← Тафсир

Тафсир · id 29743

تفسير الإيجي جامع البيان في تفسير القرآن

الإيجي، محمد بن عبد الرحمن

Полный текст (2 266 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قال بعضهم: هذا في مؤمني أهل الكتاب حزنوا بقلة ذكر لفظ الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما نزل " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " [الإسراء: ١١٠]، فرحوا وكفر المشركون به، فقالوا: وما الرحمن، (قل): لهم، (إنما أمرت أن أعبد الله): وحده، (ولا أشرك به إليه أدعو): لا إلى غيره، (وإليه): لا إلى غيره، (مئاب): مرجعي للجزاء، يعني قل لهم: هذا شغلي وأمري حتى يعلموا أن إنكارهم إنكار عبادة الله مع ادعائهم واتفاقهم وجوبها، (وكذلك) أي: كما أنزلنا على قلبك الكتاب بلغاتهم، (أنزلناه) أي: القرآن حال كونه، (حكمًا عربيًا): حكمه مترجمة بلسان العرب، قال بعضهم: سماه حكمًا، لأنه منه يحكم في الوقائع، أو لأن الله تعالى حكم على الخلق بقبوله، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ): بحقيقة ما معك وبطلان ما معهم، (مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ): ينصرك، (وَلَا وَاقٍ): يمنع العقاب عنك وهذا في الحقيقة وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة. * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ

стр. 947

وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلله الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣) * * * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً): نساء وأولادًا كما هي لك، قيل: نزلت حين قال المشركون أو اليهود: ليست همة هذا الرجل إلا في النساء، (وَمَا كَانَ): ما صح، (لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ): خارقة للعادة، (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) قيل: هذا جواب لسؤالهم توسيع مكة، (لِكلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) أي: لكل مدة مضروب كتاب مكتوب بها وكل شيء عنده بمقدار، (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيثْبِتُ)، أي: ينسخ الله تعالى ما يشاء من الأقدار ويثبت منها ما يريد، عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره يمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة، والموت

стр. 948

وعن كثير من السلف: أنهم يدعون بهذا الدعاء اللهم إن كتبتنا أشقياء فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ولكل وقت حكم يكتب على عباده فيمحوا ما يشاء ويثبت بنسخ ما يستصوب نسخه، وإثبات ما يقتضيه حكمته، أو فيه تقديم وتأخير تقديره لكل كتاب أي: منزل من السماء مدة مضروبة عند الله - تعالى - يمحو ما يشاء ويثبت حتى نسخت كلها بالقرآن، ويمحو الله ما يشاء من ذنوب عباده فيغفرها ويثبت بدلها الحسنات أو هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى ثم يعود بمعصيته فيموت على الضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت ما يشاء فلا يغفرها، أو يمحو الذنوب بالتوبة ويثبت هو الرجل يعمل بطاعته ويموت عليها أو يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفظة كالمباحات ويثبت ما يتعلق به جزاء، أو قالت: قريش حين نزلت وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه تخويفًا ووعيدًا لهم، (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) هو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، عن ابن عباس - رضى الله عنهما - الكتاب كتابان، كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وكتاب لا يغير منه شيء، أو المراد منه علم الله - تعالى، (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)، أي:

стр. 949

كيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم من عذابهم، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ): قبل نزول عذابهم، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ): ما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة، (وَعَلَيْنَا): لا عليك، (الحسَابُ)، أي: حسابهم وجزاؤهم فلا تستعجل بعذابهم ولا يهمنك إعراضهم، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ): أرض الكفر، (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا): بما نفتح على المسلمين من بلادهم ونزيد في دار الإسلام وما ذلك إلا من آيات نصرتهم، وقال بعضهم معناه: أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها فنخربها من أطرافها ونهلك أهلها، أو ننقص أهلها وثمارها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك، أو نقصانها موت علمائها وذهاب فقهائها، (وَاللهُ يَحْكُمُ): بما يشاء، (لَا مُعَقِّبَ): لا راد (لِحُكْمِهِ) والنفي مع المنفي في موضع الحال، أي: نافذًا حكمه، (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ): فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا، (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: الكفار الذين من قبل مشركي أهل مكة مكروا بأنبيائهم، (فَلله الْمَكْرُ جَمِيعًا)، فإن مكر الماكرين في جنب مكر الله تعالى كلا مكر، فإنه القادر

стр. 950

على ما هو المقصود منه دون غيره، أو هو خالق جميع المكر فلا يضر مكر إلا بإذنه، فلا تخف إلا من الله تعالي، (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ)، ويعد لها الجزاء، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ): لمن تكون الدائرة والعاقبة المحمودة لهم أو للمسلمين في الدنيا والآخرة، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)، هم من اليهود والنصارى، فإنهم عرفوا حقيته في التوراة والإنجيل، أو من عنده علم الكتاب هو الله تعالي ويؤيده قراءة من قرأ (مِن عندِه) بكسر الميم والدال قال بعضهم المراد مؤمنوا أهل الْكِتَاب، ثم اعترض عليه بأن هذه الآية مكية ومن آمن منهم ما آمن إلا بعد الهجرة والله أعلم. * * *

