ومفهومه. وأذنت له أن يروي عني هذا الكتاب وما يجوز لي وعني روايته بشرطه. وكتب عمر البلقيني حامدا ومصليا ومسلما.) [١٧٤ / و].
" الصلاح الحنبلي محمد بن محمد بن سالم، أبو عبدالله المقدسي الأصل المصري، المدرس بالظاهرية الجديدة بين القصرين بالقاهرة، أرخه الحافظ ابن حجر في وفيات سنة خمس وتسعين وسبعمائة، وقال: " كان بارعا في مذهبه، وأفاد ودرَّس وتعين لقضاء الحنابلة " ثم نقل عن التقي المقريزي، قال: " كان أبوه وعمه عبدالجليل مشهورين بالعلم والفقه والدين فاقتدى بهما وأربى عليهما. قال: وكان سمحا كريما حسن الملتقى جميل المحيا وكان يتعصب لابن تيمية " (١).
نسخته الأصل المكتوبة بقلمه، خطُّها واضح، وفي سطورها وكلماتها وهوامشها سعة، وإنما تصعب قراءتها غالبا من النقط والشكل. ولا يشكل هذا فيما هو من تضمين البلقيني لكتاب ابن الصلاح، ونص المتن بين أيدينا موثقا محققا، خلافا لمحاسن الاصطلاح - الفوائد والزوائد - في نسختنا الوحيدة، لم نقف على نسخة أخرى منها فالمراجعة والمقابلة على ما فيها. من نقول البلقيني في فوائده وزوائده، وقلما يفوته عزوها إلى مصادرها من كتب الحديث والفقة والأصول واللغة والرجال .. فكانت مقابلة النقول على أصولها معينة على ضبط المهمل وتمييز المشكل من خط النسخة. وفيما عدا ذلك، احتملتُ مسئولية الضبط بالشكل والفواصل، بإمعان التدبر في توجيه السياق.
والكتاب يتميز فيه قسمان: تضمين كتاب ابن الصلاح وقد آثرنا ألا نثقل على طبعتنا هذه بنقله، مع وجود متن ابن الصلاح كاملا فيها، واقتصرنا على القسم الثاني: محاسن السراج البلقيني عليه. وهي مميزة يؤمَن فيها اللبس والإِدراج، إذ يبدأ عقب فقرات
стр. 142
التضمين بقوله: فائدة، أو: زيادة، أو: فائدة وزيادة، ويختم كلا منها بكلمة " انتهت ".
ولأذكر أن زميلا كريما من أبنائي علماء القرويين، ودَّ لو أنني قدمت كتاب السراج البلقيني كاملاً، فلا يُعترض عليَّ بأن قدَّمتُ شطر الكتاب دون سائره.
وذلك ما اتقيتُه بأن قيَّدتُ عنوان مطبوعتي بمحاسن الاصطلاح، فلا يَردُ عليه ما لم أذكره في العنوان: (وتضمين كتاب ابن الصلاح). الذي أغنى عنه وجود متن ابن الصلاح كاملاً أعلى المحاسن.
ويختلف الأمر ههنا، عما في كتاب (التقييد والإِيضاح) المطبوع كاملا مع متن ابن الصلاح بتمامه أعلاه، فذلك من تصرف الناشر للطبعة السلفية على الطبعة الهندية. وقد ذكر معها مخطوط دار الكتب المصرية، رقم ٢٥٣٣٧ / ب) ومتن ابن الصلاح فيه، كما في الأصل الذي صُوِّر منه (رقم ٣٦ مصطلح حديث) مدرج في متن التقييد والإِيضاح، غير مستقل منه.
بالله أستعين، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 143
بياض بالأصل.
стр. 144
بياض بالأصل.
стр. 145
بسْم ِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم ِ
" رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا " (١)
الحمد لله الهادي من استهداه، الواقي من اتقاه، الكافي مَن تحرى رضاه، حمدًا بالغًا أمَدَ التمام ومنتهاه. والصلاة والسلام الأكملانِ على نبينا والنبيين وآل ِ كلٍّ، ما رجا راج مغفرته ورُحْماه. آمين آمين.
هذا وإن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة. يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويعنى به محققو العلماء وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذَالتهم وسفلتهم. وهو من أكثر العلوم تولُّجًا في فنونها لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها. ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المُخِلِّين به من العلماء.
ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، عظيمة جموعُ طلبته، رفيعة مقاديرُ حُفاظِه وحَمَلتِه. وكانت علومه بحياتهم حَيَّة، وأفنان فنونه ببقائهم غضة، ومغانيه بأهله آهلة. فلم
стр. 146
يزالوا في انقراض، ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما وهم شِرْذِمة قليلة العَدد، ضعيفة العُدد، لا تُعنَى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلاً، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلاً، مُطَّرحين علومَه التي بها جلَّ قدرُه، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره. فحين كاد الباحث عن مشكله لا يُلفى له كاشفًا، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفًا، مَنَّ الله الكريم، ﵎ وله الحمدُ أجمع، بكتاب معرفة أنواع علم الحديث هذا الذي أباح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبِيَّة، وأحكم معاقده وقَعد قواعده، وأثار معالمه، وبيَّن أحكامه، وفصَّل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعَه وفصوله، وجمع شتاتَ علومه وفوائده، وقنص شوارد نُكَتِه وفرائده. فالله العظيمَ - الذي بيده الضر والنفع والإِعطاء والمنع - أسأل، وإليه أضرع وأبتهل، متوسلا إليه بكل وسيلة، متشفعًا إليه بكل شفيع، أن يجعله مَلِيًّا بذلك وأملى (١)، وافيًا بكل ذلك وأوفى "، وأن يعظم الأجر والنفع به في الدارين، إنه قريب مجيب. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب *.
стр. 147
وهذه فهرسة أنواعه:
فالأول منها: معرفة الصحيح من الحديث.
الثاني: معرفة الحسَن منه.
الثالث: معرفة الضعيف منه.
الرابع: معرفة المسنَد.
الخامس: معرفة المتصل.
السادس: معرفة المرفوع.
السابع: معرفة الموقوف.
الثامن: معرفة المقطوع - وهو غير المنقطع.
التاسع: معرفة المرسَل.
العاشر: معرفة المنقطع.
الحادي عشر: معرفة المُعْضَل، ويليها تفريعات: منها في الإِسناد المُعَنْعَن، ومنها في التعليق.
الثاني عشر: معرفة التدليس، وحكم المدلَّس.
الثالث عشر: معرفة الشاذ.
الرابع عشر: معرفة المنكَر.
стр. 148
الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابَعات والشواهد.
السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها.
السابع عشر: معرفة الأفراد.
الثامن عشر: معرفة الحديث المُعَلَّل.
التاسع عشر: معرفة المضطرب من الحديث.
العشرون: معرفة المدرج في الحديث.
الحادي والعشرون: معرفة الحديث الموضوع.
الثاني والعشرون: معرفة المقلوب.
الثالث والعشرون: معرفة صفة مَنْ تُقبَلُ روايتُه، ومن تُرَدُّ روايتُه.
الرابع والعشرون: معرفة كيفيات سماع الحديث وتحمُّله. وفيه بيان أنواع الإجازة، وأحكامها، وسائر وجوه الأخذ والتحميل، وعِلم جَمٌّ.
الخامس والعشرون: معرفة كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده. وفيه معارف مهمة رائقة.
السادس والعشرون: معرفة كيفية رواية الحديث، وشرط أدائه وما يتعلَّقُ بذلك. وفيه كثير من نفائس هذا العلم.
السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث.
الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث.
التاسع والعشرون: معرفة الإِسناد العالي والنازل.
الموفي ثلاثين: معرفة المشهور من الحديث.
الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز من الحديث.
الثاني والثلاثون: معرفة غريب الحديث.
الثالث والثلاثون: معرفة المُسَلسَل.
الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه.
الخامس والثلاثون: معرفة المُصَحَّف من أسانيد الأحاديث ومتونها.
السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث.
السابع والثلاثون: معرفة المزيد في مُتَّصِل الأسانيد.
стр. 149
الثامن والثلاثون: معرفة المراسيل الخفيِّ إرسالُها.
التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة ﵃.
الموفي أربعين: معرفة التابعين، ﵃ (١).
الحادي والأربعون: معرفة الأكابر (٢) الرواة عن الأصاغر.
الثاني والأربعون: معرفة المدبَّج، وما سواه من رواية الأقران بعضِهم عن بعض.
الثالث والأربعون: معرفة الإِخوة والأخوات من العلماء والرواة.
الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء.
الخامس والأربعون: عكس ذلك: معرفة رواية الأبناء عن الآباء.
السادس والأربعون: معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان: متقدم، ومتأخر، تباعد ما بين وفاتهما (٣).
السابع والأربعون: معرفة مَن لم يرو عنه إلا راوٍ واحدٌ.
الثامن والأربعون: معرفة من ذُكِر بأسماءٍ مختلفة أو نعوتٍ متعدّدة.
التاسع والأربعون: معرفة المفردات من أسماء الصحابة والرواة والعلماء.
الموفي خمسين: معرفة الأسماء والكُنَى.
الحادي والخمسون: معرفة كُنَى المعروفين بالأسماء، دون الكنَى.
الثاني والخمسون: معرفة ألقاب المحدِّثين.
الثالث والخمسون: معرفة المؤتلِف والمختلِف.
الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق (٤).
الخامس والخمسون: نوع يتركب من هذين النوعين (٥).
السادس والخمسون: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم. والتأخير في الابن والأب.
стр. 150
السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم.
