" صح " صريحةً. وهذا يُشعِرُ بكونِها رمزًا إلى: صح، وحَسُن إثباتُ " صح " ههنا لئلا يُتَوهَّمَ أن حديث هذا الإسناد سَقَط، ولئلا يركبَ الإسنادُ الثاني على الإِسنادِ الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا. وحكى لي بعض من جمعتني وإياه الرحلةُ بخراسانَ عمن وصفه بالنقل من الأصبهانيين، أنها حاءٌ مهملة من: التحويل، أي من إسناد إلى إسنادٍ آخرَ. وذاكرتُ فيها بعضَ أهل ِ العلم من أهل ِ المغرب. (١) وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل الحديث أنها حاءٌ مهملة؛ إشارة إلى قولنا: الحديث، فقال لي: " أهل المغرب، وما عرفت بينهم اختلافًا، يجعلونها حاءً مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها: الحديث ". وذكر لي أنه سمع بعضَ البغداديين يذكر أيضًا أنها حاءٌ مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها في القراءة: " حاء " ويمر.
وسألت أنا الحافظَ الرحال " أبا محمد عبدالقادرَ بنَ عبدالله الرهاوي ﵀ " عنها، فذكر أنها حاء من: حائل، أي تحول بين إسنادين. قال: ولا يُلفَظ بشيءٍ عند الانتهاءِ إليها في القراءة. وأنكر كونَها من: الحديث، وغير ذلك، ولم يعرف غيرَ هذا عن أحدٍ من مشايخه، وفيهم عددٌ كانوا حُفَّاظَ الحديث في وقتِه.
وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: " حا " ويمر؛ فإنه أحوَطُ الوجوه وأعدلها (٢). والعلمُ عند الله تعالى.
السادسَ عشر: ذكر " الخطيبُ الحافظُ " أنه ينبغي للطالبِ أن يكتبَ بعد البسملة اسمَ الشيخ الذي سمع الكتابَ منه وكنيتَه ونسبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظِه. قال: وإذا كتب الكتابَ المسموعَ فينبغي أن يكتبَ فوق سطرِ التسميةِ أسماءَ من سمع معه وتاريخَ وقتِ السماع، وإن أحبَّ كتبَ ذلك في حاشيةِ أول ِ ورقةٍ من الكتاب؛ فكُلاًّ قد فعله شيوخُنا. والله أعلم.
[٥٨ / ظ] قلتُ: كِتْبَةُ التسميع ِ حيث ذَكَره، أحوَظُ وأحْرَى بأنْ لا يخفى على من
стр. 387
يحتاجُ إليه، ولا بأس بكتبتِه آخرَ الكتابِ وفي ظهرِه، وحيث لا يخفى موضعُه. وينبغي أن يكونَ التسميعُ بخطِّ شخص ٍ موثوق به غير مجهول ِ الخطِّ، ولا ضيرَ حينئذٍ في أن لا يكتبَ الشيخُ المسمعُ خَطَّه بالتصحيح. وهكذا لا بأس على صاحبِ الكتابِ إذا كان موثوقًا به، أن يقتصر على إثباتِ سماعِه بخطِّ نفسِه؛ فطال ما فعل الثقاتُ ذلك.
وقد حدثني بمروَ " الشيخُ أبو المظفرُ بنُ الحافظ أبي سعد الهروي " عن أبيه عمن حدثه من الأصبهانية، أن " عبدالرحمن بن أبي عبدالله ابن مَنْده " قرأ ببغدادَ جزءًا على " أبي أحمدَ الفَرضي " وسأله خطَّه ليكون حُجةً له. فقال له أبو أحمد: يا بني، عليك بالصدقِ؛ فإنك إذا عُرِفتَ به لا يكذبك أحدٌ، وتُصَدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك؛ فلو قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟
ثم إن على كاتبِ التسميع التحري والاحتياطَ، وبيانَ السامع والمسموع والمسموع منه (١)، بلفظٍ غير محتمل، ومجانبةَ التساهل فيمن يُثبتُ اسمَه، والحذرَ من إسقاطِ اسم أحدٍ منهم لغرض ٍ فاسِد؛ فإن كان مُثبِتَ السماع غيرَ حاضرٍ في جميعِه، لكن أثبته معتمدًا على إخبارِ مَن يثق بخبرِه من حاضريه، فلا بأسَ بذلك إن شاء الله تعالى.
ثم إن من ثَبَتَ سماعُه في كتابِه، فقبيح به كتمانُه إياه ومنعُه من نقل سماعِه ومن نَسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به. روينا عن " الزهري " أنه قال: " إياك وغُلولَ الكُتبِ. قيل له: وما غُلول الكتب؟ قال: حَبْسُها عن أصحابِها " (٢). وروينا عن " الفُضيل بنِ عِيَاض ٍ " ﵁ أنه قال: ليس من أفعال ِ أهل الورع ولا من فعال ِ الحكماء، أن يأخذَ سماعَ رجل فيحبسَه عنه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه - وفي رواية: ولا من [٥٩ / و] فعال العلماء أن يأخذ سماعَ رجل وكتابه فيحبِسه عليه - ". فإن منعه إياه؛ فقد روينا أن رجلا ادَّعى على رجل ٍ بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى قاضيها " حفص بن غياث " فقال لصاحب الكتاب: " أخرج إلينا كُتُبَك؛ فما كان من
стр. 388
سماع هذا الرجل ِ بخطِّ يدِك ألزمناك، وما كان بِخطِّه أعفيناك منه ". قال " ابنُ خلاد ": " سألت أبا عبدالله الزبيري عن هذا، فقال: لايجيء في هذا البابِ حُكْمٌ أحسن من هذا؛ لأن خطَّ صاحبِ الكتابِ دالٌّ على رضاه باستماع صاحبه معه " قال ابنُ خلاد: وقال غيره: ليس بشيء (١) وروى " الخطيبُ [أبو بكر الحافظ (٢)] عن إسماعيلَ بنِ إسحاق القاضي (٣)، أنه تُحوكِمَ إليه في ذلك فأطرق مليًّا ثم قال للمدَّعى عليه: " إن كان سماعُه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعُه في كتابك بخطِّ غيرك فأنت أعلم ".
قلت: " حفصُ بن غياث " (٤) معدود في الطبقة الأولى من أصحابِ أبي حنيفة، و " أبو عبدالله الزبيري " من أئمة أصحابِ الشافعي، و " إسماعيل بن إسحاق " لسانُ أصحابِ مالكٍ وإمامهم، وقد تعاضدت أقوالُهم في ذلك، ويرجع حاصلُها إلى أن سماعَ غيره إذا ثبت في كتابِه برضاه فيلزمه إعارتُه إياه. وقد كان لا يبين لي وجهُه، ثم وجَّهتُه بأن ذلك بمنزلة شهادةٍ له عنده، فعليه أداؤها بما حَوَتْه. وإن كان فيه بذلُ مالِه، كما يلزم متحملَ الشهادةِ أداؤها وإن كان فيه بذلُ نفسِه، بالسعي إلى مجلس ِ الحكم لأدائها. * والعلم عند الله ﵎.