стр. 951

سورة إبراهيم مكية وهي اثنتان وخمسون آية وسبع ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) * * * (الر كِتَابٌ) أي: هو كتاب، (أَنزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ): بدعوتك إياهم إلى ما فيه، (مِنَ الظُّلُمَاتِ): أنواع الضلال، (إِلَى النُّورِ): الهدى، (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ): بأمره وتوفيقه، (إِلَى صِرَاطِ) بدل من إلى النور، (العَزِيزِ): الغالب، (الحَمِيدِ): المستحق للحمد، (اللهِ) عطف بيان للعزيز وعلى قراءة الرفع مبتدأ خبره قوله: (الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) أو خبر مبتدأ محذوف والذي صفته، (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) والويل اسم معنى كالهلاك، (الَّذِينَ

стр. 952

يَسْتَحِبُّونَ): يختارون، (الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): يمنعون الناس عن دين الله تعالى، (وَيَبْعونَهَا عِوَجًا)، أي: يطلبون لها الاعوجاج، ويقولون للناس: إنَّهَا معوجة بحذف الجار وإيصال الفعل، (أُوْلَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ): عن الحق ووصفه بالبعد مع أنه في الحقيقة للضال للمبالغة، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلا بِلِسَانِ): بلغة، (قَومِهِ): الذي هو بعث فيهم، (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ): ما أمروا به فيفهموه بلا كلفة ورسول الله ﷺ وإن بعث إلى الأحمر والأسود بصرائح الدلائل، لكن الأولى أن يكون بلغة مَن هو فيهم حتى يفهموا ثم ينقلوه ويترجموه لغيرهم، (فيضِل الله من يَشَاء) أي: بعد البيان، (وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ): باتباعه، (وَهُوَ الَعَزِيزُ): الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، (الحَكِيمُ): في أفعاله فيضل من يستحق الإضلال، ويهدى من هو أهل الهداية، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) كاليد والعصا، (أَنْ أَخْرِجْ) أي: بأن أخرج أو أن مفسرة ففي الإرسال معنى القول، (قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ): بنعمائه عليهم من فلق البحر والإنجاء من يد فرعون وغير ذلك أو بوقائعه في الأمم السالفة، (إِنَّ

стр. 953

فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، أي: ما صنعنا ببني إسرائيل أو ما نزل من البلاء على الأمم عبرة لمن يصبر على بلائه ويشكر لنعمائه، (وَإِذْ قَالَ) أي: واذكر إذ قال، (مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ) ظرف للنعمة بمعنى الإنعام وقيل بدل اشتمال من نعمة الله، (مِّنْ آلِ فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ) أي: والحال أنه يبغونكم، (سُوءَ الْعَذَابِ): أفضحه وهو ثاني مفعوليه، (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ): يتركونهن أحياء، (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ): ابتلاء من حيث إنه أمهلهم فيه أو ذلكم إشارة إلى الإنجاء بمعنى النعمة. * * * (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ

стр. 954

أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) * * * (وَإذْ تَأَذَّنَ) عطف على إذ أنجاكم أي: أذن وأعلم، (رَبُّكُمْ): فقال، (لَئِنْ شَكَرْتُمْ): يا بني إسرائيل نعمتي فأطعتموني، (لَأَزِيدَنَّكُمْ): في النعمة، (وَلَئِن كَفَرتمْ): نعمني، (إِن عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، لمن كفر نعمتي، (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ)، عن خلقه وشكرهم، (حَمِيدٌ)، مستحق للحمد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون، (أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَأُ الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، من الكفار كلام مستأنف من الله تعالى أو من تمام كلام موسى والأول أظهر فقد نقل أن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، (قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: بعد هؤلاء من الأمم المكذبة، (لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلا اللهُ): لا يحصي عددهم لكثرتهم إلا الله تعالى ولهذا قال بعض السلف: كذب

стр. 955

النسَّابون، (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ): المعجزات الواضحات، (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، أي: الكفار عضوها من الغيظ أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما نطقت ألسنتهم به من قولهم: (إنا كفرنا بما أرسلتم به)، أي: هذا جوابنا ليس عندنا غيره أو وضعوا أيديهم على أفواههم كما يفعل ذلك من غلبة الضحك، أي: ضحكوا وتعجبوا ووضعوها عليها مشيرين للأنبياء بالسكوت أو أخذ الكفار أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم أو الرسل لما أيسوا منهم، وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم، وسكتوا ووضعوا الكفار أيدي أنفسهم على أفواه الرسل، ردًّا أو تكذيبًا لهم، أو منعًا لهم من الكلام، أو سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب: رد يده في فيه، (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ)، على زعمكم، (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ): موقع في الريبة، (قَالَتْ): لهم، (رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ)، أي: في تفرده بوجوب العبادة له، (شَكٌّ): فاعل الظرف، (فاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ): لا يستحق العبادة إلا من ابتدعهما من غير مثال سبق، (يدْعُوكُمْ): إلى طاعته، (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، أي: بعض ذنوبكم الذي يُكَفَّر بالإيمان فإن المظالم لا يُكَفَّرُ بالإيمان للذمي خصوصًا، وقيل من

