نخصك بقبول كلامك، (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) سفلتنا لا يتبعك الأشراف، (بَادِيَ الرَّأيِ) أي: وقت حدوث أول أو ظاهر رأيهم بلا روية وفكر من بداء أو بدائ بالهمزة أو الياء فهو ظرف بحذف المضاف لـ اتبعك، قيل: معناه اتبعوك ظاهر الرأى وباطنهم على خلاف ذلك، (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) إياك في دعواك ومتبعيك في دعوى العلم بصحته، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) أخبروني، (إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) حجة، (مِّن ربي) تدل على صدق دعواي، (وَآتانِي رَحْمَةً) نبوة ومعرفة، (مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ) خفيت والتبست، (عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا) نكرهكم على الاهتداء بها، (وَأَنتمْ لَهَا) للبينة، (كَارِهون) أو حاصله إن كنت على معرفة من الله تعالى ونبوة ومعجزة من عنده لكن صارت ملتبسة في عقولكم فهل أقدر على أن أجعلكم معترفين بها، أي: لا أقدر على ذلك لكن لو تركتم العناد وتأملتم فقد عرفتم، (وَيَا قَوْمٍ لاَ أَسْألكُمْ عَلَيْهِ) على التبليغ، (مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ) لا عليكم، (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) كأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين احتشامًا ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم، (إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) يلاقون الله تعالى فيعاقب الله من طردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من تمكن الإيمان وتزلزلة حيث تزعمون أن إيمانهم بادي الرأي، وأنا لا أعرف منهم إلا الإيمان فكيف أطردهم (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُون) عواقب الأمور، (وَيَا قَوْمِ
стр. 842
مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ) من يمنعني من عقابه، (إِن طَرَدتُّهُمْ) ظالمًا، (أَفَلاَ تَذَكرونَ) لتعرفوا ما تقولون، (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) جواب لقولهم " ما نرى لكم علينا من فضل "، (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) حتى تسألوني عن وقت العذاب وغيره وتكذبوني، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني من غير بصيرة وعقد قلب، (وَلاَ أَقُولُ) لكم، (إِني مَلَكٌ) جواب لقولهم: " ما نراك إلا بشرًا مثلنا "، (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي) تستصغر وتحقرهم، (أَعْيُنُكُمْ) لفقرهم والإسناد إلى الأعين لأنَّهُم استرذلوهم بما عاينوا من رثاثتهم لا لأن فيهم عيبًا معنويًا، (لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا) أي: لا أحكم على المؤمنين أنه ليس لهم عند الله ثواب ونعمة، (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) فإن كان باطنهم موافقًا للظاهر فلهم الأجر، (إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) إن طردتهم، أو قلت شيئًا من ذلك، (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) فأطلت مخاصمتنا، (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاءَ) فإن منزل العذاب هو الله تعالى، (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) الله يدفع العذاب، (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) أي: إن أراد الله تعالى ضلالكم، فإن أردت نصحكم لا ينفعكم نصحي فقوله لا ينفعكم نصحي دال على جواب الشرط الأول والمجموع دال على جواب الشرط الثاني، (هُوَ رَبُّكُمْ) فله التصرف فيكم كيف يشاء، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم، (أَمْ يَقُولُونَ) منقطعة، (افْتَرَاهُ) أي: نوح وعن مقاتل أي: محمد فيكون
أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)
* * *
(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ): لا تحزن، (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وكن تابعًا لمراد الله تعالى ومشيئته، (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) أي: متلبسًا بأعيننا كأن لله تعالى معه أعينًا تحفظه عن الميل في صنعته عن الصواب وحاصله اصنعها وأنت محفوظ، (وَوَحْيِنا) إليك كيفية صنيعها، (وَلاَ تُخَاطِبْنِي) بالدعاء، (فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: في شأنهم ودفع العذاب عنهم، (إِنَّهُم مغرَقُون) بالطوفان لا سبيل لهم إلى الخلاص، (وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ
стр. 845
مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) استهزءوا به قائلين نبي نجار، (قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) حين ينزل عليكم العذاب، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) يهينه في الدنيا، (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مقِيمٌ) دائم في الآخرة فقوله من منصوب بـ تعلمون ويخزيه صفة عذاب ويحل عطف على يأتيه، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) غاية لقوله يصنع وما بينهما حال، (وَفَارَ التَّنُّورُ) نبع الماء فيه مكان النار قال بعضهم: تنور من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح، وعن علي ﵁: أي طلع الفجر ونور الصبح وعن بعضهم التنور وجه الأرض، (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا)، في السفينة، (مِن كُلٍّ)، من أنواع الحيوانات، قال بعضهم: ما حمل ما يتولد من الطين كالبق والذباب، (زَوْجَيْنِ اثْنيْنِ)، ذكرًا وأنثى فقوله اثنين تأكيد ومبالغة، (وَأَهْلَكَ) أي: أهل بيتك وقرابتك عطف على زوجين وأما عند من قرأ (مِنْ كُلِّ) زوجين بالإضافة فهو عطف على اثنين، (إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ) بالهلاك كامرأته واعلة وابنه كنعان، (وَمَنْ آمَنَ) عطف على زوجين كما في وأهلك، (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) ثمانون نفسًا أو اثنان وسبعون أو ثمانية نفر أو عشرة، (وَقَالَ
стр. 846
ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) أي: اركبوا قائلين بسم الله أو مسمين الله وقت إجرائها ووقت إرسائها أي: ثباتها أو بسم الله خبر لمجريها أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها فيكون إخبارًا من نوح بأن إجراءها وإرساءها باسم الله، وقد نقل أنه إذا أراد إجراءها قال بسم الله فجرت، وإذا أراد إثباتها قال بسم الله فرست، (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لما نجانا من عذابه، (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ) أي: ركبوا فيها وهي تجري وهم فيها، (فِي مَوْج كَالْجِبَالِ) كل موجة كجبل، (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) كنعان، (وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ) مكان عزل وأبعد فيه نفسه عن أبيه، (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا) في السفينة، (وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) في الدين والبعد عنا، (قَالَ سَآوِي) أصير وألتجئ، (إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ
стр. 847
اللهِ) عذابه، (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) أي: إلا الراحم وهو الله أو عاصم بمعنى ذا عصمة كـ لابن وتامر إلا من رحم أي: من ﵀، أو الاستثناء منقطع يعني لكن من ﵀ فهو معصوم قيل: تقديره لا عاصم لأحد إلا من ﵀ (وحَالَ بَيْنَهُمَا) بين نوح وولده، (الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) صار منهم، (وَقِيلَ) بعدما تناهي أمر الطوفان، (يَا أَرْضُ ابْلَعِي) انشفي، (مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) أمسكي عن المطر، (وَغِيضَ) نقص، (الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي: إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين، (وَاسْتَوَتْ) استقرت السفينة، (عَلَى الْجُودِيِّ) جبل شامخ قريب الموصل أو الشام، (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكًا لهم، (وَنادَى) أي: أراد النداء، (نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ) أو نادى على حقيقته وقوله تعالى فقال تفصيل للمجمل، (رَبِّ إِن ابْنِي مِن أَهْلِي) وقد وعدت إنجاءهم، (وَإِنْ وَعْدَكَ الحَقُّ) لا خلف فيه، (وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ) أعدلهم، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) الذي وعدت نجاته فإنه داخل في المستثنى، أي: إلا من سبق عليه القول أو ليس من أهل دينك، وقال بعضهم: إنه ولد زنية (١) وعن ابن عباس وغيره رضى الله عنه: ما زنت امرأة نبيٍّ قط، وعن كثير من السلف كان ابن امرأته، (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) أي: إنه ذو عمل فاسد ولا ولاية بين المؤمن والكافر قيل إنه أي: سؤالك إياي بنجاته عمل فاسد، (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) ما لا تعرف أنه خطأ أم صواب والظاهر أن هذا قبل غرق ولده أو بعده لكن قبل علم نوح هلاكه، (إِنِّي أَعِظُكَ) أنهاك، (أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ قَالَ
стр. 848
رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ) بعد ذلك، (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا) أي: إن لم، (تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ) بعد استقرار السفينة على الجودي، (يَا نوح اهْبِطْ) من السفينة، (بِسَلامٍ منا) بسلامة أو بتحية وهو حال، (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) البركة ثبوت الخير، (وَعَلَى أُمَمٍ ممَّن معَكَ) أي: على أمم ناشئة ممن معك من المؤمنين، ولهذا قالوا دخل فيه كل مومن ومؤمنة إلى يوم القيامة، قال بعضهم: المراد من الأمم المؤمنون الذين معه وسماهم أمما لتحزبهم، أو لتشعب الأمم منهم، (وأُمَمٌ) أي: وممن معك أمم، (سَنُمَتِّعُهُمْ) في الدنيا، (ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهم الكافرون من ذرية من ممن، (تِلْكَ) إشارة إلى قصة نوح، (مِن أَنبَاءِ الغَيْبِ) أي: من أخباره، (نوحِيهَا إِلَيْكَ) خبر ثان لـ تلك أو حال، (مَا كُنت تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا) خبر ثالث أو حال، (فَاصْبِرْ): كما صبر نوح، (إِنَّ الْعَاقِبَةَ) في الدنيا والآخرة بالنصرة، (لِلْمُتَّقِينَ).
