التَّقْوَى) على طاعة الله ورسوله، (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) من أيام وجوده، (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) للصلاة جماعة من السلف على أنه مسجد قباء منهم ابن عباس ﵄ وبعض منهم على أنه المسجد الذي في جوف المدينة وعليه حديث صحيح وقال بعضهم لا منافاة، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى فمسجد المصطفى صلي الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى ولي في هذا التوفيق خدشة والله تعالى أعلم، (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) من الأحداث والنجاسات هم أهل قباء كان من عادتهم أنَّهم يستعملون الماء في الاستنجاء عقيب الحجر قيل: ولا ينامون على الجنابة وقيل: يتطهرون بالتوبة عن الشرك والمعاصي، (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) يرضى عمن طهر ظاهره وباطنه، (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) أي: بنيان مبنية، مصدر كالغفران، (عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ) أي: على قاعدة محكمة قوية هي التقوى من
стр. 772
مخالفته، (وَرِضْوَانٍ) وطلب مرضاته، (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) أي: بنيان مبنيه، (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) جانب وادٍ من أودية جهنم تكاد تسقط على جهنم والشفا الحرف وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيًا والهار المنصدع الذي أشفى على السقوط قيل حاصله أنه على قاعدة ضعيفة رخوة تكاد تسقط، (فَانْهَارَ بِهِ) طاح ببانيه وأسقطه، (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قد صح عن بعض الصحابة أنه رأى الدخان يخرج من هذه الأرض حين حفر وهو اليوم مزبلة، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إلى ما فيه صلاحهم، (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ) أي: مبنيهم مصدر أريد به المفعول، (الَّذِي بَنَوْا) صفة لبنيانهم وجاز أن يكون بنيانهم على معناه المصدري والذي بنوا مفعوله، (رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) سبب شك ونفاق فإنهم بنوا للكفر والتفريق فلما خربوه ازدادوا غيظًا وحسدًا وبغضًا (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) بالموت والاستثناء من أعم الأزمنة، أي: يسئلون عنه حينئذ، (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأعمال الخلائق، (حَكِيمٌ) في مجازاتهم من خير وشر.
* * *
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
كما هو ثابت في القرآن، قال بعضهم: الأمر بالجهاد في جميع الشرائع، وقال بعض: كتب فيهما أنه اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة كما بين في القرآن، (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ)، يعني لا أحد أوفى بما وعد " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا " [النساء: ١٢٢]، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) غاية الفرح فإنه موجب للفرح الأبدي، (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) نزلت حين قال عبد الله بن رواحة وأصحابه ليلة العقبة لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: " لربي أن تصدقوه ولا تشركوا به شيئًا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم "، قالوا: فما لنا؟ قال: " الجنة "، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، (التَّائِبُونَ) أي: هم التائبون مدحهم الله تعالى به، (الْعَابِدُونَ) بالإخلاص، (الْحَامِدُونَ) لله تعالي على كل حال، (السَّائِحُونَ) الصائمون كما ورد " سياحة أمتي الصوم " يعني في رمضان، وقيل: من يديم الصوم، أو المجاهدون أو طلبة العلم، (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) المصلون، (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) بالإيمان والطاعة، (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) عن الشرك والمعاصي وجاء بحرف العطف إشارة إلى أن ما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) القائمون بطاعته وهذا مجمل الفضائل، وما قبله مفصل، قال بعض العلماء: هذه الثلاثة في حكم خصلة واحدة، يعني: يرشدون الخلائق إلى الطاعة بأمرهم بالمعروف
стр. 775
ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه وهو حفظ حدود الله تعالى في تحليله وتحريمه علمًا وعملاً وعلى هذا وجه العطف أظهر، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: الموصوفين بتلك الفضائل وذكر لفظ المؤمنين دون الضمير للإشعار بأن الإيمان داع إلى ذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه شيء لا يمكن بيانه، (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) بأن ماتوا على الكفر نزلت في استغفار النبي صلي الله عليه وسلم لأبي طالب أو لأبيه وأمه أو حين استأذن المسلمون أن يستغفروا لأبويهم، (وَمَا كَانَ اسْتِغفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا) إبراهيم، (إِيَّاهُ) بقوله: لأستغفرن لك، أي: أطلب لك المغفرة من الله، أو وعدها أبوه إياه أي: إبراهيم وهى عدته بالإيمان والأول أصح عن على رضى الله عنه أني سمعت رجلاً يستغفر لأبويه المشركين فنهيته، فقال: ألم يستغفر إبراهيم ﵇ لأبيه فذكرت ذلك
стр. 776
