← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أتطمع أن تسمع الأُطْرُوشُ فإنهم بمنزلته في عدم وحيه، (وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُون) أي: ولو انضم إلى صممهم عدم العقل فإن الأصم العاقل ربما يتفرس، (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) ويعاينون أدلة صدقك لكن لا يصدقون، (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) أتطمع أنك تقدر على هداية فاقد البصر، (وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ) وإن انضم إليه عدم البصيرة فإن العمى مع الحمق جهد البلاء، والآية كالتعليل للأمر بالتبري، (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، من الظلم بأن يشقيهم وهم مصلحون، (وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بارتكاب أسباب الشقوة وتفويت منافع العقول أو معناه ما يحيق بهم في الآخرة عدل من الله تعالى لأنَّهُم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه فعلى هذا يكون وعيدًا لهم، (وَيَوْمَ يَحْشُرهُمْ كَأَن لَمْ) أي: كأنه لم، (يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)، يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبر لهول المحشر وكأن لم يلبثوا حال أي: مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) يعرف بعضهم بعضًا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً وهو متعلق الظرف أعني يوم نحشرهم أو تقديره اذكر يوم نحشرهم وعلى هذا يتعارفون بيان لقوله لم يلبثوا، (قَدْ خَسِرَ الذِينَ كَذبوا بِلِقَاءِ اللهِ) هي شهادة من الله على خسرانهم، (وَمَا كَانوا مهْتَدِينَ) لرعاية مصالح هذه التجارة،

стр. 807

(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) أي: ننتقم في حياتك لتقر عينك وجوابه محذوف، أي: فذاك، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) قبل أن نريكه، (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) فنريكه في الآخرة وهو جواب نتوفينك، (ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) فيعاقبهم ويجازيهم إن لم ننتقم في الدنيا ننتقم منهم في الآخرة، (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) يدعوهم إلى الحق، (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) بالعدل وهو هلاك من كذبه ونجاة من تبعه أو لكل أمة يوم القيامة رسول فإذا جاء رسولهم الموقف قضي بينهم بالعدل، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فلا ينقص ثوابهم ولا نأخذهم بغير ذنب، (وَيَقُولُونَ)، أي: المشركون استهزاء واستبعادًا، (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) الذي تعدوننا من العذاب، (إِنْ كُنْتُمْ) أيها الرسول وأتباعه، (صَادِقِينَ قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) فكيف أملك لكم فأستعجل في عذابكم، (إِلا مَا شَاءَ اللهُ) أن أملكه أو منقطع، أي: لكن ما شاء الله من ذلك كائن، (لكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) مضروب لهلاكهم، (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) لا يتأخرون ولا يتقدمون، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي: أعلمتم أو أخبروني، (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً) وقت بيات، (أَوْ نَهَارًا) وقت اشتغالكم بطلب المعاش، (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) متعلق بـ أرأيتم ومعناه التعجب والتهويل يعني أعلمتم إن أتاكم عذابه في حين غفلة أي شيء هول شديد يستعجلون من الله تعالى وإذا كان ضمير منه للعذاب فمن للبيان

стр. 808

وهذا كقولك: أعلمت ماذا جنيت؟ وجواب الشرط محذوف يدل عليه أعلمتم أي شيء يستعجلون، وعدل عن الخطاب في يستعجلون إلى ذكر فاعله لإفادة أن تعلق الحكم باعتبار وصف الإجرام أو ماذا يستعجل جواب كقولك: إن لقيت أسدًا ماذا تصنع؟ ومجموع الشرط والجزاء متعلق بـ أرأيتم أو الاستفهام ليس للتعجب فحاصله أن العذاب كله مكروه فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال، (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) الهمزة للتوبيخ والتقريع يعني إذا نزل العذاب آمنتم به، (آلْآنَ) بتقدير القول أي: قيل لهم بعدما نزل العذاب وآمنوا الآن آمنتم فهو استئناف أو بدل من آمنتم أو من إذا ما وقع إلى آخره، (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثمَّ قِيلَ)، عطف على قيل المقدر، (لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)، في الدنيا فلا ظلم، (وَيَسْتَنْبِئونَكَ)، يستخبرونك، (أَحَقٌّ هُوَ)، ما تقول من البعث والقيامة أو العذاب وفي إعرابه وجهان كـ أقائم زيد قيل الهمزة للإنكار والسخرية، (قُلْ إِي)، بمعنى نعم ويلزمها القسم، (وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ)، كائن ثابت، (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)، أي: ليس صيرورتكم ترابًا بمعجز الله تعالى عن إعادتكم أو بفائتين العذاب. * * * (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ

стр. 809

وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) * * * (وَلَوْ أَنَّ)، تحقق وثبت، (لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ)، بالشرك، (مَا فِي الأَرْضِ)، من الخزائن، (لافْتَدَتْ بِهِ)، لجعلته فدية لها من العذاب، (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ)، أي: أظهروا الندامة أو أخفى روساؤهم الندامة من سفلتهم حذرًا من تعييرهم أو أخفوا لأنَّهُم لم يقدروا أن ينطقوا لشدة الأمر، (وَقُضِيَ بَيْنَهُم) بين المؤمنين والكافرين، أو بين الكفار أو بين الرؤساء والأتباع، (بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). فيقدر على العقاب والإثابة، (أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) لا خلاف فيه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لغفلتهم وقصور عقلهم، (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ) في الدنيا، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بالنشور، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) زجر عن الفواحش، (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) من سوء الاعتقاد والشكوك، (وَهُدًى) إلى الحق، (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) فيه حصل لهم النجاة من الظلمات إلى النور، (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا فحذف أحد الفعلين لدلالة الباقي