* * *
(إِن أَنتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ): على الله، (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ): على تبليغ الرسالة، (أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الذِي فَطَرَنِي) يعني نصيحتي خالصة لا مشوبة بالمطامع، (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) حتى تميزوا بين المخطئ والمصيب، (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) بالإيمان، (ثُمَّ تُوبُوا إِليهِ) ارجعوا إليه بالطاعة، (يرْسِلِ) جواب الأمر، (السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) كثير الدر، (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) يضاعف قوتكم بالمال والولد والشد في الأعضاء، ومنه قال الحسن بن على ﵁: من كثر استغفاره كثر نسله، (وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) لا تعرضوا عني مصرين على إجرامكم، (قَالُوا يَا هُودُ مَا جتَنَا بِبَيِّنَةٍ) حجة تدل على مدعاك وهذا كذب منهم وجحود، (وَمَا نَحْنُ
стр. 851
بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ) حال من ضمير تاركي، أي: صارفين عن قولك، (وَمَا ئحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نقُولُ) ما نقول، (إِلا اعْتَرَاكَ) أي: إلا قولنا أصابك، (بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء) بجنون لأنك تتكلم بالهذيانات، (قالَ إِنِّى أُشْهِدُ اللهَ) على نفسي، (وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أي: من إشراككم آلهة، (مِن دُونِهِ) ظرف لغو لـ تشركون، أو بيان لما، (فَكِيدُونِي) أنتم وأوثانكم، (جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ) لا تمهلوني فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ومن أعظم الآيات مواجهتهم بهذا الكلام مع أنهم عطاش بإراقة دم من خالفهم وهم مع كثرتهم كرجل واحد يرمون من قوس واحد، (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) الأخذ بالنواصي تمثيل لاشتمال ربوبيته على الكل وذل الكل وخضوعه تحت قهره وسلطانه فإن من أخذت ناصيته فقد قهرته، (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) على العدل والإحسان مع غلبته وقدرته قيل تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم، (فَإِن تَوَلوْا) تتولوا، (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) فلا عليَّ شيء فإني بلغت الرسالة وما عليَّ إلا الإبلاغ، (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) هذا وعيد بإهلاكهم واستخلاف قوم آخرين مطيعين في ديارهم، (وَلَا تَضُرُّونَهُ) بإعراضكم، (شَيْئًا) من الضرر وقيل: لا تنقصونه شيئًا إذا أهلككم، (إِنَّ ربي عَلَى كُلِّ شَىْء حَفِيظٌ) فيحفظ أعمالكم ويجازيكم أو هو الحافظ للأشياء فهو الضار النافع فيستحيل أن يضره شيء أو هو الحافظ يحفظني من كيدكم، (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) بهلاك عاد، (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) الريح التي أهلك بها عادا قيل المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضًا والتعريض بتعذيب المهلكين في الدنيا والآخرة، (وَتِلْكَ)، إشارة إلى القبيلة وقيل: إلى قبورهم وآثارهم، (عَادٌ جَحَدُوا) كفروا، (بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) من عصى رسولاً واحدًا فقد عصى الرسل فإن كلامهم واحد، (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِي) أي: سفلتهم اتبعوا كبراءهم
(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ) فإنهم من آدم وآدم من تراب، (وَاستَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أقدركم على عمارتها، وعن الضحاك أطال عمركم فيها فإن الواحد منهم يعيش ثلاثمائة إلى ألف سنة، (فَاسْتَغفِرُوهُ) لما مضى، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فيما بقي، (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ) يسمع أو قريب الرحمة، (مُجِيبٌ) لداعيه، (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) نرجوا أن تكون لنا سيدًا مستشارًا في الأمور لما نرى فيك من الرشد (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) عدوا هذا النهي منه بلاهة وشبه جنون، (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍ ممَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) من التبرء عن الأوثان، (مُرِيبٍ) موقع في الريبة، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) يقين وبصيرة، (مِنْ رَبِّي) وحرف الشك باعتبار المخاطبين، (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) نبوة، (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ) يمنعني من عذابه، (إِنْ عَصَيْتُهُ) في تبليغ الرسالة، (فَمَا تَزِيدُونَنِي) إذن حينئذ، (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) غير أن تخسروا أعمالي وتبطلوا أو ما تزيدونني بما تقولون إلا أن أنسبكم إلى الخسران، (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) آية حال، ولكم حال منها أو بيان، (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ): عاجل، (فَعَقَرُوهَا فقالَ) لهم صاع، (تَمَتَّعُوا): عيشوا، (فَى دَارِكُمْ) الدنيا أو منازلكم، (ثَلاَثةَ أَيَّامٍ) ثم تهلكون، (ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) مصدر كالمجلود والمصدوقة أو غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كيوم شهدناه