للنبي ﷺ فنزل " ما كان للنبي " إلى قوله: " إن إبراهيم لأواه حليم " ولما استأذن رسول الله ﷺ في الاستغفار لأمه فلم يأذن رحم عليها وبكى فجاء جبريل ﵇ بقوله " وما كان استغفار إبراهيم " الآية وقال: تبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) بالوحي أو بموته على الكفر، (أَنَّهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ) ما دعا له بعد، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ) متضرع كثير الدعاء أو الرحيم أو الموقن بلسان الحبشة أو المؤمن التواب أيضًا بلسانهم أو المسبح أو كثير الذكر والتسبيح أو فقيه أو يتأوه من الذنوب كثيرًا نقل أنه ﵇ يتنفس تنفس الصعداء كثيرًا ويقول آه من النار قبل أن لا ينفع آه، (حَلِيمٌ) صبور على الأذى صفوح، (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِل قَوْمًا)، ليحكم عليهم بالضلالة ويؤاخذهم، (بعْدَ إِذ هَدَاهُمْ) للإسلام، (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُون) أي: ما يجب اتقاؤه والغافل غير مكلف فلا نؤاخذكم باستغفاركم أبويكم المشركين قبل أن تعلموا أنه خطر حرام لكن لما بينت حرمته إن عدتم إليه ليتحقق الضلال قال بعضهم: نزلت في قوم عملوا بالمنسوخ قبل أن يعلموا نسخه، (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ
стр. 777
مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) فتبرءوا عن المشركين وتوجهوا إلى الله تعالى بالكلية، (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)، أي: في وقت العسرة، يعني غزوة تبوك، فإنها في وقت شدة وحر وقلة زاد وماء ومركوب، (مِن بَعْدِ مَا كَادَ) اسم ما كاد ضمير الشأن، (يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِّنْهُمْ)، تميل عن الحق، فإن كثيرًا منهم هموا بالتخلف ثم عصمهم الله تعالى فلحقوا أو لما نالوا شدائدها من الجوع وغاية العطش والحر كادوا يشكون في دين الإسلام وأما ذكر النبي ﷺ في قوله تعالى: " لقد تاب الله على النبي " معهم فلأنه أذن للمنافقين في التخلف قبل إذن الله تعالى وقال بعض افتتح به الكلام لأنه كان ﷺ سبب توبتهم فذكره معهم، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) تكرير للتأكيد، فإنه لما ذكر ذنبهم أعاد ذكر توبتهم، (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
(وَعَلَى الثَّلَاثَةِ) عطف على النبي، (الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي: خلف الله تعالى أمرهم عمن ربط نفسه بالسواري وعمن اعتذر بالأكاذيب وقيل: خلفوا عن الغزو، (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)، أي: برحبها ووسعتها وهو مثل لشدة الحيرة فإنهم مهجورون بالكلية في المعاملة والمجالسة والمكالمة، (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ) قلوبهم من كثرة الهم، (وَظَنُّوا) علموا، (أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ) من
стр. 778
سخطه، (إِلَّا إِلَيْهِ) بالتضرع والاستغفار، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) وفقهم للتوبة أو رجع عليهم بالرحمة، (لِيَتُوبُوا) أو قبل توبتهم ليتوبوا في المستقبل إن صدر عنهم خطيئة أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم، (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) يقبل توبة العباد بمحض رحمته وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفى.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) في نياتهم وأعمالهم أو في الاعتراف بالذنب لا كمن اعتذر بالأكاذيب والخطاب لأهل الكتاب، أي: كونوا مع
стр. 779
محمد ﵇ وأصحابه، (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ) نهي بصيغة النفي للمبالغة، (وَلاَ يَرْغَبُوا)، أي: ولا أن يرغبوا، (بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) لا أن يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه الأشرف عنه، (ذلِكَ) أي: النهي عن التخلف ووجوب الموافقة، (بِأنَّهُمْ) بسبب أنهم، (لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ) عطش، (وَلاَ نَصَبٌ) تعب، (وَلاَ مَخْمَصَةٌ) مجاعة، (فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ) لا يدوسون، (مَوْطِئًا) مكانًا، (يَغِيظُ) وَطْؤُه، (الكُفارَ) يضيق صدورهم ويغضبهم، (وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا) قتلاً وأسرًا أو غنمية وغلبة، (إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ) بكل واحد من الظمأ وغيره، (عَمَلٌ صَالِحٌ)، إلا استوجبوا الثواب والاستثناء المفرغ في موقع الصفة للنكرة قبله أو الحال، (إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ) على إحسانهم وهو كالعلة لكتب، (وَلاَ يُنفِقُونَ نفَقَةً) في سبيل الله، (صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً) قليلاً ولا كثيرًا، (وَلاَ يَقْطَعُون) في سفرهم، (وَادِيًا) أرضًا، (إِلا كُتِبَ لَهُمْ) أثبت لهم كل من الإنفاق والقطع، (ليَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) أي: يجزيهم جزاء أحسن من أعمالهم، (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ) ما استقام لهم، (لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) أي: جميعًا لغزو
стр. 780
نزلت حين بعث رسول الله ﷺ السرايا بعد تبوك ينفر المؤمنون جميعًا إلى الغزو حذرًا مما أنزل الله تعالى في تخلف المنافقين عن تبوك فيتركون رسول الله ﷺ ، (فَلَوْلَا) أي: هلا، (نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ) جماعة كثيرة، (طَائِفَةٌ) جماعة قليلة، (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) أي: ليحصل القاعدون الفقه والقرآن وأحكامه، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): ليعلموا النافرين ويخوفوهم بما نزل
стр. 781