стр. 956

صلة، وقيل بمعنى البدل، (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): فلا يعاجلكم بالعذاب، (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا): فمن أين لكم المتبوعية، (ترِيدُود أَنْ تَصُدُّونَا): تمنعونا، (عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ): حجة ومعجزة ظاهرة دالة على فضلكم وصحة دعواكم كأنهم اقترحوا آيةً أظهر مما جاءوا به من المعجزات، (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نحْنُ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ): في الجنس والصورة، (وَلَكِنَّ الله يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فاختصنا بالنبوة والمتبوعية من فضل الله، (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي: ليس هذا في وسعنا بل شيء يتعلق بمشيئة الله تعالى وإذنه، (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فنحن نتوكل عليه في الصبر على معاداتكم، (وَمَا لَنَا): وأي عذر لنا في، (أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا): طرق الرشاد، (وَلَنَصْبِرَنَّ) جواب قسم محذوف، (عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ونحن متوكلون ومن توكل على أحد فليتوكل على الله لا على غيره أو فليثبت المتوكلون على توكلهم فإنه إذا قيل للمتوكل توكل فمعناه اثبت. * * * (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ

стр. 957

عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) * * * (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) حلفوا بأن لا محالة يكون أحد الأمرين، إما إخراجكم وإما عودكم، والأنبياء ما كانوا على ملة الكفرة، فلذلك قالوا العودة بمعنى الصيرورة، (فأَوْحَى إِلَيْهِمْ) إلي الرسل، (رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ) أي: أرضهم، (مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ) أي: وعدي هذا، (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي)، موقفه بين يدي الله في القيامة، (وَخَافَ وَعِيدِ): تخويفي وعذابي، (وَاسْتَفْتَحُوا)، استنصرت الرسل ربها على قومها وسألوا منه الفتح على أعدائهم أو استفتحت الأمم الفتح كما قالوا: (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ) الآية أو الضمير للرسل والأمم أي: سألوا كلهم نصر المحق وهلاك المبطل، (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ): متكبر معاند للحق كأنه قال استفتحت الرسل فنصروا وأفلحوا وخاب أو استفتح الكافر فلم يفلح وخاب، (مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّم) أي: أمامه

стр. 958

وبين يديه وقيل: من وراءه حياته، (وَيُسْقَى) نقديره من وراءه جهنم يلقى فيها ويسقى، (مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)؛ ما يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم قيل ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر عطف بيان للماء، (يَتَجَرَّعُهُ): يتكلف جرعه يعني يشربه قهرًا، فإنه لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، [وهو صفة لـ ماءٍ] (١) أو حال من ضمير يسقى، (وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ): لا يقارب أن يسيغه، فكيف يكون إلا ساغه وهي جواز الشراب على الحلق بسهولة، (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ) أي: أسبابه من الشدائد، (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ): من جميع جوانبه وقيل: كل مكان من أعضائه، (وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ): ليستريح، (وَمِن وَرَائِه) بين يديه، (عَذَابٌ غَلِيظٌ) أي: له عذاب آخر أدهى وأمر، فإن أنواع عذاب الله تعالى لا يحصيها إلا هو، (مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) مبتدأ، (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ)، خبره أو تقديره فيما يقص عليكم مثل الذين كفروا وقوله أعمالهم كرماد مستأنفة كأنه قيك: كيف أعمالهم؟ فقال: أعمالهم كرماد، أو أعمالهم بدل وكرماد خبره، (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) العصف اشتداد الريح فهو في المبالغة كنهاره صائم يعني لا ينتفعون بأعمالهم ولا يجدونها كرماد ذرته الريح هل يجد أحد منه ذرة، (لا يَقْدِرُونَ): في القيامة، (مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ): لحبوطه، (ذَلِكَ) إشارة إلى عدم وجدان أعمالهم،

стр. 959

(هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) فإنه الغاية في البعد عن الحق، (أَلَمْ تَرَ): يا محمد والمراد خطاب أمته، (أَنْ الله خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) لا بالباطل في خلقه حكم ومصالح، (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) يعدمكم، (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ): يخلق خلقًا آخر مكانكم أطوع منكم فإن من قدر على خلق السماوات والأرض قدر على مثل ذلك، (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ): بمتعسر ومن كان كذلك فحقيق بأن يعبد رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه، (وَبَرَزُوا لله جَمِيعًا): خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا، (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ) الأتباع، (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا): رؤسائهم الذين استكبروا عن عبادة الله - تعالى -، أو تكبروا على الناس، (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا): في الدين جمع تابع، (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ)، دافعون، (عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ) حال ومن للتبيين، (مِنْ شَيْءٍ)، مفعول ومن للتبعيض، (قَالُوا) أي: الرؤساء جوابًا عن الضعفاء، (لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) أي: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم لكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، أو لو هدانا الله ووفقنا للإيمان لهديناكم، أي: إنما أضللناكم لأنا كنا على الضلال، (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) هما مستويان علينا، (مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ): مهرب نقل أن بعض أهل النار قالوا لبعضهم: تعالوا نبكي ونتضرع، فإنما أدركوا الجنة بالبكاء والتضرع، فلما

стр. 960

رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: تعالوا نصبر فإنما أدركوها بالصبر فصبروا صبرًا لم ير مثله، فلما لم ينفعهم قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ). * * * (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) * * * (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ): لما فرغ منه ودخل أهل الجنة الجنة، والنار النار، (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ): وعدًا من حقه الإنجاز أو أنجزه وهو الوعد