стр. 810

عليه والفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوا الفضل والرحمة بالفرح فإنه لا مفروحاً به أحق منهما، أو تقديره قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبمجيئها فليفرحوا، أو الفضل الإيمان أو القرآن أو الإسلام ورحمته القرآن أو أنه صيرنا من أهل القرآن أو السنن أو الجنة، (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، من حطام الدنيا، (قُلْ أَرَأَيتم مَّا أَنزَلَ اللهُ)، ما مفعول أرأيتم، أي: أخبرونيه، (لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ)، الرزق مقدر من السماء محصل بأسباب منها، (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا)، المراد ما حرم المشركون من البحائر والسوائب [والوصائل] (١)، وأحلوا من الميتة وغيرها، (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ)، بالتحليل والتحريم، (أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، في نسبة ذلك إليه

стр. 811

قيل الهمزة للإنكار، وأم منقطعة، (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: أي شيء ظنهم في ذلك اليوم أيحسبون أن لا يجازوا عليه وفي إبهام الوعيد تهديد شديد، (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) حيث لا يستعجل عقوبتهم أو فيما أباح لهم المنافع ولم يحرم عليهم إلا المضار، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ) هذه النعمة فيحرمون ويحللون بمقتضى هواهم. * * * (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لله جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لله مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا

стр. 812

يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) * * * (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) ما نافية والشأن الأمر والخطاب لرسوله ﷺ ، (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ) الضمير لله وقيل للشأن، (مِن قُرْآنٍ) من مزيدة للنفي وقيل: للتبعيض، (وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) خطاب له ولأمته، (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) رقباء مطلعين عليها، (إِذْ تُفِيضُونَ) تخوضون، (فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ) لا يبعد ويغيب، (عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) موازن نملة صغيرة أو هباء، (فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) أي: في الوجود فإن العوام لا يعرفون إلا ما فيهما، (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) جملة برأسها مقررة لما سبق و (أصغر) اسم (لا) و (فِي كِتَابٍ) خبره، (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) حين يخاف الناس عقاب الله، (وَلاَ هُمْ يَحْزنُونَ) على فوات مأمول، (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَقُونَ) بيان

стр. 813

لأولياء الله، (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم ويرى له، وقال بعضهم: هي بشرى الملائكة عند احتضاره بالجنة وعن الحسن هي ما يبشر الله تعالى المؤمنين في كتابه من جنته ونعيمه، (وَفِي الْآخِرَةِ) الجنة ورضوان الله تعالى قال بعضهم: المراد بشارة الملائكة في القبر، (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) لا إخلاف في مواعيده، (ذَلِكَ) أي: كونهم مبشرين في الدارين، (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) إشراكهم وتكذيبهم، (إِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا) استئناف بمعنى التعليل كأنه قال: لا تحزن؛ لأن العزة كلها ملك له ولا يمكلها إلا لمن

стр. 814

ارتضى، (هُوَ السمِيع) لأقوالهم، (العَلِيم) لنياتهم فيجازيهم ويكافئهم، (أَلاَ إِنَّ لله) ملكًا وخلقًا، (مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ) من الملائكة والثقلين الذين هم أشرف المخلوقات، فكيف بالجمادات وهو كمقدمة ودليل على قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ) ما نافية، أي: ما يتبعون شركاء على الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء، (إِن يَتَّبِعون إِلا الظنَّ) أو ما استفهامية وعلى هذا شركاء مفعول يدعون، أي: أي شيء يتبعون، وقيل: ما موصولة عطف على من في السماوات (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) يكذبون أو يحرزون حرزًا باطلاً، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) لتستريحوا من نصب النهار، (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) مضيئًا تبصرون فيه مكاسبكم فكيف جاز عبادة غيره، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) لا للصم الذين لا يسمعون سماع انتفاع، (قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) كما قالوا الملائكة بنات الله، (سُبْحَانَهُ) تنزيه عن التبني وتعجب من حماقتهم، (هُوَ الْغَنِيُّ) واتخاذ الولد مسبب عن الحاجة، (لَه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) مقرر لغناه، (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا) أي: ليس عندكم دليل بهذا، بل أنتم تابعون للجهالة، (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فيه تهديد شديد ووعيد أكيد، (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) في الدنيا

стр. 815

والآخرة، (مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا) لهم متاع قليل في الدنيا أو الافتراء متاع في الدنيا يقيمون به رياستهم، (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) بالموت، (ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) بسبب كفرهم. * * * (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ

стр. 816

بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) * * * (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ)، حاله مع قومه، (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم) عظم وشق عليكم، (مَقَامِي) بين أظهركم، (وَتَذْكِيرِي) إياكم، (بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) قال بعضهم: جواب الشرط هو قوله فَأَجْمِعُوا إلخ، وقوله (فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) معترضة بين الشرط والجزاء، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) من أجمع الأمر إذا قصده وعزم عليه، (وَشُرَكَاءَكُمْ) الواو بمعنى مع أي: اعزموا أنتم وشركاءكم الذين تزعمون أن لهم اختيارًا وأثبتُّم الربوبية لهم على كيدي وإهلاَكي فإني متوكل لا أبالي ولا أخاف، (ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) مبهمًا مستورًا ليكن مكشوفًا تجاهرونني به وحاصله لتجاهدوا في كيدي وإهلاكي كل غاية في المكاشفة والمجاهرة، (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) أدوا إلي ذلك الأمر الذي تريدون بي ووجهوا كل الشرور إليَّ، (وَلَا تُنْظِرُونِ) ولا تمهلوني، (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم عن تذكيرى، (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) حتى يكون إعراضكم ضرًّا

стр. 817

ونقصًا عليَّ، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) فليس إعراضكم إلا نقصًا وضرًّا عليكم، أو معناه إن أعرضتم فما هو إلا لتمردكم وعنادكم لا لتقصير وتفريط مني، فإني ما سألت منكم أجرًا ينفركم عني وتتهموني لأجله، (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) المستسلمين لأمر الله، (فَكَذبُوهُ) أصروا على تكذيبه، (فَنَجَّيْنَاهُ) من الغرق، (وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاِئفَ) من الهالكين وأعطيناهم ملكهم، (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذبُوا بِآيَاتِنَا) بالطوفان، (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الُمنذَرِينَ) المكذبين فهذا تسلية لرسول الله ﷺ وتحذير لمن كذبه، (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ) من بعد نوح، (رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) المعجزات الظاهرات، (فَمَا كَانُوا) ما استقام لهم، (لِيُؤْمِنُوا) لشدة عنادهم وكفرهم، (بِمَا كَذبُوا بِه مِن قَبْلُ) أي: بما كذب به قوم نوح وقد علموا حالهم فهم وآباؤهم على منهاج واحد والباء للسببية، أي: لم يؤمنوا بسبب تعودهم تكذيب الحق قبل بعثة الرسل، (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِي) نختم عليها فلا يدخلها رشاد ولا سداد، (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم) بعد هؤلاء الرسل، (مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ) أشراف قومه، (بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) معتادين الإجرام، (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ) المعجزات المزيحة للشك، (مِنْ عِندِنَا قَالُوا) من فرط التمرد: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) واضح ظاهر، (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ) إنه سحر فحذف محكي القول لدلالة الكلام عليه قيل: فمعناه أتعيبونه وعلى هذا لا يستدعي مقولاً ثم

стр. 818

قال: (أَسِحْرٌ هَذَا) استفهام إنكار، (وَلاَ يفْلِحُ السَّاحِرُونَ) من تمام كلام موسى، أي: لو كان سحرًا لاضمحل وذل وغلب فاعله، فكيف أرتكبه وأنا أعلم أنَّهم لا يفلحون؟! (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا): لتصرفنا، (عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) لكما العزة والملك يعني لستما بمخلصين؛ بل هذا غرضكما، (وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) مصدقين، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) حاذق فيه، (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ) أي: الذي جئتم به هو، (السَّحْر) لا ما جئت به ومن قرأ آلسحر بالاستفهام فما استفهامية، أي: أي شيء جئتم به أهو السحر؟ أو السحر بدل من المبتدأ الذي هو ما، (إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ) سيمحقه، (إِنَّ اللهَ لاَ يُصلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) لا يقويه ولا يثبته، (وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ) يثبته، (بِكَلِمَاتِهِ) بوعده أو بقضائه السابق، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ذلك. * * *

стр. 819

(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) * * * (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) الضمير لفرعون فإن بني إسرائيل آمنوا بموسى إلا قليلاً منهم كقارون وما آمن من القبط إلا قليل، وقال بعضهم: الضمير

стр. 820

لموسى، أي: ما آمن له في مبدأ الأمر إلا شبانهم، (عَلَى خَوْفٍ من فرْعَوْنَ) أي: مع خوف منه، (وَمَلإِهِمْ) الضمير للذرية أي: أشراف آل فرعون، أو لفرعون فالمراد من فرعون هو وآله، (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) يعذبهم وهو بدل من فرعون أو مفعول خوف، (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ) لغالب، (فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) في الكبر حتى ادعى الربوبية، (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) مستسلمين لأمره والمعلق بالإيمان وجوب التوكل والمشروط بالإسلام وجود التوكل وحصوله لا وجوبه كما يقال: إن شتمك أحد فاصبر إن قدرت، (فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي: موضع فتنة لهم يعذبوننا، أو لا تعذبنا بعذاب، فيقولون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا تسلطهم علينا فيحسبوا أنهم على الحق فيفتنوا بذلك، (وَنَجِّنَا) خلصنا، (بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا) أي: اتخذا مباءة يعني موضع إقامة، (لقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا) أنتما وقومكما، (بيُوتَكُمْ) أي: في بيوتكم التي اتخذتموها، (قِبْلَةً) أي: مساجد فإنهم كانوا لا يصلون إلا في كنائسهم وكانوا يخافون من فرعون فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد يصلون فيها سرًّا أو اجعلوا بيوتكم قبلة مصلى، أو متقابلة والمقصود على هذا حصول الجمعية، (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: فيها قال بعضهم: أمروا بكثرة الصلاة كما قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)

