← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أي: كل نبأ، (نَقُصُّ عَلَيكَ) وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) بيان لـ (كُلًّا) أو صفة لنبأه المحذوف ومن للتبعيض، (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بدل بعضو من كلا أو مفعول نقص، وكلا مفعول مطلق حينئذ، أي: كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك وتثبيت فؤاده زيادة يقينه واحتمال الأذى، (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ) السورة، (الْحَقُّ) خص هذه السورة تشريفًا وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور أو جاءك في هذه الدنيا الحق (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى) جاءتك فيها، (لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: عمت فائدة تلك السورة لك ولأمتك، (وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ): على طريقتكم تهديد شديد، (إِنَّا عَامِلُونَ): على حالنا، (وَانتَظِرُوا) لنا الدوائر، (إِنَّا مُنتَظِرُونَ) أن ينزل بكم مثل ما نزل على أمثالكم أو انتظروا ما يعدكم الشيطان إنا منتظرون ما يعدنا ربنا، (وَلله غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) لا يخفي عليه خافية، (وَإِلَيهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ) في المعاد ويمكن أن يكون معناه كل الأمور راجعة إلى خلقه وقدرته فهو الفاعل على الحقيقة للأشياء، (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيجازي كلًّا مايستحقه. والحمد لله وحده .. * * *

стр. 877

سورة يوسف وهي مائة وإحدى عشرة آية واثنا عشر ركوعًا * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) * * * (الر تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، (آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ): الواضح الجلي، أو المفصح عن الأشياء المبهمة، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) أي: الكتاب، (قُرْآنًا)، حال، فإنه مصدر بمعنى مفعول، (عَرَبِيًّا) صفة له، أو حال،

стр. 878

(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: أنزلناه بلغتكم كي تفهموا معانيه، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) مصدر بمعنى الاقتصاص، وأحسنيته في كونه بالغة في الفصاحة، فيكون مفعولاً مطلقًا، والمقصوص محذوف، أو فعل بمعنى مفعول، وأحسنيته لما فيه من النكت والحكم والعجائب، فيكون مفعولاً به، (بمَا أَوْحَيْنَا): بإيحائنا، (إِلَيكَ هَذَا القُرْآنَ) أي: السورة، وهو إما مفعول الإيحاء، أو مفعول نَقُصُّ على الوجه الأول، (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ): عن هذه القصة، لا تعلمها، وإن هي المخففة، (إِذ قَالَ) بتقدير اذكر، أو بدل اشتمال من أحسن القصص على تقدير مفعوليته، (يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ) تاء التأنيث عوض عن الياء، ومن يفتح التاء، فلأنه كان يا أبتا، فحذفت الألف، (إِنِّي رَأَيْتُ): من الرؤيا، (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

стр. 879

رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) استئناف، كأنه قيل: كيف رأيتهم؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين، وأجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، وساجدين حال، (قَالَ يَا بُنَيَّ) التصغير للشفقة، (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا): يحتالون لإهلاكك حيلة، حسدًا منهم، فإنَّهم يعلمون تأويلها، (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) فيحملهم على الكيد، (وَكَذَلِكَ)، كما اجتباك بهذه الرؤيا العظيمة، (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ): يصطفيك، (وَيُعَلِّمُكَ) كلام برأسه غير داخل في التشبيه، (مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) تعبير الرؤيا، وقيل: تأويل آيات كتب الله - تعالى، (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ): بالنبوة، (وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ) أراد سائر أولاده، (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبلُ): من قبل هذا الوقت، (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ) عطف بيان لأبويك، (إِنْ رَبَّكَ عَلِيمٌ): بمن يستحق النبوة، (حَكِيمٌ): في أفعاله. * * * (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ

стр. 880

تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) * * * (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ): في قصتهم، (آيَاتٌ): عظة وعبرة، (لِّلسَّائِلِينَ): عنها المستخبرين، فإنه خبر عجيب يستحق الإخبار عنه، وقيل: اليهود سألوه ومن آياته وضوح دلالته على صدق محمد ﵇ فإنه موافق لما في التوراة، (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ) اللام للابتداء، (وَأَخُوهُ) أي: من الأبوين، (أَحَبُّ) يستوي في أفعل، من الواحد والجمع، (إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ) الواو للحال، (عُصْبَةٌ) جماعة أقوياء، أليق بالمحبة، (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) لتفضيل المفضول أي: ضلال دنيوي، ولا يجب عصمة الأنبياء عن ذلك الضلال،