стр. 389
ثم إذا نسخ الكتابَ فلا ينقل سماعَه إلى نسختِه إلا بعد المقابلةِ المرضية. وهكذا لا ينبغي لأحدٍ أن ينقل سماعًا إلى شيء من النسخ أو يثبتَه فيها عند السماع ابتداءً، إلا بعد المقابلة المرضيةِ بالمسموع؛ كيلا يغتر أحدٌ بتلك النسخةِ غير المقابَلة؛ إلا أن يُبَيِّن مع النقل ِ وعنده، [٥٩ / ظ] كونَ النسخةِ غيرَ مقابلة. والله أعلم.
стр. 390
النوع السادس والعشرون:
في صفةِ روايةِ الحديث وشرطِ أدائه وما يتعلق بذلك .
وقد سبق بيانُ كثيرٍ منه في ضمن النوعين قبلَه.
شدَّد قومٌ في الروايةِ فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرَّطوا: ومن مذاهب التشديد مذهبُ من قال: لا حُجةَ إلا فيما رواه الراوي من حفظِه وتذكُّرِه، وذلك مروِيٌّ عن مالك وأبي حنيفة ﵄. وذهب إليه من أصحاب الشافعي " أبو بكر الصيدلاني المروزي " (١).
ومنها مذهبُ من أجاز الاعتمادَ في الرواية على كتابِه، غير أنه لو أعار كتابَه وأخرجه من يدِه لم ير الروايةَ منه لغيبتِه عنه. وقد سبقت حكايتُنا لمذاهبَ عن أهل ِ التساهل، وإبطالُها، في ضمن ما تقدم من شرح وجوهِ الأخذ والتحمل، ومن أهل التساهل قوم سمعوا كتُبًا مصنفةً وتهاونوا، حتى إذا طعنوا في السنِّ واحتيج إليهم، حملهم الجهلُ والشَره على أن روَوها من نُسَخ مشتراةٍ أو مستعارةٍ غير صحيحةٍ ولا مقابَلة، فعَدَّهم " الحاكم أبو عبدالله الحافظ " في طبقات المجروحين. قَال: وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون. وقال: وهذا مما كثُر في الناس ِ وتعاطاه قومٌ من أكابرِ العلماء والمعروفين بالصلاح.
قلت: ومن المتساهلين " عبدُالله بن لهيعةَ المصري " تُركَ الاحتجاجُ بروايته، مع جلالتِه؛ لتساهلِه. ذُكِرَ عن " يحيى بنِ حسان " (٢) أنه رأى قومًا معهم جزء سمعوه من " ابن لهيعة " فنظر فيه فإذا ليس فيه حديث [٦٠ / و] واحد من حديثِ ابن لهيعة، فجاء
стр. 391
ابن لهيعة فأخبره بذلك. فقال: ما أصنع؟ يجيئوني (١) بكتابٍ فيقولون: هذا من حديثك، فأحدثهم به " (٢).
ومِثلُ هذا واقعٌ من شيوخ زماننا *؛ يجيء إلى أحدِهم الطالبُ بجزءٍ أو كتابٍ فيقول: هذا روايتُك. فيمكنه من قراءته عليه مقلدًا له، من غير أن يبحث بحيث تحصل له الثقةُ بصحة ذلك.
والصواب ما عليه الجمهور؛ وهو التوسطُ بين الإِفراط والتفريط؛ فإذا قام الراوي في الأخذ والتحمل بالشرط الذي تقدم شرحُه، وقابَل كتابَه وضَبطَ سماعَه على الوجه الذي سبق ذكرُه، جازت له الروايةُ منه، وإن أعاره وغاب عنه، إذا كان الغالبُ من أمره سلامتَه من التغيير والتبديل. لا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه في الغالبِ، لو غُيِّر شيءٌ منه وبُدِّل، تغييرُه وتبديلُه. وذاك لأن الاعتمادَ في باب الرواية على غالب الظنِّ، فإذا حصل أجْزَأَ، ولم يُشترك مَزيدٌ عليه. والله أعلم.
стр. 392
تفريعات:
أحدُها: إذا كان الراوي ضريرًا ولم يحفظ حديثَه من فم من حدثه ، واستعان بالمأمومين في ضبطِ سماعه وحفظِ كتابِه ثم عند روايتِه في القراءةِ منه عليه، واحتاط في ذلك على حسبِ حاله، بحيث يحصلُ معه الظنُّ بالسلامةِ من التغيير، صحت روايتُه. غير أنه أوْلى بالخلافِ والمنع ِ من مثل ِ ذلك من البصير *. قال " الخطيب الحافظ ": " والسماعُ من البصير الأميِّ والضرير اللذين لم يحفظا من المحدِّثِ ما سمعاه منه، لكنه كُتِبَ لهما بمثابة واحدة. قد منع منه غير واحد من العلماء، ورخَّصَ فيه بعضُهم ". والله أعلم (٢).
الثاني: إذا سمع كتابًا ثم أراد روايتَه من نسخة ليس فيها سماعُه، ولا هي مقابَلة بنسخةِ سماعه، غير أنه سُمِع منها على شيخِه، لم يجز له ذلك . [٦٠ / ظ] قطع به " الإمامُ أبو نصر بن الصباغ الفقيه " فيما بلغنا عنه. وكذلك لو كان فيها سماعُ شيخِه أو روى منها ثقةٌ عن شيخِه، فلا يجوز له الروايةُ منها اعتمادًا على مجردِ ذلك؛ إذ لا يؤمَنُ أن يكونَ فيها زوائدُ ليست في نسخة سماعه. ثم وجدتُ " الخطيبَ " قد حكى مِصداقَ ذلك عن أكثر أهل ِ الحديث، فذكر فيما إذا وجَد أصلَ المحدِّثِ ولم يُكْتَب فيه سماعُه، أو وجد
стр. 393
نسخةً كتبت عن الشيخ تسكن نفسُه إلى صحتها، أن عامةَ أصحابِ الحديث منعوا من روايته من ذلك. وجاء عن " أيوب السختِياني، ومحمد بن بكر البُرساني " الترخُّصُ فيه (١).
قلت (٢): اللهم إلا أن يكون له إجازةٌ من شيخه عامة لمروياته أو نحو ذلك، فيجوز له حينئذ الروايةُ منها؛ إذ ليس فيه أكثرُ من رواية تلك الزيادات بالإِجازة بلفظِ " أخبرنا " أو " حدثنا " من غير بيانٍ للإِجازة (٣) فيها، والأمرُ في ذلك قريبٌ يقع مثلُه في محلِّ التسامح. وقد حكينا فيما تقدم أنه لا غنى في كلِّ سماع عن الإجازة (٤)؛ ليقع ما يسقط في السماع على وجهِ السهو وغيره من كلماتٍ أو أكثرَ، مرويًّا بالإجازة، وإن لم يُذكر لفظُها. فإن كان الذي في النسخة سَماعُ شيخ ِ شيخِه، أو هي مسموعةٌ على شيخ ِ شيخِه، أو مرويةٌ عن شيخ ِ شيخِه، فينبغي له حينئذ في روايتِه منها، أن تكون له إجازةٌ شاملة من شيخه، ولشيخِه أجازةٌ شاملة من شيخِه، وهذا تيسيرٌ حسنٌ هدانا اللهُ له - وله الحمد - والحاجةُ إليه ماسَّةٌ في زمانِنا جدًّا. والله أعلم.