стр. 961

بالبعث وأن الناجي من اتبع الرسل، (وَوَعَدتكُمْ) إنه غير كائن والناجي عابد الصنم، (فَأَخْلَفْتُكُمْ)، كما قال (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)، (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ): ليس لي عليكم دليل ولا حجة، أو ليس لي تسلط فألجئكم إلى الآثام، (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ): لكن دعوتكم، (فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ): حيث أجبتموني، وما أطعتم ربكم مع ظهور حجته، (مَّا أَنَا بِمصْرِخِكمْ): بمغيثكم، (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ): بمغيثي، (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ)، أي: إني جحدت وتبرأت أن أكون شريكًا لله - تعالى -، فما مصدرية، ومن متعلقة بـ أشركتموني، أي: كفرت اليوم بإشراككم إياي في الدنيا، وقيل: كفرت بسبب إشراككم إياي في الدنيا، وقيل: ما بمعنى مَن، ومن متعلقة بـ كفرت، أي: كفرت قبل إشراككم، أي: حين أبيت السجود بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى، (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ابتداء كلام من الله، أو تتمة كلام إبليس، (وَأُدْخِلَ) والمُدْخِل الملائكة، (الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 962

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أى: أدخل بأمر الله تعالى وإذنه، (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ): ويحيي بعضهم بعضًا، والملائكة تحييهم بالسلام، (أَلَمْ تَرَ كيْفَ ضَرَبَ اللهُ) أي: قصد، (مَثلاً): ووضعه، (كَلِمَةً طَيِّبَةً) هي كلمة التوحيد، ونصبها بتقدير جعل كلمة، ويكون تفسيرًا لقوله ضرب الله، (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ): هي النخلة أو شجرة في الجنة، (أَصْلُهَا ثَابِتٌ): في الأرض، (وَفَرْعُهَا): غصونها ورأسها، (فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي): هذه الشجرة، (أُكُلَهَا): ثمرها، (كُلَّ حِينٍ) عينه الله تعالى لإثمارها، أو صيف وشتاء، صباح ومساء، (بِإِذْنِ رَبِّهَا): بإرادة خالقها وكلمة التوحيد كشجرة أصلها في أرض قلب المؤمن، وثمرها صوالح أعمال المؤمن، وفرعها في السماء، يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، والشجرة لا تكون شجرة إلا بعرق وأصل وفرع، كذلك الإيمان لا يتم إلا بتصديق وإقرار وعمل، (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) فإن فيها زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني، (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ): هى الشرك، (كَشَجَرَةٍ) أي: كمثل شجرة، (خَبِيثَةٍ) وهي الحنظلة، (اجْتُثَّتْ)

стр. 963

اقتلعت وأخذت جثتها بالكلية، (مِن فَوْقِ الأَرْضِ) لأن عروقها قريبة منه، (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) استقرار، فإن الكفر لا أصل له، ولا يصعد للكافر عمل، (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ): بالحجة عندهم، (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فلا يزلون عنه بحال، (وَفي الْآخِرَةِ): في القبر، عن ابن عباس، من دام على الشهادة في الدنيا، يلقنه الله تعالى إياها في قبره، (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ): لا يلقنهم إياها في قبورهم، فيقولون في جواب الملكين لا ندري، (وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ)، ولا اعتراض. * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لله أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)

стр. 964

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) * * * (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ) أي: نفس نعمته، (كُفْرًا) فإن كفار قريش أنعم الله - تعالى - عليهم بمحمد ﵊ وغيره من النعم، فكفروا ذلك، فسلبت منهم فبقوا مسلوبي النعمة، حاصلاً لهم الكفر بدل النعمة، وقحطوا وأسروا وقتلوا، أو بدلوا شكر نعمته كفرًا بأن وضعوه مكانه، (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ): الذين اتبعوهم، (دارَ البَوَارِ): الهلاك، (جَهَنَّمَ) عطف بيان، (يَصْلَوْنَهَا): يدخلونها حال، (وَبِئْسَ القَرَارُ) أي: بئس المقر جهنم، (وَجَعَلُوا لله أَندَادًا) أمثالاً، (لِّيُضِلوا) الناس، (عَن سَبِيلِهِ) عن دينه، والإضلال نتيجته فجعل غرضًا مثل لدوا للموت، (قُلْ تَمَتَّعُوا) بلذاتكم، (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) والأمر للتهديد، (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا) أي: ليقيموا (الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) منصوبان بالظرفية، أي: وقتي سر

стр. 965

وعلانية، أو على المصدر، أي: اتفاقهما أو على الحال، أي: ذوي سر وعلانية، (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ) فيشتري المقصر ما يتدارك به تقصيره، (وَلَا خِلَالٌ) لا مودة، يعني مودة تكون بميل الطبيعة لكن مودة المتقين لما كانت لله تنفعهم. (اللهُ) مبتدأ، (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) خبره (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمَرَاتِ) أي: بعضها، (رِزْقًا) مفعول له أو حال أو مصدر، فإن أخرج بمعنى رزق، (لَّكُمْ وَسخَّرَ لَكمُ الفلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ) بإرادته، (وَسخَّرَ لَكم) لأجل انتفاعكم، (الأَنْهَارَ وَسخَّرَ لَكم الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) سراجًا ونورًا وحسبانًا وغير ذلك، (دَائِبَيْنِ) وهو مرور الشيء على عادة مطردة، يعني: يجريان لمصالح العباد دائمًا، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ) من تبعيضية، (مَا سَأَلْتُمُوهُ) بلسان القال والحال، (وَإن تَعدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا) لا تطيقوا عدها فضلاً عن القيام بشكرها، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ) على النعمة بترك شكرها، (كَفَّارٌ) لها وقيل: يشكر غير منعمه ويجحده. * * * (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي

стр. 966

زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لله الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١) * * * (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ) مكة شرفها الله - تعالى، (آمِنا) ذات أمن، يذكر الله كفار مكة أنه إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده، (وَاجنبْنِي) بعدني، (وَبَنِيَّ) المراد أبناؤه من صلبه، (أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) أسند إلى السبب، (فَمَن تَبِعَنِي) على ديني، (فَإِنَّهُ مِنِّي) بعضي لفرط اختصاصه بي، (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تقدر أن تغفر له، ولا يجب عليك شيء، قيل: معناه ومن عصاني فيما دون الشرك أو إنك غفور بعد الإنابة، (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعضها أي: إسماعيل، (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي: مكة، (عِندَ بَيْتِكَ الُمحَرَّمِ) الذي في علمك أنه يحدث في ذلك

стр. 967

الوادي، قال بعض المفسرين: هذا دعاء بعد بناء البيت بعد الدعاء الأول بزمان، (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: أسكنتهم كي يقيموا الصلاة عند بيتك، وتوسيط النداء للإشعار بأنها المقصودة بالذات والغرض من إسكانهم، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أفئدة من أفئدتهم، (تَهْوِي) تسرع، (إِلَيْهِمْ) شوقًا، وعن السلف لو قال: أفئدة الناس لازدحم إليه فارس والروم والناس كلهم، ولكن قال: من الناس فاختص به المسلمون، (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) نعمتك وقد استجاب الله دعاءه، (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) فلا حاجة إلى الطلب لكنا ندعوك إظهارًا للعبودية، أو ما نخفي من الوجد بإسماعيل وأمه، حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع، وما نعلن من الدعاء (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ) صفة شيء، (وَلَا فِي السَّمَاءِ) هو من تتمة كلام إبراهيم، أو مبتدأ من الله، (الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ) أي: وأنا كبير وآيس من الولد، (إِسْمَاعِيلَ) وهو في تسع وتسعين، (وَإِسْحَاقَ) وهو في مائة واثنتي عشرة، وهذا دليل علي أن الدعاء بعد بناء البيت (إِنَّ ربي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) لمجيبه، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) محافظًا عليها معدلاً لأركانها، (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) واجعل منهم من يقيمها، وهو يعلم من الله - تعالى - أن في ذريته بعضًا من الكفار، (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) فيما سألتك كله،

стр. 968

أو عبادتي، (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) وهذا قبل أن يتبين أنه عدو لله - تعالى، قيل: أراد وفقهما على الإيمان، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ) يثبت، (الْحِسَابُ). * * * (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢) * * *

стр. 969

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ) إذ أجل المشركين وأنظرهم، (غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) والآية تسلية لمحمد ﵊ وتهديد للمشركين، (إِنَّمَا يُؤَخرُهُمْ) يؤخر عذابهم، (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) لا تقر في أماكنها لهول ذلك اليوم، (مُهْطِعِينَ) مسرعين، أي: إلى المحشر، كما قال - تعالى: (مهطعين إلى الداع) [القمر: ٨] (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) رافعيها لا ينظر أحد أحدًا، (لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) فعيونهم شاخصة يديمون النظر ولا يطرفون لمحة، (وَأَفْئِدَتُهُمْ) في ذلك اليوم، (هَوَاءٌ) خالية عن الفهم خلاء، قال بعضهم: أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت عن أماكنها، (وَأَنذِرِ النَّاسَ) يا محمد، (يَوْمَ) مفعول ثان لأنذر، (يَأتِيهِمُ العَذَابُ) يوم القيامة، (فيقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أشركوا، (رَبَّنَا أَخِّرْنَا) أمهلنا، (إِلَى أَجَلٍ) حد من الزمان، (قَرِيبٍ) سألوا الرد إلى الدنيا، (نجِبْ) جواب للأمر، (دعْوَتَكَ وَنَتَّبِع الرُّسُلَ) فيجابون بقوله: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ) حلفتم في الدنيا، (مَا لَكم مِّن زَوَالٍ) جواب القسم، أي: أقسمتم أنكم لا تنتقلون إلى الآخرة، ولا معاد لكم، فذوقوا وباله، (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) بالكفر والعصيان، (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) من أحوالهم فما اعتبرتم، (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، (وَعِندَ اللهِ) مكتوب، (مَكْرُهُمْ) فهو مجازيهم، (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ) في العظم، (لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) مهيأ لإزالة الجبال،

стр. 970

وعن بعضهم معناه: وما كان مكرهم لتزول إلخ والجبال مَثَلٌ لأمر محمد ﷺ فإن نافية واللام مؤكدة لها، ومن قرأ بفتح لام لتزول فإنْ مخففة، واللام هي الفاصلة، وعن بعضهم معناه: وإن كان شركهم لتزول كقوله تعالى: " تكاد السَّمَاوَات يتفطرن منه " الآية. وعن على ﵁: إن الآية في نمرود حيث اتخذ تابوتًا وربط قوائمه الأربع بنسور ومكر حتى طرن إلى جانب السماء ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن نظره يريد محاربة إله السماء، فلما هبط إلى الأرض سمعت الجبال خفيق التابوت ففزعت ظنًّا من حدوث القيامة، فكادت تزول عن أماكنها. (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) من نصرهم في الدارين، أضاف إلى المفعول الثاني إيذانًا بأنه لا يخلف الوعد أصلاً، (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي غالِب ولا يغالَب، (ذُو انْتِقَامٍ) لأوليائه، (يوْمَ) بدل من يوم يأتيهم العذاب أو ظرف للانتقام، (تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) أي: والسماوات غير السماوات فتكون الأرض من فضة والسماء من ذهب أو الأرض خبزة بيضاء يأكلها المؤمن من تحت

