلب منك الأمان، (فَأَجِرْهُ): أمنه، (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ)،

стр. 715

تقرأه عليه وتقيم عليه حجة الله تعالى، (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)، هو مستمر الأمان إلى أن يرجع بلاده، (ذَلِكَ): الأمر بأمنه، (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ): جهلة فلابد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا كلام الله لعلهم يعقلون فيطيعون. * * * (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا

стр. 716

يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) * * * (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ)، استفهام إنكار، أي: يمكن ذلك وهم على الشرك والكفر وخبر يكون " عند الله " و " كيف " حال من العهد، (إِلا الذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الَمسْجِدِ الحَرَامِ)، يعني يوم الحديبية ومحله الجر والنصب على الاستثناء المتصل، لأنه في معنى ليس للمشركين عهد إلا الذين، أو منقطع أي: لكن تربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم، (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)، أي: فإن استقاموا على الوفاء بالعهد فاستقيموا أنتم أيضاً " فما " شرطية، (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، والوفاء بالعهد من التقوى، هم أهل مكة نقضوا عهدهم

стр. 717

وقاتلوا حلفاء رسول الله ﷺ فعند ذلك قاتلهم وفتح مكة، وقال بعضهم: هم قبائل من بني بكر قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ولم ينقضوا والناقض قريش وبعض قبائل بني بكر فإن بني ضمرة ممن استمر على عهده فما قاتلهم أحد حتى أسلموا بلا مقاتلة، (كَيفَ)، تكرار للاستبعاد، أي: كيف لهم عهد عندك؟! (وَإِن يَظْهَروا عَلَيْكمْ)، والحال أنَّهم إن يظفروا بكم، (لَا يَرْقُبُوا): لا يراعوا، (فِيكُمْ إِلًّا): قرابة، أو حلفا قال بعضهم الإل هو الله عبراني، (وَلَا ذِمَّةً): عهدا، (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)، استئناف، أي: يظهرون خلاف ما يضمرون، (وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ) الوفاء بما قالوا (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ): ناقضون للعهد، (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ): استبدلوا بالقرآن، (ثَمَنًا قَلِيلاً): متاع الدنيا قيل نقضوا العهد بأكلة أطعمهم أبو سفيان، (فَصَدُّوا عَن سبِيلِهِ): أعرضوا عن دينه، أو منعوا الناس عن الدخول في دينه، (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، عملهم هذا، (لَا يَرْقُبُونَ): لا يحافظون، (فِي مؤْمنٍ)، فإنهم يحبون الكفر وأهله، (إِلًّا وَلَا ذِمَّةً): قرابة وعهداً، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ): المتجاوزون الغاية في الشرارة، (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 718

فَإِخْوَانُكُمْ)، أي: فهم إخوانكم، (فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ): نكررها ونبينها، (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، وهم المؤمنون، (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ): نقضوا مواثيقهم، (مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ): رؤساء مشركي قريش فإنهم ناقضون للعهد مستهزئون بدين الله، أي: قاتلوهم؛ لأنَّهُم صاروا بذلك ذوي الرياسة في الكفر قال بعضهم: هم أهل فارس والروم وقال حذيفة بن اليمان: لم يأت أهلها بعد، (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ): لا عهود لهم فإن عهدهم على الحقيقة ليس بعهد ومن قرأ لا إيمان بكسر الهمزة فمعناه لا إسلام أوْ لا أمان لهم، (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)، أي: قاتلوهم لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والعناد، (أَلاَ تُقَاتِلُونَ)، تحريض على القتال، (قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ): كفار مكة