стр. 881

ولا شك أن إخوته ليسوا في ذلك الحين أنبياء، قال بعضهم: لم يقم دليل على أنهم صاروا أنبياء، (اقْتُلُوا يُوسُفَ) من جملة المحكي، (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) بعيدة منكورة، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها نصبت نصب الظروف المبهمة، (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) جواب الأمر، يخلص لكم وجهه عن إقباله بيوسف، فيقبل بكليته عليكمَ، (وَتَكونوا) عطف على يخل، (مِنْ بَعْدِهِ): بعد يوسف، (قَوْمًا صَالِحِينَ): تائبين أو يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم، (قَالَ قَائِلٌ منْهُمْ) هو يهوذا، أو رويبيل، أو شمعون، (لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ): في قعر البئر قيل: هو بئر بيت المقدس، (يَلْتَقِطْهُ): يأخذه، (بَعْضُ السَّيَّارَةِ): المسافرين، (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ): عازمين على أن تفعلوا به شيئًا، كأنه لم يرض بإضراره، (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) أي: لم تخافنا عليه، ونحن مشفقون عليه مريدون له الخير (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا): إلى الصحراء، (يَرْتَعْ) الرتع الاتساع في الملاذ، (وَيَلْعَبْ): بالاستباق، (وَإِنَّا لَه لَحَافِظُونَ): من أن يناله ضر، (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ): لشدة مفارقته على، (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) فإن أرضهم كانت مذأبة، (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ): مشتغلون بلعبكم، (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) اللام موطئة للقسم، (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ): جماعة أقوياء والواو للحال، (إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ): ضعفاء عاجزون وهو جواب القسم، (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا): اتفقوا، (أَنْ يَجْعَلُوهُ

стр. 882

فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) وجواب لما محذوف، أي: فعلوا به ما فعلوا، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا)، لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا، (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون): بوحي الله وإعلامه إياه ذلك، أو هم لا يعرفونك حين تخبرهم، كما قال تعالى: (فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)، (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ)، العشاء: آخر النهار، ويبكون حال، (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ): نتسابق في الرمي أو العدو، (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ): بمصدق، (لَنَا): في هذه القصة، (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ): عندك في القضايا لسوء ظنك بنا، (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)، وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب، وعلى قميصه حال من دم، وجاز تقدمه على صاحبه، لأنه ظرف، أو محله النصب على الظرف، أي: فوق قميصه، كما تقول: جاء على جماله بأحمال، (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ):

стр. 883

سهلت، (لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا): عظيمًا، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ): أجمل، أو فأمري صبر جميل، (وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)، أي: على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف، وقد نقل أنَّهم ذبحوا سخلة ولطخوا ثوبه بدمها فلما جاءوا بثوبه، قال يعقوب: ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أكل ابني، ولم يمزق عليه قميصه، (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ): مسافرون، (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ)، وهو الذي يطلب لهم الماء، (فَأَدْلَى): أرسل، (دَلْوَهُ)، في الجب فتدلى بها يوسف فلما رآه، (قَالَ يَا بُشْرَى): نادى البشرى: كأنه يقول: تعالي فهذا من أونتك، قال بعضهم: بشرى اسم صاحب له ناداه (١)، (هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ): أخفى الواردون أمره من بقية السيارة، (بِضَاعَةً)، حال، أي متاعًا للتجارة، قالوا: هو بضاعة لنا من أهل هذا الماء، أو ضمير الجمع لإخوة يوسف أي كتموا أنه أخوهم، وباعوه، فإنهم يستخبرون كل يوم منه، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): بيوسف، (وَشَرَوْهُ): باعه الواردون أو إخوته (٢)، (بِثَمَنٍ بَخْسٍ): زيف أو قليل، (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ): قليلة، بدل من الثمن، والدراهم عشرون أو اثنان وعشرون أو أربعون، (وَكَانُوا)، أي: إخوته، (فِيهِ):

стр. 884

في يوسف، (مِنَ الزَّاهِدِينَ): من الراغبين عنه أو كان الواردون زاهدين في يوسف فهم الذين باعوا بثمن بخس، لأنه ملتقط وهم خائفون من انتزاعه فاستعجلوا في بيعه فيكونوا راغبين عنه وفيه متعلق بمحذوف يبينه من الزاهدين، لأن ما بعد الجار والموصول لا يعمل فيما قبله. * * * (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) * * *

стр. 885

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ) وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، (لِامْرَأَتِهِ): راعيل أو زليخا، (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ): منزله، أي: أحسني تعهده، (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا): يكفينا أمورنا أو نبيعه بالربح، (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وكان عقيمًا، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أي: مكناه في مصر، وجعلناه ملكًا، مثل ما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، (وَلِنُعَلِّمَهُ)، عطف على مقدر أي: مكنا لمصالح ولنعلمه، (مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) تعبير الرؤيا وقيل: معاني كتب الله تعالى (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ): يفعل ما يشاء لا يغلبه شيء قيل: الضمير ليوسف أي أراد إخوته شيئًا والله أراد شيئًا آخر ولا رادَّ لما أراد، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): إن الأمر كله بيده، والمراد منه الكفار أو لا يعلمون لطائف تدبيره، فالمراد منه أعم، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ): استكمل خلقه وتم كان سنه حينئذ ثلاثة وثلاثين أو بضعًا وثلاثين أو عشرين أو أربعين أو هو الحلم وقيل غير ذلك، (آتَيْنَاهُ حُكْمًا): نبوة وفقهًا في الدين، (وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ): فإنه محسن في عمله صابر على النوائب، (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ): طلبت منه أن يواقعها، (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) وكانت سبعة، (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ): أقبل وبادِر اسم فعل واللام للتبيين كما في سقيا لك، (قَالَ): يوسف، (مَعَاذَ اللهِ):