الثالث: إذا وجد الحافظُ في كتابِه خلافَ ما يحفظه، نظر؛ فإن كان إنما حفظ ذلك من كتابِه فليرجعْ إلى ما في كتابه ، وإن كان حَفظه من فم المحدِّثِ فليعتمدْ حِفظَه دون ما في كتابِه إذا لم يتشكك. وحَسَنٌ أن يذكرَ الأمرين في روايتِه، فيقول: " حفظي كذا، وفي كتابي كذا " هكذا فعل " شُعبةُ " وغيرُه. وهكذا إذا خالفه فيما يحفظه بعضُ الحُفَّاظ، فليقلْ: " حفظي كذا وكذا، وقال فيه فلان، أو: قال فيه غيري كذا وكذا " أو شبه هذا من الكلام. كذلك فعل " سُفيانُ الثوري " وغيرُه. والله أعلم.
الرابع: إذا وجد سماعَه في كتابِه وهو غير ذاكر لسماعِه ذلك؛ فعن " أبي حنيفةَ " ﵀، وبعض ِ أصحاب " الشافعي " ﵀ أنه لا يجوز له روايتُه. ومذهب " الشافعي " وأكثرِ أصحابِه، وأبي يوسفَ ومحمد، أنه يجوز له روايتُه.
стр. 394
قلت: هذا الخلاف ينبغي أن يُبْنَى على الخلافِ السابق قريبًا، في جوازِ اعتماد الراوي على كتابه وفي ضبطِ ما سمعه؛ فإنَّ ضَبْطَ أصل ِ السماع كضبطِ المسموع، فكما كان الصحيحُ وما عليه أكثرُ أهل ِ الحديث، تجويزَ الاعتماد على الكتاب المصونِ في ضبط المسموع؛ حتى يجوزَ له أن يرويَ ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثَه حديثًا حديثًا؛ كذلك ليكنْ هذا إذا وُجِدَ شرطُه، وهو أن يكون السماع بخطِّه أو بِخَطِّ من يثق به، والكتابُ مصون بحيث يغلب على الظنِّ سلامةُ ذلك من تطرُّق التزوير والتغيير إليه، على نحو ما سبق ذكره في ذلك. وهذا إذا لم يتشكك فيه وسكنتْ نفسُه إلى صحته، فإن تشكك فيه لم يجز الاعتمادُ عليه. والله أعلم.
الخامس: إذا أراد روايةَ ما سمعه على معناه دون لفظِه ، فإن لم يكن عالما عارفًا بالألفاظِ ومقاصدها، خبِيرًا بما يُحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها؛ فلا خلافَ أنه لا يجوزُ له ذلك، وعليه ألا يرويَ ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير [٦١ / ظ] تغيير. فأما إذا كان عالمًا عارفًا بذلك؛ فهذا مما اختلف فيه السلفُ وأصحابُ الحديث وأربابُ الفقه والأصول؛ فجوَّزه بعضُ المحدِّثين، وطائفةٌ من الفقهاءِ والأصوليين من الشافعيين وغيرهم. (١) ومنعه بعضُهم في حديثِ رسول الله ﷺ ، وأجازه في غيره (٢).
стр. 395
والأصحُّ جوازُ ذلك في الجميع إذا كان عالمًا بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدَّى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوالُ الصحابة والسلف الأولين وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمرٍ واحد بألفاظٍ مختلفة، (١) وما ذلك إلا لأن مُعَوَّلَهم كان على المعنى دون اللفظ *.
стр. 396
ثم إن هذا الخلافَ لا نراه جاريًا ولا أجراه الناسُ فيما نعلم فيما تضمنته بطونُ الكتب؛ فليس لأحدٍ أن يغير لفظَ شيءٍ من كتاب مصنَّف، ويُثبت بدلَه فيه لفظًا آخرَ بمعناه، بل الروايةُ بالمعنى رَخَّص فيها من رخص لما كان عليه في ضبطِ الألفاظ والجمودِ عليها من الحرَج والنَّصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطونُ الأوراق والكتبِ، ولأنه إن مَلَكَ تغيير اللفظِ فليس يملك تغيير تصنيفِ غيرِه. والله أعلم.
السادس: ينبغي لمن رَوى حديثًا بالمعنى أن يُتبعه بأن يقول: أو كما قال، أو نحو هذا وما أشبه ذلك من الألفاظ . رُوِيَ ذلك من الصحابة عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنَس ٍ ﵃. * قال " الخطيب ": " والصحابة أربابُ اللسانِ وأعلم الخلق بمعاني الكلام،
стр. 397
ولم يكونوا يقولون ذلك (١) إلا تخوفًا من الزلَل لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر " (٢).
قلت (٣): وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرؤه فقرأها على وجه يشكُّ فيه، ثم قال: أو [٦٢ / و] كما قال؛ فهذا حسَنٌ، وهو الصوابُ في مثلِه لأن قولَه: او كما قال؛ يتضمن إجازة من الراوي، وإذنًا في رواية صوابِها عنه إذا بان. ثم لا يشترط إفرادُ ذلك بلَفظِ الإِجازة؛ لما بيَّناه قريبًا. والله أعلم.
السابع: هل يجوز اختصارُ الحديث الواحد وروايةُ بعضِه دون بعض ؟ اختلف أهلُ العلم فيه؛ فمنهم من منع ذلك مطلقًا بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقًا. ومنهم من منع من ذلك مع تجويزه النقلَ بالمعنى، (٤) إذا لم يكن قد رواه على التمام مرةً أخرى، ولم يعلم أن غيره قد رواه على التمام. ومنهم من جوَّز ذلك وأطلق ولم يُفَصِّل. وقد روينا عن " مجاهدٍ " أنه قال: انقُصْ من الحديث ما شئتَ ولا تَزِدْ فيه. *
والصحيحُ التفصيلُ، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف، إذا كان ما تركه متميزًا عما نقله، غير متعلق به بحيث لا يختل البيانُ، ولا تختلف الدلالةُ فيما نقله بترك ما تركه، (٥) فهذا ينبغي أن يجوز وإن لم يجز النقل بالمعنى؛ لأن الذي تركه - والحالةُ هذه - بمنزلة
стр. 398
خبرين منفصلين في أمرين لا تعلُّقَ لأحدِهما بالآخر (١).