стр. 719

نقضوا عهد الحديبية، (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ): من مكة كما مر في قوله: " وإذ يمكر بك الذين كفروا " (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ): بالقتال، (أَوَّلَ مَرَّةٍ)، يعني يوم بدر فإنهم خرجوا لنصر عيرهم فلما نجت استمروا على وجههم طلبًا للقتال بغياً وتكبراً، أو المراد أنَّهم بدءوا بالقتال مع حلفائكم خزاعة، (أَتَخْشَوْنَهُمْ): أتتركون قتالهم خشية منهم (فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ): فلا تتركون لدينه ضعفاً وتسعون في إعلاء كلمته (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فإن الإيمان الكامل ينفى الخشية عن غير الله، (قَاتِلُوهُمْ)، أمر بالقتال بعد التوبيخ على تركه، (يعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ويخْزِهِمْ): يذلهم، (وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ)، وعد من الله بنصر المؤمنين وقتل الكافرين وإذلالهم، (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) أي: بني خزاعة أعانت قريش بني بكر عليهم، (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ): كربها بمعونة قريش بني بكر، (وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ): من المشركين كأبي سفيان وعكرمة بن أبى جهل وغيرهما، (وَاللهُ عَلِيمٌ): بما كان وما لم يكن (حَكِيمٌ): لا يأمر إلا بما هو المصلحة (أَمْ حَسِبْتُمْ): أيها المؤمنون، وأم منقطعة بمعنى الهمزة فيها توبيخ على الحسبان وقيل خطاب للمنافقين، (أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)، أي: نترككم مهملين ولا نختبركم بأمور يظهر الخلص من غيرهم، نفى العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة نفياً للملزوم بنفى اللازم، (وَلَمْ يَتَّخِدوا)، عطف على جاهدوا، (مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً): بطانة وأولياء يفشون إليهم أسرارهم، (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): يعلم أغراضكم من أفعالكم. * * *

стр. 720

(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) * * * (مَا كَانَ): ما صح، (لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ)، أيُّ مسجد كان، أو المراد مسجد الحرام، وجمعه لأنه قبلة المساجد، ويدل عليه قراءة من قرأ مسجد الله وعمارته مرمته عند الخراب، أو الصلاة والقعود فيه أو أعم، قيل: نزلت في العباس حين أسر في بدرٍ فأغلظ علي - رضى الله عنه - له القول في التعيير فأجاب: تعدون مساوئنا

стр. 721

ولا تذكرون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج، (شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْر)، حال من فاعل يعمروا، أي: ما استقام الجمع بين عمارة بيت الله وعبادة غيره، (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، لأن الكفر يذهب ثوابها، (وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ)، في باب الدين وأمره يعني من كان بهذه الصفات فهو اللائق بعمارة المساجد قال ﷺ " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان "، قال الله تعالى: " إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ "، وقد ورد " عمار المساجد هم أهل الله " (فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، قيل الإتيان بلفظ عسى إشارة إلى ردع الكفار وتوبيخهم بالقطع في زعمهم أنهم مهتدون فإن هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل فما ظنك بمن هو أضل من البهائم! وإشارة أيضاً إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتكال على الأعمال، (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، أي: أهل السقاية والعمارة، وقيل المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: الساقي والعامر،

стр. 722

(كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ)، وفي مسلم قال رجل من: الصحابة ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد خير مما قلتم فقال عمر: استفتيت من رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج " الآية، وعن كثير من السلف: أنها نزلت في مفاخرة العباس وطلحة وعلي بن أبي طالب ﵃، قال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء أبيت فيه، وقال العباس بعد إسلامه: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، وأنزلت حين قال المشركون: عمارة البيت والقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد، (لاَ يَسْتَوُون عِندَ اللهِ)، بل المجاهد أفضل لكن للمرجوح درجة ثم بين بقوله، (وَاللهُ لاَ يَهْدَي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)، أن من ليس له فضل، ولا هداية ولا درجة هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادة الأوثان مكان عبادة الله، وإن كان سبب النزول مفاخرة المشركين فقوله: " والله لا يهدي القوم الظالمين " لبيان عدم التساوي (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ): ممن لم

стр. 723

يستجمع هذه الصفات، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ): بالنجاة الكلية عن النار والظفر المطلق بالأمنية، (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ): دائم، (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ): يستحقر دونه نعيم الدنيا بأسرها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ): أصدقاء، (إِنِ اسْتَحَبُّوا): اختاروا، (الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ)، نزلت حين أمروا بالهجرة من مكة فإن بعض المؤمنين قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا، أو نزلت نهياً عن موالاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): بوضع الموالاة مكان المعاداة، (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ): أقرباؤكم، (وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا): اكتسبتموها، (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا): تستطيبونها، (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا)، جواب الشرط، أي: انتظروا، (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ): عقوبته العاجلة والآجلة، (وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الْفَاسِقِينَ): لا يرشد الخارجين عن الطاعة وفي الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إليَّ من نفسي، فقال رسول الله ﷺ : الآن يا عمر، قيل المراد الحب الاختيارى دون الطبيعي الذي لا يدخل تحت التكليف. * * *