الثامن والخمسون: معرفة الأنساب التي باطنها على خلاف ظاهرها.
التاسع والخمسون: معرفة المبهَمات.
الموفي ستين: معرفة تواريخ الرواةِ في الوفياتِ وغيرِها.
الحادي والستون: معرفة الثقاتِ والضعفاء من الرواة.
الثاني والستون: معرفةُ من خَلَّطَ في آخرِ عُمرهِ من الثقات.
الثالث والستون: معرفة طبقاتِ الرواةِ والعلماء.
الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواةِ والعلماء.
الخامس والستون: معرفة أوطانِ الرواةِ وبلدانهم.
وذلك آخرها، وليس بآخرِ الممكن في ذلك، فإنه قابلٌ للتنويع إلا ما لا يُحصى، إذ لا تُحْصَى أحوالُ رُواةِ الحديث وصفاتُهم، ولا أحوالُ متونِ الحديث وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدَدِ أن تُفرَدَ بالذكرِ وأهلُها، فإذا هي نوعٌ على حالِه، ولكنه نَصَبٌ من غير أربٍ، وحسبُنا الله ونعم الوكيل *.
стр. 151
النوع الأول من أنواع علوم الحديث:
معرفة الصحيح من الحديث .
اعلمْ - علمك الله وإياي - أن الحديثَ عند أهلِه ينقسمُ: إلى صحيح، وحسَن، وضعيف *.
أما الحديثُ الصحيح فهو: الحديثُ المسنَدُ الذي يتصل إسنادهُ بنقل ِ العدْل ِ الضابِط عن العَدْل ِ الضابط، إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذًّا ولا مُعَلَّلا.
وفي هذه الأوصاف، احترازٌ عن المرسَل والمنقطع والمعضَل والشاذ، وما فيه عِلَّةٌ قادحة، وما في راويه نوعُ جرح ٍ، وهذه أنواع يأتي ذكرهُه إن شاء الله ﵎.
فهذا هو الحديثُ الذي يُحكَمُ له بالصحة، بلا خلافٍ بين أهل ِ الحديث.
стр. 152
وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجودِ هذه الأوصافِ فيه، أو لاختلافهم في اشتراطِ بعض ِ هذه الأوصاف (١)، كما في المرسل *
ومتى قالوا: " هذا حديث صحيح " فمعناه أنه اتصل سَنَدُه، مع سائر الأوصافِ المذكورة.
وليس من شَرْطِه أن يكونَ مقطوعًا به في نفس ِ الأمر، إذ منه ما ينفردُ بروايتهِ عَدْلٌ واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول.
وكذلك إذا قالوا في حديث: " إنه غير صحيح " فليس ذلك قطعًا بأنه كذِبٌ في نفس ِ الأمر، إذ قد يكون صِدْقًا في نفس الأمر، وإنما المرادُ به أنه لم يصح إسناده على الشرطِ المذكور. والله أعلم.
فوائد مهمة:
إحداها: الصحيحُ يتنوع إلى متَّفَقٍ عليه ومختلَفٍ فيه، كما سبق ذكره. ويتنوعُ إلى مشهورٍ وغريب، وبين ذلك. ثم إن درجات الصحيح تتفاوتُ في القوة بحسَبِ تمكُّنِ الحديث من الصفات المذكورةِ التي تنبني الصحةُ عليها، وتنقسم باعتبار ذلك إلى أقسام يستعصي إحصاؤها على العادِّ الحاصِر. ولهذا نرى الإمساكَ عن الحُكم لإِسناد أو حديثٍ بأنه الأصَحُّ على الإِطلاق (٢). على أن جماعةً من أئمة الحديثِ خاضوا غمرة ذلك، فاضطربت أقوالُهم:
стр. 153
فروينا عن " إسحقَ بن راهَويه " أنه قال: " أصح الأسانيدِ كلِّها: الزهريُّ عن سالم عن أبيه (١) " وروينا نحوَه عن " أحمدَ بنِ حنبل " وروينا عن " عمرو بن علي الفلاس " أنه قال: " أصح الأسانيد: محمد بن سيرين عن عَبِيدةَ (٢) عن علي "، وروينا نحوَه عن " علي بن المديني " ورُوِي ذلك عن غيرِهما.
ثم منهم من غَيَّرَ الراوي عن " محمد " (٣) وجعله " أيوبَ السَّخْتِياني " (٤)، ومنهم من جعله " ابنَ عون " (٥).
وفيما نرويه عن " يحيى بن معين " أنه قال: " أجودُها: الأعمشُ (٦) عن إبراهيمَ عن علقمة، عن عبدالله *. وروينا عن " أبي بكر بنِ أبي شيبة " أنه قال:
стр. 154
" أصح (١) الأسانيد كلها: الزهريُّ، عن عليِّ بن الحسين، عن أبيه، عن علي ".
