بالنصرة والعصمة، (فَأَنزَلَ اللهُ سكِينَتَهُ)، أمنته، (عَلَيْهِ)، أي تجدد أمنته على رسول الله ﷺ ، وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن الضمير لأبي بكر رضى الله عنه ويؤيد الأول قوله، (وَأَيَّدَهُ)، أي: رسول الله ﷺ بلا خلاف، (بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا)، أي: الملائكة ليحرسوه، قال بعضهم: المراد بقوله: " وأيده بجنود لم تروها " التأييد يوم [بدر] فعلى هذا عطف على أخرجه الذين كفروا، (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كلمة الشرك، (السفْلَى)، حيث خرج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم فلم يروه أو حين قتلوا وأسروا يوم بدر، (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا)، كلمة التوحيد عالية ظاهرة حين هاجر المدينة أو حين غلبوا ونصروا يوم بدر، (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، في أمره وتدبيره، (انْفِرُوا)، إلى جهاد تبوك، (خِفَافًا وَثِقَالًا)، شبانًا وشيوخًا أو نشاطًا وغيره أو ركبانًا ومشاة أو فقيرًا وغنيًّا أو قليل العيال وغيره أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه أو أصحاء ومرضى أو مسرعين، وبعد الاستعداد، (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)، من التثاقل إلى الأرض، (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون)، فإن من لم يكن من أهل العلم لا يصدق بخيرية النفور ويختار هوى النفس، قال ابن عباس رضى الله عنه: نسخت هذه الآية بقوله: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة "، قال بعضهم: لما نزلت اشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله:
стр. 737
" ليس على الضعفاء ولا على المرضى " الآية [التوبة: ٩١]، (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً)، لو كان ما دعوا إليه نفعًا وغنيمة دنيوية قريبة، (وَسَفراً قَاصِداً)، متوسطاً، (لاتَّبَعوكَ)، وافقوك، (وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ)، المسافة التي تقطع بمشقة فإنه ﵊ خرج بنية الروم، (وَسَيَحْلِفون بِاللهِ)، إذا رجعت من تبوك عذراً للتخلف يقولون، (لَوِ اسْتَطَعْنَا)، استطاعة بدن ومال، (لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ)، هذا ساد مسد جوابي القسم والشرط، (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ)، بإيقاعها في العذاب للحلف الكاذب حال من فاعل سيحلفون، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، فإنهم مستطيعون.
* * *
(عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا
(حَتَّى يَتَبينَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا): في الاعتذار فتأذن لهم، (وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ): فلا ترخصهم في التخلف، (لاَ يَسْتَئْذِنكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، في التخلف كراهة، (أَن يُجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)، لأنَّهُم يرون الجهاد قربة أو لا يستأذنون في أن يجاهدوا بل يسرعون إلى الجهاد من غير طلب إذن، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتقِينَ)، فيجازيهم على حسب تقواهم، (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ)، في التخلف، (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ)، يتحيرون، (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ)، معك إلى القتال، (لأَعَدُّوا لَه)، للخروج، (عُدَّةً)، أهبة من الزاد والركوب، أي: هم أهل ثروة واستطاعة، (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ)، يعني ما خرجوا ولكن تثبطوا؛ لأن الله أبغض
стр. 740
خروجهم معك، (فَثَبَّطَهُمْ)، حبسهم ومنعهم عن الخروج، (وَقِيلَ اقْعُدُوا)، في بيوتكم تمثيل لإلقاء الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم، أو قال بعضهم لبعض، (مَعَ الْقَاعِدِينَ)، الذين لهم عذر، أو مع الصبيان والنسوان وعلى هذا صلاحكم في تخلفهم، وعتاب الله تعالى عليه لمبادرة الإذن في التخلف، (لَوْ خرَجُوا)، يبين وجه كراهته تعالى، (فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ)، بخروجهم شيئاً، (إِلَّا خَبَالًا)، فساداً ولا يلزم من هذا أن يكون للمؤمنين فساد وهم زادوه، (وَلأَوْضَعُوا)، لأسرعوا ركائبهم، (خِلَالَكُمْ)، في وسطكم بإيقاع العداوة للنميمة، (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)، يريدون أن يفتنوتكم بإيقاع الخلاف فيكم، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، مطيعون مستجيبون لحديثهم أو سماعون لهم الأخبار لينقلوها عليهم، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)، فيجازيهم، (لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ)، تفريق أصحابك
стр. 741