ثم هذا إن كان رفيعَ المنزلة بحيث لا يتطرقُ إليه في ذلك تهمةُ نقلِه أولا تامًّا، (٢) ثم نقله ناقصًا، أو نقله أولا ناقصًا ثم نقله تامًّا. فأما إذا لم يكن كذلك؛ فقد ذكر " الخطيبُ الحافظ " أن من روى حديثًا على التمام، وخاف إن رواه مرة أخرى على النقصان، أن يُتَّهمَ بأنه زاد في أول مرة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسي في الثاني باقي الحديثِ لقِلَّةِ ضبطهِ وكثرةِ غلَطه، فواجبٌ عليه أن يَنفي هذه الظَّنَّةَ عن نفسه. (٣) وذكر " الإِمامُ أبو الفتح سُليمُ بنُ أيوبَ الرازي، الفقيهُ " [٦٢ / ظ] أن مَن روى بعضَ الخبر ثم أراد أن ينقلَ تمامَه، وكان ممن يُتَّهم بأنه زاد في حديثه؛ كان ذلك عُذرًا له في تركِ الزيادة وكتمانِها.
قلتُ: مَن كان هذا حاله؛ فليس له من الابتداء أن يرويَ الحديثَ غيرَ تامٍّ، إذا كان قد تعيَّن عليه أداءُ تمامِه؛ لأنه إذا رواه أولا ناقصًا، أخرج باقيَه من حيِّزِ الاحتجاج به،
стр. 399
ودار بين أن لا يرويه أصلا، فيُضيِّعَه رأسًا، وبين أن يرويَه متَّهمًا فيه فيضيعَ ثمرتَه؛ لسقوطِ الحجةِ فيه. والعلم عند الله تعالى.
وأما تقطيع المصنِّف متنَ الحديث الواحد وتفريقه (١) في الأبواب؛ فهو إلى الجواز أقربُ ومن المنع أبعَدُ. وقد فعله " مالك، والبخاري " وغيرُ واحدٍ من أئمة الحديث، ولا يخلو من كراهية. * والله أعلم.
стр. 400
الثامن: ينبغي للمحدِّث ألا يروي حديثه بقراءةِ لحَّانٍ أو مصحِّف . روينا عن " النضر بن شُميل " ﵁، قال: " جاءت هذه الأحاديثُ عن الأصل معربة ". وأخبرنا " أبو بكر بن أبي المعالي الفراوي " قراءةً عليه قال: أنا الإمام أبو جَدِّي، (١) أبو عبدالله محمدِ بن الفضل الفراوي، قال: أنا أبو الحسين عبدالغافر بن محمد بن الفارسي، قال: أنا الإِمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي قال: حدثني محمد بن معاذ، قال: أنا بعضُ أصحابِنا عن أبي داودَ السِّنْجِي، (٢) قال: سمعتُ الأصمعي يقول: إن أخوفَ ما أخاف على طالبِ العلم إذا لم يعرف النحوَ أن يدخل في جملة (٣) قول ِ النبي ﷺ : " من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعَده من النار "؛ لأنه ﷺ لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه حديثًا ولَحنتَ فيه؛ كذبتَ عليه (٤).
قلت: فحقّ على طالبِ الحديث أن يتعلم من النحوِ واللغةِ ما يتخلصُ به من شَيْنِ اللحنِ والتحريفِ ومعرَّتها. روينا [٦٣ / و] عن " شعبةَ " قال: " من طلب الحديثَ ولم يبصر العربيةَ فمثلُهُ مثلُ رجل ٍ عليه بُرنُسٌ ليس له رأس " - أو كما قال -. وعن " حماد بن سلمة " قال: " مثَلُ الذي يطلب الحديثَ ولا يعرفُ النحو، مَثَلُ الحمار عليه مخلاةٌ لا شعيرَ فيها ".
وأما التصحيف فسبيلُ السلامةِ منه، الأخذُ من أفواهِ أهل ِ العلم أو الضبطِ؛ فإن مَن حُرِمَ ذلك، وكان أخذُه وتعلمُه من بطونِ الكتُبِ؛ كان من شأنه التحريفُ، ولم يُفلِتْ من التبديل والتصحيف. والله أعلم.
التاسع: إذا وقع في روايتِه لحنٌ أو تحريف؛ فقد اختلفوا ؛ فمنهم من كان يرى أنه يَرويه على الخطأ كما سمعه، وذهب إلى ذلك من التابعين: " محمد بن سيرين، وأبو معمر
стр. 401
عبدالله بن سخبرة ". وهذا غُلُوٌّ في مذهب اتباع (١) اللفظِ والمنع من الرواية بالمعنى. ومنهم من رأى تغييرَه وإصلاحَه وروايتَه على الصواب؛ روينا ذلك عن " الأوزاعي، وابنِ المبارك " وغيرهما. وهو مذهبُ المحصِّلين والعلماء من المحدِّثين. والقولُ به في اللحنِ الذي لا يختلفُ به المَعنى وأمثالِه، لازمٌ على مذهبِ تجويزِ روايةِ الحديثِ بالمعنى. (٢) وقد سبق أنه قولُ الأكثرين *.
وأما إصلاحُ ذلك وتغييره في كتابِه وأصلِه؛ فالصوابُ تركُه، وتقريرُ ما وقع في الأصل ِ على ما هو عليه، مع التضبيبِ عليه، وبيانِ الصوابِ خارجًا في الحاشية؛ فإن ذلك أجمعُ للمصلحة وأنفى للمفسَدة. وقد روينا أن بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِيَ في المنام وكأنه قد مَرَّ من شفتِه أو لسانِه شيء، فقيل له في ذلك، فقال: لفظةٌ من حديثِ رسول ِ الله ﷺ غيرتُها برأيي؛ ففُعِلَ بي هذا.
وكثيرا ما نرى ما يتوهمُه كثيرٌ من أهل العلم خطأً - وربما غيَّروه - صوابًا ذا وجهٍ
стр. 402
صحيح، وإن خَفِيَ واستُغرب، لا سيما فيما يعدونه خطأ من جهةِ العربية؛ وذلك لكثرةِ لغاتِ العربِ وتشعُّبِها.
[٦٣ / ظ] وروينا عن " عبدالله بن أحمد بن حنبل " قال: " كان إذا مرَّ بأبي لحنٌ فاحشٌ غَيَّره، وإذا كان لحنًا سهلا تركه، وقال: كذا قال الشيخ " (١).