من الوحي، (إِذَا رَجَعُوا) من الغزو، (إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) عما ينذروا عنه أو ليتفقه النافر أي: ليتبصروا بالغلبة على المشركين وينظروا صنائع الله تعالى ثم إذا رجعوا ينذروا قومهم من الكفار ويخبرهم بنصرة الدين لعلهم يحذرون، أو نزلت حين نزلت أحياء العرب المدينة فغلت أسعارهم وفسدت طرقهم بالعذرات وحينئذ معنى الآية ظاهر، أو نزلت حين خرج بعض الصحابة في البوادي فأصابوا منهم معروفًا ودعوا الناس إلى الهدى فقال أهل البوادي: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم فرجعوا كلهم إلى المدينة فقال تعالى هلا رجع طائفة منهم يستمعوا ما أنزل الله تعالى بعدهم من الوحي ولينذروا ويخبروا قومهم أي: أهل البوادي بالفقه الذي تعلموه إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقد ذكر في وجه النزول غير ما ذكرنا أيضًا.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
стр. 782
مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) أمروا بقتال الأقرب فالأقرب ولهذا لما فرغوا عن جزيرة العرب شرعوا في الشام، (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) شدة في القتال وصبرًا، (وَاعْلَموا أَنْ الله مَع المتَّقِينَ)، بالإعانة والحفظ، (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ) المنافقين، (مَّن يَقول) أي: يقول بعضهم لبعض استهزاء وتثبيتًا على النفاق، (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ) السورة، (إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) بزيادة المؤمن به أو لزيادة عمله الحاصل منها، (وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) بنزولها، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) كفر ونفاق، (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا) كفرًا، (إِلَى رِجْسِهِمْ) الذي كانوا عليه، (وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ) أي: المنافقون، (أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ) يختبرون بالسَّنَة والقحط أو الغزو والمصائب، (فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) لأن يتنبهوا، (ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) ولا يعتبرون، (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) فيها عيب المنافقين، (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) إنكارًا لها وسخرية أو تدبيرًا للفرار قائلين، (هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ) يعني من المسلمين إن قمتم من الخطبة والمسجد فإن لم يرهم أحد قاموا وإلا أقاموا، (ثُمَّ انْصَرَفُوا) عن حضرته، (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عن الإيمان دعاء أو إخبار، (بِأَنَّهُمْ) أي: بسبب
стр. 783
أنهم، (قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) عن الله دينه، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) تعرفون حسبه ونسبه، (عَزِيزٌ) شديد شاق، (عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) أي: عنتكم ومضارتكم، (حَرِيصٌ عَلَيْكُم) على صلاحكم وإيمانكم، (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ) له شدة الرحمة على المطيعين، (رَحِيمٌ) على المذنبين لكن غليظ شديد على الكافرين، (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإيمان وقاتلوك، (فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ) في الحماية والنصرة، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) فلا أرجوا ولا أخاف غيره، (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلق تحته وعن بعض السلف أن آخر ما نزل هاتان الآيتان.
والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)
* * *
(الر) عن ابن عباس رضى الله عنهما، أي: أنا الله أرى، (تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي، (آيَاتُ الْكِتَابِ) القرآن، (الْحَكِيمِ) المحكم الذي لم ينسخ، أو الحاكم بين الناس أو ذوي الحكم، (أَكَانَ لِلنَّاسِ) استفهام لإنكار تعجب الكفار، (عَجَبًا) خبر كان، (أَنْ أَوْحَيْنَا) اسم كان، (إِلَى رَجُلٍ منهُمْ) نزلت حين قالت قريش: الله أعظم أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد يعني ممن لم يكن له رياسة ومال وما يعدونه من أسباب الجلال (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ)، أن مفسرة، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ) أي: بأن، (لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، أي: سابقة وأثرة حسنة أجرًا حسنًا بما قدموا أو سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وذكر الصدق إشارة إلى أن نيل تلك الرفعة بسبب الصدق، (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا) أي: الكتاب، (لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)
стр. 786
كهذه الأيام أو كل يوم كألف سنة، (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): يقدر أمر الكائنات على مقتضي
стр. 787
حكمته، (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) رد على المشركين أن آلهتهم شفعاء لهم، (ذَلِكُمُ اللهُ) أي: الموصوف بتلك الصفات العظيمة، (رَبُّكُمْ) لا غير، (فَاعْبُدُوهُ) وحده، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) في أمركم أيها المشركون، (إِلَيْهِ) لا إلى غيره، (مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) بالموت، (وَعْدَ اللهِ) مصدر مؤكد لنفسه، (حَقًّا) مصدر مؤكد لغيره، (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) بعد إهلاكه، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ) بعدله لا ينقص من ثوابهم وفضل الله يؤتيه من يشاء وقيل: المراد عدلهم أي: إيمانهم فإن الشرك لظلم عظيم، (وَالذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) ماء حار انتهى حره، (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) بسبب كفرهم وحاصله ليجزى الذين كفروا بشراب لكن غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعذاب، وللإشارة إلى أن المقصود بالذات من الإعادة هو الإثابة، وأما عقاب الكفرة فشيء ساقه إليهم شؤم أعمالهم وهذا أيضًا عدل لكن خصص المؤمنين بذكره لمزيد عناية وبشارة، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) ذات ضياء، (وَالْقَمَرَ نُورًا)