стр. 886

أعوذ بالله معاذًا (إِنَّهُ)، أي: الشأن، (ربي): سيدي الذي اشتراني، (أَحْسَن مَثْوَايَ): أكرمني فلا أخونه وقيل إن الله ربى أحسن منزلتي فلا أعصيه (١)، (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ): المجازون الحسن بالسيئ أو لا يسعد الزناة، (وَلَقَدْ هَمَّتْ به): قصدت مخالطته، (وَهَمَّ بِهَا): قصد مخالطتها لميل الطبع والشهوة الغير الاختياري (٢)، (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) جوابه محذوف أي لخالطها وما ذكره أكثر السلف هو أن رأى صورة أبيه عاضًّا على أصبعه يعظه، (كَذَلِكَ): مثل

стр. 887

ذلك التثبيت ثبتناه، (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ): خيانة صاحبه، (وَالْفَحْشَاءَ): الزنا، (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الُمخْلَصِينَ)، من الذين أخلصهم الله تعالى لعبادته، (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) فيه تضمير الابتدار ولذلك عدي بنفسه أو تسابقا إليه بحذف إلى، (وَقَدَّتْ): شقت، (قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ): من خلف، وذلك لأنه فر منها وأسرعت وراءه واجتذبت ثوبه لتمنعه الخروج فانقد، (وَأَلْفَيَا): صادفا، (سَيِّدَهَا): زوجها، (لَدَا الْبَابِ) فأحضرت كيدها وبرأت ساحتها ونسبت إليه، (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) جزاؤه إلا السجن أو أي شيء جزاؤه إلا السجن، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) الشاهد كان صبيًّا في المهد أو وجلًا من أقارب زليخا أو من خاصة الملك، (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ) أي: فقال الشاهد: إن كان قميصه وسماه شاهدًا، لأنه ثبت قول يوسف بكلامه قال بعضهم: شهد شاهد أي: حكم حاكم فقال: إن كان إلخ، (قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ): فإنه إذا كان تابعها وهي دافعة عن نفسها قدت قميصه من قدامه بالدفع، (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ): فإنه دال على أنها هي التي تبعته واجتذبت ثوبه إليها والجمع بين إن التي للاستقبال وكان على تأويل أن يعلم أنه كان قميصه، (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ): لما عرف خيانة امرأته، (إِنَّهُ): إن هذا الصنيع، (مِن

стр. 888

كَيْدِكُنَّ) والخطاب لها ولسائر النساء، (إن كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ) أي: يا يوسف، (أَعْرِضْ عَنْ هَذَا): اكتمه ولا تَذكره، (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ): من القوم المتعمدين للذنب والتذكير للتغليب قيل: إنه كان قليل الغيرة. * * * (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لله مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) * * *

стр. 889

(وَقَالَ نِسْوَةٌ)، اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي، (فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ): تطلب من عبدها الفاحشة، (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا)، أي: خرق حبه شغاف أي: حجاب قلبها، فوصل إلى الفؤاد، و (حُبًّا) تمييز، وفاعل شغف ضمير الفتى، (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ)، تسميته مكرًا لما علمت أنهن أردن بهذا القول أن تريهن يوسف أو لأنهن أفشين سرها، (أَرْسلَتْ إِلَيْهِنَّ): دعتهن، (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا): ما يُتَّكَأ عليه قال أكثر السلف المتكأ المجلس المعد فيه مفارش ومخاد وطعام فيه ما يقطع بالسكين، (وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا) لقطع ما في المائدة مما يحتاج إليه، (وَقَالَتِ): حين أخذن السكاكين: (اخرُج): يا يوسف، (عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) عظمنه وهبهن ذلك الحسن وقيل: أكبرنه أي: حضن له من شدة الشبق (١) فإن المرأة إذا أكبرت حاضت أو الهاء للسكت، (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ): جرحنها من فرط الحيرة، (وَقُلْنَ حَاشَ لله): أصله حاشا فحذفت الألف تخفيفًا وهى من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة كأنه قال: براءة ثم قال: لله؛ لبيان من يبرئ وينزه كـ سقيا لك والمعني تنزيهًا لله من العجز وتعجبًا من قدرته على هذا الخلق الجميل، (مَا هَذا بَشَرًا): فإنه لم يعهد للبشر مثل ذلك الجمال