وأخبرني بعضُ أشياخِنا عمن أخبره عن " القاضي الحافظ عياض " بما معناه واختصارُه، أن الذي عليه استمر عملُ أكثرِ الأشياخ، أن ينقلوا الروايةَ كما وصلت إليهم ولا يغيروها في كُتبِهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الروايةُ فيها في الكتب على خلافِ التلاوةِ المجمَع عليها، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ. ومن ذلك ما وقع في (الصحيحين، والموطأ) وغيرها. لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها هذا عند السماع والقراءةِ، وفي حواشي الكتب مع تقريرِهم ما في الأصول على ما بلغهم. ومنهم من جَسُرَ على تغييرِ الكتبِ وإصلاحِها، منهم " أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوَقَشِي " (٢) فإنه لكثرَةِ مطالعتِه وافتنانِه وثقوبِ فهمِه وحِدَّةِ ذهنِه، جَسُرَ على الإِصلاح كثيرًا، وغلط في أشياءَ من ذلك. وكذلك غيرُه ممن سلك مسلكَه. والأوْلَى سدُّ بابِ التغيير والإصلاح لئلا يجسُرَ على ذلك مَن لا يُحسَنُ، والطريقُ الأول أسلم (٣) مع التبيين؛ فيذكر ذلك عند السماع كما وقع، ثم يذكر وجهَ صوابِه: إما من جهةِ العربية، وإما من جهة الرواية. وإن شاء قرأه أولا على الصوابِ ثم قال: وقع عند شيخِنا، أو: في روايتنا، أو: من طريق فلان، كذا وكذا ... وهذا أولى من الأول ِ كيلا يُتَقَوَّلَ على رسول ِ الله ﷺ ، ما لم يَقُل. وأصلَحُ ما يعتمدُ عليه من الإِصلاح ِ، أن يكون ما يَصلُحُ به الفاسدُ قد ورد
стр. 403
من أحاديثَ أُخَر، فإن ذاكِرَه آمِنٌ من أن يكون متقوِّلا على رسول الله ﷺ ما لم يقل. والله أعلم (١) *.
العاشر: إذا كان الإِصلاحُ بزيادةِ شيءٍ قد سقط؛ فإن لم يكن من ذلك مغايرةٌ في المعنى؛ فالأمرُ فيه على ما سبق ، وذلك كنحو [٦٤ / و] ما رُوِيَ عن " مالك " ﵁ أنه قيل له: " أرأيت حديثَ النبي ﷺ يُزاد فيه الواوُ والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا ".
وإن كان الإِصلاحُ بالزيادةِ يشتمل على معنى مغايرٍ لما وقع في الأصل؛ تأكد فيه الحكمُ بأنه يذكر ما في الأصل مقرونًا بالتنبيهِ على ما سقطَ؛ ليسلم من معرَّةِ الخطأ، ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل. حدَّث " أبو نعيم الفضلُ بن دكين " عن شيخ له بحديث قال فيه: " عن بُحَيْنةَ " فقال أبو نعيم: " إنما هو ابنُ بُحينةَ، ولكنه قال: بحينة " (٢).
وإذا كان مَن دُون موضع ِ الكلام الساقِط معلومًا أنه أتى به، وإنما أسقطه مَنْ بعدَه، ففيه وجهٌ آخر، وهو أن يُلحقَ الساقط في موضعِه من الكتاب مع كلمة: يعني (٣)، كما فعل
стр. 404
" الخطيب الحافظ " إذ روى عن أبي عمرَ بن مهدي، عن القاضي المحاملي بإِسناده عن عروة، عن عمرةَ بنت عبدالرحمن - تعني عن عائشة - أنها قالت: " كان رسولُ الله ﷺ يُدنِي إليَّ رأسَه فأُرَجِّله " قال " الخطيب ": كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة أنها قالت: " كان رسول الله ﷺ يدني إليَّ رأسَه " فألحقنا فيه ذكرَ " عائشةَ " إذ لم يكن منه بُدٌّ، وعلمنا أن " المحاملي " كذلك رواه، وإنما سقط من كتابِ شيخِنا أبي عمر، وقلنا فيه: " تعني عن عائشة "؛ لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك. وهكذا رأيتُ غيرَ واحدٍ من شيوخِنا يفعل في مثل هذا " ثم ذكر بإِسناده عن " أحمدَ بنِ حنبل " ﵁ قال: " سمعت وكيعًا يقول: أنا أستعين في الحديثِ بِ: يعني " (١).
قلتُ: وهذا إذا كان شيخُه قد رواه له على الخطأ. فأما إذا وجد ذلك في كتابِه وغلب على ظنِّه أن ذلك من الكتابِ لا من شيخه؛ فيتجه ههنا إصلاحٌ ذلك في كتابِه وفي روايته عند تحديثِه به [٦٤ / ظ] معًا. ذكر " أبو داودَ " أنه قال لأحمدَ بن حنبل: " وجدتُ في كتابي: حجاج عن جريج عن أبي الزبير؛ يجوزُ لي أن أصلحَه: ابن جريج؟ فقال: أرجو أن يكونَ هذا لا بأسَ به " (٢). والله أعلم.
وهذا من قبيل ِ ما إذا دَرَس من كتابه بعضُ الإِسنادِ أو المتن؛ فإنه يجوز له استدراكُه من كتاب غيره، إذا عرف صحتَه وسكنتْ نفسُه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابِه؛ وإن كان في المحدِّثين من لا يستجيز ذلك. وممن فعل ذلك " نعيم بن حماد " فيما رُوِي عن يحيى بن معين عنه. قال " الخطيبُ الحافظ ": " ولو بيَّن ذلك في حال الرواية كان أوْلَى " (٣).
стр. 405
وهكذا الحكم في استثباتِ الحافظِ ما شكَّ فيه من كتابِ غيرِه أو من حفظِه، وذلك مروِيٌّ عن غير واحدٍ من أهل الحديث، منهم: " عاصم، وأبو عوانَةَ، وأحمدُ بنُ حنبل ". وكان بعضُهم يبين ما ثبَّتَه فيه غيرُه. فيقول: " حدثنا فلان، وثبتني فلان " كما روي عن " يزيد بن هارون " أنه قال: " أنا عاصم، وثبَّتني شعبةُ، عن عبدالله بن سَرْجِسَ ... " (١).
وهكذا الأمرُ فيما إذا وجد في أصل ِ كتابه كلمةً من غريبِ العربية أو غيرها غيرَ مقيدةٍ وأشكلتْ عليه؛ فجائزٌ أن يسأل عنها أهلَ العلم بها، ويرويها على ما يخبرونه به. رُويَ مثلُ ذلك عن " إسحاق بن راهَويه، وأحمدَ بنِ حنبل " وغيرِهما، (٢) ﵃. والله أعلم.
الحادي عشر: إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثرَ، وبين روايتهما تفاوتٌ في اللفظ، والمعنى واحدٌ ، كان له أن يجمعَ بينهما في الإِسناد ثم يسوق الحديثَ على لفظِ أحدِهما خاصةً، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظُ لفلانٍ، أو: وهذا لفظُ فلان، قال أو قالا: أخبرنا فلان، أو ما أشبه ذلك من العبارات.
ولِ " مسلم: صاحب الصحيح " مع هذا في ذلك عبارةٌ أخرى حسنةٌ، مثلُ قولِه: " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة [٦٥ / و] وأبو سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش " وساق الحديثَ. فإعادتُه ثانيًا ذِكرَ أحدِهما خاصةً، إشعارٌ بأن اللفظَ المذكورَ له.