стр. 788
أي: ذا نور قيل: ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، (وَقَدَّرَهُ)، أي: مسير القمر، (مَنَازِلَ) أو قدر القمر ذا منازل، (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) حساب الشهور والأيام، (مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ) أي: المذكور، (إِلَّا) متلبسًا، (بِالْحَقِّ) فيه الصنائع والحكم، (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فإنهم المنتفعون بالتدبر، (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَّقُونَ) العواقب فإنه يحملهم على التدبر، (إِنْ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ) لا يتوقعون، (لِقَاءَنَا) لأنَّهُم ينكرون البعث، (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من الآخرة، (وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) قصروا هممهم على زخارفها، (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا) الكونية والشرعية، (غَافِلُونَ) فلا يتفكرون فيها ولا يأتمرون بما، (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) من المعاصي، (إِن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ
стр. 789
رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)، بسبب إيمانهم إلى الصراط حتى يصلوا إلى الجنة بالسلامة، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ) استئناف أو خبر ثان، (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) متعلق بـ تجري أو حال من الأنهار، (دَعْوَاهُمْ) أي: دعاؤهم، (فيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ) مخففة من المثقلة، (الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ) عن كثير من السلف أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئًا قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم الملك بما يشتهون فيسلم عليهم فيردون عليه، وذلك تحيتهم فإن أكلوا حمدوا الله وذلك قوله وآخر دعواهم.
* * *
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ
стр. 790
عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لله فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
* * *
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم) تعجيل الله تعالى لهم، (بِالْخَيْرِ) حاصله لو يستجيب دعاءهم بالشر عند الغضب لأهلهم وأولادهم وأموالهم كما يستجيب دعائهم بالخير، (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)، لأميتوا وأهلكوا لكن بفضله يستجيب في الخير سريعًا لا في الشر قال بعضهم: نزلت حين قالوا: " اللهم إن كان هذا هو الحق " الآية [الأنفال. ٣٢]، (فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) لا يخافون
стр. 791
البعث، (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) تقديره لا نعجلهم ولا نقضي فنذرهم إمهالاً واستدراجًا، (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ) المرض والشدة، (دَعَانَا) لإزالته ملقيا، (لِجَنبِهِ) أي: مضطجعًا، (أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا)، أي: في جميع حالاته فإن الإنسان لا يخلوا عن إحدى هذه الثلاثة، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ) مضى واستمر على طريقته قبل الضر ونسي، (كَأَن لمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مسَّهُ) أي: كأنه لم يطلب منا كشف ضره فحذف ضمير الشأن وخفف، (كَذَلِكَ) مثل ذلك التزيين، (زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من الانهماك في اللذات والإعراض عن الطاعات، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ) يا أهل مكة، (لَمَّا ظَلَمُوا) بتكذيب رسلهم، (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِِ) الحجج الدالة على صدقهم عطف على ظلموا أو حال بإضمار قد، (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) لأن الله طبع على قلوبهم جزاء على كفرهم، (كَذَلِكَ) مثل ذلك الجزاء وهو الإهلاك بأفضح وجه، (نجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ) أي: كل مجرم فاحذروا يا أهل مكة، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاِئفَ فِي الأَرْضِ) استخلفناكم فيها، (مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) فنعاملكم على مقتضى أعمالكم وكيف حال عن ضمير تعملون، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) أي: المشركون، (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) أي: جيء من عند ربك بكتاب آخر ليس فيه عيب آلهتنا، (أَوْ بَدِّلْهُ) أنت من عند نفسك بأن تأتى بآية أخرى
стр. 792