стр. 890

وأعمل ما عمل ليس لمشاركتهما في نفي الحال وهو لغة الحجاز، (إِن هَذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) فإن جماله فوق جمال البشر، (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمتنَّنِي فيهِ) وضع ذلك موضع هذا رفعًا لمنزلته واستبعادًا لمحله في الحسن، (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ): بالغ في عصمته اعترفت عندهن لما علمت أنهن يعذرنها، (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ) بحذف حرف الجر أي: ما أمر به، (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ): من الأذلاء والنون الخفيفة يكتب في خط المصحف ألفًا على حكم الوقف، (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ): من المعصية أصناف الدعوة إليهن لأنهن تنصحن له مطاوعتها، (وَإِلَّا) أي: وإن لم، (تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ): أمل، (إِلَيْهِنَّ) بإجابة كلامهن، وقيل: إنهن جميعًا دعونه إلى أنفسهن، (وَأَكُن مِّنَ الجَاهِلِينَ): من السفهاء الذين يعملون القبائح، (فَاسْتَجَابَ): أجاب، (لَهُ ربُّهُ): دعاءه، (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ): بأن عصمه الله حتى اختار السجن، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ): لدعوات الملتجئين إليه، (العَلِيمُ): بأحوالهم، (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ): ظهر للعزيز وأصحابه، (مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ): على براءة يوسف من قدِّ القميص وكلام الطفل

стр. 891

وغيرهما وفاعل بدا ضمير يفسره قوله (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) أى: إلى مدة يرون فيه رأيهم فإن المرأة [خدعت زوجها] (١) وحملت على سجنه ليظهر للناس أنه راودها عن نفسها. * * * (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا

стр. 892

اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) * * * (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ): أحدهما ساقي الملك والآخر خبازه اتهما بأنهما يريدان إهلاك الملك بالسُّم، (قَالَ أَحَدُهُمَا) أي: الشرابي (إِنِّي أَرَانِي): في المنام (أَعْصِرُ خَمْرًا) أي: عنبًا سماه باسم ما يئول إليه (وَقَالَ الآخرُ) أي: الخباز (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا): أخبرنا (بِتَأْوِيلِهِ): بتعبير ما قصصنا قال بعضهم: إنهما اخترعا تلك الرؤيا لاختبار يوسف (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): في أعمالك وأقوالك أو من الذين يحسنون تعبير الرؤيا (قَالَ لاَ يأْتِيكُمَا طَعام تُرْزَقَانِهِ): في نومكما (إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا) التعبير في اليقظة أو معناه لا يأتيكما طعام من بيتكما تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بقدره ولونه ووقته قبل وصوله إليكم وهذا مثل معجزة عيسى ﵇ حيث قال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) [آل عمران: ٤٩] (ذلِكُمَا): العلم (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي). لا من التكهن والتنجيم (إِنِّي تَرَكْتُ) كأنه قال علمني لأني تركت (مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ

стр. 893

بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) لتأكيد كفرهم كرر الضمير (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ): ما صح وما استقام، (لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْء) أيُّ شيء كان (ذَلِكَ): التوحيد (مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ): على الرسل والمرسل إليهم فإنهم أرشدوهم إلى فضل الله ونبهوهم عليه (وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) ذلك الفضل، بل يعرضون عنه (يَا صَاحِبَي السِّجْنِ): يا ساكنيه دعاهما إلى الإسلام فقال: (أَأَرْبَابٌ متَفَرِّقُونَ): آلهة شتى واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من حديد وواحد من حجر (خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ): الذي ذل كل شيء لعز جلاله (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ): من دون الله خطاب لهما ولمن على دينهما (إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) إلا أسماء خالية عن المعنى لا مسميات تحتها فإنهم سموا ما لا يستحق الإلهية آلهة ثم يعبدونها (مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا): بتسميتها، (مِنْ سُلْطَانٍ): حجة (إِنِ الحُكْمُ): الأمر والنهي (إِلا لله أَمَرَ): على لسان أنبيائه (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ): المستقيم الذي لا عوج فيه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ

стр. 894

لَا يَعْلَمُونَ): فيهلكون في جهالتهم (يَا صَاحِبَي السجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما) أي: الشرابي (فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا): يعود منصبه إليه (وَأَمَّا الآخَرُ) أي: الخباز (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) قال بعضهم: لما عبر رؤياهما قالا: ما رأينا شيئًا فقال: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ): هذا ما يئول إليه أمركما وهو لا محالة واقع صدقتم أو كذبتم وفي الحديث " الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، وأيضًا " الرؤيا لأول عابر " (وَقَالَ): يوسف (لِلَّذِي ظَنَّ): علم يوسف (أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا): أو الظان الشرابي (اذْكُرْنِي): اذكر حالي (عِنْدَ رَبِّكَ) أي: الملك كي يخلصني، (فَأَنْسَاهُ) أي: الشرابي، (الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) أي: ذكره لربه أو معناه أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه فاستعان بغير الله تعالى (١)، (فَلَبِثَ فِي

стр. 895

السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) هو ما بين الثلاث إلى التسع وأكثرهم على أنه سبع سنين. * * * (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)

стр. 896

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) * * * (وَقَالَ المَلِكُ): بعد مضى سبع سنين، (إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ): وسبع بقرات مهازيل، (يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ): ابتلعت المهازَيل السمان والعجف غاية الهزال، (وَسَبْعَ سنبلاتٍ خُضْرٍ) قد انعقد حبها، (وَأُخَرَ) أي: وسبعًا أخر، (يَابسَاتٍ): قد استحصدت والتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أي: الأشراف من العلماء والحكماء، (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ): عبروها، (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ): عالمين بتعبيرها واللام لتقوية العامل فإن معموله مقدم عليه فضعف عمله فقوى باللام أو لتضمين تعبرون معنى تنتدبون، (قَالُوا): هذه، (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ): أضغاث الأحلام تخاليطها وأباطيلها والأحلام جمع حلم وهو الرؤيا لتضمنه أشياء

