(فَلَما اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ): من يوسف وإجابته إياهم وباب الاستفعال للمبالغة (خَلَصُوا): انفردوا واعتزلوا، (نَجِيًّا): ذوي نجوى أو فوجا نجيًّا وكان تناجيهم في تدابير أمرهم، (قَالَ كَبِيرُهُمْ): في السن روبيل أو في الرأي وهو يهوذا أو في الرياسة وهو شمعون، (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللهِ): عهدًا وثيقًا بذكر الله، (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) ما صلة أى: من قبل هذا قصرتم في شأنه أو مصدرية عطف على مفعول تعلموا أو موصولة أي: لم تعلموا ما قدمتموه فهو من الفرط وهو التقدم، (فَلَنْ أَبْرَحَ): أفارق (الأَرْضَ): أرض مصر (حَتَّى يَأذَنَ لِي أَبِي): في الرجوع (أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي): بخلاص أخي أو بخروجي أو بالمقاتلة (وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ) فحكمه الحق، (ارْجِعُوا إِلَى أَبيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ): على حسب الظاهر، (وَمَا شَهِدنا): عليه، (إِلا بمَا عَلِمْنَا): بأن رأينا إخراج الصاع من متاعه، (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ): فلا ندري أنه سرق أو دست الصاع في رحله أو ما كنا حين عهدنا أن نأتي به للعواقب عالمين فلم ندر أنه
стр. 912
سيسرق (وَاسْأَلِ القَرْيَةَ)، أي: أرسل مصر واسألهم عن القصة، (الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ)، أي: القافلة، (الَّتِي أَقْبَلْنَا): توجهنا (فِيهَا وَإِنَّا): والله (لَصَادقُونَ قَالَ) أي: لما رجعوا وقالوا ليعقوب ما قالوا قال: (بَلْ سَوَّلَتْ): زَينت وسهلت (لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا): عظيمًا قررتموه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ): أجمل، (عَسَى اللهُ أَن يَأتِيَنِي بِهِمْ): بيوسف وأخيه وأخيهما الذي توقف بمصر (جَمِيعًا): مجتمعين (إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ): بحالي (الحَكِيمُ): في أفعاله (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ): أعرض عنهم كراهة (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ): يا شدة حزني إليه تعالي فهذا أوانك والألف عوض عن ياء المتكلم، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ): عمى من كثرة العبرة التي لا يتمالك فيها نفسه، (فَهُوَ كَظِيمٌ): مملوء من الغيظ على أولاده لا يظهره (قَالُوا تَاللهِ) لا (تَفتَؤُا) بحذف حرف النفي فإنه لا يلتبس بالإثبات لأنه لو كان إثباتًا لابد في جوابه من اللام والنون
стр. 913
المؤكدة أي: لا تزال (تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا): مشفيا على الهلاك أو ذابيًا من الغم أو من المرض مصدر وضع موضع الاسم (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ): الميتين، (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي) هو أصعب هَمٍّ لا يصبر صاحبه على كتمانه فيبثه وينشره إلى الناس، (وَحُزْنِي إِلَى اللهِ): لا إليكم ولا إلى غيركم فخلوني وشكايني، (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ): فإني أعلم أن رؤيا يوسف صدق وإني سوف أسجد له أو أخبره ملك الموت بحياة يوسف (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا): تفحصوا (مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا): لا تقنطوا (مِنْ رَوْحِ اللهِ): من فرجه وتنفيسه (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ): فإن المؤمن لا يزال يطمع في رحمة الله تعالى (فَلَمَّا دَخَلُوا): بعدما رجعوا إلى مصر (عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ): شدة الجوع (وَجِئنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ) رديئة أو قليلة كانت دراهم رديئة أو الغرايئر والحبائل أو الصوف والأقط أو حبة الخضراء أو الأدم والنعال، (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ): أتمه لنا، (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا): برد أخينا أو بقبض هذه البضاعة المزجاة أو بالزيادة على ما يساويها، (إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ): أحسن الجزاء، (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ): قُبْحَ (مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ): فرقتم بينهما وذللتموه حتى لا يستطيع أن يتكلم
стр. 914