مكان آية فيها ما نكرهه، (قُلْ مَا يَكُون) ما يصح، (لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) من قبل نفسي، (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) يعني التبديل من قبل نفسي لا يمكنني ومن جهة الوحي موقوف على الوحي لا دخل لي فيه إنما عليَّ اتباعه (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بالتبديل، (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) لما علم من جواب التبديل جواب الإتيان بقرآن آخر اكتفى به عنه، (قُل لوْ شَاءَ اللهُ) أن لا أتلوا، (مَا تَلَوتهُ عَلَيْكُمْ) أي: تلاوته من مشيئة الله تعالى وإرادته فإني رجل أمي تعرفوني، (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ) ولا أعلمكم الله به على لساني ومن قرأ لأدراكم بلام جواب " لو " فإنه عطف على جواب " لو " لا لام الابتداء فمعناه لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري لكنه خصني بهذه المزية ورآني أهلا لها دون غيري، (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا) مقدار أربعن سنة، (مِنْ قَبْلِهِ) أي: من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) إنه لا يكون من قبلى فإني نشأت بين ظهرانيكم وما مارست علمًا وما شاهدت عالمًا، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) بأن يقول: إنه من عند الله وما هو من عنده، (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) برسوله وقرآنه ومن تأمل في أمري يظهر له صدقي فلا أحد أظلم منكم، (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا
стр. 793
لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) لأنه لا يقدر على ضر ولا نفع فإنه جماد، (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ) الأوثان، (شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) في أمور دنيانا أو في الآخرة إن يكن بعث، (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ)، تخبرونه، (بِمَا لَا يَعْلَمُ)، وهو أن له شريكًا وأن هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بكل شيء لم يكن له ثبوت بوجه، (فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)، حال من ضمير مقدر في يعلم يرجع إلى ما تأكيد لنفيه إذ العرف جار بأن يقال عند تأكيد النفي ليس هذا في السماء ولا في الأرض، (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ما مصدرية أو موصولة، (وَمَا كَانَ
стр. 794
النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً)، بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، (فَاخْتَلَفُوا)، فبعضهم عبدوا الأصنام، (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)، بأنه لا يهلك أحدًا إلا بعد قيام الحجة وأن لكل أمة جعل أجلاً معينًا، (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، عاجلاً، (فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، فيهلك المبطل ويبقي المحق، قال بعضهم: أي لولا أنه في حكمه أنه لا يقضي بينهم إلا في القيامة لقضى في الدنيا فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار قبل القيامة، (وَيَقُولُونَ)، أهل مكة، (لَوْلا)، أي هلا، (أُنْزِلَ عَلَيْهِ)، على محمد، (آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، مثل الناقة والعصا أو مما اقترحوه من جعل الصفا ذهبًا، (فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ لله)، أي: ما تطلبونه غيب وهو القادر عليه، (فَانتَظِرُوا)، لنزول ما تطلبونه، (إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الُمنتَظِرِينَ) لما يفعل الله بكم.
* * *
(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
للمفاجأة جواب لـ إذا الشرطية، (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) منكم بأن يدبر العقاب قيل إن تدبروا المكر والمكر من الله استدراج أو جزاء على المكر، (إِنَّ رُسُلَنَا) أي: الحفظة من الملائكة، (يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) للمجازاة، (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ) يمكنكم من السير ويحفظكم، (فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ) في السفن، (وَجَرَيْنَ) الضمير للفلك لأنه جمع فلك، (بِهِم) عدل إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكرهم لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا) لاستوائها ولينها، (جَاءَتْهَا)، أي تلك السفن جواب لـ إذا، (رِيحٌ عَاصِفٌ) أي: ذات عصف يعني شديدة قيل العاصف كالحائض مخصوص بالريح فلذا لم يقل عاصفة أو الريح يذكر ويؤنث، (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) من جميع الأطراف، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) فلا يمكن لهم الخلاص، (دَعَوُا اللهَ) بدل اشتمال من ظنوا أو استئناف جواب ماذا صنعوا بعد هذه الحالة وما قيل هو جواب للشرط وجاءتها حال فليس بشيء، (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، مفعول مخلصين أي: تركوا الشرك فلم يدعوا إلا الله،
стр. 797
(لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا)، أي: قائلين أو مفعول دعوا لأنه من جملة القول، (مِنْ هَذِهِ)، الريح والشدة، (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ)، فأجاءوا الفساد فيها، (بغيرِ الحَقِّ) لا كتخريب المسلمين ديار الكفر فإنه إفساد بحق، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ) منفعة، (الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) لا تبقى ويبقى عقابها وهو خبر بغيكم وعلى أنفسكم متعلق بالبغي أو على أنفسكم خبره أي ما وبال بغيكم إلا على أنفسكم لا يضرون به أحدًا غيركم ومتاع
стр. 798
خبر محذوف، أي: ذلك متاع ومن قرأ بالنصب تقديره يتمتعون متاع، (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تَعْمَلُونَ) بالجزاء عليه.