وأما إذا لم يخص أحدَهما بالذكر، بل أخذ من لفظِ هذا ومن لفظِ ذاك، وقال: " أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظِ، قالا: أخبرنا فلان "؛ فهذا غيرُ ممتنع على مذهبِ تجويز الروايةِ بالمعنى.
وقولُ " أبي داودَ: صاحبِ السنَن ": " حدثنا مُسَدَّد وأبو توبة، (٣) المعنى، قالا: حدثنا
стр. 406
أبو الأحوص " مع أشباهٍ لهذا في كتابِه، يحتمل أن يكونَ من قبيل ِ الأول، فيكون اللفظُ لمسدد ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون قد أورد لفظَ أحدِهما خاصة، بل رواه بالمعنى عن كليهما *، وهذا الاحتمالُ يقربُ في قوله: " حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، المعنى واحد، قالا: حدثنا أبان ".
وأما إذا جمع بين جماعةِ رواةٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظَ كلِّ واحدٍ منهم، وسكت عن البيان لذلك؛ فهذا مما عيب به " البخاريُّ " أو غيرُه، ولا بأسَ به على مقتضى مذهبِ تجويزِ الرواية بالمعنى، وإذا سمع كتابًا مصنفًا من جماعةٍ، ثم قابل نسختَه بأصل ِ بعضِهم دون بعض، وأراد أن يذكر جميعَهم في الإِسناد ويقول: واللفظ لفلانٍ؛ كما سبق، فهذا يحتمل أن يجوزَ كالأول ِ؛ لأن ما أوردَه قد سمعه بنصِّه (١) ممن ذكره أنه بلفظِه، ويحتمل ألا يجوزَ لأنه لا علم عنده بكيفيةِ روايةِ الآخرين حتى يخبرَ عنها، بخلاف ما سبق فإنه اطلع على روايةِ غيرِ مَنْ نَسَبَ اللفظَ إليه، وعلى موافقتهما (٢) من حيث المعنى، فأخبر بذلك **. والله أعلَم.
стр. 407
الثاني عشر: ليس له أن يزيدَ في نسبِ مَنْ فوق شيخِه من [٦٥ / و] رجال الإِسناد على ما ذكره شيخُه، مُدرَجًا (١) عليه من غير فصْل مُميِّز. فإن أتى بفصل ٍ جاز، مثل أن يقول: هو ابن فلان الفلاني، أو: يعني ابن فلان، ونحو ذلك. وذكر " الحافظ الإِمام أبو بكر البرقاني " ﵀ في (كتابِ اللُّقَطِ) له، بإِسناده عن " علي ابن المديني " قال:
стр. 408
إذا حدثك الرجل فقال: حدثنا فلان، ولم ينسبه، فأحببتَ أن تنسبه فقلْ: حدثنا فلان أن فلان بن فلان حدَّثه. والله أعلم.
وأما إذا كان شيخُه قد ذكر نَسبَ شيخِه أو صفتَه في أول كتابٍ أو جزءٍ عند أول حديثٍ منه، واقتصر فيما بعده من الأحاديث على ذكر اسم الشيخ أو بعض ِ نسبِه - مثالُه أن أروي جزءًا عن " الفراوي " وأقولَ في أوله: " أخبرنا أبو بكر منصور بن عبدالمنعم بن عبدالله الفَراوي، قال: أخبرنا فلان " وأقول فيه باقي أحاديثه: " أخبرنا منصور، ... أخبرنا منصور " فهل يجوز لمن سمع ذلك الجزءَ مني أن يرويَ عني الأحاديثَ التي بعد الحديثِ الأول ِ متفرقةً، ويقولَ في كلِّ واحد منها: " أخبرنا فلان، قال أخبرنا أبو بكر منصور بن عبدالمنعم بن عبدالله الفراوي قال: أخبرنا فلان " - اعتمادًا على ذكري له أولا؟ فهذا قد حكى " الخطيبُ الحافظ " عن أكثر أهل ِ العلم أنهم أجازوه. وعن بعضِهم أن الأوْلى أن يقول: يعني ابن فلان. وروى بإسناده عن " أحمدَ بن حنبل " ﵁ أنه كان إذا جاء اسمُ الرجل غيرَ منسوب قال: يعني ابنَ فلان (١).
ورَوَى عن " البرقاني " بإسناده عن " علي ابن المديني " ما قدمنا ذكره عنه. ثم ذكر أنه هكذا رأى " أبا بكر أحمدَ بن علي الأصبهاني، نزيل نيسابور " يفعل، وكان أحدَ الحفاظِ المجوِّدين ومن أهل الورع ِ والدينِ، وأنه سأله [٦٦ /و] عن أحاديثَ كثيرةٍ رواها له قال فيها: " أخبرنا أبو عمرو بن حمدان أن أبا يَعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي أخبرهم، وأخبرنا أبو بكر بن المقرئ أن إسحاق بن أحمد بن نافع حدَّثهم، وأنا أبو أحمد الحافظ أن أبا يوسف محمدَ بن سفيان الصفَّار أخبرهم ". فذكر له أنها أحاديثُ سمعها قراءةً على شيوخه في جملة نسخ نسبوا الذين حدثوهم بها في أولها، واقتصروا في بقيتها على ذِكْرِ أسمائهم (٢).
стр. 409
قال: وكان غيره يقول في مثل ِ هذا: أخبرنا فلان، قال أخبرنا فلان، هو ابن فلان. ثم يسوق نسبَه إلى منتهاه. قال: وهذا الذي أستحِبُّه لأن قومًا من الرواة كانوا يقولون فيما أجيز لهم: أخبرنا فلان أن فلانا حدثهم (١).
قلتُ: جميعُ هذه الوجوه جائزٌ. وأوْلاها أن يقول: هو ابن فلان، أو: يعني ابن فلان. ثم أن يقول: إن فلان بن فلان. ثم أن يذكر المذكورَ في أول الجزء بعينِه من غير فصل ٍ. والله أعلم.
الثالث عشر: جرت العادةُ بحذفِ " قال " ونحوِه فيما بين رجال الإِسنادِ خَطًّا ، ولا بد من ذكره حالةَ القراءة لفظًا. ومما قد يُغفَلُ عنه من ذلك، ما إذا كان في أثناء الإِسنادِ: " قرئ على فلان، أخبرك فلان " فينبغي للقارئ أن يقول فيه: " قيل له، أخبرك فلان ". ووقع في بعض ِ ذلك: " قرئ على فلانٍ، حدثنا فلان " فهذا يُذكر فيه: قال، فيقال: " قرئ على فلان، قال حدثنا فلان " وقد جاء هذا مصرَّحًا به خطًّا هكذا في بعض ِ ما رويناه. وإذا تكررت كلمةُ " قال " كما في قوله في (كتاب البخاري): " حدثنا صالح بن حيان، قال: قال عامر الشعبي " حذفوا إحداهما في الخَطِّ، وعلى القارئ أن يلفظَ بهما جميعًا. والله أعلم.