стр. 897

مختلفة جمعوا وإن لم يكن إلا حلم واحد أو للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان، (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ) أي: ذلك الأحلام التي هي الأضغاث، (بِعَالِمِينَ) أو المراد أنهم اعترفوا بالعجز وقالوا لسنا في علم التعبير بنحارير، (وَقَالَ الذِي نجَا مِنْهُمَا): من صاحبي السجن، (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ): تذكر يوسف بعد جماعة كثيرة من الزمان يعني مدة طويلة (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ): إلى من عنده علمه فأرسل إليه فجاء وقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ): الكثير الصدق، (أَفْتِنَا فِي): رؤيا، (سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ): إلى الملك وأهله، (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ): تأويلها أو فضلك ولما جرب كمال علمه كلمه كلام محترز وبناه على الرجاء لا على اليقين فربما اخترم دون الرجوع وربما لم يعلموا، (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا): على عادتكم حال، (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ): لئلا يفسد ويحفظ من السوس، (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُون): في تلك السنين، (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): السبيع، (سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ): أصناف الأكل إلى السنين وهو لأهلهن على المجاز، (مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ): ما ادخرتم لأجلهن، (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) تحرزون للبذر والظاهر أن قوله: " تزرعون " على أصله بدليل قوله: " ثم يأتي " لا أنه خبر بمعنى الأمر

стр. 898

وقوله: " فما حصدتم " اعتراض لاهتمامه ﵊ بشأنهم يأمرهم بما فيه صلاحهم في أثناء التأويل، (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) من الغيث أي: يمطرون، (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ): العنب والزيتون وما يعصر قال بعضهم: ويدخل فيه حلب اللبن أيضًا، أوَّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بمجدبة وأكل العجاف السمان بأكل ما جمع في الخصبة في المجدبة ثم بشرهم بما يكون بعد المجدبة بإلهام الله تعالى إياه لا من تأويل رؤياه. * * * (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) * * *

стр. 899

(وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ): بعد مراجعة الرسول، (فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ) ليخرجه، (قَالَ ارْجِعْ إِلَى ربِّكَ): إلى الملك، (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) أراد أن يعلم الملك براءة ساحته ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبًا واحترامًا وهن يعلمن أيضًا براءته بإقرارها عندهن وفي الحديث " لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى " وفيه أيضًا " لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه - والله يغفر له حين سئل عن تعبير الرؤيا ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني "، (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ): حين قلن: أطع مولاتك، فيه الاستشهاد بعلم الله تعالى على براءته أو الوعيد لهن على كيدهن أو تعظيم كيدهن، (قَالَ): الملك لهن، (ما خَطْبُكُنَّ): ما شأنكن، (إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسهِ): هل وجدتن منه سوءً خاطبهن والمراد الأصلي امرأة العزيز، (قُلْنَ حَاشَ لله) تعجبًا من عفته ونزاهته، (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ

стр. 900

قَالَتِ امْرَأَةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ): ثبت واستقر، (الحَقُّ) قيل: أقبلن كلهن عليها فقررنها، (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ): الذي فعلت من رد الرسول، (لِيَعْلَمَ): العزيز، (أَني لَمْ أَخنْهُ بِالْغَيْبِ): بظهر الغيب حال من الفاعل أي): وأنا غائب أو من المفعول أو ظرف أي: بمكان الغيب، (وَأَن الله لاَ يَهْدِي): لا ينفذ ولا يسدد، (كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) عن السلف أنه لما قال: ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت (١) فقال ذلك، (إِنَّ النَّفْسَ): بطبعها، (لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) إلا وقت رحمة ربي أو إلا ما ﵀ من النفوس فعصمه، (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال بعضهم: قوله: " ذلك ليعلم " إلخ من كلام امرأة العزيز أي: اعترفت بما هو الواقع ليعلم زوجي أني لم أخنه وما صدر مني المحذور الأكبر وإنما راودته مراودة فامتنع ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتمني وتشتهي ولذلك راودته: لأنها أمارة بالسوء إلا نفس من عصمه الله تعالى إنه غفور حليم وعند بعض المفسرين إن هذا القول أليق وأقرب، (وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ):

стр. 901

بيوسف)، (أَسْتَخْلصْهُ): أجعله خالصًا، (لنَفْسِي فَلَمَّا): أتوا به، (كَلَّمَهُ) وشاهد منه الكمالَ، (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ): ذو منزلة، (أَمِينٌ)، مؤتمن على الأشياء صادق، (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ): ولنى أمر خزائن أرض مصر، (إِنِّي حَفِيظٌ): لها، (عَليمٌ) بوجوه التصرف فيها وقيل: حفيظ عليم كاتب حاسب أو عليم بسنين الجدب وسأل العمل لما في ذلك من مصالح الناس ليتصرف لفهم في القحط على الوجه الأحوط قيل: إن العزيز توفي أو عزل فجعل الملك يوسف مكانه فزوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء وولد له منها ابنان (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ): أرض مصر، (يَتَبَوَّأُ مِنْهَا): ينزل، (حَيْثُ يَشَاءُ): بعد الضيق والحبس أو يتصرف فيها كيف يشاء، (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، فما أعد الله ليوسف في الآخرة أعظم وأجل مما خوَّله في الدنيا. * * *