(وَامْرَأَتُهُ) سارة، (قَآئِمَةٌ) وراء الستر أو قائمة بخدمتهم، (فَضَحِكَتْ) سرورًا بالأمن أو تعجبًا، وقالت: يا عجبًا بأضيافنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة وهم لا يأكلون طعامنا أو تعجبًا من خوف إبراهيم من رجال قلائل وهو بين خدمه وحشمه، أو ضحكت بمعنى حاضت، (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) بشروها بأن لها ولدًا يكون له عقب ونسل فإن يعقوب ولد إسحاق ونصب يعقوب لأنه في تقدير وهبناها من وراء إسحاق يعقوب، أو بحذف حرف الجر وإيصال الفعل، ومن قرأ بالرفع فهو مبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده، (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى) أي: يا عجبًا، (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) ابنة تسعين أو تسع وتسعين، (وَهَذَا بَعْلِي): زوجي، (شَيْخًا) ابن مائة وعشرين أو مائة [ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإشارة]، (إِن هَذَا لَشَيْء عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِن أَمْرِ اللهِ) قدرته، (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ) فتخصيصكم بمزيد الكرامات لا عجب، (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي: أهل بيت إبراهيم وهو خبر من الملائكة أو دعاء
стр. 857
منهم، (إِنَّهُ حَمِيدٌ) محمود في أفعاله، (مَّجِيدٌ) كريم، (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ) بأن عرفهم، (وَجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) أي: يجادل رسلنا في أمرهم كيف تهلكونهم وفيهم لوط ويجيء جواب لما مضارعًا لحكاية الحال، أو تقديره: أخذ يجادلنا أو اجترأ على خطابنا يجادلنا قيل: لما تَردُّ المضارع إلى معنى الماضي، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ) كثير التأسف على الذنوب، (منِيبٌ) راجع إلى الله تعالى يعني رقة قلبه وفرط ترحمه باعثه إلى المجادلة، (يَا إِبْرَاهِيمُ) أي: قالت الملائكة (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) الجدال، (إِنَّهُ) إن الشأن، (قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ): عذابه، (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) بجدال ودعاء.
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا) أي: هذه الملائكة، (لُوطًا سِيءَ بِهِمْ) حزن بمجيئهم وساءة، (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) طاقة، يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم يطقه وذلك لأنهم جاءوا في أحسن صورة غلمان فخاف عليهم من خبث قومه وعدم قوته بمدافعتهم، (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) شديد بلاؤه وقد نقل أن امرأة لوط خرجت فأخبرت قومها بأن في بيته غلمانًا حسانًا، (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ) يسرعون، (إِلَيهِ) عجلة لنيلهم مطلوبهم من أضيافه، (وَمِن قبْلُ): قبل ذلك الوقت، (كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) يأتون الرجال يعني هذه عادتهم من قديم الأيام، (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ
стр. 858
بَنَاتِي) أي: فتزوجوهن واتركوا أضيافي وكانوا يطلبونهن قبل ذلك ولا يجيبهم، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزًا أو المراد من البنات نساؤهم وأضاف إلى نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، (هُنَّ أَطْهَرُ لَكمْ) من نكاح الرجال، (فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ) لا تفضحوني، (في) شأن، (ضَيْفِي) فإخزاء ضيف الشخص إخزاؤه، (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رشِيدٌ) يعرف حقية ما أقول، (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ): من حاجة، (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) من إتيان الرجال، (قَالَ لَوْ أَن لِي بِكُمْ قُوَّةً) قويت بنفسى على دفعكم، (أَوْ آوِي): أنضم، (إِلَى ركْنٍ شَدِيدٍ) إلى قوي أستند إليه شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته، وجواب لو محذوف أي: لفعلت وصنعت بكم كيت وكيت، (قَالُوا) أي: الملائكة، (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) إلى إضرارك بإضرارنا، (فَأَسْرِ): يا لوط، (بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ): بطائفة، (مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ) استثناء من قوله (فأسر بأهلك)، أي: لا تسر بها وخلفها ومن قرأ مرفوعًا فهو استتناء من قوله لا يلتفت منكم أحد يعني إذا سمعتم ما نزل بهم من الأصوات المزعجة فاستمروا ذاهبين ولا يلتفت
стр. 859