وتشتيت أمرك، (مِنْ قَبْلُ)، في أوائل ما جئت المدينة رمته العرب واليهود ومنافقوها عن قوس واحد، (وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ)، دبروا لك الحيل، (حَتَّى جَاءَ الحَقُّ)، التأييد الإلهى، (وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ)، وعلا كلمته يوم بدر ويوم فتح مكة، (وَهُمْ كَارِهُونَ)، كما قال ابن سلول الملعون حين سمع قصة بدر: هذا أمر قد توجه، (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذن لِّي)، في القعود، (وَلاَ تَفْتِنِّي)، لا توقعني في الفتنة ببنات الأصفر نزلت في جد بن قيس من أشراف بني سلمة حين قال رسول الله ﷺ له هل لك في جهاد بني الأصفر يعني الروم فقال لنفاقه: ائذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر فوالله إني أخشي إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ولكني أعينك بمالي، (أَلاَ فِي الفِتْنَةِ)، بسبب تخلفهم عنك، (سَقَطُوا)، لا بسبب بنات الأصفر وما دعوتهم إليه، (وَإِنْ جَهنمَ لَمُحِيطَةٌ بالْكَافِرِينَ) جامعة لهم لا مهرب ولا محيص، (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ)، ظفر وغنيمة، (تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ)، كما أصاب يوم أحد، (يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ)، عملنا بالحزم كما قال ابن سلول وأصحابه حين تخلفوا عنك يوم أحد، (وَيَتَوَلَّوْا)، عن مقام التحدث أو أعرضوا عن الرسول، (وَهُمْ فَرِحُونَ)، بما نالكم من المصيبة، (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا)، في اللوح المحفوظ لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، (هُوَ مَوْلَانَا)، ملجؤنا وناصرنا، (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكلِ المُؤْمِنُونَ)، لا على كثرة العدد والعدد، (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ)، تنتظرون، (بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)، النصرة والشهادة وكل
стр. 742
منهما حسنى، (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ)، إحدى السوءين، (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ)، بقارعة وبلاء من السماء، (أَوْ بِأَيْدِينَا) أو بعذاب بأيدينا كالقتل، (فَتَرَبَّصُوا)، انتظروا ما هو عاقبنا، (إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)، ما هو عاقبتكم، (قُلْ أَنفِقوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً)، طائعين أو مكرهين، (لن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ)، أمر في معنى الخبر، أي: لن يتقبل الله منكم نفقاتكم إن أنفقتم طوعاً أو كرهًا كما قال جد بن قيس أعينك بمالي، (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ)، تعليل لعدم القبول على سبيل الاستئناف، (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا)، أي: إلا كفرهم فاعل منع، (بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى)، متثاقلين ليس لهم قصد صحيح، (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، لأنَّهُم لا يرجون بها ثواباً؛ بل غرضهم إظهار الإسلام، (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ)، فإنها لهم استدراج ووبال، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، بزكاتها والنفقة في سبيل الله على كره والتعب في جمعها والوجل في حفظها والشدائد والمصائب فيها فهي لهم عذاب وللمؤمنين أجر، قال بعضهم: في الحياة الدنيا متعلق بـ لا تعجبك، (وَتَزْهَقَ)، تخرج، (أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ)، أي: يموتوا كافرين مشتغلين بصعوبة فراق [المستلذات] الدنيوية غافلين عن النظر في العاقبة، (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ)، من جملة المسلمين، (وَمَا هُم مِّنكمْ)، فإنهم
стр. 743
منافقون، (وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)، يخافون فيحلفون تقية، (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً)، حصنًا يلجئون إليه، (أَوْ مَغَارَاتٍ)، غيرانًا في الجبال، (أَوْ مُدَّخَلًا)، نفقاَ ينحجرون فيه كنفق اليربوع، (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ)، لأقبلوا نحوه، (وَهُم يَجْمَحُون)، يسرعون إسراعًا لا يردهم شيء وحاصله أنَّهم لو وجدوا مهربًا منكم أى مهرب لفروا منكم لضيقهم في أيديكم، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ)، يعيبك، (فِي الصَّدَقَاتِ)، أي: في قسمتها، (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)، أي: ينكرون ويعيبون لحظ أنفسهم، وإذا للمفاجأة نائب مناب فاء الجزاء نزلت في ذوى الخويصرة أصل الخوارج وآبائهم حين قال: اعدل في القسمة فقال ﷺ : قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل فمن يعدل؟، أو نزلت في أبي الجواظ من المنافقين حين قال: أتقسم بالسوية، (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ)، أعطاهم، (اللهُ وَرَسُولُهُ)، من الغنيمة والصدقة، وفعل الرسول بأمر الله، فلذلك أتى بلفظ الله، (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ)، محسبنا وكافينا، (سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ)، في أن يوسع علينا من فضله وجواب لو محذوف، أي: لكان خيرًا لهم وأقوم.