стр. 902

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) * * * (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ)، لما ولاه ملك مصر الوزارة العدل اجتهد في العدل وتكثير الزراعات فدخلت السنون المجدبة وعم القحط حتى وصل بلاد كنعان

стр. 903

فجاءه إخوته ليشتروا منه الطعام، (فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ): يوسف، (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُون) لم يعرفوه فإنه قد تقرر في أنفسهم هلاكه وكان مدة المفارقة أربعين سنة، (وَلَمَّا جَهَّزَهُم بجَهَازِهِمْ): أصلحهم بعدتهم وأوفر حمولاتهم بما جاءوا له، (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) لما دخلوا عليه قال كالمنكر عليهم: لعلكم عيون جواسيس قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد نبي من أنبياء الله تعالى قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية وله أخ من أمه احتبسه أبوه ليتسلى به عنه قال: ائتوني به حتى أعلم صدقكم، (أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ): أتمه، (وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ): المضيفين، (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي): ليس لكم عندى طعام أكيله لكم، (وَلَا تَقْرَبُونِ): لا تدخلوا بلادى وهو إما عطف على الجزاء أو نهي، (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ): نلح في طلبه من أبيه، (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ): ما وعدناك، (وَقَالَ): يوسف، (لِفِتْيَانِهِ): لغلمانه، (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ): ثمن طعامهم، (فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا): بأنها بضاعتهم، (إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ): وفتحوا أوعيتهم، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) إذا عرفوا ذلك فإنهم لا يستحلون إمساكها أو إذا عرفوا كرامتهم علينا وبرنا عليهم أو فعل ذلك حذرًا من ألا يكون عندهم بضاعة أخرى

стр. 904

فلا يمكن لهم الرجوع أو رأى لؤم أخذ الثمن من أبيه وإخوته مع حاجتهم، (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ): بعد ذلك إن لم نذهب بأخينا، (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ): نحن وهو الطعام، ونرفع المانع من الكيل، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ) فإنكم ذكرتم في يوسف مثل ما ذكرتم هنا بعينه فهل يكون أماني هنا إلا كأماني هنالك أي كما لا يحصل الأمان هناك لا يحصل هنا، (فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا) فأعتمد عليه ونصبه على التمييز، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ): فالله أسأل أن يرحمني بحفظه، (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) أي: لا نطلب أو أي شيء نطلب وراء ذلك من الإحسان قيل: لا نبغي منك شيئًا في ثمن الكيل وقيل: هو من البغي بمعنى الكذب أي: لا نبغي في القول ولا نتزايد فيه، (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) استئناف موضح لما نبغي، (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) مار أهله حمل إليهم الطعام من بلد آخر عطف على محذوف أي: ردت إلينا فنستظهر بها ونمير ويحتمل عطفه على ما [نبغي] إذا كانت نافية، (وَنَحْفَظُ أَخَانَا): عن المكاره، (وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ): حمل بعير من الطعام لأن يوسف إنما يعطي كل شخص وقرًا، (ذَلِكَ): الذي جئنا به، (كَيْلٌ): مكيل، (يَسِيرٌ): قليل لا يكفينا أو ذلك أي: كيل بعير شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك، (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ)، تعطوني، (مَوْثِقًا مِنَ اللهِ): عهدًا مؤكدًا بذكر الله تعالى، (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) جواب القسم إذ معناه حتى تحلفوا لَتَأْتُنَّنِي، (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ): إلا أن تغلبوا فلا تقدروا على إتيانه أو إلا أن تهلكو جميعًا أي: لتأتنني على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ): يعقوب، (اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ): من العهد، (وَكِيلٌ): مطلع ويمكن أن يكون معناه الله تعالى وكيل على حفظ ذلك العهد نَكِلُ أمره إليه، (وَقَالَ يَا

стр. 905

بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) لأن لا يصيبكم العين، (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ)، أي: لو أراد الله بكم سوءًا لا يدفع عنكم ما قلت لكم من التفرق وهو مصِيبكم لا محالة، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أى: من أبواب متفرقة في البلد، (مَا كَانَ يُغْنِي): يدفع دخولهم متفرقين، (عَنْهُم مَنَ اللهِ): من قضاءه عليهم، (مِن شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) استثناء منقطع أي: لكن حاجة أي: شفقة في نفسه قضاها أي: أظهرها ووصى بما، أو معناه ما دفع عنهم بسبب دخولهم كذلك إلا إصابة العين وهي الحاجة التي في نفس يعقوب، (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ): لذو يقين أو لذو عمل، (لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أن يعقوب لذو علم فإن المشركين لا يعلمون ما ألهم الله أولياءه. * * * (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)