الرابع عشر: النسخُ المشهورةُ المشتملة على أحاديثَ بإِسنادٍ واحدٍ - كنسخةِ " همام بن مُنَبِّه (٢) " عن [٦٦ / ظ] أبي هريرةَ، رواية عبدالرزاق عن معمر، عنه. ونحوِها من النسخ والأجزاء: منهم من يُجَدِّدُ ذِكر الإِسناد في أول ِ كلِّ حديث منها. ويوجَد هذا في كثير من الأصول ِ القديمة، وذلك أحْوَطُ. ومنهم من يكتفي بذكرِ الإِسناد في أولها عند أول ِ حديث منها، أول في أول كلِّ مجلس ٍ من مجالس سماعها، ويدرج الباقي عليه ويقول في كلِّ حديثٍ بعده: " وبالإِسناد " أو: " وبه " وذلك هو الأغلَبُ الأكثر (١).
وإذا أراد من كان سماعُه على هذا الوجه تفريقَ تلك الأحاديثِ وروايةَ كلِّ حديثٍ منها بالإِسناد المذكور في أولها، جاز له ذلك عند الأكثرين، منهم " وكيع بن الجراح،
стр. 410
ويحيى بن معين، وأبو بكر الإِسماعيلي " وهذا لأن الجميع معطوف على الأول، فالإِسنادُ المذكورُ أولا، في حُكم المذكورِ في كلِّ حديث، وهو بمثابةِ تقطيع المتن الواحد في أبوابٍ، بإِسنادِه المذكورِ في أولِه (١). والله أعلم.
ومن المحدِّثين من أبَى إفرادَ شيء من تلك الأحاديث المدرَجةِ بالإِسناد المذكور أولا، ورآه تدليسًا. وسأل بعضُ أهل ِ الحديث " الأستاذَ أبا إسحاق (٢) الأسفرائيني، الفقيه الأصولي " عن ذلك، فقال: لا يجوز (٣).
وعلى هذا؛ من كان سماعُه على الوجه، فطريقه أن يُبَيِّنَ ويحكي ذلك كما جرى، كما فعله " مسلم " في صحيحه في (صحيفة همام بن منبه) نحو قوله: " أخبرنا محمد بن رافع، قال أخبرنا عبدالرزاق، قال أنبأنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة " وذكر أحاديثَ منها: " وقال رسول الله ﷺ : إن أدنى مَقعدِ أحدِكم في الجنة أن يقول له: تَمَنَّ " (٣) الحديث. وهكذا فعل كثيرٌ من المؤلفين *. والله أعلم.
стр. 411
الخامس عشر: إذا قَدَّم ذِكر المتن على الإِسناد أو ذكرَ المتنِ وبعض ِ الإِسناد، ثم ذكَرَ الإِسنادَ عقيبَه على الاتصال، مثل أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو يقول: روى [٦٧ / و] عمرو بن دينار عن جابر عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، ثم يقول: أخبرنا به فلان قال أنا فلان، ويسوق الإسناد حتى يتصلَ بما قدَّمه، فهذا يلتحق بما إذا قَدَّمَ (١) الإِسنادَ في كونِه يصير به مسنِدًا للحديث لا مرسلا له. فلو أراد من سمعه منه هكذا أن يُقدم الإِسنادَ ويؤخرَ المتنَ ويُلَفِّقَه كذلك؛ فقد ورد عن بعض ِ من تقدم من المحدِّثين أنه جوَّز ذلك (٢).
قلتُ: ينبغي أن يكونَ فيه خلافٌ نحو الخلافِ في تقديم بعض ِ مَتْنِ الحديث على بعض. وقد حكى " الخطيبُ " المنعَ من ذلك، على القول ِ بأن الرواية على المعنى لا تجوز؛
стр. 412
والجوازَ، على القول ِ بأن الرواية على المعنى لا تجوز. ولا فرقَ بينهما في ذلك * (١). والله أعلم.
وأما ما يفعلُه بعضُهم من إعادةِ ذكر الإِسناد في آخرِ الكتاب أو الجزء بعد ذكرِه أولا، فهذا لا يرفع الخلافَ الذي تقدم ذكره في إفرادِ كلِّ حديث بذلك الإسناد عند روايتها؛ لكونه لا يقعُ متصلا بكلِّ واحدٍ منها. ولكنه يفيد تأكيدًا واحتياطًا ويتضمن إجازةً بالغةً من أعلى أنواع ِ الإجازات. والله أعلم.
السادس عشر: إذا روَى المحدِّثُ الحديث (٢) بإسناد ثم أتبَعه بإسنادٍ آخر وقال عند انتهائه: " مثله " فأراد الراوي عنه أن يقتصرَ على الإِسنادِ الثاني ويسوق لفظَ الحديث المذكور عقيبَ الإِسناد الأول، فالأظهَرُ المنعُ من ذلك **.
стр. 413
وروينا عن " أبي بكر الخطيب الحافظ " ﵀ قال: كان " شُعبةُ " لا يجيز ذلك. وقال بعضُ أهل ِ العلم: يجوز ذلك إذا عرف أن المحدِّثَ ضابطٌ متحفظ يذهب إلى تمييز الألفاظِ وعدِّ الحروف. فإن لم يعرف ذلك منه؛ لم يجز ذلك. وكان غيرُ واحدٍ من أهل العلم إذا روَى مثلَ هذا، يورد الإسنادَ ويقول: [٦٧ / ظ] مثل حديثٍ قبله، متنُه كذا وكذا، ثم يسوقه. وكذلك إذا كان المحدث قد قال: نحوه، قال: " وهذا هو الذي أختارُه " (١).
أخبرنا " أبو أحمد عبدالوهاب بن أبي منصور علي بن علي البغدادي " شيخ الشيوخ بها، بقراءتي عليه بها، قال: أخبرني والدي ﵀، قال أخبرنا أبو محمد عبدالله بن محمد الصريفيني، قال أخبرنا أبو القاسم بن حُبابَة (٣)، قال حدثنا أبو القاسم عبدالله بن محمد البغوي، قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال حدثنا وكيع قال: قال " شعبة ": " فلانٌ عن فلان، مثلُه: لا يجزئ. " قال " وكيع ": " وقال سفيان الثوري: يُجزئ ".
стр. 414
وأما إذا قال: نحوه؛ فهو في ذلك عند بعضهم كما إذا قال: مثله. نُبِّئنا بإسنادٍ عن " وكيع " قال: " قال سفيان: إذا قال: نحوه؛ فهو حديث ". وقال " شعبة ": " نحوه، شَكٌّ. وعن " يحيى بن معين " أنه أجاز ما قدمناه ذكره في قوله: مثله، ولم يجزه في قوله: نحوه. قال " الخطيبُ ": وهذا القولُ على مذهبِ من لم يُجز الروايةَ على المعنى. فأما من على مذهب من أجازها؛ فلا فرقَ بين: مثله، و: نحوه (١).