* * *
حاجته أو المحتاج المريض أو فقراء المهاجرين، (وَالْمَسَاكِينِ)، المستضعف الذي يطوف ويسأل وعند الشافعي ﵁ من له مال أو كسب لكن لا يكفيه أو المحتاج الصحيح والفقراء من أهل الكتاب، (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)، الساعين في تحصيل الصدقات غنيًا أو فقيرًا، (وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُمْ)، وهم أقسام منهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، ومنهم من يعطى رجاء إسلامه، ومنهم من يعطى لإسلام نظرائهم وأمثالهم، ومنهم من يعطى ليأخذ الزكاة ممن يليه أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، قال كثير من العلماء: سهمهم الآن بعد أن أعز الله تعالى الإسلام ساقط، وقال قوم: باق إلى الأبد، (وَفِي الرِّقَابِ)، أي: للصرف في فك الرقاب بإعانة المكاتَب أو باشتراء الرقاب للعتق، والعدول عن اللام إشارة إلى أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، (وَالْغَارِمِينَ)، المديونين إن صرفه في غير معصية وحينئذ لو صرفه في مصالحه فيعطى إذا لم يكن له ما يفيء بالدين ولو صرفه في المعروف وإصلاح ذات
стр. 746
البين فيعطى وإن كان غنيًا، (وَفِي سَبِيلِ اللهِ)، هم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان وإن كانوا أغنياء قال بعضهم: والحجاج أيضًا، (وَابْنِ السَّبِيلِ)، المسافر المنقطع عن ماله وإن كان له مال في بلده، (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ)، أي: فرض لهم الزكاة فريضة، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، يضع الأمور في مواضعها ثم اعلم أن أكثر السلف على أنه لا يجب استيعاب الأصناف الثمانية بل يجوز الدفع إلى واحد منها وقال بعضهم يجب، (وَمِنْهُمُ)، أي: من المنافقين، (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)، الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع كانوا يقولون في شأنه ما لا ينبغي فيقول بعضهم: لا تقولوا ربما يبلغه قولكم فقالوا لا بأس إنه أذن لو ننكر ما قلنا وحلفنا ليصدقنا، (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)، كأنه قال: نعم أذن، لكن
هو أذن خير يسمع الخير ويقبله لا أذن شر فلا طعن ولا ذم بفطنته إلا شرف
стр. 747
وشهامته وهو من أهل سلامة القلوب عليه أشرف الصلوات وأكمل التسليمات ثم فسر ذلك بقوله، (يُؤْمِنُ بِاللهِ)، يصدق به، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)، يسلم لهم أقوالهم لكونهم صادقين، (وَرحْمَةٌ)، أي: هو رحمة، وقراءة جرِّها لعطفها على " خير "، (لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)، وحجة على الكافرين قيل المراد من الذين آمنوا: من أظهر الإيمان حيث لا يكشف سره، ففيه إشارة إلى أن قبول قولكم رفق وترحم منه لا لجهله وبلاهته، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ)، على مدعاهم، (لِيُرْضُوكُمْ)، بيمينهم، نزلت في قوم من المنافقين، قالوا: إن كان ما يقول محمد حقًّا فنحن شر من الحمير، فلما بلغت مقالتهم رسول الله ﷺ وسألهم حلفوا بالله إن المبلِّغ كذاب، أو في رهط تخلفوا عن غزوة تبوك وحلفوا في معاذيرهم، (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، بالطاعة والوفاق وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين فكأنهما واحد، (إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ)، صدقًا، (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ)، الضمير للشأن، (مَن يُحَادِدِ الله وَرَسولَهُ)، يشاقق الله ويخالفه، (فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ)، تقديره فحق أن له نار جهنم على حذف الخبر، (خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)، الذل والفضيحة العظيمة، (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِم)، على المؤمنين، (سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ)، تخبرهم، (بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ)، من الكفر والحسد وتهتك عليهم أستارهم يعني يقولون القول ويستهزئون، ثم يقولون عسى الله أن لا
стр. 748
يفشي علينا سرنا، (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ)، مظهر مبرز، (مَا تَحْذَرُونَ)، ظهوره، (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، نزلت في ركب من المنافقين قالوا في غزوة تبوك انظروا إلى هذا الرجل يريد فتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات فلما نزل الوحي دعاهم رسول الله ﷺ فقال قلتم كذا وكذا فحلفوا أن لسنا في شيء من أمرك لكنا في شيء مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر وليقطع الطريق بالحديث واللعب، (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)، توبيخًا لهم فإنهم كاذبون في عذرهم، (لَا تَعْتَذِرُوا)، فإني أعلم كذبه، (قَدْ كَفَرْتُمْ)، أظهرتم الكفر بما قلتم، (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، بعدما أظهرتم الإيمان، (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ)، لتوبتهم، (نُعَذِّبْ طَائِفَةً)، منكم، (بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)، مصرين على النفاق والاستهزاء، قيل كانوا ثلاثة فعفى الله عن واحد كان يضحك ولا يخوض.