منكم أحد إلا امرأتك فإنا لا نمنعها عن الالتفات وقيل الاستثناء منقطع ومن الإسرائيليات أنها كانت معهم ولما سمعت أصوات البلاء التفتت وقالت: واقوماه فأدركها حجر فقتلها ولا يجوز قطعًا حمل القراءتين على الروايتين في أن خلفها أو أخرجها، ولذلك قيل: إنها سرت معهم بنفسها لا أنه أخرجها والنهي عن إخراجها لا عن مصاحبتها وقيل: الاستثناء بقراءة النصب أيضًا عن قوله لا يلتفت وإن كان الأفصح الرفع حينئذ، (إِنَّهُ) الشأن (مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب، (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ) أي: موعد عذابهم، (الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) جواب لاستعجال لوط عذابهم، (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرنَا): بالعذاب، (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أدخل جبريل ﵇ جناحه تحت قريتهم فقلعها وصعد بها إلى السماء ثم قلبها وفيها أربعمائة ألف أو أربعة آلاف ألف، (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهَا) على تلك القرى قبل التقليب أو حين التقليب، (حِجَارَةً) أو كانت الحجارة على شدادهم ومسافريهم، (مِنْ سِجِّيلٍ) أصله سنك كل أي: حجر وطين فارسية معربة أو الطين أو الآجر قيل اسم لسماء الدنيا أو لجبل فيها، (مَنْضُودٍ) متتابع أو معد في السماء لذلك، (مُسَوَّمَةً) معلمة
عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
* * *
(وَإِلَى مَدْيَنَ) اسم بلدة، (أَخَاهُمْ) من أشرافهم نسبًا، (شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) وحده، (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) نهاهم عن هذا بعد الإيمان؛ لأنَّهُم اعتادوا البخس، (إِنِّي أَرَاكُم بخَيْرٍ) موسرين في نعمة وخصب لا حاجة لكم إلى التطفيف، (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍّ مُّحِيطٍ) وعدهم بعذاب يحيط بهم فلا يفلت منهم أحد ووصف اليوم بالإحاطة لاشتماله على عذاب محيط، (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) أمر بالإيفاء بعد أن
стр. 862
نهى عن ضده مبالغة، (بِالْقِسْطِ) بالعدل والسوية، (وَلَا تَبْخَسُوا) لا تنقصوا، (النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص وقيل: كانوا مكاسين، (وَلَا تَعْثَوْا) لا تبالغوا، (فِي الْأَرْضِ) بالفساد حال كونكم، (مُفْسِدِينَ) وقد كانوا يقطعون الطريق، (بَقِيَّت اللهِ) ما أبقى الله من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن، (خَيْرٌ لكمْ) مما تأخذونه بالتطفيف أو طاعة الله خير لكم، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرط الإيمان فإن الثواب بالأعمال مشروط بالإيمان أو إن كنتم مؤمنين مصدقين لي، (وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) أحفظكم عن القبائح وإنما أنا ناصح، (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ) بتكليف، (أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) من الأصنام أجابوه على سبيل التهكم وكان ﵇ كثير الصلاة، (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) عطف على ما، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا، ما نشاء قيل: عطف على أن نترك بتقدير أصلاتك تأمرك بنهيك عن أن نفعل إلخ، (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قالوا ذلك استهزاء وأرادوا ضدهما أو أنت حليم رشيد فكيف تبادر على مثل كلام المجانين (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) حجة وبصيرة، (مِّن ربي وَرَزَقَنِي مِنْهُ) من الله بلا كدًّ مني، (رِزقًا حَسَنًا)، حلالاً وكان ﵇ كثير المال، أو أراد من
стр. 863
الرزق الحسن العلم والمعرفة وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يجوز لي الخيانة في الوحي والمخالفة في أمره وفيه، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْ) ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستقل بها دونكم، (إِذ أُرِيدُ) فيما آمركم وأنهاكم، (إِلا الإِصْلاحَ) أي: إصلاحكم، (مَا اسْتَطَعْتُ) أي: ما دمت أستطيع الإصلاح فما مصدرية واقعة موقع الظرف أو إصلاح ما استطعته فالموصولة مفعول الإصلاح، ولا يبعد أن يكون معناه ما قصدت إلى ما نهيتكم عنه مجرد مخالفتكم؛ بل الإصلاح قصدي وهو الباعث إلى النهي، (وَمَا تَوْفِيقِي) لإصابة الحق، (إِلَّا بِاللهِ) بإعانته، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) فإنه القادر المطلق، (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) في المعاد أو فيما ينزل عليَّ من المصائب، (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) لا يكسبنكم، (شِقَاقِي) عداوتي، (أَنْ يُصِيبَكُمْ) ثاني مفعوليه فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب، (مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ) من الغرق، (أَوْ قَوْمَ هُودٍ) من الريح المهلكة، (أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ) من الصيحة، (وَمَا قَوْمُ لُوط مِّنكُم بِبَعِيدٍ) زمانًا فلا تنسوهم، أو مكانًا فإنهم جيران قوم لوط ولم يقل ببعيدة ولا ببعيدين لأن المراد، وما إهلاكهم ببعيد أو لأنه يستوي في مثله المذكر والمؤنث لأنه على زنة المصادر كالصهيل والشهيق، (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) عما سلف، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فيما بقى من عمركم، (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) فاعل بالتائبين ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) قالوه على وجه الاستهانة كما تقول لمن لم تعبأ بحديثه ما