بينكم بعد فقد يوسف إلا بذلة (إِذْ أَنتمْ جَاهلُونَ): فإن فعلكم فعل الجهال (قَالُوا أَئِنَّكَ) استفهام تقرير (لأَنتَ يُوسُفُ) وضع التاج وكان فوق جبهته مثل شامة بيضاء وكانت لسارة ويعقوب مثلها فعرفوه أو هو من وراء ستر فرفع الحجاب فعرفوه، (قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي): من الأبوين ذكره لتعريف نفسه ولإدخاله في قوله: (قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا): بالوصال (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ): الله، (وَيَصْبِرْ): على المصائب (فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي: أجره لإحسانه بالجمع بين الصبر والتقوى (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ): اختارك، (اللهُ عَلَيْنَا): بالعلم والحسن (وَإِنْ كُنَّا): إن شأننا إنا كنا (لَخَاطِئِينَ): مذنبين (قَالَ لاَ تَثْرِيبَ): لا تعيير ولا مؤاخذة (عَلَيْكُمُ اليَوْمَ) متعلق بمتعلق الخبر أي لا مؤاخذة في هذا اليوم فكيف بما بعده من الأيام أو المراد من اليوم الدنيا أي: لا مؤاخذة في الدنيا وأما في الآخرة فبِيَدِ الله ولذلك قال، (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) دعا لهم بالمغفرة، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ): فإنه يغفر الصغائر والكبار (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا) أي: القميص الذي كان عليه، (فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي
عاد (بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ): بتعليمه (مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ): يعقوب (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي): أخَّر الدعاء إلى السحر أو إلى ليلة الجمعة أو إلى أن يستحل لهم من يوسف، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ): في موضع خارج عن البلد حين استقبلهم بوسف وأهل مصر (آوَى): ضم (إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ): أباه وخالته فإن أمَّه ماتت وعن بعض السلف أن أمه في حياة، (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ): من القحط والمكاره فالاستثناء متعلق بالدخول المكيف بالأمن، (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ): السرير (وَخَرُّوا لَهُ سُجًدًا): أبواه وإخوته وكان سجود التعظيم شائعًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرم في هذه الملة الغراء وجعل السجود مختصًّا بجناب الرب تعالى شأنه قال بعضهم: المراد من السجود الانحناء، وعن بعضهم معناه: خروا لله تعالى سجدًا شكرًا له والأول أصح، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قبْلُ): الشمس والقمر أبواي وأحد عشر كوكبًا إخوتي (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا): صدقًا وكان بين رؤياه وتأويله أربعون سنة أو ثمانون سنة أو خمس وثلاثون سنة أو ثماني
стр. 918
عشرة سنة والله تعالى أعلم، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ): ولم يذكر الْجُبَّ لأنه وعد مع إخوته لا تثريب عليكم بعد هذا، وأيضًا عد لهم نعمًا غير معلومة لهم وإخراجه من الْجُبِّ معلوم لإخوته (وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ): البادية فإنهم كانوا أهل بادية ومواشي (مِنْ بَعْدِ أَن نَزَغَ): أفسد (الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ): تدبيره (لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ): بالأمور (الحَكِيمُ): الذي لا يفعل إلا على وفق الحكمة (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) أي: بعضه وهو ملك مصر (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ): بعض تعبير الرؤيا (فَاطِرَ): مبدع (السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، منصوب بالمنادى (أَنتَ وَلِيِّي): ناصري ومتولي أمري (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي): اقبضني (مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): من آبائى وغيرهم سأل الوفاة على الإسلام واللحاق
стр. 919
بالصالحين إذا حان أجله وانقضى عمره وكلام بعض السلف وهو أنه ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ﵇ يشعر بأنه سأل منجزًا وهو جائز في ملتهم ويحتمل أن مراده أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام كما أن نوحًا ﵇ أول من قال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ) الآية [نوح: ٢٨]، وقالوا: أقام يعقوب عند يوسف أربعًا وعشرين سنة ثم مات وحمل جسده الشريف عند أبيه إسحاق ﵇ بالشام، (ذَلِكَ) أي: نبأ يوسف (مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ نوحِيهِ إِلَيْكَ): يا محمد (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ): لدى إخوة يوسف (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ): عزموا على أمرهم (وَهُمْ يَمْكرونَ). بيوسف وهذا كالدليل على أنه بالوحي لأنه لم تكن عندهم وما كان أحد من قومك يعلمه فيعلمك (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ): على إيمانهم (بِمُؤْمِنِينَ): لعنادهم وعدم إرادة الله تعالى قال بعضهم: نزلت حين سألت قريش واليهود عن قصة يوسف فلما أخبرهم رجاء إيمانهم، (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ): على تبليغ الوحي (مِنْ أَجْرٍ): من جعل، (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ): عظة، (لِلْعَالَمِينَ): عامة لا تختص بهم.