وروينا عن " أبي عبدِالله البخاري " صاحب (الصحيح) أنه قال: " أصحُّ الأسانيد كلها: مالكٌ عن نافع عن ابنِ عمر ".
وبَنَى " الإِمامُ أبو منصور عبدالقاهر بن طاهر التميمي " على ذلك، أن أجلَّ الأسانيد: " الشافعيُّ عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عمر. واحتج بإجماع أصحابِ الحديثِ
стр. 155
على أنه لم يكن في الرواة عن مالكٍ أجلُّ من الشافعي * ﵃ أجمعين. والله أعلم.
الثانية: إذا وجدنا فيما يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثًا صحيحَ الإِسناد ولم نجدْه في أحدِ (الصحيحين) ولا منصوصًا على صحته في شيءٍ من مصنفات أئمة الحديث المعتَمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جَزْم ِ الحُكم (١) بصحته *. فقد تعذر في هذه
стр. 160
الأعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيح بمجردِ اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابِه، عريًا عما يُشترَط في الصحيح من الحفظِ والإِتقان: فآل الأمرُ إذًا في معرفة الصحيح والحسَن، إلى الاعتمادِ على ما نَصَّ عليه أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتَمدة المشهورة التي يُؤمن فيها، لشُهرتِها، من التغيير والتحريف؛ وصار معظمُ المقصودِ بما يُتداوَل من الأسانيدِ خارجًا عن ذلك، إبقاءَ سلسلةِ الإِسناد التي خُصَّت بها هذه الأمةُ، زادها الله شرفًا، آمين.
الثالثة: أولُ من صنف الصحيح *: " البخاريُّ أبو عبدالله محمد بن إِسماعيل الجعفي، مولاهم " (١)، وتلاه " أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القُشَيري، من أنفسِهم. و " مسلم " مع أنه أخذ عن " البخاري " واستفاد منه، يشاركه في أكثرِ شيوخِه. وكتاباهما أصَحُّ الكتبِ بعد كتاب الله العزيز (٢). وأما ما رُوِّيناه عن " الشافعي " ﵁ من أنه قال: " ما أعلم في الأرض كتابًا في العلم أكثرَ صوابًا من كتابِ مالك " - ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ (٣) - فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم.
ثم إن كتاب البخاري أصحُّ الكتابين صحيحًا وأكثرهما فوائدَ (٤). وأما ما رويناه عن
стр. 161
" أبي علي النيسابوري أستاذِ الحاكم أبي عبدالله الحافظ " من أنه قال: " ما تحت أديم السماء كتابٌ أصحَّ من كتابِ مسلم بن الحجاج " (١) فهذا وقولُ من فضَّل من شيوخ المغرب كتابَ مسلم على كتابِ البخاري، إن كان المرادُ به أن كتابَ مسلم يترجَّحُ بأنه لم يمازجْه غير الصحيح - فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديثُ الصحيحُ مسرودًا غيرَ ممزوج بمثل ِ ما في كتابِ البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيح - فهذا لا بأس به (٢)؛ وليس يلزم منه أن كتابَ مسلم ٍ أرجَحُ، فيما يرجع إلى نفس الصحيح، على كتابِ البخاري. وإن كان المرادُ به أن كتابَ مسلم أصحُّ صحيحًا، فهذا مردودٌ على من يقوله، والله أعلم *.
стр. 162
الرابعة: لم يستوعبا الصحيحَ في صحيحيهما، ولا التزما ذلك. فقد رُوِّينا عن " البخاري " أنه قال: " ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلا ما صحَّ، وتركتُ من الصِّحاح ِ لحال ِ الطول (١) ". وروينا عن " مسلم " أنه قال: " ليس كلُّ شيء عندي صحيح، وضعتُها هاهنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعتُ هاهنا ما أجمعوا عليه " * (٢).
قال الشيخُ ﵁ (٣): أراد - والله أعلم -، أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديثَ التي وجد عنده فيها شرائطَ الصحيح المجمَع ِ عليه، وإن لم يظهر اجتماعُها في بعضِها عند بعضهم، ثم إن " أبا عبدالله بن الأخرم الحافظ " قال: " فلما يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا مما يثبت من الحديث " - يعني في كتابيهما (٤).