стр. 864
أدري ما تقول، (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) لأنه كان أعمى (١) أو لأنه لا خدم ولا عسكر له، (وَلَوْلا رَهْطُكَ) أي: عزتهم فإنهم على ديننا والرهط من الثلاثة إلى العشرة، (لَرَجَمْنَاكَ) قتلناك بأذل وجه، (وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) يمنعنا عزك عن الرجم، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ) فإنكم تبقون عليَّ لرهطي ولا تبقون عليَّ لله وأنا رسوله، (وَاتَّخَذْتُمُوهُ) أي: الله، (وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) جعلتموه كالشيء الملقى وراء الظهر وهو منسوب إلى الظهر والكسر من تغيرات النسب كالإمسيّ في الأمس، (إِنَّ رَبِّي)، أي: علمه، (بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فيجازي عليه، (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) أي: قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك أو على تمكنكم من أمركم، (إِنِّي عَامِلٌ) ما أنا عليه، (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) استئناف كأنه قيل فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون (مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) أي: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب فإنهم أوعدوه وسموه كاذبًا، أو من استفهامية منقطعة عن سوف تعلمون أي: أينا يأتيه إلخ، (وَارْتَقِبُوا) انتظروا ما أقول لكم، (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) منتظر،
وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) التوراة أو المعجزات والحجج الواضحة سيما العصى، (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا) أي: الملأ، (أَمْرَ فِرْعَوْنَ): في الكفر بموسى، (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) مرشد إلى الخير، (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: يتقدمهم إلى النار فهو في الدارين قدوتهم، (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) جاء بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، (وَبِئْسَ الوِرْد) أي: المورد، (المَوْرُودُ) أي: الذي يردونه والمخصوص بالذم، أي: النار نزل النار لهم منزلة الماء ثم قبحه، لأن الورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده والآية كالدليل على قوله: " وما أمر فرعون برشيد "، (واتْبِعُوا في هَذِهِ) أي: الدنيا، (لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فإنهم ملعونون في الدارين، (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) العون المعان أو العطاء المعطى والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم وهو لعنة بعد لعنة، (ذلِكَ): النبأ، (مِنْ أَنبَاءِ القُرَى): المهلكة، (نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) خبر بعد خبر، (مِنْهَا قَائِمٌ) بقيت آثاره كالحيطان، (وَحَصِيدٌ) أي: ومنها عافي الأثر والجملة مستأنفة، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) فاستحقوا العذاب، (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ) ما دفعت عنهم، (آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) شيئًا من عذابه، (لَمَّا جَاءَ) حين جاء، (أَمْرُ رَبِّكَ) عذابه، (وَمَا زَادُوهُمْ) أي: ما زاد الآلهة الظالمين، (غَيْرَ تَتْبِيبٍ) بلاء وتخسير، (وَكَذَلِكَ) مثل
стр. 867
ذلك الأخذ، (أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ) أهل، (الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) حال من القرى وعلى الحقيقة لأهلها، (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) وجيع صعب، (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: هلاك تلك الأمم أو الأنباء بإهلاكهم، (لَآيَةً): عبرة، (لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) فيجعلها أنموذجًا ودليلاً على صدق ما أعد الله تعالى للمجرمين، (ذلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه عذاب الآخرة، أي: يوم القيامة، (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) لأن يجازيهم، (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) فيه الخلائق البر والفاجر اتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، أو المراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، (وَمَا نُؤَخِّرُهُ) أي: اليوم، (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها والعد للمدة لا لغايتها فتقديره إلا الانتهاء أجل معدود على حذف المضاف، (يَوْمَ يَأْتِ) ذلك اليوم المعين على أن يوم بمعنى حين، (لَا تَكَلَّمُ): لا تتكلم، (نَفْسٌ) وهو الناصب للظرف، (إِلَّا بِإِذْنِهِ): بإذن الله تعالى، وهذا في موقف ويوم لا ينطقون في موقف آخر، (فَمِنْهُمْ) الضمير لأهل الموقف دل عليه قوله لا تكلم نفى، (شَقِيٌّ وَ) منهم (سَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) الزفير إخراج النفس والشهيق ردُّه،