* * *
(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
والأرض؟ قالوا: الله وهم يشركون به، وعن الحسن البصري أن هذا في المنافقين قال بعض السلف: ثمة شرك آخر لابد أن تشعره وهو الرياء (أَفَأَمِنُوا أَن تَأتِيَهُمْ غَاشيَةٌ منْ عَذَابِ اللهِ): عقوبة تغشاهم وتشملهم (أَوْ تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغتَةً): فجأَة مفعول مطلق (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ): فلا يستعدون لها، (قُلْ هَذِهِ) أي: الدعوة إلى التوحيد (سَبِيلِي): طريقتي (أَدْعُو إِلَى اللهِ): بيان وتفسير للسبيل (عَلَى بَصِيرَةٍ): معرفة وحجة (أَنَا): تأكيد لضمير أدعو، (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) أى: من آمن بى أيضًا يدعوا إلى الله تعالى، قال بعضهم: تم الكلام عند قوله: (إلى الله) و (على بصيرة) خبر (أنا) وما عطف عليه (وَسُبْحَانَ اللهِ) أي: قل أنزهه تنزيهًا عن الشريك (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ): يا محمد (إِلَّا رِجَالًا): لا نساء ولا ملائكة (نُوحِي إِلَيْهِمْ): كما أوحينا إليك (مِّنْ أَهْلِ القُرَى) فإن أهلها أعقل من أهل البادية، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): من الأمم المكذبة فيعتبروا (وَلَدَارُ): الحياة (الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): الشرك، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ):
стр. 922
يستعملون عقولهم فيؤمنوا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) متعلق بما دل عليه الكلام كأنه قيل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا فتراخى نصرهم وتطاول عهدهم في الكفار حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، أو استيأسوا من نصرهم (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) فيه قراءتان التخفيف والتشديد وعلى الأول: الضمائر كلها لمن أُرسل الرسل إليهم فإن الرسل دال عليهم وحاصله أنهم حسبوا كذب الرسل في الوعيد والوعد والضمائر للرسل يعني قد خطر بخواطرهم خلف الوعد من الله تعالى في نصرهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما لأنَّهُم كانوا بشرًا وتلا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ) [البقرة: ٢١٤]، وقيل معناه: ظنوا كذب القوم بوعد الإيمان وخلف وعدهم وعلى الثاني، الضمائر للرسل والظن بمعنى اليقين وهو شائع أي: أيقنوا تكذيب القوم لهم أو بمعناه أي: ظنوا أنَّهم يكذبهم من آمن بهم أيضًا يرتد عن دينهم لاستبطاء النصر (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نشَاء) وهم أتباع الأنبياء، (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا) أي: عذابنا (عَنِ القَوْمِ الُمجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ): قصص المرسلين مع قومهم أو قصص يوسف وإخوته (عِبْرَةٌ): عظة (لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ): القرآن، (حَدِيثًا يُفْتَرَى): يختلق، (وَلَكِن) كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ): من الكتب السماوية (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ): يحتاج إليه العباد من أمر الدين (وَهُدًى): من الضلال (وَرَحْمَةً): ينال بها خير الدارين (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ): يصدقونه.
اللهم اجعلنا منهم.
* * *
(المر) عن ابن عباس ﵄: أنا الله أعلم وأرى (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) أي: تلك الآيات التي في هذه السورة آيات القرآن، (وَالّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ): القرآن كله، (الحَقُّ) لا هذه السورة وحدها وهو خبر والذي (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) لما فيهم من العناد، (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ) أي: أساطين جمع عماد أو عمود (تَرَوْنَهَا)، صفة لـ عمد، وعن بعض السلف أن لها عمدًا ولكن لا ترى، أو استئناف للاستشهاد لرؤيتهم للسماوات كذلك فضمير المؤنث حينئذ للسماوات (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)،
стр. 925
قال السلف: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، وقيل: علا عليه (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ذللهما لما أراد منهما (كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مسَمًّى) أي: لدرجاتهما
стр. 926
ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، أو إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا (يدَبِّرُ الأَمْرَ): جميع أمور ملكوته (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ): يوضحها، وينزلها مفصلة (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ): لكي تتفكروا فيها فتعلموا كمال قدرته بحيث لا يعجز عن الإعادة والجزاء (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ): بسطها، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ): جبالاً ثوابت (وَأَنهَارًا): ضمها مع الجبال فإنها تخرج من الجبال أكثرها (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، ظرف لقوله: (جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي: صنفين أسود وأبيض، أكبر وأصغر، حلوًا وحامضًا قيل: أول ما خلق العالم خلق من كل نوع من الأشجار اثنين فقط كما خلق الإنسان من زوجين (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ): يلبسه مكانه فيصير مظلمًا بعدما كان مضيئًا، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ): فيما فيها من الصنائع والبدائع، (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ متَجَاوِرَاتٌ): بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى سبخة صلبة إلى رخوة ومن غير ذلك وهي دالة على قدرته واختياره (وَجَنَّاتٌ): بساتين، (مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ) هي: نخلة لها رأسان وأصلهما واحد (وَغَيْرُ صِنْوَان): مختلفة الأصول (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ): في الثمر طعمًا وشكلًا، ورائحة وقدرًا مع أنها تستمد من طبيعة واحدة وهي الماء، بل وبعضها من أصل واحد فسبحانه من قادر ومختار (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): يستعملون عقولهم، (وَإِن تَعْجَبْ):