стр. 906

قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) * * * (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) من أبويه في منزله وأجلسه معه في مائدته واسمه بنيامين (قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ): ولا تحزن، (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): في حقنا فيما مضى، (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ): أصلحهم بعدتهم، (جَعَلَ السِّقَايَةَ): المشربة، (فِي رَحْلِ أَخِيهِ): من أبويه وهي من

стр. 907

فضة أو من ذهب أو من زبرجد وكان يشرب فيها ويكيل بها للناس من عزة الطعام (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ): نادى مناد (أَيَّتُهَا الْعِيرُ) أي: القافلة (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) قال بعضهم: إن كان النداء بأمر يوسف فعلى تأويل إنهم سرقوا يوسف من أبيه ﵇ أو النداء برضى أخيه، (قَالوا وَأَقْبَلُوا عَلَيهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ) أيُّ شيء ضاع عنكم (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) من الطعام (وَأَنَا بِهِ): بحمل من الطعام (زَعِيمٌ): كفيل قاله المؤذن (قَالُوا تَاللهِ) قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم ثم استشهدوا بعلمهم على براءة ساحتهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم في كرتى مجيئهم فقالوا (لَقَدْ عَلِمتم مَّا جئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ): لا نوصف بها قط، (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ) أي: السارق، (إِن كنتمْ كَاذِبِينَ): في ادعاء البراءة، (قَالُوا جَزَاؤُهُ) أي: جزاء سرقته، (مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي: أخذ من وجد واسترقاقه، (فهُوَ جَزَاؤهُ) تقرير للحكم وقيل: جزاء لمن على أنها شرطية والجملة الشرط والجزاء خبر جزاؤه على إقامتة الظاهر مقام الضمير وأصله فهو هو وضمير الثاني إلى جزاؤه (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ): بالسرقة وشريعة إبراهيم أن السارق يدفع إلى المسروق منه، (فَبَدَأَ): المؤذن أو يوسف

стр. 908

بعد ما ردوا إليه، (بِأَوْعِيَتِهِمْ) فتشها أولاً، (قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ): من أبويه، (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ): مثل ذلك الكيد، (كِدْنَا لِيُوسُفَ): بأن علمناه إياه، (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) فإن دين ملك مصر الضرب والتغريم في السارق دون الاسترقاق، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ)، أي: لم يكن يتيسر له أخذه في دين الملك بحال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى بأن أجرى على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق فوجد السبيل إلى ذلك وجاز أن يكون منقطعًا (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ): بالعلم كما رفعنا درجة يوسف (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ): حتى ينتهى العلم إلى الله تعالى، (قَالوا) أي: إخوته (إِن يَسْرِقْ): بنيامين (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ) أي: يوسف (مِن قَبْلُ) يعني لا عجب فإن هذا طريقتهم ونحن براء منها وإما وصفهم إياه بالسرقة فإنه كان لجده أبى أمه صنم يعبده فأخذه سرًّا وكسره أو كانت عمته تحضنه بعد وفاة أمه فلما ترعرع أراد يعقوب أن يكون معه ويأخذه من عمته وكانت لا تطيق فراقه فعمدت إلى منطقة هي لها ورثتها من إسحاق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه ثم قالت: فقدت المنطقة اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف وهو صغير فقالت: صار يوسف سلمًا لي فأمسكته، فإن السارق يُسْتَرَقُّ لمن سُرق منه كما مر وكان يأخذ من البيت للسائل أشياء فيعطيه ففطن به إخوته،

стр. 909

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) ضمير أسرها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله (قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) يعني قال في نفسه: أنتم شر منزلة في السرقة: لأن خيانتكم حقيقة وأنث الضمير لأن المراد منه جملة وهي بدل من أسرها وهو المنقول عن ابن عباس - رضى الله عنهما - وقيل: الضمير للإجابة أو للمقالة أو لنسبة السرقة (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ): في شأني من السرقة فإنه كذب وهذا أيضًا من جملة ما أسر يوسف (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ): بدله فإن أباه مستأنس به على أخيه الهالك (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): إلى الخلق فأحسن إلينا (قَالَ مَعَاذَ اللهِ): أعوذ بالله معاذًا من (أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ): في فتواكم لو أخذنا غير السارق. * * *

стр. 910

(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) * * *

стр. 911

(فَلَما اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ): من يوسف وإجابته إياهم وباب الاستفعال للمبالغة (خَلَصُوا): انفردوا واعتزلوا، (نَجِيًّا): ذوي نجوى أو فوجا نجيًّا وكان تناجيهم في تدابير أمرهم، (قَالَ كَبِيرُهُمْ): في السن روبيل أو في الرأي وهو يهوذا أو في الرياسة وهو شمعون، (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللهِ): عهدًا وثيقًا بذكر الله، (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) ما صلة أى: من قبل هذا قصرتم في شأنه أو مصدرية عطف على مفعول تعلموا أو موصولة أي: لم تعلموا ما قدمتموه فهو من الفرط وهو التقدم، (فَلَنْ أَبْرَحَ): أفارق (الأَرْضَ): أرض مصر (حَتَّى يَأذَنَ لِي أَبِي): في الرجوع (أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي): بخلاص أخي أو بخروجي أو بالمقاتلة (وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ) فحكمه الحق، (ارْجِعُوا إِلَى أَبيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ): على حسب الظاهر، (وَمَا شَهِدنا): عليه، (إِلا بمَا عَلِمْنَا): بأن رأينا إخراج الصاع من متاعه، (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ): فلا ندري أنه سرق أو دست الصاع في رحله أو ما كنا حين عهدنا أن نأتي به للعواقب عالمين فلم ندر أنه