стр. 868
أو الصوت الشديد والضعيف، أو الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه، (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)، أي: أبدا دائمًا لا ينقطع،
стр. 869
والعربي إذا أراد التأبيد قال: دائم دوام السماوات والأرض، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء من الخلود فإنه ليس لبعضهم وهم فساق الأمة خلود وهم الأشقياء من وجه وهو المراد بالاستثناء الثاني فإنهم ليسوا في الجنة مدة عذابهم والتأبيد من مبدأ معين
стр. 870
كما ينتقص من الانتهاء ينتقص من الابتداء وهو المنقول عن كثير من السلف أو هو كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك على ضربه فعلى هذا الاستثناء في الموضعين لبيان أنه لو أراد عدم خلودهم لقدر لا أنه واجب عليه ويؤيده قوله: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) أو هو من باب (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف: ٤٥]، و (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] على إحدى التأويلات أو المستثنى توقفهم في الموقف أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ أو الاستثناء لخروج الكل من النار إلى الزمهرير ومن الجنة إلى المراتب والمنازل الأرفع، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) حاكم غير محكوم (١).
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قيل المراد منهما سماوات الآخرة وأرضها وهما مؤبدان، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) والأحسن عندى في الاستثنائين قول قتادة والله أعلم بثنياه اعترف رضى الله عنه بالعجز عن الفهم وأحال العلم على الله تعالى، (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع ونصبه على الحال أو المصدر المؤكد صرح في الجنة بأنها غير مقطوع لئلا يتوهم متوهم بعد ذكر المشيئة أن ثمة انقطاعًا ولم يذكر في شق النار، (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) شكٍّ، (مِمَّا يَعْبُدُ
стр. 871
هَؤُلَاءِ) من عبادة المشركين في أنها ضلال تؤدي إلى مثل ما حل بمن قبلهم، (مَا يَعْبُدُونَ) عبادة، (إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ) إلا كعبادتهم، (مِنْ قَبْلُ) استئناف أي: هم وآباؤهم سواء لا مستند لهم في الشرك وتقديره: كما كان يعبد وحذف كان لدلالة قبل عليه، (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) حظهم من الجزاء، (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) حال مقيدة فإنه يقال وفيته نصيبه منصفًا.
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)
стр. 872
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلله غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) بأن آمن به بعض وكفر به بعض كما اختلف في القرآن، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بتأخير العذاب عن قومك، (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) لفرغ من جزائهم، (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ منْهُ) من القرآن، (مُرِيبٍ) موقع للريبة، (وَإِنَّ كُلًّا) جميع المختلف من المؤمنين والكافرين وإن مع أنه مخففة عمل باعتبار الأصل والتنوين عوض عن المضاف إليه، (لَمَّا) ما زائدة للفصل بين اللام الموطئة للقسم ولام التأكيد ومن قرأ بالتشديد فأصله لمن ما فقلبت النون ميمًا للإدغام فحذفت أولى الميمات الثلاث، (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ) أي: إن جميعهم والله ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم أو لمن الذين يوفينهم إلخ، (إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
стр. 873
خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ) استقامة، (كَمَا أُمِرْتَ) أي: مثل الاستقامة التي أمرت بها على دين ربك والدعاء إليه، (وَمَن تَابَ) عن الكفر وآمن، (مَعَكَ) عطف على ضمير استقم، (وَلاَ تَطْغَوْا) لا تخرجوا عن حدود الله، (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا)، لا تميلوا أدنى ميل، (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) بأن تعظموهم وتسعينوا بهم، (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) بركونكم إليهم؛ بل استقيموا كما أمرت ولا تميلوا إلى جانب، (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) أعوان يمنعونكم من عذابه والواو للحال، (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) لا تجدون من ينصركم أو لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن لا يرحم على من ركن وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه، (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ) أحد طرفيها الصبح والآخر إما العصر أو الظهر والعصر، (وَزُلَفًا) ساعات، (مِنَ
стр. 874