стр. 927
يا محمد من إنكارهم النشأة الآخرة، (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) أي: فعجبت في موضعه حقيق بأن تتعجب، أو أن تعجب من تكذيبهم إياك، بعد ما حكموا بصدقك فاعجب
стр. 928
من قولهم أو إن تعجب من شيء فاعجب من قولهم: (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا) مرفوع بأنه بدل من قولهم أو منصوب به وإذ نصب بما دل عليه قوله: (أَئنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ): هم الكاملون في الكفر (وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ): يوم القيامة يسحبون بها في النار، (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ): بالعقوبة، (قَبْلَ الحَسَنَةِ) أي: العافية سألوا نزول العذاب استهزاء أو يطلبون النقمة لا النعمة كقولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (وَقَدْ خَلَتْ) مضت (مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ): عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ) أي: لذو إمهال وستر (عَلَى ظُلْمِهِمْ): على كفرهم ومعاصيهم، وإن فسرت المغفرة بالعفو فعلى ظلمهم حال ولابد أن يفسر الظلم بمعاصي غير الكفر، ولا يناسب المقام فإنه إن
стр. 929
فسرت بما يعمه فلا يخفى أن العفو من غير توبة فلا يصح بمذهب، وإن كان بعد التوبة فلا يلائم، لأنَّهُم بعد التوبة ليسوا على الظلم (وَإِنّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ): لمن شاء (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا): هلا، (أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، لم يعتدوا بالآيات الباهرات واقترحوا مثل ما أوتي موسى وعيسى، (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ): لا عليك الإتيان بما اقترحوا كجعل الصفا ذهبًا (وَلِكُل قَوْمٍ هَادٍ): نبي مخصوص يدعوهم إلى الهدى، أو معناه أنت منذر ولكل قوم هاد يهديهم إذا أراد، وهو الله، وعن بعض السلف الهادي علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - وأيضًا في ذلك حديث؛ لكن قيل فيه نكارة شديدة.
* * *
(اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)
(اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) من ذكر وأنثى سوى الخلق أو ناقصه، واحد وأكثر (وَمَا تَغِيضُ): تنقص، (الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ): في مدة الحمل أو عدد الولد أو المراد نقصان غذاء الولد وازدياده وهو دم الحيض وغاض وازداد جاءا لازمين ومتعديين، فإن كانا لازمين تعين أن يكون ما مصدرية (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ): بقدر معلوم وحد لا يجاوزه، وعنده ظرف للمقدار، (عَالِمُ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ)، ما غاب عن الخلق وحضر (الكَبِيرُ): العظيم القدر، (الْمُتَعَالِ): المستعلي على كل شيء أو متعال عما لا يليق بكماله (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) كما يحيط علمه بعلانيته يحيط بسره (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ): طالب للخفاء، (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ): بارز به يراه كل أحد، وهو إما عطف على من أو على مستخف على أن من في معنى الاثنين كأنه قال: سواء منكم اثنان مستخف وسارب، (له) الضمير لمن، أي: لمن أسر وجهر واستخفى وسرب (مُعَقِّبَاتٌ): ملائكة يعقب بعضهم بعضًا في الليل والنهار (مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ): ملكان من قدامه وورائه (يَحْفَظُونهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ): من بأسه وبلائه، أو من أجل أمر الله وبإذنه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وعن بعض السلف المعقبات الحرس حول السلطان يحفظونه بزعمهم من أمر الله قيل: مراده بهذا أن حرس الملائكة تشبه حرس هؤلاء لملوكهم (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ): من النعمة أو النقمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ): من
стр. 932
الأحوال الجميلة أو القبيحة وقد ورد " قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجال ببادية كانوا على ما كرهته من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي ما يحبون من رحمتي " (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ): لا راد له (وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ): يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء (هُوَ الّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) نصبهما بالمفعول له بتقدير إرادة خوف وطمع، أو التأويل بالإخافة والإطماع، وعن بعض السلف الخوف للمسافر والطمع للمقيم (وَيُنْشِئُ): يخلق، (السَّحَابَ الثِّقَالَ): من كثرة الماء، (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ) هو اسم لهذا الصوت أو لملك موكل بالسحاب (بِحَمْدِهِ): متلبسًا بحمده (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ): من خوف الله تعالى، (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا): فيهلك، (مَن يَشَاءُ وَهُمْ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ) يكذبون آياته ورسله، والواو للحال أو للعطف نزلت في كافر قال: مم ربك؟ من ذهب أو فضة أو لؤلؤ، وهو يجادل إذ أخذته صاعقة فأحرقته (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ): الحول أو القوة أو الأخذ أو المحال المماحلة وهي شدة
стр. 933
المماكرة والمكائدة (له): لله (دَعْوَةُ الحَقِّ): دعوة الحق التوحيد، وقيل: معناه العبادة والدعاء الحق لا الباطل، كان له لا لغيره (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ): الأصنام، (مِن