стр. 912

سيسرق (وَاسْأَلِ القَرْيَةَ)، أي: أرسل مصر واسألهم عن القصة، (الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ)، أي: القافلة، (الَّتِي أَقْبَلْنَا): توجهنا (فِيهَا وَإِنَّا): والله (لَصَادقُونَ قَالَ) أي: لما رجعوا وقالوا ليعقوب ما قالوا قال: (بَلْ سَوَّلَتْ): زَينت وسهلت (لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا): عظيمًا قررتموه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ): أجمل، (عَسَى اللهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِمْ): بيوسف وأخيه وأخيهما الذي توقف بمصر (جَمِيعًا): مجتمعين (إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ): بحالي (الحَكِيمُ): في أفعاله (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ): أعرض عنهم كراهة (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ): يا شدة حزني إليه تعالي فهذا أوانك والألف عوض عن ياء المتكلم، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ): عمى من كثرة العبرة التي لا يتمالك فيها نفسه، (فَهُوَ كَظِيمٌ): مملوء من الغيظ على أولاده لا يظهره (قَالُوا تَاللهِ) لا (تَفتَؤُا) بحذف حرف النفي فإنه لا يلتبس بالإثبات لأنه لو كان إثباتًا لابد في جوابه من اللام والنون

стр. 913

المؤكدة أي: لا تزال (تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا): مشفيا على الهلاك أو ذابيًا من الغم أو من المرض مصدر وضع موضع الاسم (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ): الميتين، (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي) هو أصعب هَمٍّ لا يصبر صاحبه على كتمانه فيبثه وينشره إلى الناس، (وَحُزْنِي إِلَى اللهِ): لا إليكم ولا إلى غيركم فخلوني وشكايني، (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ): فإني أعلم أن رؤيا يوسف صدق وإني سوف أسجد له أو أخبره ملك الموت بحياة يوسف (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا): تفحصوا (مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا): لا تقنطوا (مِنْ رَوْحِ اللهِ): من فرجه وتنفيسه (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ): فإن المؤمن لا يزال يطمع في رحمة الله تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا): بعدما رجعوا إلى مصر (عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ): شدة الجوع (وَجِئنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ) رديئة أو قليلة كانت دراهم رديئة أو الغرايئر والحبائل أو الصوف والأقط أو حبة الخضراء أو الأدم والنعال، (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ): أتمه لنا، (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا): برد أخينا أو بقبض هذه البضاعة المزجاة أو بالزيادة على ما يساويها، (إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ): أحسن الجزاء، (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ): قُبْحَ (مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ): فرقتم بينهما وذللتموه حتى لا يستطيع أن يتكلم

стр. 914

بينكم بعد فقد يوسف إلا بذلة (إِذْ أَنتمْ جَاهلُونَ): فإن فعلكم فعل الجهال (قَالُوا أَئِنَّكَ) استفهام تقرير (لأَنتَ يُوسُفُ) وضع التاج وكان فوق جبهته مثل شامة بيضاء وكانت لسارة ويعقوب مثلها فعرفوه أو هو من وراء ستر فرفع الحجاب فعرفوه، (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي): من الأبوين ذكره لتعريف نفسه ولإدخاله في قوله: (قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا): بالوصال (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ): الله، (وَيَصْبِرْ): على المصائب (فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي: أجره لإحسانه بالجمع بين الصبر والتقوى (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ): اختارك، (اللهُ عَلَيْنَا): بالعلم والحسن (وَإِنْ كُنَّا): إن شأننا إنا كنا (لَخَاطِئِينَ): مذنبين (قَالَ لاَ تَثْرِيبَ): لا تعيير ولا مؤاخذة (عَلَيْكُمُ اليَوْمَ) متعلق بمتعلق الخبر أي لا مؤاخذة في هذا اليوم فكيف بما بعده من الأيام أو المراد من اليوم الدنيا أي: لا مؤاخذة في الدنيا وأما في الآخرة فبِيَدِ الله ولذلك قال، (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) دعا لهم بالمغفرة، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ): فإنه يغفر الصغائر والكبار (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا) أي: القميص الذي كان عليه، (فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي

стр. 915

يَأْتِ بَصِيرًا): يصير بصيرًا ذا بصر قالوا: القميص من نسج الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي (١)، (وَأْتُونِي): أنتم وأبي، (بِأَهْلِكُمْ): نسائكم وذراريكم، (أَجْمَعِينَ). * * * (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
следующие страницы →