стр. 724

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) * * * (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ): أماكن، (كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ)، أي: وموطن يوم حنين واد بين مكة وطائف وقع فيه المقاتلة بعد فتح مكة، (إِذ أَعْجَبَتْكُمْ)، بدل من يوم حنين، (كَثْرتُكُمْ)، المؤمنون اثنا عشر ألفا والكفار أربعة آلاف، (فَلَمْ تُغْنِ)، أي: لم تدفع الكثرة، (عَنكُمْ شَيْئًا): من أمر العدو، (وَضَاقَتْ عَلَيْكُم

стр. 725

الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)، أي: برحبها وسعتها فلم تجدوا موضعاً للفرار تطمئن به نفوسكم، (ثُمَّ وَلَّيتم): فررتم، (مُّدْبِرِينَ): منهزمين حتى بلغ فُلُّكُم مكة وبقي رسول الله ﷺ في مركزه معه العباس وأبو سفيان، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ): ما سكن واطمئن به الفؤاد من رحمه، (عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ): فنادى العباس بأمر رسول الله ﷺ وكان صيتاً: يا عباد الله يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة. فكرُّوا عنقاً واحداً قائلين لبيك لبيك، (وَأَنْزَلَ جُنُودًا): من الملائكة، (لَمْ تَرَوْهَا)، لكن قالوا: سمعنا صلصلة بين السماء الأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد، (وَعَذب الذِينَ كَفَرُوا): بالقتل والسبي ستة آلاف أسير من صبي وامرأة، (وَذلِكَ)، إشارة إلى ما فعل بهم، (جَزَاءُ الكَافِرِينَ): في الدنيا، (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)، فإن كثيراً ممن بقي من هؤلاء المقاتلين بعد الوقعة بقريب من عشرين يوماً قدموا على رسول الله ﷺ مسلمين فرد عليهم سبيهم كلها برضى المؤمنين وقسم أموالهم بين الغانمين، (وَالله غَفُورٌ رحِيمٌ): لمن آمن يتجاوز عنه ويتفضل عليه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ): باطنهم ودينهم قال قتادة

стр. 726

لأنَّهُم لا يتطهرون من جنابة ولا من حدث، (فَلاَ يَقْربوا المَسْجِدَ الحَرَامَ)، منعوا من دخول الحرم، وقيل: منعوا عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقًا، (بَعْدَ عَامِهِمْ هَذا)، وكان سنة تسع أرسل علياً ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، (وَإِذ خِفتمْ عَيْلَةً): فقراً بسبب منع الكفار من الحرم لانقطاع المتاجر، (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ): من عطائه بوجه آخر، (إن شَاءَ)، قيده بالمشيئة لينقطع الآمال إلى الله عوضهم الجزية وأموال البلدان، (إِن الَلَّهَ عَلِيمٌ): بأحوالكم، (حَكِيمٌ): في المنع والإعطاء، (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أمر بقتال أهل الكتاب، فهم لا يؤمنون إيماناً كما ينبغي فإيمانهم كلا إيمان، (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ): كالخمر والربا، (وَلاَ يَدِينونَ دِينَ الحَقِّ): لا يعتقدون دين الثابت الناسخ لسائر، الأديان، (مِنَ الذِينَ

стр. 727

أُوتُوا الْكِتَابَ)، بيان للذين لا يؤمنون، (حَتَّى يُعْطُوا الجِزيةَ): ما تقرر عليهم أن يعطوه، (عَن يَدٍ): عن قهر وذل يقال لكل شيء أعطي كرها: أعطاه عن يد أي: عاجزين فهو حال أو يعطونها بأيديهم ولا يرسلون على يد غيرهم، أي: المسلمين بأيديهم وقيل: عن غنى ولذلك قيل لا يؤخذ من الفقير، (وَهُمْ صَاغِرُونَ)، ذليلون، عن ابن عباس ﵄ يؤخذ منه وتوجأ عنقه. * * * (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