стр. 934
دُونِهِ): من دون الله - تعالى، أو المراد من الذين الأصنام، أي: الأصنام الذين يدعونهم من دون الله (لاَ يَسْتَجِيبُونَ) أي: الأصنام (لَهُمْ): لعبادهم، (بِشَيْء إِلَّا كَبَاسِطِ): إلا استجابة كاستجابة من بسط (كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ): يطلب منه أن يبلغ، (فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) لأن الماء جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر أن يصل إلى فيه كالأصنام وعن بعض السلف كمثل الذي يناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدا، فكيف يبلغ فاه؟! وعن بعض معناه مثلهم كمثل من بسط كفيه ناشرًا أصابعه والماء لا يبقى في الكف إذا نشرت الأصابع (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ): فى ضياع لا منفعة فيه أو ما دعاؤهم ربّهم إلا في ضلال؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى (وَلله يَسْجُدُ): ينقاد ويخضع (مَن فِي السَّمَاوَاتِ): الملائكة، (وَالأَرْضِ): الثقلين (طَوْعًا وَكَرْهًا) نصبهما بالمفعول له أو بالحال قيل: المراد من السجدة وضع الجبهة وهو من المؤمنين بالطوع ومن الكفرة وقت الضرورة قيل: اللفظ عام والمراد منه الخصوص (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ): في هذين الوقتين يسجد ظلال الكافر والمؤمن بكيفية لا تُعرف، وهل يبعد أن يخلق الله - تعالى - في الظلال عقولاً يسجد لخالقه كما خلق في الجبال وتجلى له والمأوَّلة يأولونها إلى تصريفه إياها بالمد والتقليص فقالوا: تخصيص الوقتين لأن المد والتقليص فيهما أظهر والأظهر أن بالغدو ظرف ليسجد والتخصيص لأنهما أشرف أوقات العبادة أو المراد بهما الدوام (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ) أجاب عنهم فإنهم مضطرون إلى هذا
стр. 935
الجواب (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) ألزمهم بأنكم [تتخذون] الأصنام ربَّا مع أنكم تُسلِّمون أن الله - تعالى - رب السمماوات والأرض (لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا): لا يقدرون على أن ينفعوا أنفسهم ويدفعوا عنها ضرًّا، فكيف يملكون لكم؟! (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ): فلا يستوي المؤمن والكافر، وقيل المراد: هل يستوى الإله الغافل عنكم والإله المطلع على أحوالكم؟، (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) فلا يستوي الكفر والإيمان، (أَمْ جَعَلُوا لله شُرَكَاءَ): بل أجعلوا والهمزة للإنكار، (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) صفة لشركاء، (فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ): خلق الله وخلق الشركاء، (عَلَيْهِمْ) أي: ما اتخذوا شركاء خالقين حتى يتشابه عليهم الأمر، فيقولوا: هؤلاء خالقون كما أن الله - تعالى - خالق فاستحقوا العبادة أيضًا، بل اتخذوا شركاء من أعجز الخلق، (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ): وحده لا شريك له فلا تشركوا في عبادته غيره، (وَهُوَ الْوَاحِدُ): بالألوهية، (الْقَهَّارُ): الغالب، (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ) جمع واد، وهو موضع يسيل فيه الماء، فنسبة السيل مجاز للمبالغة، (بِقَدَرِهَا) أي: أخذ كل واد بحسبه، فالكبير يسع
стр. 936
الكثير، والصغير يسع القليل، قيل: بمقدارها الذي علم الله أنه نافع، (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا) أي: الزبد الذي يظهر على وجه الماء من غليانه، (رَابِيًا): مرتفعًا على وجه السيل، (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) أي: جواهر الأَرض كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، (ابْتِغَاءَ): طلب، (حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ): كالأواني وآلات الحرث والحرب، (زَبَدٌ مِثْلُهُ) أي: مما توقدون عليه زبد مثل زبد الماء ومن للابتداء أو للتبعيض، (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي: مثلهما، فالحق كالماء الذي ينتفع به الناس بقدر وسع أنهارهم وأوديتهم، ويمكث في الأرض وكالجواهر الأرضية المنتفعة بما في صواغ الحلي والأمتعة عنها ويدوم نفعها والباطل كالزبد الذي ليس له نفع ويزول بسرعة وإن علا بعض الأحيان على الماء الصافي وعلى الجواهر حين أذيبت، وعن بعض السلف أراد من الماء القرآن، ومن الأودية القلوب احتملت القلوب منه على قدر يقينها وشكها فأما الشك فلا ينفع معه العمل وأما اليقين فينفع الله به أهله، وقالوا أيضًا: العمل السيئ يضمحل عن أهله كالزبد لا نفع له ولا يبقى وأما من عمل بالحق كان له ويبقى كما يبقى الماء الصافي والجواهر الخالصة، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي: يرمى به السيل منصوب على الحال، (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ): كالماء الصافي وخلاصة الفلزات، (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) وبه ينتفع
стр. 937
الخلق، (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ): للإيضاح والتبيين، (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ) وهم المؤمنون، (الْحُسْنَى): المثوبة الحسني وهي الجنة مبتدأ، والذين استجابوا خبره، (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ) وهم الكفرة مبتدأ وقوله (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ) خبره، أي: لو كان لهم جميع الدنيا ومثله في دار الآخرة لافتدوا به للتخلص من عذابه، قيل: ضرب المثل لبيان الفريقين، فقوله: " للذين " متعلق بـ يضرب، والحسني صفة مصدر، أي: استجابوا الاستجابة الحسني، وقوله: " لو أنَّ لهم " إلخ ... كلام مبتدأ لبيان مآل الفريق الآخر، (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ): المناقشة فيه وعدم غفر شيء من ذنبه، (وَمَأْوَاهُمْ): مرجعهم، (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) جهنم، أي: المستقر.