(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) في سرعة تقضيها واغترار الناس بها، (كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) أي: بسببه اشتبك نبات الأرض حتى خالط بعضه بعضًا، (مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ) من الزرع والبقل، (وَالأَنعَامُ) من الحشيش، (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) كعروس أخذت ألوان ثيابها وحليها فتزينت بها وأصل ازينت تزينت فأدغم، (وَظَنَّ أَهْلُهَا) أهل الأرض، (أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها، (أَتَاهَا أَمْرُنَا) وهو ضرب زرعها ببعض العاهات، (لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا) أي: زرعها، (حَصِيدًا) شبيهاً بما حصد، (كأَن لمْ تَغْنَ) أي: كأن لم يلبث ولم يكن زرعها على حذف المضاف، (بِالأَمْسِ) والأمس مثل في الوقت القريب يعني المتسبب بالدنيا المغرور بها يأتيه عذابه أغفل ما يكون ومضمون الحكاية وهو الممثل به لا الماء وحده (كَذَلِكَ) مثل ذلك
стр. 799
التبيين، (نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ) فإنهم المنتفعون بها، (وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السلامِ) هي الجنة والسلام من أسماء الله تعالى أو دار السلامة من الآفات أو دار تحيتها سلام يسلم الملائكة على من فيها، (وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيمٍ) بأن يوفقه على التقوى الذي هو طريق الجنة فالدعوة عام والهداية خاص، (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) العمل في الدنيا، (الْحُسْنَى) الجنة، (وَزِيَادَةٌ) النظر إلى وجه الله الكريم وهو قول أبي بكر الصديق وكثير من السلف ﵃ وعليه أحاديث كثيرة أحدها في صحيح مسلم وابن ماجه لكن من يضلل الله من العباد فما له من هاد أو الْحُسْنَى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة أو أكثر أو الزيادة الرضوان، (وَلاَ يَرْهَقُ) لا يغشى، (وَجُوهَهُمْ قتَرٌ) غبار أي: سواد، (وَلاَ ذِلةٌ) هوان وكآبة؛ بل لقاهم نضرة وسرورًا، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ) مبتدأ بتقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات، (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) لا يزاد عليها شيء أو عطف على الذين أحسنوا، أي: للذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها كقولك: في الدار زيد والحجرة عمرو عند من يجوزه، (وَتَرْهَقُهُمْ) تغشاهم، (ذِلَّةٌ ما لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) يعصمهم ويحميهم، (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) لكمال سوادها ومظلمًا حال من الليل وهو صفة
стр. 800
لـ قطعًا ومن قرأ قطْعًا بسكون الطاء فالأولي أن يكون مظلمًا صفة، (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) والآية في الكفار قسيم المؤمنين المراد من قوله للذين أحسنوا، (وَيَوْمَ) بتقدير اذكر، (نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) المؤمن والكافر، (ثمَّ نَقول لِلذِينَ أَشْرَكوا) الزموا، (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ) تأكيد للضمير المنتقل إلى مكانكم من عامله، (وَشُرَكَاؤُكُمْ) أي الأوثان، (فَزَيَّلْنَا) فرقنا، (بَيْنَهُمْ) وقطعنا ما كان بينهم من التواصل، (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) ينطق الله الأصنام فينكرون عبادتهم ويتبرأون منهم مكان شفاعتهم، (فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنكمْ إِنْ) أي أنه، (كنَّا عَنْ عِبَادَتِكمْ لَغَافِلِينَ) لأنا كنا جمادًا لا نعلم ولا نشعر فما أمرناكم بها ولا رضينا منكم بها، (هُنَالِكَ) في ذلك المقام، (تَبْلُو) تختبر وتعلم، (كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ) من عمل فتعاين نفعه وضره ومن قرأ تتلو فهو من التلاوة أي تقرأ أو من التلو أي: تتبع عمله قال بعضهم: تتبع كل أمة ما كانت تعبد، (وَرُدُّوا) أي: أمرهم، (إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) متولي أمورهم بالحقيقة لا ما اتخذوه مولىً بالباطل، (وَضَل عَنْهم) ضاع وبطل، (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) فيعبدونه من دون الله.