ولقائل ٍ أن يقولَ: ليس ذلك بالقليل، فإن (المستدرَك على الصحيحين: للحاكم
стр. 163
أبي عبدالله) كتابٌ كبير يشتمل مما فاتها على شيءٍ كثير، وإن يكن عليه في بعضِه مقالٌ فإنه يصفو له منه صحيحٌ كثير. وقد قال " البخاري ": " أحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومائتي ألفِ حديثٍ غير صحيح " (١)، وجملةُ ما في كتابه الصحيح، سبعةُ آلافٍ ومائتان وخمسةٌ وسبعون حديثًا، بالأحاديث المكررة (٢). وقد قيل إنها بإسقاط المكررة: أربعةُ آلاف حديث (٣). إلا أن هذه العبارة قد يندرجُ تحتهَا عندهم، آثارُ الصحابةِ والتابعين. وربما عُدَّ الحديثُ الواحدُ المرويُّ بإسنادين، حديثين *
ثم إن الزيادَة في الصحيح على ما في الكتابين، يتلقاها طالبُها مما اشتملَ عليه أحدُ المصنفاتِ المعتَمدة المشتهرة لأئمة الحديث: " كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبدالرحمن النسائي، وأبي بكر بن خُزَيمة، وأبي الحسن الدراقطني " وغيرهم، منصوصًا على صحتِه فيها. ولا يكفي ذلك مجردُ كونِه موجودًا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب النسائي، وسائر مَن جمع في كتابه بين الصحيح وغيره؛ ويكفي مجردُ كونِه موجودًا في كتبِ من اشترط منهم الصحيحَ فيما جمعه، ككتابِ
стр. 164
ابن خزيمة. وكذلك ما يوجد في الكتبِ المخرَجة على كتابِ البخاري وكتاب مسلم، ككتاب أبي عَوَانةَ الإِسفراييني، وكتابِ أبي بكر الإِسماعيلي، وكتابِ أبي بكر البَرقاني، وغيرها، من تتمةٍ لمحذوفٍ أو زيادة شرح في كثير من أحاديثِ الصحيحين. وكثيرٌ من هذا موجود في (الجمع بين الصحيحين، لأبي عبدالله الحُمَيْدي).
واعتنى " الحاكم أبو عبدالله الحافظُ " بالزيادةِ في عددِ الحديث الصحيح، على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتابٍ سماه (المستدرَك) أودعه ما ليس في واحدٍ من (الصحيحين) (١) مما رآه على شرطِ الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرطِ البخاري وحده أو على شرطِ مسلم ٍ وحده (٢)، وما أدى اجتهادُه إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرطِ واحدٍ منهما. وهو واسعُ الخَطْوِ في شرط الصحيح، متساهلٌ في القضاء به. فالأَوْلَى أن نتوسطَ في أمرِه، فنقول: ما حكم بصحتِه ولم نجد ذلك في لغيرِه من الأئمة، إن لم يكن من قبيل ِ الصحيح، فهو من قبيل ِ الحَسنِ يُحتَجُّ به ويُعْمَلُ به، إلا أن تظهر فيه عِلَّةٌ توجب ضعفه (٣). ويقاربه في حُكْمِه (صحيحُ أبي حاتم بنِ حِبَّانَ البُستي) ﵏ أجمعين *. والله أعلم.
стр. 165
الخامسة: الكتب المخرَجة على كتاب البخاري أو كتاب مسلم ﵄ لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتها في ألفاظِ الأحاديث بعينها من غير زيادة ونقصان (١)، لكونِهم روَوا تلك الأحاديثَ من غير جهةِ " البخاري، ومسلم "، طلبًا لعُلُوِّ الإِسنادِ،
стр. 166
فحصل فيها بعضُ التفاوتِ في الألْفاظ. وهكذا ما أخرجه المؤلفون في تصانيفهم المستقلة: كالسُّنَنِ الكبير للبيهقي، وشرح السنة لأبي محمد البغوي، وغيرهما، مما قالوا فيه: " أخرجه البخاري أو مسلم " فلا يستفاد بذلك أكثر من أن البخاري أو مسلما أخرج أصلَ ذلك الحديث، مع احتمال ِ أن يكون بينهما تفاوتٌ في اللفظ. وربما كان تفاوتًا في بعض ِ المعنى، فقد وجدتُ في ذلك ما فيه بعضُ التفاوت من حيث المعنى.
وإذا كان الأمرُ في ذلك على هذا؛ فليس لك أن تنقلَ حديثًا منهما وتقول: " هو على الوجه في كتابِ البخاري أو كتابِ مسلم " إلا أن تقابلَ لفظَه، أو يكونَ الذي خرَّجه قد قال: " أخرجه البخاري بهذا اللفظ " بخلافِ الكتب المختصرة مِن (الصحيحين) فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظَ الصحيحين أو أحدِهما. غير أن (الجمع بين الصحيحين، للحميدي الأندلسي) منها، يشتمل على زيادةِ تتماتٍ لبعض الحديثِ، كما قدمناه ذكره، فربما نَقلَ من لا يميز بعضَ ما يجدُه فيه، عن الصحيحين أو أحدِهما، وهو مخطئ لكونِه من تلك الزيادات التي لا وجودَ لها في واحدٍ من الصحيحين (١).
ثم إن التخاريجَ المذكورةَ على الكتابين يُستفاد منها فائدتان: (٢)
إحداهما: عُلوُّ الإِسناد.