стр. 971

قدميه، أو تكون السماوات جنانًا والأرض نيرانًا، أو المراد تغيير هيئتها تبسط وتمد مد الأديم العكاظي وتكور شمسها وتنشر نجومها وتخسف قمرها، (وَبَرَزُوا) من قبورهم، (لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) لمجازاة الله الواحد الغلاب فلا مستجار لأحد إلى غيره، (وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مقَرَّنِينَ) كل كافر مع شيطان في غل أو بعض الكفار مع بعض أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم، (في الأَصْفادِ) في الأغلال متعلق بـ (مقَرَّنِينَ) أو حال من ضميره، (سَرَابِيلُهُم) قمصانهم، (مِّن قَطِرَانٍ) ما يطلى به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرِّه وحدته والجلد فيصير كيًّا ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود منتن، وعن بعض السلف هو النحاس المذاب، وهذا التفسير لمن قرأ قطرٍ وهو النحاس، وانٍ وهو المتناهي حره، (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) تعلوها، (لِيَجْزِيَ اللهُ) أي: فعل بهم ذلك ليجزي الله، (كُل نَفْسٍ) من الكفار، (مَا كَسَبَتْ) أو معناه برزوا ليجزي الله كل نفس من المؤمن والكافر ما كسبت من خير وشر، (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ) لأنه لا يخفى عليه شيء ولا يشغله شيء عن شيء، (هَذَا) أي: القرآن، (بَلاغٌ) كفاية في الموعظة، (للنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ) تقديره بلاغ لينصحوا ولينذروا به، أو تقديره ولينذروا به أنزل (وَلِيَعْلَمُوا أنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يستدلوا بالآيات على وحدانيته، (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ذووا العقول الخالصة. * * *

стр. 972

سورة الحجر مكية وهي تسع وتسعون آية وست ركوعات * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) * * * (الر تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، (آيَاتُ الْكِتَابِ) القرآن، (وَقُرْآنٍ مُّبين) أي: تلك آيات جامعة لكونها آيات كتاب كامل، وقرآن يبين الأحكام، (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) حين موتهم، أو يوم القيامة، أو حين اجتمع بعض

стр. 973

المسلمين مع الكفار في النار، فيقول الكفار معهم: ما أغني عنكم الإسلام فغضب الله - تعالى - على الكفار وأخرج المسلمين من النار، وما كافة تكفه عن الجر، فجاز دخوله على الفعل والمترتب في أخبار الله - تعالى - كالماضي في تحققه، ولذلك أجرى المضارع مجرى الماضي، فدخلت رُبَّ عليه مع أنه لا يجوز دخولها عليه، (لَوْ كَانُوا مسْلِمِينَ) حكاية ودادتهم بلفظ الغيبة كقولك: حلف بالله ليفعلن، (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) في الدنيا بدنياهم، (وَيُلْهِهِمُ) يشغلهم، (الْأَمَلُ) عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة، (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) سوء عملهم وهذا من باب الإيذان بأن غضب الله - تعالى - حلَّ عليهم فلا ينفعهم نصح ناصح، وقيل: منسوخة بآية القتال، (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ) أهل، (قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) أجل مؤقت مكتوب عند الله - تعالى - لا يهلكهم حتى يبلغوه، جيء بين الصفة والموصوف وهما لها كتاب وقرية بالواو تأكيدًا للصوقها بالموصوف، (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)

стр. 974

لا يتأخرون عنه، (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) أي: القرآن وهذا استهزاء منهم، (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي: هلا تأتينا بهم يشهدون بصدقك، قيل: هلا تأتينا بهم للعقاب على تكذيبنا لك، (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أجاب الله - تعالى - عنها بأن إنزالهم لا يكون إلا تنزيلاً متلبسًا بحق عند حصول الفائدة، وقد علم الله أنَّهم معرضون عن الحق، وإن شاهدوا الملائكة، قال - مجاهد: بالحق أي بالعذاب، (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ)، أى: لو نزلنا الملائكة ما أخر عذابهم، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) من التحريف والزيادة والنقص، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ) رسلاً، (فِي شِيَع) في فرق، (الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ) حكاية حال ماضية، فإن ما لا يدخل إلا على مضارع بمعنى الحال أو ماض قريب من الحال، (مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) وهذا تسلية لمحمد ﷺ (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ) ندخل الاستهزاء والتكذيب، (فِي قُلُوبِ الُمجْرِمِينَ لاَ يُؤْمنونَ بِهِ) حال من المجرمين، أو بيان الجملة أو مثل ذلك السَّلْك نسلك الذكر ونلقيه في قلوبهم مكذبًا به غير مقبول، (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَولِينَ) أي: قد مضت سنة الله - تعالى - بأن يسلك الكفر في قلوبهم أو بإهلاك