стр. 821

[البقرة: ٤٥]، (وَبَشِّرِ) يا موسى، (الُمؤْمِنِينَ) بالنصر في الدارين، (وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً) من اللباس والمراكب، (وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا) تكرير وتأكيد للأول، (لِيُضِلوا عَن سَبِيلِكَ) واللام لام العلة فليس بمحال أن الله يريد إضلال بعض، وهذا الكلام من موسى؛ لأنه علم بمشاهدة أحوالهم أن أموالهم سبب ضلالهم أو إضلالهم ولا حاجة إلى أن يقال اللام لام العاقبة أو لام الدعاء كقولك: ليغفر الله فهو دعاء بصيغة الأمر، (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ): أهلكها (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أقسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان، (فَلاَ يُؤْمِنُوا) جواب للدعاء وقيل: عطف على ليضلوا وقيل: دعا بلفظ النهي، (حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ) وهذه الدعوة من موسى ﵇ غضبًا لله ولدينه لقوم تبين له أنه لا خير فيهم كما تقول: لعن الله إبليس كما دعا نوح ﵇ (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح: ٢٦]، (قَالَ): الله، (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) فإنه دعا موسى وأَمَّنَ هارون، (فَاسْتَقِيمَا) على أمري وامضيا له قال بعضهم: مكثوا بعد إجابة دعائهم أربعين سنة وقال بعضهم: أربعين يومًا ومن إجابة دعائهما أنه صار دنانيرهم ودراهم حجارة منقوشة كهيئة ما كانت، (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ

стр. 822

لَا يَعْلَمُونَ) طريقة الجهلة في عدم الوثوق بوعدي، (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) أي: جوزناهم في البحر بلا سفينة وتعب، (فَأَتْبَعَهُمْ) أدركهم، (فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ) قيل: كانوا في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان، (بَغْيًا وَعَدْواً) للبغي أي: طلب الاستعلاء والظلم أو باغين، (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ) أي: بأنه، (لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ) أي: أتؤمن

стр. 823

الآن حين يأسك عن نفسك؟ وهذا قول جبريل أو قول الله تعالى، (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) مدة عمرك، (وَكُنتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) المضلين، (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر أو نلقيك بنجوة من الأرض، أي: بأرض مرتفعة، (بِبَدَنِكَ) أي: حال كونك متلبسًا بالبدن عاريًا عن الروح، أو الباء بمعنى مع والبدن الدرع وكانت له درع من ذهب يعرف بها، (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ)، لمن يأتي بعدك من بني إسرائيل وغيرهم، (آيَةً): عبرة ونكالاً عن الطغيان، (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) فلا يتفكرون فيها ولا يتعظون بها. * * * (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ

стр. 824

يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) * * * (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا) أنزلنا، (بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) منزلاً صالحًا بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه، (وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطيِّبَاتِ) من اللذائذ، (فَمَا اخْتَلَفُوا) في أمر دينهم، (حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) الأمن بعد نزول التوراة المزيح للشك والاختلاف، أو ما اختلفوا في تصديق النبي - صلى الله عليه ولمملم - حتى جاءهم القرآن، (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) فيثيب المحق ويعاقب المبطل، (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم مكتوب في الكتب السماوية خطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، أو لزيادة

стр. 825

تثبيته وفرض الشك فلذلك قال ﷺ : " لا أشكُّ ولا أسأل " (١)، (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) كعبد الله بن سلام وأصحابه، (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) بالتزلزل عما أنت فيه ومن اليقين قيل خطاب لكل من يسمع أي: إن كنت أيها السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك فسألهم ولا تكن من الشاكين، (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وهو كالأول المراد به غير المخاطب، أو من باب التهييج وقطع الأطماع عنه، (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ) ثبتت، (عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) بالعذاب والسخط، قيل: هي قوله هؤلاء للنار ولا أبالي، (لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) فإن إرادة الله تعالى لا تتعلق بإيمانهم فكيف يؤمنون، (حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ) وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم، (فَلَوْلاَ) أي: فهلا، (كَانت قَريَةٌ) من القرى التي أهلكناها، (آمَنَت) قبل معاينة العذاب، (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) لوقوعه في وقت الاختيار، (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) لكن قومه، (لَمَّا آمنوا) قبل معاينة العذاب في وقت الاختيار، (كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) أي: إلى

стр. 826

أي (١): إلى آجالهم وقيل الجملة في معنى النفي أى: ما كانت قرية آمنت أهلها بتمامها فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قوم يونس آمنوا بتمامهم ونفعهم الإيمان وحاصله أنه ليست قرية آمنت أهلها بتمامها إلا وقت نزول العذاب فلا ينفعهم إيمانهم؛ لأنه اضطراري وأما قوم يونس وهم أهل نينوى من أرض الموصل بعدما عاينوا أسباب العذاب جأروا إلى الله تعالى ولبسوا المسوح وفرقوا بين كل حيوان وولده وعجوا إلى الله تعالى فكشف الله تعالى عنهم الدخان والعذاب وقبِل منهم الإيمان وهم مائة ألف أو يزيدون، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ): يا محمد، (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا): مجتمعين على الإيمان، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) بما لم يشاء الله منهم، (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا عند حرصه ﷺ بإيمان الخلائق كما قال تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: ٨]، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) بإرادته فليس عليك هداهم، (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) العذاب والضلال، (عَلَى الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) حجج الله تعالى وأدلته فهو العادل الحكيم في هداية من هدى وإضلال من أضل، (قلِ انظُروا): تفكروا، (مَاذَا) إن