والثانيةُ: الزيادةُ في قدر الصحيح لما يقع فيها من ألفاظٍ زائدة وتتماتٍ في بعض ِ الأحاديث تثبت صحتُها بهذه التخاريج، لأنها واردةٌ بالأسانيد الثابتة في الصحيحين
стр. 167
أو أحدِهما، وخارجةٌ من ذلك المخرج الثابت، والله أعلم (١) ز
السادسة: ما أسنده " البخاري ومسلم " رحمهما الله، في كتابيهما بالإِسنادِ المتصل، فذلك الذي حكما بصحتِه بلا إِشكال ٍ. وأما المعلَّق (٢) الذي حُذِف من مبتدإ إسنادِه واحدٌ أو أكثر - وأغلبُ ما وقع ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتاب [٥ / و] مسلم (٣) قليل جدًّا - ففي بعضِه نظَر. وينبغي أن نقولَ: ما كان من ذلك ونحوِه بلفظ فيه جزمٌ وحكمٌ به على من علَّقه عنه، فقد حكم بصحتِه عنه. مثالُه: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، قال ابن عباس كذا، قال مجاهد كذا (٤)، قال عفان كذا، قال القعنبي كذا، روى أبو هريرة كذا وكذا، وما أشبه ذلك من العبارات، فكل ذلك حُكم منه على من ذكره عنه، بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاقَ ذلك إلا إذا صحَّ عنده ذلك عنه. ثم إذا كان الذي علَّق الحديثَ عنه دون الصحابةِ، فالحكمُ بصحته يتوقفُ على اتصال ِ الإِسنادِ بينه وبين الصحابي.
وأما ما لم يكن في لفظه جَزْمٌ وحُكم، مثل: رُوِيَ عن رسول ِ اللهِ ﷺ كذا وكذا، أو: رُوِيَ عن فلانٍ كذا، أو: في البابِ عن النبي ﷺ كذا وكذا، فهذا وما أشبَهه من الألفاظ، ليس في شيءٍ منه حكمٌ بصحةِ ذلك عمن ذكره عنه، لأن مثلَ هذه العبارات تُستعمَل في الحديثِ الضعيفِ أيضًا. ومع ذلك، فإيرادُه له في أثناء الصحيح ِ، مُشعِرٌ بصحةِ أصلِه إشعارًا يؤنَسُ به ويُركَن إليه، والله أعلم.
ثم إن ما يتقاعدُ من ذلك عن شرطِ الصحيح قليل، يوجد في (كتاب البخاري) في مواضعَ من تراجم الأبوابِ دون مقاصدِ الكتابِ وموضوعِه الذي يُشعِر به اسمُه الذي سماه به وهو: (الجامع المسنَدُ الصحيح المختَصر من أمورِ رسول الله ﷺ ، وسُنَنِه وأيامِه)
стр. 168
وإلى الخصوص الذي بيَّناه يرجع مطلَقُ قوله: " ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلا ما صحَّ " وكذلك مطلَقُ قول ِ " الحافظ أبي نصر الوائلي السَّجزي ": " أجمع أهلُ العلم، الفقهاء، وغيرهم، أن رجلا لو حلَف بالطلاقِ أن جميعَ ما في كتابِ البخاري مما رُوِيَ عن رسول ِ الله ﷺ قد صحَّ عنه، ورسولُ الله ﷺ قاله لا شكَّ فيه: لا يحنث، والمرأةُ بحالِها في حبالته (١) ". وكذلك ما ذكره " أبو عبدالله الحميدي " في كتابه (الجمع بين الصحيحين) من قوله: " لم نجد من الأئمة الماضين ﵃ أجمعين - مَن أفصح لنا في جميع ما جمعَه بالصحةِ، إلا هذين الإِمامين ".
стр. 169
فإنما المرادُ بكلِّ ذلك مقاصدُ الكتاب وموضوعُه وفنونُ الأبواب، دون التراجم ونحوها، لأن في بعضِها ما ليس من ذلك قطعًا، مثل قول ِ " البخاري ": باب ما يذكر في الفخذ: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش (١)، عن النبي ﷺ : " الفخِذُ عورة (٢) ". وقولِه في أول بابٍ من أبوابِ الغسل: وقالَ بَهْزٌ بنُ حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : " الله أحقُّ أن يُستحيا منه (٣) " فهذا قطعًا ليس من شرطِه، ولذلك لم يورده " الحميديُّ " في جمعِه بين الصحيحين، فاعلم ذلك فإنه مهمٌ خافٍ، والله أعلم *.
السابعة: وإذ انتهى الأمرُ في معرفةِ الصحيح إلى ما خرَّجه الأئمةُ في تصانيفهم الكافلة بِبيان ذلك كما سبق ذكرُه، فالحاجةُ ماسَّةٌ إلى التنبيهِ على أقسامه باعتبارِ ذلك:
فأولُها: صحيحٌ أخرجه البخاري وسلم جميعًا (٤).
الثاني: صحيحٌ انفرد به البخاري، أي: عن مسلم (٥).