стр. 975

من كذب الرسل من الأمم الماضية، (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) على هؤلاء المشركين، (بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا) أي: المشركون، (فِيهِ يَعْرُجُونَ) يصعدون فينظرون إلى ملكوت الله - تعالى - وعبادة الملائكة، أو ظل الملائكة فيه يصعدون والكفار ينظرون ذلك، (لَقَالُوا) من غلوهم في العناد، (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أغشيت وسدت بالسحر أو حيرت كما يتحير السكران، (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) سحرنا محمد بذلك. * * * (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) * * *

стр. 976

(وَلَقَدْ جَعَلْنَا في السَّمَاءِ بُرُوجًا) اثني عشر منازل الشمس والقمر، أو المراد من البروج الكواكب، (وَزَيَّنَّاهَا) بالنجوم، (لنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) فلا يقدر أن يطلع على أحوالها، (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ) استراقه اختلاسه سرًّا، وعن بعضهم أن الشياطين كانوا غير محجوبين عن السماوات، فلما ولد عيسى ﵇ منعوا عن ثلاث سمات، ولما ولد محمد ﷺ منعوا من كلها بالشهب، والاستثناء منصوب متصل من كل شيطان، أو منقطع، (فَأَتْبَعَهُ) لحقه، (شِهَابٌ) شعلة نار ساطعة، (مُبِينٌ) ظاهرة لأهل الأرض، (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) بسطانها (وَأَلْقَيْنَا ِيهَا رَوَاسِي) جبالًا ثابت، (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) مقدر بمقدار معين، قيل: ضمير فيها للجبال والأشياء، الموزون جواهرها كالذهب وغيره، (وَجَعَلْنَا لَكُلْ فِيهَا مَعَايِشَ) تعيشون بها من المطاعم والملابس والمشارب، (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) عطف على معايش، أي: جعلنا في الأرض من رزقه على الله - تعالى - ونفعه لكم كالخدم والعيال والدواب، أو عطف على محل لكم، أي: جعلنا المعايش فيها لكم، ولمن رزقه على الله - تعالى - كالعبيد والإماء وسائر الحيوانات، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)

стр. 977

ضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور، وقد نقل في الحديث، خزائن الله - تعالى - الكلام، إذا أراد شيئًا قال له: كن فكان، (وَمَا نُنَزِّلُهُ) ما نعطيه، (إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) تعلقت به مشيئتنا فإن المقدورات غير متناهية والموجودات متناهية، وقيل المراد من الشيء: المطر وما من عام أكثر مطرًا من العام الآخر، لكن الله - تعالى - يقسمه حيث شاء، عامًا يكثر في بلد، وعامًا يقل، (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) أي: حوامل شبه الريح إذا جاءت بخير من سحاب ماطر بالحامل، أو بمعنى اللاقح، أي: للشجر والسحاب يقال ألقحها الفحل، إذا ألقى عليها الماء فحملته، وعن كثير من السلف أن الله - تعالي - يرسل الريح فيحمل الماء من السماء، ثم يجري السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة، (فَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) جعلناه لكم سقيا، (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) حافظين بل نحن نحفظه عليكم في العيون والآبار والأنهار، ولو شاء الله - تعالى - لأغاره وذهب به، أو معناه: نحن ننزل المطر، وهو في خزائننا، لا في خزانتكم، (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) الباقون بعد فناء الخلق، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) كل من هلك من لدن آدم وكل من هو حي ومن سيأتي إلى آخر الدنيا، أو المستقدمين

стр. 978

الخير والمبطئين عنه، أو المستقدمين في الصف الأول والمستأخرين منه، فإن رسول الله ﷺ لما رغب في الصف الأول ازدحموا عليه، أو أناس يستقدمون في الصفوف لئلا يرو النساء، وبعضهم يستأخرون لينظروا إليهن، أو المراد في صف القتال، (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ) للجزاء، (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) باهر الحكمة واسع العلم. * * * (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)

стр. 979

قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) * * * (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) أراد آدم، (مِن صَلْصَالٍ) طين يابس يصوت إذا نقر أو من طين منتن من صَل اللحم إذا أنتن وهو كزلزال، (مِّن حَمَأٍ) أي: كائن من طين أسود، (مسنونٍ) أي: أملس أو منتن أو مصبوب كالجواهر المذابة تصب في القوالب، (وَالْجَانَّ) أي: إبليس وهو أبو الشياطين، أو أبو الجن مطلقًا، (خَلَقنَاهُ مِن قَبْلُ) من قبل خلق آدم، (مِن نارِ السَّمُومِ) نار الحر الشديد، أو نار لا دخان لها، وعن بعضهم من نار الشمس. (وَإِذْ قَالَ ربُّكَ) أي: اذكر وقت قوله (لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ) عدلت صورته وأتممت خلقته، (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) إضافة الروح للتشريف، (فَقَعُوا) فاسقطوا، (لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) وقد مر أن المأمورين بالسجود جميع الملائكة أو جمع خاص منهم، (إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) أي: لكن هو أبى

стр. 980

السجود، وجاز أن يكون الاستثناء متصلاً، وجملة أبى أن يكون حينئذ مستأنفة، (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ) أيُّ غرض لك في، (أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ) اللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني ويستحيل أن أسجد، (لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) استكبر واستعظم نفسه، (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْها) من تلك المنزلة التي أنت فيها من الملأ الأعلي، (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) مطرود من الخير والشرف باعتبار الكرامة عند الله تعالى لا باعتبار النوع، (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) أي: تلك اللعنة لا تزال متصلة لاحقة بك إلى يوم القيامة، وهذا بُعدُ غاية يضربها الناس، (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي) أخر أجلي، (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) آخر الدنيا، (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وهو نفخة الأولى، أمهله الله استدراجًا له وابتلاء وامتحانًا للخلق، قيل: سأل الإمهال إلى يوم يبعثون لئلا يموت؛ لأنه لا يموت حينئذ أحد، فلم يجب إلى ذلك وأمهل إلى آخر أيام