* * *
(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)
стр. 938
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)
* * *
(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ): فيؤمن به، (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى): القلب لا يعلم فلا يؤمن، والهمزة لإنكار تشابهما، (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ): العقول السليمة، (الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ): بما أمرهم في كتابه، أو بالعهد الذي أخذ منهم حين أخرجهم من صلب آدم، (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ): ذلك الميثاق أو مطلق الميثاق، (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بهِ أَن يُوصَلَ): من صلة الرحم والإيمان بجميع الرسل ومراعاة الحقوق، (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا): على أمر الله تعالى أو على المصائب، (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ)، طلب مرضاته، (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ): بحدودها وبركوعها وسجودها على الوجه
стр. 939
الشرعي، (وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) يؤدون الزكاة أي: من يجب عليه، (سِرًّا وَعَلَانِيَةً): لم يمنعهم عن ذلك حال من الأحوال في الليل والنهار وفسر بعضهم بوجه يشمل صدقة التطوع وهو الأولى، (وَيَدْرَءُونَ): يدفعون، (بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) أي: بالصالح من العمل السيئ منه، أو يجازون الإساءة بالإحسان، إذا أذاهم أحد قابلوه باللطف، (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ): عاقبة الدنيا وهي الجنة؛ لأنها التي ينبغي أن تكون عاقبة أهلها ومرجعهم، (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدل من عقبى الدار، والعدن الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، أو في الجنة قصر يقال له عدن له خمسة آلاف باب، أو مدينة من الجنة فيها الأنبياء والشهداء وأئمة الهدى والناس حولهم بعد، والجنات حولها، (يَدْخُلُونَهَا) صفة جنات عدن، (وَمَن صَلَحَ) عطف على فاعل يدخلون وجاز للفصل بالضمير، (مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذريَّاتِهِمْ) يعني يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغهم كرامة لهم، (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ): من أبواب منازلهم للتهنئة قائلين (سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرتمْ) متعلق بما تعلق عليه عليكم أو تقدير هذه بما صبرتم والباء
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) كما قالوا: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: ٥]، حتى نعلم حقيقتها فنؤمن بها، (قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) كما أضلكم بأن طلبتم الآية بعد تلك الآيات البينات، (ويَهْدِي إِلَيْهِ): يرشد إلى دينه (مَنْ أَنَابَ): من أقبل إليه ورجع عن العناد وحاصل الجواب أن الله أنزل آيات بينات دالة على صدقه بأوضح وجه لكن الله تعالى هو المضل والهادي وقد أضلكم الله تعالى فلا تهتدون إلى تلك الآيات، بل وإن أنزلت كل آية ما اهتديتم بها، (الَّذِينَ آمَنوا)، بدل من " مَنْ "، (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بذِكرِ اللهِ): بالقرآن فلا يشكون فيه أو تطيب وتسكن قلوبهم عند ذكره أُنسًا به، (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ): تسكن إليه ويزول عنها القلق، وعن ابن عباس هذا في الحلف إذا حلف المسلم في شيء يشك أخوه المسلم فيه اطمئن قلبه، (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مبتدأ، (طُوبَى لَهُمْ) خبره وهو مصدر لطاب كبشرى قلبت ياؤه واوًا [لضمة ما قبلها] (١)، عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أي: فرح وقرة عين، أو اسم الجنة بلغة الحبشة، أو شجرة في الجنة، وذكروا في وصفها ما يطول الكتاب بذكره، (وَحُسْنُ مَآبٍ) أي: حسن النقلب، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن، (أَرْسَلْناكً فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ): مضت، (مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ
стр. 942
الذي أوحينا إليك) أي: القرآن، (وهم) الواو للحال، (يكفرون بالرحمن): بالبليغ الرحمة، لا يشكرونه، نزلت في قريش حين قيل لهم: " اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " [الفرقان: ٦٠]، أو في أبي جهل حين قال: إن محمدًا يدعو إلهين الله وإلهًا آخر يسمى الرحمن، (قل هو) أي الرحمن (ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب): مرجعى، (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) عن مقارها وزعزعت عن مضاجعها، (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ): حتى تتصدع وتزايل قطعًا أو شققت فجعلت أنهارًا وعيونًا، (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)، فتسمع وتجيب وجواب لو محذوف، أي: لكان هذا القرآن ومع هذا هؤلاء المشركون كافرون به، وقال بعضهم: تقديره لما آمنوا به، فقد نقل في سبب نزوله أنَّهم قالوا: يا محمد لو سيرت لنا جبال مكة حتى يتسع أو قطعت بنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان لعيسى، وقيل: جواب لو ما يدل عليه وهم يكفرون بالرحمن، وقوله (قل هو ربي) بينهما اعتراض، (بَلْ لله الْأَمْرُ جَمِيعًا) هو إضراب عن معنى النفي الذي تضمنه لو أي: بل لله القدرة على كل شيء، لو يشأ إيمانهم لآمنوا به وإذا لم يشأ لا ينفعهم إتيان ما اقترحوا من الآيات، (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا): عن إيمانهم