* * *
(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ
(فَنَسِيَهُمْ)، تركهم من لطفه وإنعامه، (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، الكاملون في التمرد، (وَعَدَ اللهُ الُمنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)، مقدرين للخلود، (هيَ)، أي: النار، (حَسْبهُمْ)، كافيهم جزاء على نفاقهم، (وَلَعَنَهُمُ اللهُ)، أبعدهم من رحمته، (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)، لا تصير النار قط عليهم بردًا، (كالَّذِينَ)، أي: أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين، (مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ)، بدينهم أو بنصيبهم من ملاذ الدنيا، (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ)، فحالكم وفعلكم كفعلهم القبيح الشنيع، بين أولاً بقوله " فاستمتعوا " قباحة طرائقهم ثم شبههم بهم حذو النعل بالنعل، (وَخُضْتُمْ)، في الكذب والباطل، (كَالَّذِي خَاضُوا)، أي: كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه، (أُوْلَئِكَ حَبطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنيَا وَالْآخِرَةِ)، لم يستحقوا عليها في الدارين جزاء، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، دينهم ودنياهم، يعني: كما حبطت أعمال من قبلكم حبطت أعمالكم، (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ)، أهلكوا بالطوفان، (وَعَادٍ)، بالريح، (وَثَمُودَ)، بالصيحة، (وَقَوْمِ
стр. 751
إِبْرَاهِيمَ)، بسلب النعمة وهلاك ملكهم نمرود ببعوض، (وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، قوم شعيب بالنار يوم الظلة، (وَالْمُؤْتَفِكَاتِ)، قريات قوم لوط ائتفكت بهم انقلبت فصارت عاليها سافلها، (أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، المعجزات الظاهرات فكذبوهم فأخذوا بتعجيل النقمة، (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ)، بأن عاقبهم بلا جرم، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، بتكذيب رسلهم فاستحقوا العذاب فنزل عليهم، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، أي: يتناصرون ويتعاضدون في مقابلة قول: " المنافقون والمنافقات " الآية، (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ)، في جميع ما أمر ونهي (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ)، لا محالة والسين مؤكدة للوقوع، (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ)، غالب، (حَكِيمٌ)، يضع الأشياء في مواضعها، (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، تحت أشجارها وغرفها، (خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيبَةً)، من أنواع الجواهر، (فِي جَنَّاتِ عَدْن)، وقد ورد: العدن دار الله التي لم ترها عين ولم يخطر على قلب بشر، أو نهر في الجنة جناته على حافتيه، أو أعلى درجة في الجنة، (وَرِضْوَانٌ من اللهِ)، أي: شيء من رضاه، (أَكْبَرُ)، من جميع ذلك أو مما يوصف، فإن رضى الله هو المبدأ لكل سعادة وهو المؤدي إلى الوصال واللقاء، (ذلِكَ)، أى: الرضوان أو جميع ما تقدم، (هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ).
* * *
وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، مصيرهم، (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا)، نزلت
حين كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل شجرة إذ طلع رجل أزرق
فقال له رسول الله ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك فانطلق وجاء بأصحابه وحلفوا بالله أنَّهم ما قالوه، أو نزلت في جلاس ابن سويد حين قال: إن كان ما جاء به محمد - حقًا لنحن أشر من الحمير ومعه ابن امرأته فأوعده بأن يذكر قوله هذا عند رسول الله ﷺ وذكره فدعاه رسول الله ﷺ وسأل أقلت كذا وكذا؟ فحلف، أو نزلت في ابن أبي حين قال لئن رجعنا إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فلما سأله رسول الله ﷺ أنكر وحلف، (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ)، سبه أو تكذيبه، (وَكفَرُوا بَعْد إِسْلامِهِمْ)، أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان، (وَهَمَّوا)، قصدوا، (بِمَا لَمْ يَنَالُوا)، ما قدروا عليه من قتل رسول الله ﷺ في العقبة التي بطريق تبوك، أو من قتل ابن امرأة الجلاس حين أوعد السعاية، أو أرادوا أن يعقدوا على رأس ابن سلول تاجًا يباهي به رسول الله ﷺ فلما سئلوا عن هذه الإرادة حلفوا أنا ما أردنا، (وَمَا نَقَمُوا)، ما أنكروا وما عابوا، (إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وحاصله أنَّهم جعلوا الشكاية والعيب موضع الشكر والمدح فإنه ما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته بعدما كانوا في ضنك وضيق، (فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ)، أي: التوب، (خَيْرًا لَهُمْ)، فتاب الجلاس وحسنت توبته، (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا)، بالإصرار على النفاق، (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)، ينجيهم من عذابه، (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ
стр. 754
لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)، نزلت في ثعلبة بن حاطب التمس الدعاء من رسول الله ﷺ لتكثير ماله وعهد أن لو رزق ليعطي كل ذي حق حقه فلما رزق غنمًا تضيق بها المدينة أرسل رسول الله ﷺ في طلب الزكاة منه فأبى وقال: ما هذه إلا أخت الجزية. فلما نزلت الآية جاء بالزكاة فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك. فجعل التراب يحثو على رأسه، فقبض رسول الله ﷺ فما قبل منه أبو بكر ولا عمر ﵄، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رضى الله عنه، (فَلَمَّا آتَاهُمْ): الله (مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا) عن طاعة الله، (وَهُم مُّعْرِضُونَ)، قوم عادتهم الإعراض، (فَأعْقَبَهُمْ)، أورثهم الله وجعل عاقبة فعلهم، (نِفاقًا)، متمكنًا، (فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)، يلقون الله بالموت، (بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ)، من التصدق والصلاح، (وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)، وبسبب كذبهم فإن خلف الوعد مستقبح من وجهين الإخلاف والكذب، (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ
стр. 755
سِرَّهُمْ)، من إضمار النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، (وَنَجْوَاهُمْ)، ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية، (وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، فلا يخفى عليه شيء، (الذِينَ يَلْمِزُونَ)، يعيبون مرفوع أو منصوب بالذم، أو بدل من ضمير سرهم، (الْمُطَّوِّعِينَ)، المتطوعين، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ)، نزلت لما حث رسول الله ﷺ على الصدقة جاء بعضهم بكثير مال وبعضهم الفقراء بالقليل، فقال المنافقون: من أكثر فهو مراء، ومن أقل أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات (وَالذِينَ)، عطف على المطوعين، (لاَ يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ)، طاقتهم وهم الفقراء، (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)، يستهزءون بهم، (سَخِرَ الله مِنْهُمْ)، جازاهم على سخريتهم، أي: أذلهم، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، أي: ساوي استغفارك وعدمه في عدم الإفادة لهم، (إِن تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، المراد منه التكثير لا العدد المخصوص، (فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، وقد نقل أنه لما نزلت قال رسول الله ﷺ : " إن الله قد رخص لي فأزيدن على السبعين، لعل الله أن يغفر لهم "
стр. 756
حرصًا على مغفرتهم فأنزل الله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ). وهو من باب حمل اللفظ على ما يحتمل مع العلم بأنه غير مراده، كقول بعضهم: مثل الأمير يحمل على الأدهم. والأشهب في جواب قول الحجاج: لأحملنك على الأدهم. أي: السلسلة إلى (ذَلِكَ)، أي: عدم قبول استغفارك، (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، المتمردين في الكفر، فإن من طبع على الكفر لا ينقطع أبدًا ولا يهتدي، فعدم قبول دعائك لا لبخل منا ولا لقصور فيك؛ بل لعدم قابليتهم.
* * *
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ
стр. 757
لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)
* * *
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ)، بقعودهم عن الغزو، (خِلافَ رَسُولِ اللهِ)، أي: خلفه كما في: أقام خلاف الحي. أي: بعده أو من المخالفة، أي: لمخالفته أو مخالفين له، (وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا)، بعضهم لبعض أو للمؤمنين، (لاَ تَنفِرُوا)، لغزوة تبوك، (فِي الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا)، وقد اخترتموها بهذه المخالفة، (لوْ كَانُوا يَفقَهُون)، أنها كيف هي، أو أن مصيرهم إليها، أو لو أنَّهم يفهمون ويفقهون لنفروا ليتقوا به من حر جهنم، (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً)، عن ابن عباس رضى الله عنهما - وغيره: الدنيا قليل،
стр. 758
فليضحكوا فيها ما شاءوا (وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، فإنهم في النار لا يزالون باكين أبد الآباد، (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، من النفاق، (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ)، أي: من المخلفين. وليس كل من تخلف عن تبوك منافقًا، يعني: إن وصلت إلى المدينة وفيها طائفة منهم، (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ)، إلى غزوة أخرى بعد تبوك، (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)، إخبار في معنى النهي، (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ)، استئناف تعليل له، (أَوَّلَ مَرَّةٍ)، هي الخرجة إلى تبوك، (فَاقْعُدُوا)، حينئذٍ، (مَعَ الْخَالِفِينَ)، أي: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر، أو مع النساء والصبيان والمرضى والزمنى قيل: مع المخالفين. (وَلَا تُصَلِّ)، صلاة الجنازة، وقيل: لا تدع ولا تستغفر، (عَلَى أَحَدٍ منْهم مَّاتَ أَبَدًا)، الموت على الكفر موت أبدي، فإن إحياءه للتعذيب أسوأ وأسوأ من الموت فكأنه لم يحيى، (وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، لا تقف تستغفر، أو تدع له أو لا تتول دفنه، (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)، تعليل للنهي، نزلت بعد أن مات ابن
стр. 759
أبى بن سلول وهو ﷺ أرسل قميصه الأشرف لكفنه بالتماسه، في مرض موته، وقام ليصلى عليه، وعمر - رضى الله عنه - قام بين رسول الله ﷺ والقبلة؛ لئلا يصلي عليه، فقال الأكثرون: نزلت بعد أن صلى عليه. وقال بعضهم: نزلت حين قام عمر فلم يصل عليه. ولما رأوا أنه تبرك بقميصه أسلم من المنافقين يومئذ ألف، وقال بعضهم: إنما ألبسه مكافأة؛ لأن ابن سلول ألبسه ثوبه يوم بدر العباس، فإنه بين الأسارى ليس له ثوب، (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا)، بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله منها على كره والشدائد والمصائب بلا طمع ثواب، (وَتَزْهَقَ)، تخرج، (أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)، فإن الأبصار طامحة على الأموال والأولاد سيما عند المفارقة فيبغضون حكم الله وملائكته.
стр. 760
(وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا)، أي: بأن آمنوا، (بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ)، أصحاب الغنى، (مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ)، أي: النساء، جمع خالفة، أي: بحيث لا يتحرزون عن هذا العار (وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، أحدث فيها هيئة تمرنهم على استحباب الكفر واستقباح الإيمان بحث لا ينفذ فيها الحق كأنه مطبوع مختوم، (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) ما فيه صلاحهم ولا ما فيه مضرتهم، (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) أي: إن لم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم، (وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ) نقل عن ابن عباس ﵄ أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله، (وأُوْلَئِكَ هُمُ الُمفْلِحُونَ) الفائزون، (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فإن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.