* * *
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
стр. 801
يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)
* * *
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ) بالمطر، (وَالْأَرْضِ) بالنبات قيل: تقديره من أهل السماء والأرض، (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) أي: من يملك خلقهما أو حفظهما من الآفات، (وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ) الحيوان، (مِنَ المَيِّتِ) النطفة، (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ) النطفة، (مِنَ الْحَيِّ) الحيوان وقيل: من يحيي ويميت، (وَمَن يُدَبَرُ الأَمْرَ) يلي تدبير أمر العالم، (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) إذ الأمر أوضح من أن ينكر، (فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) الشرك مع هذا الإقرار، (فَذَلِكُمُ) إشارة إلى من هذه قدرته، (اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ) لا ما جعلتم معه شريكاً أخبار مترَادفة،
стр. 802
(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) أي: ليس بعد الحق إلا الضلال، (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) عن الحق إلى الضلال وعن عبادته إلى عبادة غيره، (كَذَلِكَ)، أي: كما حق أن بعد الحق الضلال أو أنَّهم مصروفون عن الحق، (حَقتْ كَلِمَتُ ربِّكَ) أي: حكمه السابق، (عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) تمردوا في كفرهم، (أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) بدل من كلمة، وقيل تقديره: لأنهم لا يؤمنون فالمراد منها كلمة العذاب، (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم) أي: آلهتكم، (مَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أدخل الإعادة في الإلزام وإن يكونوا قائلين بها لظهور برهانها، (قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وأنتم تعلمون أن شركاءكم لا يقدرون على مثل هذا، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) تصرفون عن سواء السبيل، (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) والهداية كما يعدى بإلى يعدى باللام، (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) أمره وحكمه، (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي) أصله يهتدي فأدغم وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين، (إِلَّا أَنْ يُهْدَى)، الهداية قد تجيء بمعنى النقل أي الأوثان لا ينتقل من مكان إلا أن ينقل أو يكون هذا حال أشرف شركائهم كالملك والمسيح أو لا يصح منه الاهتداء إلا أن يهديه الله بأن يجعل الجماد حيوانًا عالمًا، (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بما يبطله
стр. 803
العقل بتا، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا) مستندًا إلى خيال باطل ووهم زائل والمراد من الأكثر الجميع أو المراد رؤساؤهم فإن السفلة مقلدون ليس لهم ظن أيضًا، (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي: لا يقوم مقام العلم فالمراد من الحق العلم، وشيئاً مفعول مطلق، أو مفعول به، ومن الحق حال قيل معناه: الظن لا يدفع من عذاب الحق شيئاً، (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بمَا يَفْعَلُونَ) تهديد ووعيد، (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ) أي: ما صح أن يكون القرآن مفترى من الخلق وهذا محال، (وَلَكِن): كان، (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) من الكتب المتقدمة، (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ) تبيين ما كتب وفرض من الشرائع، (لَا رَيْبَ فِيهِ) خبر ثالث أو حال أو استئناف، (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) خبر آخر أو حال، (أَمْ يَقُولُونَ) بل أيقولون، (افْتَرَاهُ) محمد والهمزة للإنكار، (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) في البلاغة على وجه مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الافتراء، (وَادْعُوا) إلى معاونتكم على المعارضة، (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) من الجن والإنس، (من دُونِ اللهِ) سوى الله تعالى فإنه القادر على ذلك متعلق بـ ادعوا لا بـ استطعتم، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنه من عند نفسه فإنه بشر مثلكم بل تمرنكم في
стр. 804
النظم والنثر أكثر فإنه أمي، (بَلْ كذبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) يعني لما رأوا القرآن مشتملاً على أمور ما عرفوا حقيقتها سارعوا بجهلهم إلى التكذيب، (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ) بعد، (تَأْوِيلُهُ) فإنهم إن صبروا يظهر لهم بالآخرة تأويله، لكن فأجاءوا الإنكار قبل أن يقضوا على تأويله، (كذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) رسلهم، (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) فيه وعيد لهم بمثل عقاب الأمم السالفة، (وَمِنْهُم) من المكذبين، (مَّن يُؤْمِنُ بِه) بعد ذلك، (وَمِنْهُم مَّن لَا يُؤْمِنُ بِهِ) بل يموت على الكفر، (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) المصرين وقيل: معناه بعضهم من يصدقه باطنًا لكن يعاند، وبعضهم لا يعلم صدقه لغباوة وأنا أعلم بالمعاند.
* * *
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ
أتطمع أن تسمع الأُطْرُوشُ فإنهم بمنزلته في عدم وحيه، (وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُون) أي: ولو انضم إلى صممهم عدم العقل فإن الأصم العاقل ربما يتفرس، (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) ويعاينون أدلة صدقك لكن لا يصدقون، (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) أتطمع أنك تقدر على هداية فاقد البصر، (وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ) وإن انضم إليه عدم البصيرة فإن العمى مع الحمق جهد البلاء، والآية كالتعليل للأمر بالتبري، (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، من الظلم بأن يشقيهم وهم مصلحون، (وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بارتكاب أسباب الشقوة وتفويت منافع العقول أو معناه ما يحيق بهم في الآخرة عدل من الله تعالى لأنَّهُم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه فعلى هذا يكون وعيدًا لهم، (وَيَوْمَ يَحْشُرهُمْ كَأَن لَمْ) أي: كأنه لم، (يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)، يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبر لهول المحشر وكأن لم يلبثوا حال أي: مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) يعرف بعضهم بعضًا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً وهو متعلق الظرف أعني يوم نحشرهم أو تقديره اذكر يوم نحشرهم وعلى هذا يتعارفون بيان لقوله لم يلبثوا، (قَدْ خَسِرَ الذِينَ كَذبوا بِلِقَاءِ اللهِ) هي شهادة من الله على خسرانهم، (وَمَا كَانوا مهْتَدِينَ) لرعاية مصالح هذه التجارة،