اللَّيْلِ) قريبة من النهار العشاء أو المغرب والعشاء قيل: هذا قبل وجوب الصلوات الخمس فإنه كان يجب صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى أمته ثم نسخ، (إِن الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وفي الحديث: (إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا) (١) نزلت في رجل أصاب من امرأة ما دون الجماع فأتى النبي ﷺ فأخبره فنزل " أقم الصلاة " الخ فقال الرجل: أليَّ هذا؟ قال: لأمتي كلهم) (ذلِكَ) بها إشارة إلى استقم فما بعده، (ذكْرَى لِلذاكِرِينَ) عظة للمتعظين، (وَاصْبِرْ) على حكم الله، (فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وعن ابن عباس ﵄ المحسنين أي: المصلين، (فَلَوْلاَ) فهلا، (كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولوا بَقِيَّةٍ) يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، أي: هلا كان منهم من فيه خير ينهى عن الفساد؛ وهذا تحريض لأمة محمد ﵊ كما قال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) الآية [آل عمران: ١٠٤]، (يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِّمَّن أَنجَيْنَا مِنْهُمْ) (من) في (ممن) للبيان، أي: لكن قليلاً منهم أنجيناهم لأنَّهُم كانوا كذلك وجاز أن يكون
стр. 875
الاستثناء متصلاً لأن التخصيص ملزوم للنفي، أي: ما كان فيهم أولو بقية كذا إلا قليلاً وهم من أنجيناهم، (وَاتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا) عطف على ما دل عليه الكلام، أي: لم ينهوا عن الفساد واتبعوا، (مَا أُتْرِفوْا) نعموا، (فيه) من الشهوات بتحصيل أسبابها فأعرضوا عن الآخرة، (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ): كافرين، وهذا سبب استئصالهم وإهلاكهم فلابد من الحذر عن مثل ما هم كانوا عليه، (وَمَا كَان ربُّكَ) ما صح وما استقام له، (لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ): بشرك، (وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) أي: لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا لم يضموا إلى شركهم فسادًا أو ظلمًا فيما بينهم، بل ينزل عليهم العذاب إذا أفسدوا وظلموا بعضهم بعضًا أو لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون لأعمالهم فإنه سبحانه " حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم " [هود: ١٠١] وهذا توجيه وجيه لا اعتزال فيه، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) مسلمين كلهم، (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) في الأديان والاعتقادات، (إِلا مَن رحِمَ ربُّكَ) وهم أتباع الرسل تمسكوا بما أمروا به، (وَلِذَلِكَ) أي: للرحمة أو للاختلاف أو لهما، (خَلَقَهُمْ) الضمير لمن على الأول وللناس على الأخيرين، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) قضاؤه وقدره، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ): من عصاتهما، (أَجْمَعِينَ) أو منهما أجمعين لا من أحدهما، (وَكُلًّا) التنوين عوض،
стр. 876
أي: كل نبأ، (نَقُصُّ عَلَيكَ) وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) بيان لـ (كُلًّا) أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ) السورة، (الْحَقُّ) خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى) جاءتك فيها، (لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، (وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ): على طريقتكم تهديد شديد، (إِنَّا عَامِلُونَ): على حالنا، (وَانتَظِرُوا) لنا الدوائر، (إِنَّا مُنتَظِرُونَ) أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، (وَلله غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) لا يخفي عليه خافية، (وَإِلَيهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ) في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيجازي كلًّا مايستحقه.
والحمد لله وحده ..
* * *
стр. 877
سورة يوسف
وهي مائة وإحدى عشرة آية واثنا عشر ركوعًا
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
* * *
(الر تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، (آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ): الواضح الجلي، أو المفصح عن الأشياء المبهمة، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) أي: الكتاب، (قُرْآنًا)، حال، فإنه مصدر بمعنى مفعول، (عَرَبِيًّا) صفة له، أو حال،
стр. 878
(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: أنزلناه بلغتكم كي تفهموا معانيه، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) مصدر بمعنى الاقتصاص، وأحسنيته في كونه بالغة في الفصاحة، فيكون مفعولاً مطلقًا، والمقصوص محذوف، أو فعل بمعنى مفعول، وأحسنيته لما فيه من النكت والحكم والعجائب، فيكون مفعولاً به، (بمَا أَوْحَيْنَا): بإيحائنا، (إِلَيكَ هَذَا القُرْآنَ) أي: السورة، وهو إما مفعول الإيحاء، أو مفعول نَقُصُّ على الوجه الأول، (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ): عن هذه القصة، لا تعلمها، وإن هي المخففة، (إِذ قَالَ) بتقدير اذكر، أو بدل اشتمال من أحسن القصص على تقدير مفعوليته، (يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ) تاء التأنيث عوض عن الياء، ومن يفتح التاء، فلأنه كان يا أبتا، فحذفت الألف، (إِنِّي رَأَيْتُ): من الرؤيا، (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