стр. 728

مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) * * * (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ)، وذلك لأن العزير كتب التوراة بعدما فات منهم وضاع، ثم لما وجدوا نسخة من نسخ التوراة قابلوها بها فوجدوها صحيحاً فقال بعض جهلتهم، إنما جاء بها لأنه ابن الله، (وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ)، وسبب ضلالهم في المسيح ظاهر، (ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ): لا مستند لهم كالمهمل يتفوهون به ليس له مفهوم عيني، (يُضَاهِئُونَ)، أي: يضاهي قولهم فحذف القول وأقيم المضاف إليه مقامه، (قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)، من قبلهم، أي: قدمائهم فالكفر فيه قدم، أو المشركين الذين يقولون الملائكة بنات الله، (قَاتَلَهُمُ اللهُ)، قال ابن عباس: أي لعنهم الله، (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، كيف يضلون عن الحق (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ)، علماؤهم، (وَرُهْبَانَهُمْ)، زهادهم والأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، (أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)، حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام

стр. 729

فأطاعوهم وتركوا كتاب الله تعالى، (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)، بأن جعلوه ابناً له، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا)، هو الله، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، صفة ثانية أو استئناف، (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، هو المنزه عن شريك وولد، (يُرِيدُونَ أَنْ

стр. 730

يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ) الذي أرسل به رسوله من الهدي ودين الحق، (بِأَفْوَاهِهِمْ)، بتكذيبهم، (وَيَأْبَى اللهُ)، لا يرضى، (إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)، بإعلاء كلمته، والاستثناء مفرغ لأن الفعل الموجب في معنى النفي وهذا تمثيل لحالهم في طلب إبطال الدين بالتكذيب بحال من يطلب إطفاء نور منبث في الآفاق بنفخة، (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، إتمامه، ويدل على جواب لو ما قبله، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى)، القرآن والمعجزة، (وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، ليعليه على سائر الأديان فينسخها فالضمير إما لدين الحق، أو للرسول، أو على أهل الكتاب فيخذلهم، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، غلبته وهذه الجملة كالبيان للجملة الأولى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، يأخذ علماء أهل الكتاب الرشى ويبطلون دين الله وحكمه والمقصود

стр. 731

التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، (وَيَصُدونَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، يصرفون الناس عن اتباع الحق، (وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذْهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا)، الضمير للدنانير والدراهم الكثيرة الدالة عليها يَكْنِزُونَ الذهب والفضة، أو للكنوز أو للفضة، لأنها أقرب وتدل على أن حكم الذهب بطريق الأولى، (في سَبِيلِ اللهِ فبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، عن كثير من السلف كعمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أن الكنز مال لم يؤد منه الزكاة وما أدي زكاته فليس بكنز وقد صح عن عليٍّ ﵁ قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما أكثر من ذلك فهو كنز ومثل هذا مذهب كثير من السلف، والأخبار في مدح التقلل وذم التكثر أكثر من أن يخفى، (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ)، أصل معناه يوم تحمى النار، أي: توقد ذات حمي وحر شديد على الكنوز ثم طوى ذكر النار وحول الإسناد إلى الجار والمجرور للمبالغة في شدة حر الكنوز، (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ)، لا يوضع دينار على دينار لكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم في موضع على حدة قال بعضهم صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وولى ظهره وأعرض عنه كشحه ولهذا خص الجباه والجنوب والظهور، (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ)، أي: يقال لهم ذلك، (لِأَنْفُسِكُمْ)، فصار النفع ضرًّا، (فَذُوقُوا): وبال، (مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)، ما