стр. 981

التكليف فهو ميت، بين النفختين أربعين سنة، (قَالَ رَبِّ بِمَا أَعوَيْتَني) أي: أقسم بإغوائك إياي، (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ) المعاصي، (في الأَرْضِ)، أو معناه بسبب غوايتك إياي، أقسم لأزينن الخ .. ، (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، أحملنهم علي الغواية، (أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، أي: إلا عبادك الموصوفين بالإخلاص لطاعتك حال كونهم من أولاد آدم. (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) إشارة إلى قول إبليس: لأغوينهم إلا عبادك أي: هذا هو الذي حكمت به وقدرت على عبادي، وهو حق مستقيم، كما قال تعالى: " ولكن حق القول مني " [السجدة: ١٣] الخ .. أو تهديد، كما تقول لخصمك: طريقك على أي لا تفلت مني، أو الإشارة إلى تخلص المخلصين من إغوائه الدال عليه الاستثناء، أي: تخلُّصهُم طريق حق علي أن أراعيه لا انحراف عنه، أو الإخلاص طريق عليَّ من غير اعوجاج يؤدي إلى الوصول إلى كرامتي ولقائي، (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: ليس لك حجة وتسلط على أحد منهم، فمن أين لك الاختيار في غوايتهم، (إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ) لكن من اتبعك هو من الغاوين، أو الاستثناء متصل ويكون كالتصديق لقول إبليس، (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُم) أي:

стр. 982

الغاوين، (أَجْمَعِين) تأكيد للضمير، (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) سبعة أطباق، وعن علي - رضى الله عنه - إن أبواب جهنم هكذا، ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: بعضها فوق بعض أو سبعة منازل لكل منزل باب، (لِكُلِّ بَابٍ) طبقة أو منزل، (مِنْهُمْ) من أتباعه، (جُزْءٌ مَقْسُومٌ) أفرز له، ومنهم حال من الجزاء، أو من ضمير الظرف. * * * (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) * * *

стр. 983

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ) عن الكفر والفواحش، (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) بساتين وأنهار، (ادْخُلُوهَا) أي: يقال لهم ادخلوها، (بِسَلامٍ) سالمين من الآفات، وقيل مسلمًا عليكم، (آمِنِينَ) من المكاره، (وَنَزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّن غِلٍّ) حسدٍ وحقدٍ، (إِخْوَانًا) في المودة وهو حال، (عَلَى سُرُر متَقَابِلِينَ) متواجهين وهما صفتان أو حالان، وعن علي - رضى الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم - رضى الله عنهم، (لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) تعب، (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) وقد نقل أنه - صلى الله عليه وسدم - خرج على أصحابه، وهم يضحكون فقال أتضحكون وبين أيديكم النار؟!، فنزل جبريل بهذه الآية، " وقال: يقول لك ربُّك يا محمد لم تقنط عبادي؟ "، (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ

стр. 984

ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ذكر لهذه هذه القصة عقيب هذه الآية، لتحقق أن رحمته واسعة وعذابه أليم، (إِذ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا) نسلم عليك (سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) خائفون؛ لأنَّهُم ما أكلوا من طعامه، ودخلوا بغير إذن، (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، وهو إسحاق والأضياف ملائكة في صور البشر، (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) بالولد، (عَلَى أَن) أي: أنه، (مَسَّنيَ الكِبَرُ) والولد في هذه الحال كالمحال، (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) بأي شيء تبشرون، فإن البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء، (قَالُوا بَشَّرناكَ بِالْحَق) بالصدق واليقين، (فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ) من الآيسين، (قَالَ)، إبراهيم لهم: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) أي: لم أستنكر ذلك قنوطًا، بل استبعادًا عاديًّا، من استفهامية إنكارية، فكأنه قال: لا يقنط أحد إلا الضالون، (قَالَ) إبراهيم لهم: (فَمَا خَطْبُكُمْ) شأنكم، (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) وما الذي جئتم به، (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أي: قوم لوط، (إِلَّا آلَ لُوطٍ) استثناء متصل من ضمير المجرمين، أي: إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط منهم، (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ) استئناف، وجاز أن يكون استثناءً منقطعًا عن قوم، فإن القوم موصوفون بالإجرام دونهم حينئذ، إنا لمنجوهم جرى مجري خبر لكن ولم يكن

стр. 985

مستأنفًا، (إِلا امْرأَتَهُ) استثناء، من ضمير لمنجوهم، (قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) الباقين مع الكفرة لتهلك معهم، وإنما علق مع أن التعليق من خواص أفعال القلوب لتضمن التقدير معنى العلم، أو لأنه أجرى مجرى قلنا، قال بعضهم: هذا من كلام الله - تعالى - لا من كلام الملائكة، وجاز أن يكون من كلامهم، وإسناد التقدير إلي أنفسهم لا لهم من القرب إلى الله - تعالى. * * * (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) * * *
следующие страницы →