стр. 170
الثالث: صحيح انفرد به مسلم، أي: عن البخاري.
الرابع: صحيح على شرطِهما، لم يُخرجاه.
الخامس: صحيح على شرطِ البخاري، لم يُخرجه.
السادس: صحيح على شرط مسلم، لم يخرجه (١).
السابع: صحيحٌ عند غيرهما، وليس على شرطِ واحدٍ منهما.
هذه أمهاتُ أقسامِه، وأعلاها الأولُ، وهو الذي يقول فيه أهلُ الحديث كثيرًا: " صحيحٌ متَّفقٌ عليه ". يطلقون ذلك ويعنون به اتفاقَ البخاري ومسلم، لا اتفاقَ الأمة عليه. لكن اتفاقَ الأمة عليه لازمٌ من ذلك وحاصل معه، باتفاقِ الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول.
وهذا القسمُ جميعُه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظريُّ واقع به، خلافًا لقول ِ من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصلِه إلا الظن وإنما تلقته (٢) الأمة بالقبول، لأنه يجبُ عليهم العملُ بالظن (٣) والظنُّ قد يخطىء.
وقد كنت أميلُ إلى هذا وأحسبه قويًّا. ثم بان لي أن المذهبَ الذي اخترناه أولا هو الصحيح، لأن ظنَّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء. والأمةُ في إجماعِها معصومةٌ من الخطأ (٤). ولهذا كان الإجماعُ المُبْتَنَى على الاجتهاد حُجةٌ مقطوعًا بها. وأكثر إجماعات
стр. 171
العلماء كذلك. وهذه نُكتةٌ نفيسةٌ نافعة. ومن فوائدها: القول بأن ما انفرد به " البخاري أو مسلمٌ " مندرج في قبيل ما يُقطَعُ بصحتِه لتلقي الأمةِ كلَّ واحدٍ من كتابيهما بالقبول ِ، على الوجهِ الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرفٍ يسيرة تكلم عليها بعضُ أهل النقد من الحُفَّاظِ كـ" الدارقطني " وغيره، وهي معروفة عند أهل ِ هذا الشأن (١) *، والله أعلم.
الثامنة: إذا ظهر بما قدمناه انحصارُ طريقِ معرفةِ الصحيح والحسَنِ، الآنَ، في مراجعة الصحيحين وغيرِهما من الكتب المعتمدة، فسبيلُ من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك، إذا كان ممن يسوغ له العملُ بالحديث أو الاحتجاجُ به لذي مذهب، أن يرجعَ إلى أصل قد قابله هو أو ثقةٌ غيرُه بأصول ٍ صحيحة متعددةٍ مروية بروايات متنوعة، ليحصلَ له بذلك - مع اشتهارِ هذه الكتب وبُعدِها عن أن تُقصدَ (١) بالتبديل والتحريف - الثقةُ بصحة ما اتفقتْ عليه تلك الأصولُ. والله أعلم بالصواب (٢)
стр. 174
النوع الثاني:
معرفة الحسَنِ من الحديث .
روينا عن " أبي سليمانَ الخَطَّابي " ﵀ أنه قال، بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي قدمنا ذكرها: " الحسن: ما عُرِفَ مخرجُه " (١) واشتهر رجاله. قال: وعليه مدارُ أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثرُ العلماء ويستعمله عامةُ الفقهاء * " (٢).
وروينا عن " أبي عيسى الترمذي " ﵁ أنه يريد بالحسن: " أن لا يكون في إسنادِه [٥ / ظ] مَن يُتَّهم بالكذبِ، ولا يكون حديثًا شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك " (٣) **
стр. 175
وقال بعضُ المتأخرين: الحديثُ الذي فيه ضعفٌ قريب محتَمل، هو الحديث الحسَن، ويصلحُ للعمل به (١).
قال الشيخ ﵁ (٢) -: كل ذلك مستبهم لا يشفي الغليلَ، وليس فيما ذكره " الترمذي، والخطابي " ما يفصل الحسنَ من الصحيح. وقد أمعنتُ النظر في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقعَ استعمالهم، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان:
أحدهما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إسناده من مستورٍ لم تحقق أهليتُه، غير أنه ليس مغفلا كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذبِ في الحديث، أي لم يظهر منه تعمُّدُ الكذبِ في الحديث، ولا سبب آخرُ مُفسق، ويكونُ متنُ الحديث مع ذلك قد عُرِفَ، بأن رُوِيَ مثلُه أو نحوُه من وجهٍِ آخرَ أو أكثرَ، حتى اعتضد بمتابعةِ مَن تابع راويه على مثله. أو بما له من شاهدٍ، وهو ورودُ حديثٍ آخر بنحوه، فخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكراً. وكلام " الترمذي " على هذا القسم يتنزَّل.