* * *
(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لله وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
стр. 761
يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)
* * *
(وَجَاءَ الُمعَذِّرُونَ) من عذر إذا قصر أو من اعتذر إذا مهد العذر، (مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) في القعود عن ابن عباسٍ ومجاهد ﵃ هم أهل العذر وقال الحسن وقتادة: اعتذروا فلم يعذرهم الله، (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في ادعاء الإيمان، أي: قعد آخرون من الأعراب المنافقين عن المجيء للاعتذار، وعن الحسن وقتادة الذين كذبوا عبارة عن المعذرون وأتى بالظاهر بدل المضمر إشارة إلى أن كذبهم بعثهم على القعود يعني وقعد عن الحرب من كذب في المعذرة، (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) فإن منهم من قعد للكسل لا للكفر، (عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ) كالزمنى والمشايخ، (وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
стр. 762
يُنْفِقُونَ) الفقراء، (حَرَجٌ)، إثم في التأخر، (إِذَا نَصَحُوا لله وَرَسُولِهِ) أخلصوا الإيمان والأعمال من الغش، (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) إلى عقوبتهم، وضع المحسنين موضع الضمير إشارة إلى أنَّهم المحسنون، (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) للمسيء فكيف للمحسن، (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) هم سبعة نفر من الفقراء التمسوا مراكب للمرافقة في الغزو، (قلْتَ) يا محمد حال من مفعول أتوك بإضمار قد: (لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) من الركب، (تَوَلوْا) جواب إذا وقلت جواب وتولوا استئناف كأنه قيل: كيف صنعوا إذا قيل لهم ذلك؟ (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) من للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز وهي أبلغ من تفيض دمعها، (حَزَنًا) مفعول له أو حال، (أَلَّا يَجِدُوا) أي: لئلا متعلق بتفيض أو حزنًا، (مَا يُنفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ) بالمعاتبة والعقوبة، (عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) النساء وقبلوا تلك الدناءة، (وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قلُوبِهِمْ) حتى لم يذكروا مواعظ الله، (فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) كأنهم مجانين، (يَعْتَذرُون إِلَيْكُمْ) في التخلف، (إِذَا رَجَعتمْ) من هذه الغزوة، (إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) لن نصدقكم لأنه، (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ) بالوحي، (مِنْ
стр. 763
أَخْبَارِكُمْ) بعض ما في صدوركم، (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) في المستأنف أتتوبون أم تستمرون على نفاقكم؟ وجاز أن يكون معناه يمهلكم حتى تكتسبوا جرائم أخرى، (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الذي [لا] يفوت عن علمه شيء، (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في سركم، (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) بأن لهم في التخلف أعذارًا، (لتعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تعاتبوهم، (فأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) دعوهم ونفاقهم، (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) نجس بواطنهم لا يقبل التطهير من النفاق، (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً)، مفعول له، أو مصدر، (بِمَا كَانُوا يكْسِبُونَ) من الآثام، (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) بحلفهم، (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) بأن تصدقوهم في العذر، (فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) فإنه لا يمكن التلبيس على الله تعالى بوجه والمقصود النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كانوا ثمانين من المنافقين أمرنا حين قدمنا المدينة بأن لا نكلمهم ولا نجالسهم.
(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا) أي: أهل البدو وكفرهم ونفاقهم أعظم من أهل الحضر لقساوتهم وبعدهم عن العلماء، (وَأَجْدَرُ)، أولى، (أَلَّا) بأن لا، (يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) من الشرائع، (وَاللهُ عَلِيمٌ) بقلوب أهل الوبر والمدر، (حَكِيمٌ) فيما قسم بين عباده وفي الحديث (من سكن البادية جفا ومن
стр. 764
اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن) (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ) في سبيل الله، (مَغْرَمًا) غرامة وخسارة لا يرجون ثوابًا، (وَيَتَرَبَّصُ) ينتظر، (بكُمُ الدَّوَائِرَ) دوائر الزمان ونوبه لينقلب الأمر عليكم، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) الأَمر منعكس والسوء دائر عليهم فلا يرون فيكم إلا ما يسوءهم، (وَاللهُ سَمِيعٌ) لمقالهم، (عَلِيمٌ) بضمائرهم، (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ) يعد، (مَا يُنفِقُ) في سبيل الله تعالي ويتصدق به، (قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ) أي: سبب قربات، (وَصَلَوَاتِ الرسُولِ) أي: سبب صلاته فإنه يستغفر ويدعوا للمتصدقين، (أَلاَ إِنَّهَا) أي: نفقتهم، (قُرْبَةٌ لهُمْ) أي: ما يرجون الحاصل ألبتة، (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ) السين للتأكيد، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) فيغفر زلاتهم ويدخلهم الجنة برحمته.