стр. 732

مصدرية أو موصولة وأكثر السلف على أن الآية عامة في المسلمين وأهل الكتاب وبه بالغ وحلف أبو ذر. (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ)، مبلغ عددها، (عِندَ اللهِ)، متعلق بعدة فإنها مصدر، (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، لا أزيد من ذلك كما يفعله المشركون وسنذكره في قوله: " إنما النسىِء زيادة " الآية [التوبة: ٣٧]، (فِي كَتابِ اللهِ): في اللوح المحفوظ أو في حكمه، (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)، أي: ثابت في كتاب الله يوم خلق الأجسام فيكون " في كتاب الله " صفة لاثني عشر و " يوم خلق " متعلق بمتعلقه، (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، (ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ)، أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم دين الأنبياء، (فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)، بهتك حرمتها فإن الظلم فيها أعظم وزراً فيما سواه، والطاعة فيها أعظم أجراً قال بعضهم: ضمير فيهن راجع إلى اثني عشر، أي: لا تظلموا في الشهور كلها قال الأكثرون: حرمة المقاتلة في أشهر الحرم منسوخة فأولوا نهي الظلم بترك المعاصي، وقال بعضهم: محكمة وجازت المقاتلة إذا كانت البدأة منهم وأجابوا عن محاربة رسول الله ﷺ أهل الطائف بأن ابتداءه في الشهر الحلال، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً): جميعاً، (كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً): هو تهييج وتحضيض للمسلمين بالاتفاق في محاربة أهل الشرك والنفاق، (وَاعْلَمُوا أَنْ اللهَ مَعَ الُمتَّقِينَ): بشرهم بالنصرة بعدما أمرهم بالمقاتلة، (إِنَّمَا النَّسِيءُ): هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر وذلك لأنه إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا بدله شهرًا من أشهر الحل حتى رفضوا خصوص الأشهر الحرم واعتبروا مجرد العدد، (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ): فإن

стр. 733

تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه كفر ضموه إلى كفرهم، (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا): ضلالاً زائداً، (يُحِلُّونَهُ): أي: النسيء من الأشهر الحرم، (عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً): إذا قاتلوا فيه أحلوه وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه، (لِيُوَاطِئُوا): متعلق بما دل عليه الكلام، أي: حرموا مكانه شهرًا آخر ليوافقوا، (عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ): لا يزيد ولا ينقص الأشهر الحرم من الأربعة، (فيُحِلوا مَا حَرَّمَ اللهُ)، [فإنهم] لم يحرموا الشهر الحرام بل وافقوا في العدد وحده، قيل: وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت فلذلك قال تعالى: " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر " الآية، (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ): فإن الشيطان يغويهم، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِي)، أي: لا يهدي من هو في علم الله كافر مؤبد الكفر أو معناه، لا يهديهم في حال كفرهم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)

стр. 734

انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا): اخرجوا، (فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ)، تباطأتم، (إِلَى الْأَرْضِ)، متعلق بـ اثاقلتم لتضمنه معنى الميل والخلود نزلت في شأن غزوه تبوك أمروا بها حين رجعوا من فتح مكة والطائف في وقت عسرة وشدة حر فشق عليهم، (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ)، أي: بدلها

стр. 735

يعني الجنة، (فمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، التمتع بها، (فِي الْآخِرَةِ)، أي: في جنبها، (إِلَّا قَلِيلٌ)، فإنها لا تتناهى وأين نعيم الدنيا من نعيمها (إِلا تَنفِرُوا)، شرطية، (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، في الدنيا والآخرة، (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)، يأت بقوم آخرين مطيعين بعد هلاككم، (وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً)، بالتثاقل فإنه هو الناصر لدينه، أو الضمير لرسول الله ﷺ ، أي: سينصره إن قعدتم عن الحرب، (وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرٌ)، فيقدر على تبديلكم ونصرته بلا مددكم، (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ)، بمنزلة العلة له، (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، حاصله أنه ينصره كما نصره جواب الشرط محذوف وهو فسينصره، وقوله: " فقد نصره الله " حين إن وقع الكفار سببًا لخروجه، (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، أي حال كونه أحد اثنين هو ﷺ وأبو بكر ﵁، (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)، في جبل ثور وهو بدل البعض من " إذ أخرجه "، لأن المراد منه زمان متسع، (إِذ يَقُولُ)، بدل آخر أو ظرف لـ ثاني، (لِصَاحِبِهِ)، أبي بكر حين طلع الكفار فوق الغار يطلبونهما، (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)