стр. 943
ولم ينقطع رجاؤهم عنه مع ما عاينوا من لجاجهم، (أن لو يشاء الله) متعلق بمحذوف، أي: علمًا منهم أن لو يشاء الله - تعالى، (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) وقيل: متعلق بـ آمنوا، وفسر أكثر السلف أفلم ييأس بـ أفلم يعلم، فقيل: هو بمعنى العلم في لغة النخع، أو هوازن، وقيل فسروه به؛ لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين أفلم يتبين الذين آمنوا، قيل: نزلت حين أراد المسلمون أن تظهر آية مما اقترحوا، ليجتمعوا على الإيمان، (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا): من خبائث أعمالهم، (قارعة): داهية تفزعهم وتقلقهم، (أو تحل قريبًا من دارهم) أو تصيب القارعة مَن حولهم، كما قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى) الآية [الأحقاف: ٢٧]، (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ): الموت أو القيامة وعن بعض السلف، أن المراد من الذين كفروا أهل مكة ومن القارعة السرية التي يبعث النبي ﷺ إليهم، أو عذاب من السماء ينزل إليهم، أو تحل أنت يا محمد بنفسك قريبًا من دارهم وتقاتلهم حتى يأتي وعد الله - تعالى - أي: فتح مكة، (إن الله لا يخلف الميعاد).
* * *
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لله شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)
стр. 944
لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)
* * *
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا): أطلت لهم المدة، (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) أي: عقابي إياهم وهذا تسلية لنبينا ﵇، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ): رقيب، (عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ): من خير وشر فيحفظها ويجازيها والخبر محذوف، أي: كمن لا يكون كذلك والهمزة لإنكار المساواة، (وَجَعَلُوا لله شُرَكَاءَ) عطف على كسبت أو استئناف، وقيل: نقدر الخبر المحذوف لم يوحدوه فقوله وجعلوا عطف عليه، وقيل تقديره أفمن هو قائم على كل نفسٍ) موجود وقد جعلوا لله شركاء فعلى هذا الواو للحال، (قُلْ سَمُّوَهُمْ)
стр. 945
بأسماء من القادر أو الرازق، أو الخالق، أو القاهر أو غيرها من مثل أسماء الله الحسنى حتي تعرفوا أنهم غير مستحقين للعبادة، (أَمْ)، أي: بل، (تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ)، أي: تخبرون الله تعالى - بشركاء لا يعلمهم، (في الْأَرْضِ) وهو العالم بكل شىء، (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) أي: أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول لا حقيقة له أصلاً، (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ): كيدهم وما هم عليه من الضلال، (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ): عن طريق الهدى، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): بالقتل والأسر وغيرهما، (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ): يقيهم ويمنعهم منه، (مَثَلُ الجَنَّةِ) أي: صفتها التي هي مثل في الغرابة، (الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) من الشركَ وهو مبتدأ خبره مقدر أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة وقوله (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) حال من العائد المحذوف من الصلة أو هو خبر مثل الجنة كقولك: صفة زيد أسمر أو تقديره مثل الجنة جنة تجرى، (أُكُلُهَا دَائِمٌ): لا ينقطع نعيمها، (وَظِلُّهَا): كذلك، (تِلْكَ) أي: هذه الجنة، (عُقْبَى): مآل، (الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) المراد مسلموا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، (يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ): من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه، (وَمِنَ الأَحْزابِ) أي: ومن أحزاب اليهود والنصارى، (مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ) أي: ما يخالف كتبهم أو رأيهم،
стр. 946
قال بعضهم: هذا في مؤمني أهل الكتاب حزنوا بقلة ذكر لفظ الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما نزل " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " [الإسراء: ١١٠]، فرحوا وكفر المشركون به، فقالوا: وما الرحمن، (قل): لهم، (إنما أمرت أن أعبد الله): وحده، (ولا أشرك به إليه أدعو): لا إلى غيره، (وإليه): لا إلى غيره، (مئاب): مرجعي للجزاء، يعني قل لهم: هذا شغلي وأمري حتى يعلموا أن إنكارهم إنكار عبادة الله مع ادعائهم واتفاقهم وجوبها، (وكذلك) أي: كما أنزلنا على قلبك الكتاب بلغاتهم، (أنزلناه) أي: القرآن حال كونه، (حكمًا عربيًا): حكمه مترجمة بلسان العرب، قال بعضهم: سماه حكمًا، لأنه منه يحكم في الوقائع، أو لأن الله تعالى حكم على الخلق بقبوله، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ): بحقيقة ما معك وبطلان ما معهم، (مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ): ينصرك، (وَلَا وَاقٍ): يمنع العقاب عنك وهذا في الحقيقة وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة.