* * *
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا
أدرك بيعة الرضوان بالحديبية، أو من شَهد البدر، (وَالأَنصَارِ) هم الذين آمنوا قبل قدوم رسول الله ﷺ ، (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) بإيمان وطاعة إلى يوم القيامة كسائر الصالحين من أهل السنة وقال بعضهم: المراد بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين، (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ)، أي تحت أشجارها، (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الجملة خبر لقوله والسابقون، (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ) أعراب حوالي المدينة، (مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) عطف على ممن حولكم وقوله: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، صفة لمنافقون فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر أو عطف الجملة على الجملة تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا، أي: تمردوا أو تمهروا، (لاَ تَعْلَمُهُمْ) يا محمد بأعيانهم، (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) فإنه لا يخفى علينا شيء،
стр. 767
(سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) فضيحتهم في الدنيا وعذاب القبر ومصائب في أموالهم وأولادهم فهذه لهم عذاب وللمؤمنين أجر وعذاب القبر أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ثم عذاب القبر، (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) وهو الخلود في جهنم، (وَآخَرُون) من أهل المدينة لا من المنافقين، (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) في التخلف عن الغزو، (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا) كصلاتهم وإنابتهم وغيرهما، (وَآخَرَ سَيِّئًا) كتقاعدهم عن تلك الغزوة كسلاً، قيل: الواو بمعنى الباء كما في بعت الشاة شاة ودرهماً أي بدرهم، والأولى أن الواو على أصله دال على أن كل واحد مخلوط بالآخر كما تقول: خلطت الماء واللبن، أي: خلطت كل واحد منهما بصاحبه، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) يقبل توبتهم، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن تبوك ثم إذا رجعت الغزاة عن غزوتهم ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ فلما نزلت حلهم وعفا عنهم، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، نزلت لما أطلق هؤلاء الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى وقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا تصدق ها وطهرنا فقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: " ما أمرت بأخذ شيء من أموالكم "، (تطَهِّرُهُمْ) عن الذنوب، (وَنُزكِّيهِم بِهَا) ترفعهم بهذه الصدقة إلى منازل المخلصين،
стр. 768
(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ادع لهم، (إِن صَلاَتكَ سَكَنٌ) طمأنينة ورحمة ووقار، (لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ) بدعائك، (عَلِيمٌ) بما هو أهل له أو سميع باعترافهم عليهم بندامتهم، (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) تعديته بعن لتضمنه معنى التجاوز، (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) يقبلها وهذا تهييج إلى التوبة والصدقة عن ابن مسعود ﵁ أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يقبل توبة تائبين ويتفضل عليهم، (وَقُلِ اعْمَلُوا) يا معشر المخالفين، (فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ) لا يخفى عليه شيء، (وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) فإن الله يطلعهم على أعمالكم لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة يوم تبلى السرائر، (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) بالموت، (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) بالمجازاة عليه فعلى هذه الآية وعيد أو معناه يا معشر المحسن والمسيء اعملوا فلا يخفى على الله خير وشر والله يطلع الرسول والمؤمنين على ما في قلوبكم فيحبون المحسن ويبغضون المسيء ثم يوم القيامة يجازيكم فعلى هذه الآية وعد ووعيد، (وَآخَرُون)
стр. 769
من المتخلفين، (مُرْجَوْنَ) مؤخرون يعني: موقوف أمرهم، (لأَمْرِ اللهِ) في شأنهم، (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) لم يقبل توبتهم، (وَإِمَّا يَتوبُ عَلَيْهِمْ) يقبل توبهم، (وَاللهُ عَلِيمٌ) بمن يستحق العقوبة، (حَكِيمٌ) فيما يفعل والمراد منهم الثلاثة الذين خلفوا من جملة من قعد كسلاً لا نفاقًا ولم يربطوا أنفسهم بالسراري ولم يبالغوا في التوبة كما فعل أبو لبابة وأصحابه فنزلت توبتهم بعد خمسين ليلة بعدما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا) مبتدأ خبره محذوف أي: وفيمن وصفنا من المنافقين الذين اتخذوا أو منصوب على الاختصاص، (ضِرَارًا) مفعول له أو مصدر محذوف الفعل، أي مضارة للمؤمنين، (وَكُفْرًا) أي: تقوية للكفر، (وَتَفْرِيقًا بَيْن الْمُؤْمِنِينَ) فإنهم يجتمعون في مسجد قباء فأرادوا افتراقهم، (وَإِرْصَادًا) ترقبًا، (لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ) أبي عامر الراهب، (مِن قَبْلُ) متعلق بحارب، (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا)، أي: ما أردنا ببنائه، (إِلَّا الْحُسْنَى)، أي: إلا الخصلة الْحُسْنَى وهي الصلاة فيه والتوسعة على المسلمين، (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في حلفهم كان بالمدينة أبو عامر الراهب تنصر في الجاهلية وما آمن بمحمد ﵇ وبعد بدرٍ التحق بقريش وحثهم على المحاربة وكان معهم في أُحد ثم ذهب إلى عظيم الروم وكتب إلى أعوانه من المنافقين يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش لمحاربة الإسلام وأمرهم ببناء مسجد له فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء إرصادًا لرجوعه من القيصر فلما أتموا بناءه أتوا رسول الله ﷺ حين رجع من تبوك وقالوا: أتممنا مسجدًا للضعفاء وأهل العلة والليلة المطيرة نلتمس أن تصلي فيه وتدعوا بالبركة فنزلت