стр. 827

كانت استفهامية فانظروا معلق عن العمل، (في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، من الصنائع الدالة على وحدته، (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ) أي: الرسل أو الإنذارات (عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) في حكم الله تعالى، أي: لا تفيد لهم وبعضهم على أن ما استفهامية إنكارية أي: أي شيء تغني الآيات عنهم؟ (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ) أي: أهل مكة، (إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا): مضوا، (مِن قَبْلِهِمْ) أي: مثل وقائع الأمم السالفة والعرب تسمي العذاب أيامًا، وهم وإن كانوا لا ينتظرون عذاب الله لكن لما استحقوه ناسب أن يشك في أنَّهم منتظرون، قيل: معناه هل ينتظرون لك يا محمد إلا مثل تلك الوقائع لمن سلف؟ (قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي) عطف على محذوف كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجى، (رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) معهم، (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين حين نهلك المشركين وحقًا علينا معترضة، أي: حق ذلك علينا حق بحسب وعدنا. * * * (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ

стр. 828

عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩) * * * (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍ من دِينِي): وصحته، (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) يقبض أرواحكم، أي: هذا خلاصة ديني فاسمعوا وصفه واعرضوا على عقولكم لتعلموا حقية ديني وبطلان دينكم وخصه بوصف التوفي تهديدًا لهم، (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) أي: بأن أكون، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ) عطف على أن أكون وصلة أن محكية بصيغة وعبارة أمره الله بها والغرض وصل إن بما يتضمن معنى المصدر والإنشاء والخبر في ذلك سواء، (وَجْهَكَ لِلدِّينِ) أي: أمرت بالاستقامة في الدين وإخلاص الأعمال لله، (حَنيفًا) منحرفًا عن الشك حال، (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) لا يقدر عليهما، قيل: لا يضرك إن تركت عبادته ولا ينفعك إن عبدته، (فَإِنْ فَعَلْتَ): عبدت غيره، (فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) الواضعين العبادة في غير موضعها (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ) يصبك ببلاء، (فَلَا كَاشِفَ لَهُ) يدفعه، (إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ) بنعمة، (فَلَا رَادَّ

стр. 829

لِفَضْلِهِ) الذي أراد بك وإنما قال لفضله مكان له إشارة إلى أنه متفضل بالخير، (يُصِيبُ بِهِ): بالخير، (مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) لمن تاب من أي ذنب كان فتعرضوا لرحمته بالتوبة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ) القرآن، (مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى) بالإيمان به، (فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) نفعه لها، (وَمَنْ ضَلَّ) بالكفر به، (فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) وبال الضلال عليها، (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) بموكول إليَّ أمركم، أو بكفيل أحفظ أعمالكم إنما أنا نذير، (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) بالامتثال، (وَاصْبِرْ) على مخالفة من خالفك، (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) بنصرك وقهر عدوك، أو بالأمر بالقتال وعن ابن عباس ﵁ نسختها آية القتال، (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) لأن جميع أحكامه على نهج الحكم والصواب لا يمكن طرآن الخطأ فيه. والله أعلم. * * *

стр. 830

سورة هود مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية، وعشر ركوعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨) * * * (الر كِتَابٌ)، خبر (الر) أو هذا كتاب، (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أي:

стр. 831

هي محكمة في لفظها مفصلة في معناها أو أحكمت بأنها لم تنسخ بكتاب ثم فصلت بالأحكام والعقائد والمواعظ والأخبار أو نزلت شيئًا فشيئًا، (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) صفة أخرى لكتاب أو متعلق بـ أحكمت وفصلت أو خبر بعد خبر، (أَلَّا تَعبدُوا إِلا اللهَ) مفعول له أي: أحكمت ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله أو أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول، وقيل: هذا كتاب بأن لا تعبدوا، (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ): من الله، (نَذِيرٌ) بالعقاب على من عبد غير الله، (وَبَشِيرٌ): بالثواب على من عبد الله، (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا) عطف على أن لا تعبدوا، (رَبَّكُمْ) من الذنوب السالفة، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فيما تستقبلونه، أو ثم ارجعوا إليه بالطاعة، (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) يعيشكم في أمن وسعة، (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى حين موت مقدر، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) عن ابن عبَّاسٍ يؤت كل من فضلت وزادت حسناته على سيئاته فضل الله، أي: الجنة أو يعط كل ذى عمل صالح جزاء عمله الصالح، (وَإِن تَوَلَّوْا) أى: تتولوا، (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) يوم القيامة، (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على تعذيب المعرض، (أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهمْ) ثنيت الشيء إذ عطفته وطويته عن ابن عباس ﵄ كانوا