стр. 736

بالنصرة والعصمة، (فَأَنزَلَ اللهُ سكِينَتَهُ)، أمنته، (عَلَيْهِ)، أي تجدد أمنته على رسول الله ﷺ ، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن الضمير لأبي بكر رضى الله عنه ويؤيد الأول قوله، (وَأَيَّدَهُ)، أي: رسول الله ﷺ بلا خلاف، (بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا)، أي: الملائكة ليحرسوه، قال بعضهم: المراد بقوله: " وأيده بجنود لم تروها " التأييد يوم [بدر] فعلى هذا عطف على أخرجه الذين كفروا، (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كلمة الشرك، (السفْلَى)، حيث خرج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم فلم يروه أو حين قتلوا وأسروا يوم بدر، (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا)، كلمة التوحيد عالية ظاهرة حين هاجر المدينة أو حين غلبوا ونصروا يوم بدر، (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، في أمره وتدبيره، (انْفِرُوا)، إلى جهاد تبوك، (خِفَافًا وَثِقَالًا)، شبانًا وشيوخًا أو نشاطًا وغيره أو ركبانًا ومشاة أو فقيرًا وغنيًّا أو قليل العيال وغيره أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه أو أصحاء ومرضى أو مسرعين، وبعد الاستعداد، (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)، من التثاقل إلى الأرض، (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون)، فإن من لم يكن من أهل العلم لا يصدق بخيرية النفور ويختار هوى النفس، قال ابن عباس رضى الله عنه: نسخت هذه الآية بقوله: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة "، قال بعضهم: لما نزلت اشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله:

стр. 737

" ليس على الضعفاء ولا على المرضى " الآية [التوبة: ٩١]، (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً)، لو كان ما دعوا إليه نفعًا وغنيمة دنيوية قريبة، (وَسَفراً قَاصِداً)، متوسطاً، (لاتَّبَعوكَ)، وافقوك، (وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ)، المسافة التي تقطع بمشقة فإنه ﵊ خرج بنية الروم، (وَسَيَحْلِفون بِاللهِ)، إذا رجعت من تبوك عذراً للتخلف يقولون، (لَوِ اسْتَطَعْنَا)، استطاعة بدن ومال، (لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ)، هذا ساد مسد جوابي القسم والشرط، (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ)، بإيقاعها في العذاب للحلف الكاذب حال من فاعل سيحلفون، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، فإنهم مستطيعون. * * * (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا

стр. 738

فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ (٥٩) * * * (عَفَا اللهُ عَنْكَ)، خطأك في إذنهم للتخلف (١)، بدأ بالعفو قبل [التعبير] (٢) بالذنب لنهاية العناية في شأنه ﵊، (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ): في القعود وهلا توقفت،

стр. 739

(حَتَّى يَتَبينَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا): في الاعتذار فتأذن لهم، (وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ): فلا ترخصهم في التخلف، (لاَ يَسْتَئْذِنكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، في التخلف كراهة، (أَن يُجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)، لأنَّهُم يرون الجهاد قربة أو لا يستأذنون في أن يجاهدوا بل يسرعون إلى الجهاد من غير طلب إذن، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتقِينَ)، فيجازيهم على حسب تقواهم، (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ)، في التخلف، (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)، يتحيرون، (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ)، معك إلى القتال، (لأَعَدُّوا لَه)، للخروج، (عُدَّةً)، أهبة من الزاد والركوب، أي: هم أهل ثروة واستطاعة، (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ)، يعني ما خرجوا ولكن تثبطوا؛ لأن الله أبغض

стр. 740

خروجهم معك، (فَثَبَّطَهُمْ)، حبسهم ومنعهم عن الخروج، (وَقِيلَ اقْعُدُوا)، في بيوتكم تمثيل لإلقاء الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم، أو قال بعضهم لبعض، (مَعَ الْقَاعِدِينَ)، الذين لهم عذر، أو مع الصبيان والنسوان وعلى هذا صلاحكم في تخلفهم، وعتاب الله تعالى عليه لمبادرة الإذن في التخلف، (لَوْ خرَجُوا)، يبين وجه كراهته تعالى، (فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ)، بخروجهم شيئاً، (إِلَّا خَبَالًا)، فساداً ولا يلزم من هذا أن يكون للمؤمنين فساد وهم زادوه، (وَلأَوْضَعُوا)، لأسرعوا ركائبهم، (خِلَالَكُمْ)، في وسطكم بإيقاع العداوة للنميمة، (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)، يريدون أن يفتنوتكم بإيقاع الخلاف فيكم، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، مطيعون مستجيبون لحديثهم أو سماعون لهم الأخبار لينقلوها عليهم، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)، فيجازيهم، (لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ)، تفريق أصحابك
следующие страницы →