стр. 807
(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) أي: ننتقم في حياتك لتقر عينك وجوابه محذوف، أي: فذاك، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل أن نريكه، (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) فنريكه في الآخرة وهو جواب نتوفينك، (ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) فيعاقبهم ويجازيهم إن لم ننتقم في الدنيا ننتقم منهم في الآخرة، (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) يدعوهم إلى الحق، (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) بالعدل وهو هلاك من كذبه ونجاة من تبعه أو لكل أمة يوم القيامة رسول فإذا جاء رسولهم الموقف قضي بينهم بالعدل، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فلا ينقص ثوابهم ولا نأخذهم بغير ذنب، (وَيَقُولُونَ)، أي: المشركون استهزاء واستبعادًا، (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) الذي تعدوننا من العذاب، (إِنْ كُنْتُمْ) أيها الرسول وأتباعه، (صَادِقِينَ قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) فكيف أملك لكم فأستعجل في عذابكم، (إِلا مَا شَاءَ اللهُ) أن أملكه أو منقطع، أي: لكن ما شاء الله من ذلك كائن، (لكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) مضروب لهلاكهم، (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) لا يتأخرون ولا يتقدمون، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي: أعلمتم أو أخبروني، (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً) وقت بيات، (أَوْ نَهَارًا) وقت اشتغالكم بطلب المعاش، (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) متعلق بـ أرأيتم ومعناه التعجب والتهويل يعني أعلمتم إن أتاكم عذابه في حين غفلة أي شيء هول شديد يستعجلون من الله تعالى وإذا كان ضمير منه للعذاب فمن للبيان
стр. 808
وهذا كقولك: أعلمت ماذا جنيت؟ وجواب الشرط محذوف يدل عليه أعلمتم أي شيء يستعجلون، وعدل عن الخطاب في يستعجلون إلى ذكر فاعله لإفادة أن تعلق الحكم باعتبار وصف الإجرام أو ماذا يستعجل جواب كقولك: إن لقيت أسدًا ماذا تصنع؟ ومجموع الشرط والجزاء متعلق بـ أرأيتم أو الاستفهام ليس للتعجب فحاصله أن العذاب كله مكروه فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال، (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) الهمزة للتوبيخ والتقريع يعني إذا نزل العذاب آمنتم به، (آلْآنَ) بتقدير القول أي: قيل لهم بعدما نزل العذاب وآمنوا الآن آمنتم فهو استئناف أو بدل من آمنتم أو من إذا ما وقع إلى آخره، (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثمَّ قِيلَ)، عطف على قيل المقدر، (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)، في الدنيا فلا ظلم، (وَيَسْتَنْبِئونَكَ)، يستخبرونك، (أَحَقٌّ هُوَ)، ما تقول من البعث والقيامة أو العذاب وفي إعرابه وجهان كـ أقائم زيد قيل الهمزة للإنكار والسخرية، (قُلْ إِي)، بمعنى نعم ويلزمها القسم، (وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ)، كائن ثابت، (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)، أي: ليس صيرورتكم ترابًا بمعجز الله تعالى عن إعادتكم أو بفائتين العذاب.
* * *
(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ
стр. 809
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)
* * *
(وَلَوْ أَنَّ)، تحقق وثبت، (لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ)، بالشرك، (مَا فِي الأَرْضِ)، من الخزائن، (لافْتَدَتْ بِهِ)، لجعلته فدية لها من العذاب، (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ)، أي: أظهروا الندامة أو أخفى روساؤهم الندامة من سفلتهم حذرًا من تعييرهم أو أخفوا لأنَّهُم لم يقدروا أن ينطقوا لشدة الأمر، (وَقُضِيَ بَيْنَهُم) بين المؤمنين والكافرين، أو بين الكفار أو بين الرؤساء والأتباع، (بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). فيقدر على العقاب والإثابة، (أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) لا خلاف فيه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لغفلتهم وقصور عقلهم، (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) في الدنيا، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بالنشور، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) زجر عن الفواحش، (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) من سوء الاعتقاد والشكوك، (وَهُدًى) إلى الحق، (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) فيه حصل لهم النجاة من الظلمات إلى النور، (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا فحذف أحد الفعلين لدلالة الباقي
стр. 810
عليه والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوا الفضل والرحمة بالفرح فإنه لا مفروحاً به أحق منهما، أو تقديره قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبمجيئها فليفرحوا، أو الفضل الإيمان أو القرآن أو الإسلام ورحمته القرآن أو أنه صيرنا من أهل القرآن أو السنن أو الجنة، (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، من حطام الدنيا، (قُلْ أَرَأَيتم مَّا أَنزَلَ اللهُ)، ما مفعول أرأيتم، أي: أخبرونيه، (لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ)، الرزق مقدر من السماء محصل بأسباب منها، (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا)، المراد ما حرم المشركون من البحائر والسوائب [والوصائل] (١)، وأحلوا من الميتة وغيرها، (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ)، بالتحليل والتحريم، (أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، في نسبة ذلك إليه