стр. 832

يكرهون استقبال السماء بفروجهم حال وقاعهم فنزلت، أو كان إذا مر أحدهم برسول الله ثنى عنه صدره وأعرض عنه وغطى رأسه فنزلت، أو نزلت حين يقولون إذا رخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم، أو نزلت في الأخنس بن شريق كان يظهر المحبة لرسول الله ﷺ وله منطق حلو وكان يعجب رسول الله ﷺ مجالسته ومحادثته وهو يضمر عداوة رسول الله ﷺ فهو إما بمعنى الصرف من ثنيت عناني أو بمعنى الإخفاء أو بمعنى الانحناء، (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) من الله وعلى ما نقلنا في الوجه الثاني من سبب النزول الضمير لرسول الله ﷺ ، (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) يغطون رءوسهم بثيابهم، (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) يستوي في علم الله تعالى سرهم وعلنهم فكيف يمكن لهم أن يخفوا من الله تعالى شيئًا، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بما في قلوبهم. (وَمَا مِن دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) أي: هو المتكفل بذلك فضلاً إن لم يرزقها فلا يمكن أن يرزقها أحد غير الله تعالى، (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا)، أماكنها في الحياة والممات أو أرحام الأمهات وأصلاب الآباء والمستقر الجنة أو النار والمستودع القبر، (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) مثبت في اللوح المحفوظ، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) كأيام الدنيا أو كل يوم كألف سنة، (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) والماء على متن الريح وروي الترمذي وابن ماجه " أن الله كان في عماء (١) ما تحته

стр. 833

هواء وما فوقه هواء ثم خلق العرش بعد ذلك، (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي: خلق ذلك ليعاملكم معاملة المختبر لأحوالكم كيف تعملون فعلم أن خلق العالم لنفع عباده وإحسان العبادة أن تكون خالصة لله وعلى شريعة شرعها الله تعالى، (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، أي: ما البعث أو القرآن المتضمن لذكره إلا خديعة كالسحر الباطل، (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ) الموعود، (إِلَى أُمَّةٍ) جماعة من الأوقات والأمة تستعمل في معان متعددة، (مَعْدُودَةٍ) محصورة قليلة، (لَيَقُولُنَّ) استهزاء، (مَا يَحْبِسُهُ) ويمنعه من الوقوع، (أَلاَ يَوْمَ يَأتِيهِمْ) أي: اليوم المقدر لنزول العذاب، (لَيْسَ) العذاب، (مَصْرُوفًا عَنهُمْ) ويوم ظرف مصروفًا، (وَحَاقَ بِهِم) وأحاط بهم ذكر بلفظ الماضي تحقيقًا ومبالغة، (مَّا كَانوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) أي: العذاب. * * * (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ

стр. 834

اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) * * * (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) أعطيناه نعمة ووجد لذتها، (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ) قنوط كأنه لا يرجو بعد ذلك فرجًا، (كفُورٌ) مبالغ لكفران نعمه السابقة

стр. 835

كأنه لم ير خيرًا، (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) كغنى بعد فقر، (لَيَقولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ما بقي ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء، (إِنَّهُ لَفَرِحٌ) بما في يده مغتر، (فَخُورٌ) على الناس مشغول عن الشكر، (إِلا الذِينَ صَبَروا) على الضراء استثناء منقطع إن حمل الإنسان على الكافر وإلا فمتصل، (وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِِ) في السراء والضراء، (أُوْلَئِكَ لَهم مَّغفِرَةٌ) لم عاصيهم، (وَأَجْرٌ كَبير) كالجنة، (فَلَعَلَّك تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) تترك تبليغ بعض القرآن وهو ما فيه سب آلهتهم وطعن دينهم مخافة سخريتهم وسبهم وزيادة انهماكهم في الكفر عصمه الله تعالى عن الخيانة في الوحي ونبهه، (وَضَائِقٌ) الضائق بمعنى الضيق، إلا أن الضائق يكون لضيق عارض غير لازم كزيد سيد وعمرو سائد، (بِهِ) بأن تتلوه عليهم، (صَدْرُكَ) مخافة، (أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) كما قالوا ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧، ٨] قال بعضهم: ضمير به مبهم يفسره أن يقولوا، (إِنَّمَا أَنتَ نَذيرٌ) ما عليك إلا الإنذار فما بالك يضيق صدرك، (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) موكول إلى الله تعالى لا إليك أمر الكل، (أَمْ يَقولونَ) أم منقطعة، (افْتَرَاهُ) الضمير لما يوحى، (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) أي: يكون كل واحد مثل القرآن في البلاغة والغرض إلزامهم، والدليل على أنه معجز من عند الله والعجز عن الإتيان بمثل الكل والبعض أعم من أن يكون عشر سور أو سورة واحدة دليل عليهم مع أن سورة البقرة متأخرة في النزول عن هود، والأصح أن يونس أيضًا متأخرة فتحداهم أولاً بعشر سور ثم عجزوا فتحداهم بسورة واحدة، (مفتَرَيَاتٍ) من عند أنفسكم مع أن ممارستكم للقصص والأشعار أكثر