стр. 770
في تكذيبهم فأمر رسول الله ﷺ بهدمه فهدموه وأحرقوه، (لاَ تَقُمْ فِيهِ) في ذاك المسجد، (أَبَدًا) للصلاة، (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ) بني أصله، (عَلَى
стр. 771
التَّقْوَى) على طاعة الله ورسوله، (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) من أيام وجوده، (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) للصلاة جماعة من السلف على أنه مسجد قباء منهم ابن عباس ﵄ وبعض منهم على أنه المسجد الذي في جوف المدينة وعليه حديث صحيح وقال بعضهم لا منافاة، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى فمسجد المصطفى صلي الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى ولي في هذا التوفيق خدشة والله تعالى أعلم، (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) من الأحداث والنجاسات هم أهل قباء كان من عادتهم أنَّهم يستعملون الماء في الاستنجاء عقيب الحجر قيل: ولا ينامون على الجنابة وقيل: يتطهرون بالتوبة عن الشرك والمعاصي، (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يرضى عمن طهر ظاهره وباطنه، (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) أي: بنيان مبنية، مصدر كالغفران، (عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ) أي: على قاعدة محكمة قوية هي التقوى من
стр. 772
مخالفته، (وَرِضْوَانٍ) وطلب مرضاته، (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) أي: بنيان مبنيه، (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) جانب وادٍ من أودية جهنم تكاد تسقط على جهنم والشفا الحرف وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيًا والهار المنصدع الذي أشفى على السقوط قيل حاصله أنه على قاعدة ضعيفة رخوة تكاد تسقط، (فَانْهَارَ بِهِ) طاح ببانيه وأسقطه، (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قد صح عن بعض الصحابة أنه رأى الدخان يخرج من هذه الأرض حين حفر وهو اليوم مزبلة، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إلى ما فيه صلاحهم، (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ) أي: مبنيهم مصدر أريد به المفعول، (الَّذِي بَنَوْا) صفة لبنيانهم وجاز أن يكون بنيانهم على معناه المصدري والذي بنوا مفعوله، (رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) سبب شك ونفاق فإنهم بنوا للكفر والتفريق فلما خربوه ازدادوا غيظًا وحسدًا وبغضًا (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) بالموت والاستثناء من أعم الأزمنة، أي: يسئلون عنه حينئذ، (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأعمال الخلائق، (حَكِيمٌ) في مجازاتهم من خير وشر.
* * *
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
كما هو ثابت في القرآن، قال بعضهم: الأمر بالجهاد في جميع الشرائع، وقال بعض: كتب فيهما أنه اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة كما بين في القرآن، (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ)، يعني لا أحد أوفى بما وعد " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا " [النساء: ١٢٢]، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) غاية الفرح فإنه موجب للفرح الأبدي، (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) نزلت حين قال عبد الله بن رواحة وأصحابه ليلة العقبة لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: " لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئًا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم "، قالوا: فما لنا؟ قال: " الجنة "، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، (التَّائِبُونَ) أي: هم التائبون مدحهم الله تعالى به، (الْعَابِدُونَ) بالإخلاص، (الْحَامِدُونَ) لله تعالي على كل حال، (السَّائِحُونَ) الصائمون كما ورد " سياحة أمتي الصوم " يعني في رمضان، وقيل: من يديم الصوم، أو المجاهدون أو طلبة العلم، (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) المصلون، (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) بالإيمان والطاعة، (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) عن الشرك والمعاصي وجاء بحرف العطف إشارة إلى أن ما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) القائمون بطاعته وهذا مجمل الفضائل، وما قبله مفصل، قال بعض العلماء: هذه الثلاثة في حكم خصلة واحدة، يعني: يرشدون الخلائق إلى الطاعة بأمرهم بالمعروف
стр. 775
ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه وهو حفظ حدود الله تعالى في تحليله وتحريمه علمًا وعملاً وعلى هذا وجه العطف أظهر، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: الموصوفين بتلك الفضائل وذكر لفظ المؤمنين دون الضمير للإشعار بأن الإيمان داع إلى ذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه شيء لا يمكن بيانه، (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) بأن ماتوا على الكفر نزلت في استغفار النبي صلي الله عليه وسلم لأبي طالب أو لأبيه وأمه أو حين استأذن المسلمون أن يستغفروا لأبويهم، (وَمَا كَانَ اسْتِغفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا) إبراهيم، (إِيَّاهُ) بقوله: لأستغفرن لك، أي: أطلب لك المغفرة من الله، أو وعدها أبوه إياه أي: إبراهيم وهى عدته بالإيمان والأول أصح عن على رضى الله عنه أني سمعت رجلاً يستغفر لأبويه المشركين فنهيته، فقال: ألم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبيه فذكرت ذلك