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ
стр. 947
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلله الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً): نساء وأولادًا كما هي لك، قيل: نزلت حين قال المشركون أو اليهود: ليست همة هذا الرجل إلا في النساء، (وَمَا كَانَ): ما صح، (لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ): خارقة للعادة، (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) قيل: هذا جواب لسؤالهم توسيع مكة، (لِكلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) أي: لكل مدة مضروب كتاب مكتوب بها وكل شيء عنده بمقدار، (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيثْبِتُ)، أي: ينسخ الله تعالى ما يشاء من الأقدار ويثبت منها ما يريد، عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره يمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة، والموت
стр. 948
وعن كثير من السلف: أنهم يدعون بهذا الدعاء اللهم إن كتبتنا أشقياء فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ولكل وقت حكم يكتب على عباده فيمحوا ما يشاء ويثبت بنسخ ما يستصوب نسخه، وإثبات ما يقتضيه حكمته، أو فيه تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أي: منزل من السماء مدة مضروبة عند الله - تعالى - يمحو ما يشاء ويثبت حتى نسخت كلها بالقرآن، ويمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت بدلها الحسنات أو هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى ثم يعود بمعصيته فيموت على الضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت ما يشاء فلا يغفرها، أو يمحو الذنوب بالتوبة ويثبت هو الرجل يعمل بطاعته ويموت عليها أو يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة كالمباحات ويثبت ما يتعلق به جزاء، أو قالت: قريش حين نزلت وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه تخويفًا ووعيدًا لهم، (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) هو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، عن ابن عباس - رضى الله عنهما - الكتاب كتابان، كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وكتاب لا يغير منه شيء، أو المراد منه علم الله - تعالى، (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)، أي:
стр. 949
كيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم من عذابهم، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): قبل نزول عذابهم، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ): ما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة، (وَعَلَيْنَا): لا عليك، (الحسَابُ)، أي: حسابهم وجزاؤهم فلا تستعجل بعذابهم ولا يهمنك إعراضهم، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ): أرض الكفر، (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا): بما نفتح على المسلمين من بلادهم ونزيد في دار الإسلام وما ذلك إلا من آيات نصرتهم، وقال بعضهم معناه: أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها فنخربها من أطرافها ونهلك أهلها، أو ننقص أهلها وثمارها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك، أو نقصانها موت علمائها وذهاب فقهائها، (وَاللهُ يَحْكُمُ): بما يشاء، (لَا مُعَقِّبَ): لا راد (لِحُكْمِهِ) والنفي مع المنفي في موضع الحال، أي: نافذًا حكمه، (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا، (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: الكفار الذين من قبل مشركي أهل مكة مكروا بأنبيائهم، (فَلله الْمَكْرُ جَمِيعًا)، فإن مكر الماكرين في جنب مكر الله تعالى كلا مكر، فإنه القادر
стр. 950
على ما هو المقصود منه دون غيره، أو هو خالق جميع المكر فلا يضر مكر إلا بإذنه، فلا تخف إلا من الله تعالي، (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ)، ويعد لها الجزاء، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ): لمن تكون الدائرة والعاقبة المحمودة لهم أو للمسلمين في الدنيا والآخرة، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، هم من اليهود والنصارى، فإنهم عرفوا حقيته في التوراة والإنجيل، أو من عنده علم الكتاب هو الله تعالي ويؤيده قراءة من قرأ (مِن عندِه) بكسر الميم والدال قال بعضهم المراد مؤمنوا أهل الْكِتَاب، ثم اعترض عليه بأن هذه الآية مكية ومن آمن منهم ما آمن إلا بعد الهجرة والله أعلم.
* * *