стр. 836

وأكثر، (وَادْعُوا) إلى المعاونة على المعارضة، (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنه مفترى، (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) يا أصحاب محمد، (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ): متلبسًا بما هو يعلمه ولا يقدر عليه غيره، (وَأَن لَا إِلَهَ إِلا هُوَ) لأنَّهُم مع آلهتهم عجزوا والعاجز لا يكون إلهاً فلا إله إلا الله، (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ثابتون على الإسلام، أو معناه فإن لم يستجب من تدعونهم إلى المعاونة لكم يا من تدعون افتراءه ولا يتهيأ لكم المعارضة فاعلموا إلخ فالخطاب كله حينئذ للكفار وهو أظهر. (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فقط عمله، (وَزِينَتَهَا) كأهل الرياء، (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره، (وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئًا نزلت في المرائين، قال بعضهم: في اليهود والنصارى أو في بر الكافرين، (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) فإنهم استوفوا جزاء أعمالهم وبقي لهم الأوزار، (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فيهَا) لأنه لم يبق لهم ثواب والضمير للآخرة إن كان الظرف لحبط وللدنيا إن كان لصنعوا،

стр. 837

(وَبَاطِلٌ ما كانوا يَعْمَلُون) أي عملهم في نفسه باطل لأنَّهُم لم يعملوا بوجه صحيح، وفي الحديث (أشد الناس عذابًا من يرى الناس فيه خيرًا ولا خير فيه) (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ): برهان، (مِنْ رَبِّهِ) يدله على الصواب، وتقديره أفمن كان على بينة كمن يريد الحياة الدنيا، (وَيَتْلُوهُ) يتبع من كان على بينة، (شَاهِدٌ مِنْهُ) من الله يشهد بصحته، فالبينة الفطرة السليمة للمؤمن والدليل العقلي له والشاهد جبريل أو محمد عليهما الصلاة والسلام يأتي بالقرآن من عند الله أو القرآن، (وَمِن قَبْلِهِ) قبل الشاهد الذي يأتي بالقرآن أو الذي هو القرآن، (كتاب مُوسَى) أي: التوراة، (إِمَامًا) كتابًا مؤتمًا؛ في الدين، (وَرَحْمَةً) من الله تعالى لهم، (أوْلَئِكَ) إشارة إلى من كان على بينة، (يؤْمِنُونَ بِهِ): بالقرآن، (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ) أصناف الكفار، (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) قال بعضهم: من كان على بينة هو محمد ﵇ والشاهد جبريل وأولئك إشارة إلى من آمن من أهل الكتاب، وقال بعضهم: من كان على بينة

стр. 838

مؤمنو أهل الكتاب وبينتهم دلائلهم العقلية، والشاهد إما جبريل أو محمد ﵉ أو القرآن، (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ منْهُ) من الموعد أو القرآن، (إِنَّهُ الحَقُّ مِن ربكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) كـ مثبت الولد والشريك له ونافي القرآن عنه، (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) يوم القيامة فيسألهم عن عقائدهم وأعمالهم، (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ) من الملائكة والأنبياء أو جميع أمة محمد ﷺ أو الجوارح، (هَؤُلاءِ الًذِينَ كَذَبُوا عَلَى ربِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الًذِينَ يَصُدُّونَ) يمنعون الناس، (عَن سَبِيلِ اللهِ) دينه، (وَيَبْغونَهَا عِوَجًا) يصفونها بالانحراف عن الصواب أو يريدون أن يكون سبيل الله تعالى عوجًا وهو ما هم عليه، (وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافرُونَ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونوا مُعْجِزِينَ في الأَرْضِ): في الدنيا أن يعاقبهم، بل هم تحت قهره وسلطانه وهو قادر على [الانتقام منهم في الدنيا] لكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) يمنعوهم من العذاب، (يضَاعَفُ لَهُمُ العَذَابُ) لضلالهم وإضلالهم، (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) لأن الله تعالى حال بينهم وبين سماع الحق فيبغضون سماعه، (وَمَا كَانوا يُبْصِرُونَ) لتعاميهم عن آيات الله تعالى قيل: كأنه العلة لتضاعف العذاب، (أُوْلَئِكَ الًذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بأنَّهم اشتروا شيئًا هو سبب

стр. 839

عذابهم المؤبد، (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة وشفاعتها فضاع عنهم ما حصلوا في الدنيا فلم يبق لهم سوى الندامة، (لاَ جَرَمَ) حقًا، (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) لا أحد أكثر خسرانًا منهم، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا): اطمأنوا، (إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) الكافر والمؤمن، (كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ) هو مثل الكافر، (وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) هو مثل المؤمن يميز بين الحق والباطل ويفرق بين البرهان والشبهة، (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) أي: تمثيلاً، (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) فتفرقوا بين هؤلاء وهؤلاء. * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ

стр. 840

أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي) أي بأني ومن قرأ بالكسر فعلى إرادة القول، (لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا) بدل من إني لكم على قراءة النصب، أو معناه نذير لأن لا تعبدوا، أو مفسرة متعلقة بأرسلنا، (إِلا الله إِني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ): مؤلم وصف اليوم بالأليم المبالغة وهو في الحقيقة صفة المعذب (فَقَالَ الْمَلَأُ): الأشراف، (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا) لا فضل لك علينا