стр. 176
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجةَ رجال الصحيح، لكونِه يقصُر عنهم في الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال ِ مَنْ يُعَدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويُعتَبر في كل هذا، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًّا ولا منكرًا. سلامتُه من أن يكون مُعَلَّلاً.
وعلى القسم الثاني يتنزل كلامُ " الخطابي " (١).
فهذا الذي ذكرناه، جامعٌ لما تفرق في كلام مَن من بلغنا كلامُه في ذلك. وكأن " الترمذي " ذكرَ أحد نوعي الحسن، وذكر " الخطابي " النوع الآخر، مقتصِرًا كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنه يُشكِل، مُعْرِضًا عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل، والله أعلم.
стр. 177
هذا تأصيل ذلك، ونوضحه بتنبيهاتٍ وتفريعات:
أحدُها: الحسَنُ يتقاصَرُ عن الصحيح، في أن الصحيح من شرطه أن يكون جميعُ [٦ / و] رواته قد ثبتت عدالتُهم وضبطُهم وإتقانُهم، إما بالنقل الصريح أو بطريق الاستفاضة، على ما سنبينه - إن شاء الله تعالى -. وذلك غير مُشترَطٍ في الحَسن، فإنه يُكتَفى فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه، وغيرِ ذلك مما تقدم شرحه. وإذا استبعد ذلك من الفقهاء الشافعية مستبعدٌ، ذكرنا له نصَّ " الشافعي " ﵁ في مراسيل التابعين: أنه يقبل منها " المرسلَ الذي جاء نحوُه مسنَدًا، وكذلك لو وافقه مرسَلٌ آخرُ، أرسله مَن أخذ العلم عن غيرِ رجال ِ التابعي الأول " في كلام ٍ له ذكر فيه وجوها من الاستدلال ِ على صحة مخرج المرسَل ِ، بمجيئه من وجهٍ آخر (١).
وذكرنا له أيضًا ما حكاه الإمامُ " أبو المظفر السمعاني " (٢) وغيره عن بعض ِ أصحابِ
стр. 178
الشافعي: من أنه: تُقبَلُ روايةُ المستور وإن لم تقبل شهادةُ المستور *.
ولذلك وجهٌ متَّجِه، كيف وأنا لم نكتف في الحديث الحسن بمجردِ رواية المستور، على ما سبق آنفًا؟ والله أعلم.
الثاني: لعل الباحثَ الفَهِمَ يقول: إنا نجد أحاديثَ محكومًأ بضعفها مع كونِها قد رُوِيتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدة، مثل حديث: " الأذنان من الرأس " ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثالَه من نوع الحسنِ لأن بعض ذلك عضد بعضًا، كما قلتم في نوع الحسَن على ما سبق آنفًا؟
وجواب ذلك، أنه ليس كلُّ ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يُزيله ذلك، بأن يكون ضعفُه ناشئًا من ضعفِ حفظ راويه مع كونه من أهل ِ الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجهٍ آخر، عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطُه له. وكذلك إذا كان ضعفُه من حيث الإِرسال، زال بنحو ذلك، كما في المرسَل الذي يُرسِلُه إمامٌ حافظ، إذ فيه ضعفٌ قليل، يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعفٌ لا يزول بنحوِ ذلك لقوة الضعف، وتقاعُدِ هذا الجابر عن جَبرِه ومقاومتِه، كالضعفِ الذي ينشأ [٦ / ظ] من كونِ الراوي متَّهمًا بالكذب أو كونِ الحديثِ شاذا **
وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدرَك بالمباشرة والبحثِ، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة، والله أعلم (١).
الثالث: إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة أهل الحفظ والإِتقان، غير أنه من المشهورين بالصدقِ والسَّتْر، ورُوِيَ مع ذلك حديثُه من غيرِ وجه، فقد اجتمعت له القوةُ من الجهتين، وذلك يرقى حديثه من درجةِ الحسَنِ إلى درجة الصحيح.
مثالُه: حديثُ محمد بن عمرو، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ أن رسولَ الله ﷺ قال: " لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسوَاكِ عند كلِّ صلاةٍ (٢) ". فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل ِ الإِتقان، حتى ضعَّفه بعضُهم من جهة سوء حفظه، ووثَّقَه بعضهم لصدقِه وجلالتِه، فحديثُه من هذه الجهة حَسَنٌ، فلما انضم إلى ذلك كونه رُوِيَ من أوجُهٍ أُخَرَ، زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهةِ سوءِ حفظه، وانجبر به ذلك النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإِسنادُ والتحق بدرجةِ الصحيح، والله أعلم.
الرابع: " كتابُ أبي عيسى الترمذي " ﵀ أصلٌ في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نَوَّه باسمِه وأكثَر من ذكره في (جامعِه) ويوجدُ في متفرقات من كلام بعض ِ مشايخِهِ والطبقةِ التي قبله كأحمد بن حنبل ٍ والبخاري وغيرهما *.