стр. 841

نخصك بقبول كلامك، (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) سفلتنا لا يتبعك الأشراف، (بَادِيَ الرَّأيِ) أي: وقت حدوث أول أو ظاهر رأيهم بلا روية وفكر من بداء أو بدائ بالهمزة أو الياء فهو ظرف بحذف المضاف لـ اتبعك، قيل: معناه اتبعوك ظاهر الرأى وباطنهم على خلاف ذلك، (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) إياك في دعواك ومتبعيك في دعوى العلم بصحته، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) أخبروني، (إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) حجة، (مِّن ربي) تدل على صدق دعواي، (وَآتانِي رَحْمَةً) نبوة ومعرفة، (مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ) خفيت والتبست، (عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا) نكرهكم على الاهتداء بها، (وَأَنتمْ لَهَا) للبينة، (كَارِهون) أو حاصله إن كنت على معرفة من الله تعالى ونبوة ومعجزة من عنده لكن صارت ملتبسة في عقولكم فهل أقدر على أن أجعلكم معترفين بها، أي: لا أقدر على ذلك لكن لو تركتم العناد وتأملتم فقد عرفتم، (وَيَا قَوْمٍ لاَ أَسْألكُمْ عَلَيْهِ) على التبليغ، (مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ) لا عليكم، (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) كأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين احتشامًا ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم، (إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) يلاقون الله تعالى فيعاقب الله من طردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من تمكن الإيمان وتزلزلة حيث تزعمون أن إيمانهم بادي الرأي، وأنا لا أعرف منهم إلا الإيمان فكيف أطردهم (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُون) عواقب الأمور، (وَيَا قَوْمِ

стр. 842

مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ) من يمنعني من عقابه، (إِن طَرَدتُّهُمْ) ظالمًا، (أَفَلاَ تَذَكرونَ) لتعرفوا ما تقولون، (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) جواب لقولهم " ما نرى لكم علينا من فضل "، (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) حتى تسألوني عن وقت العذاب وغيره وتكذبوني، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني من غير بصيرة وعقد قلب، (وَلاَ أَقُولُ) لكم، (إِني مَلَكٌ) جواب لقولهم: " ما نراك إلا بشرًا مثلنا "، (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي) تستصغر وتحقرهم، (أَعْيُنُكُمْ) لفقرهم والإسناد إلى الأعين لأنَّهُم استرذلوهم بما عاينوا من رثاثتهم لا لأن فيهم عيبًا معنويًا، (لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا) أي: لا أحكم على المؤمنين أنه ليس لهم عند الله ثواب ونعمة، (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) فإن كان باطنهم موافقًا للظاهر فلهم الأجر، (إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) إن طردتهم، أو قلت شيئًا من ذلك، (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) فأطلت مخاصمتنا، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاءَ) فإن منزل العذاب هو الله تعالى، (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) الله يدفع العذاب، (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) أي: إن أراد الله تعالى ضلالكم، فإن أردت نصحكم لا ينفعكم نصحي فقوله لا ينفعكم نصحي دال على جواب الشرط الأول والمجموع دال على جواب الشرط الثاني، (هُوَ رَبُّكُمْ) فله التصرف فيكم كيف يشاء، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم، (أَمْ يَقُولُونَ) منقطعة، (افْتَرَاهُ) أي: نوح وعن مقاتل أي: محمد فيكون

стр. 843

معترضًا في وسط هذه القصة، (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) أي: وباله، (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي وقيل: معناه من الكفر والمعاصي. * * * (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ

стр. 844

أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) * * * (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ): لا تحزن، (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وكن تابعًا لمراد الله تعالى ومشيئته، (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) أي: متلبسًا بأعيننا كأن لله تعالى معه أعينًا تحفظه عن الميل في صنعته عن الصواب وحاصله اصنعها وأنت محفوظ، (وَوَحْيِنا) إليك كيفية صنيعها، (وَلاَ تُخَاطِبْنِي) بالدعاء، (فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: في شأنهم ودفع العذاب عنهم، (إِنَّهُم مغرَقُون) بالطوفان لا سبيل لهم إلى الخلاص، (وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ

стр. 845

مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) استهزءوا به قائلين نبي نجار، (قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) حين ينزل عليكم العذاب، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) يهينه في الدنيا، (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مقِيمٌ) دائم في الآخرة فقوله من منصوب بـ تعلمون ويخزيه صفة عذاب ويحل عطف على يأتيه، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) غاية لقوله يصنع وما بينهما حال، (وَفَارَ التَّنُّورُ) نبع الماء فيه مكان النار قال بعضهم: تنور من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح، وعن علي ﵁: أي طلع الفجر ونور الصبح وعن بعضهم التنور وجه الأرض، (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا)، في السفينة، (مِن كُلٍّ)، من أنواع الحيوانات، قال بعضهم: ما حمل ما يتولد من الطين كالبق والذباب، (زَوْجَيْنِ اثْنيْنِ)، ذكرًا وأنثى فقوله اثنين تأكيد ومبالغة، (وَأَهْلَكَ) أي: أهل بيتك وقرابتك عطف على زوجين وأما عند من قرأ (مِنْ كُلِّ) زوجين بالإضافة فهو عطف على اثنين، (إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ) بالهلاك كامرأته واعلة وابنه كنعان، (وَمَنْ آمَنَ) عطف على زوجين كما في وأهلك، (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) ثمانون نفسًا أو اثنان وسبعون أو ثمانية نفر أو عشرة، (وَقَالَ
следующие страницы →