قلت (٢): هذا له تعلُّقٌ بما رويناه عن " مسعود بن علي السِّجزي " (٣) أنه سمع الحاكم أبا عبدالله الحافظَ يقول: أن مما يلزم الحديثي من الضبطِ والإِتقان أن يفرق بين أن يقول: مثله، أو يقول: نحوه؛ فلا يحل له أن يقول: مثله، إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل أن يقول: نحوه، إذا كان على مثل ِ معانيه. والله أعلم.
السابع عشر: إذا ذكر الشيخُ إسناد الحديثِ ولم يذكر من متنِه إلا طرفًا ثم قال: وذكرَ الحديثَ. أو قال: وذكر الحديث بطولِه . فأراد الراوي عنه أن يرويَ الحديثَ بكمالِه وبطوله، فهذا أولى بالمنع مما سبق ذكره في قولِه: مثلُه، أو: نحوه. فطريقُه أن يبيِّن ذلك بأن يقتصَّ ما ذكره الشيخُ على وجهِه ويقول: " قال - وذكر الحديثَ بطوله " [٦٨ / و] ثم يقول: " والحديثُ بطوله هو كذا وكذا " ويسوقه إلى آخره. وسأل بعضُ أهل الحديث " أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعي " (٤) المقدم في الفقه والأصول، عن ذلك فقال: لا يجوز لمن سمع على هذا الوصف أن يروي الحديث بما فيه من الألفاظ على التفصيل.
стр. 415
وسأل " أبو بكر البرقاني الحافظُ الفقيه " أبا بكر الإسماعيلي الحافظَ الفقيه عمن قرأ إسناد حديثٍ على الشيخ ثم قال: وذكر الحديث؛ هل يجوز أن يُحدِّثَ بجميع ِ الحديث؟ فقال: إذا عرف المحدِّثُ والقارئ ذلك الحديثَ فأرجو أن يجوز ذلك، والبيانُ أوْلى أن يقولَ كما كان.
قلتُ: إذا جوَّزنا ذلك؛ فالتحقيقُ فيه أنه بطريق الإجازة فيما لم يذكره الشيخُ، لكنها إجازةٌ أكيدةٌ قويةٌ من جهاتٍ عديدةٍ، فجاز لهذا مع كونِ أوله سماعًا، إدراجُ الباقي عليه من غير إفرادٍ له بلفظ الإجازة *. والله أعلم.
الثامن عشر: الظاهرُ أنه لا يجوز تغيير " عن النبي " إلى: " عن رسول الله ﷺ ". وكذا بالعكس، وإن جازت الروايةُ بالمعنى؛ فإن شرطَ ذلك أن لا يختلفَ المعنى، والمعنى في هذا مختلف. وثبت عن " عبدالله بن أحمد بن حنبل " أنه رأى أباه إذا كان في الكتاب " النبي " فقال المحدِّث: " عن رسول الله ﷺ "؛ ضرب وكتب: عن رسول الله ﷺ . وقال " الخطيبُ أبو بكر ": " هذا غيرُ لازم؛ وإنما استحبَّ " أحمدُ " اتباعَ المحدِّث في لفظه، وإلا فمذهبُه الترخيصُ في ذلك. " (١) ثم ذكر بإسناده عن " صالح بن أحمد بن حنبل " قال: " قلت لأبي: يكون في الحديث: قال رسول الله ﷺ ، فيجعل الإنسان: قال النبي ﷺ . قال: أرجو ألا يكونَ به بأس " (٢) وذكر " الخطيبُ " بسَنده عن " حماد بن سلمة " [٦٨ / ظ] أنه كان يُحدِّث وبين يديه " عفانُ، وبَهْزٌ " فجعلا يغيران " النبي ﷺ " من
стр. 416
" رسول الله ﷺ ". فقال لهما حماد: " أما أنتما فلا تفقهان أبدًا (١). " * والله أعلم.
стр. 417
التاسعَ عشر: إذا كان سماعُه على صفةٍ فيها بعضُ الوَهَنِ، فعليه أن يذكرها في حالة الرواية؛ فإن في إغفالها نوعًا من التدليس ، وفيما مضى لنا أمثلة لذلك. ومن أمثلتِه، ما إذا حدَّثه المحدِّثُ من حِفظِه في حالة المذاكرة، فليقل: " حدثنا فلان مذاكرةً، أو: حدثنا في المذاكرة ". فقد كان غيرُ واحدٍ من متقدمي العلماء يفعل ذلك. وكان جماعةٌ من حُفاظِهم يمنعون من أن يُحمَلَ عنهم في المذاكرةِ شيءٌ، منهم " عبدالرحمن بن مهدي، وأبو زُرْعةَ الرازي " ورويناه عن " ابنِ المباركِ " وغيره. وذلك لما قد يقع فيها من المساهلة مع أن الحفظَ خَوَّان، ولذلك امتنع جماعةٌ من أعلام الحُفَّاظ من روايةِ ما يحفظونه إلا كُتبِهم، منهم " أحمدُ بن حنبل " ﵃ أجمعين -. والله أعلم.
العشرون (١): إذا كان الحديثُ عن رجلين أحدُهما مجروح، مِثل أن يكونَ عن " ثابت البُنَاني، وأبان بن أبي عيَّاش (٢)، عن أنس " فلا يُستحسَنُ إسقاطُ المجروح من الإِسنادِ والاقتصارُ على ذكرِ الثقة؛ خوفًا من أن يكون فيه عن المجروح شيء لم يذكره الثقة. قال نحوًا من ذلك " أحمدُ بن حنبل " ثم " الخطيب أبو بكر " قال " الخطيب ": " وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروحَ من الإِسنادِ ويذكر الثقة، ثم يقول: " وآخر "، كنايةً عن المجروح " قال (٣): " وهذا القول لا فائدة فيه " *.
قلتُ: وهكذا ينبغي إذا كان الحديثُ عن رجلين ثقتين ألا يُسقِطَ أحدَهما منه؛ لتطرقِ مثل ِ الاحتمال ِ المذكورِ إليه، وإن كان محذورٌ الإِسقاط فيه أقلَّ. ثم لا يمتنع ذلك في
стр. 418
الصورتين [٦٩ / و] امتناعَ تحريم؛ لأن الظاهرَ اتفاقُ الروايتين (١). وما ذكر من الاحتمال نادرٌ بعيد؛ فإنه من الإدراج ِ الذي لا يجوز تعمُّدُه، كما سبق في نوع ِ المدرَج ِ. والله أعلم (٢).
الحادي والعشرون: إذا سمع بعضَ حديثٍ من شيخ وبعضَه من شيخ آخر، فخلَطه ولم يميزه، وعَزَا الحديثَ جملةً إليهما مبيِّنًا أن عن أحدهما بعضَه وعن الآخر بعضه؛ فذلك جائزٌ . كما فعل " الزهري " في (حديث الإفك)؛ حيث رواه عن عروةَ، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشةَ. وقال: " وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حديثها، قالوا: قالت ... " الحديث *.
ثم إنه ما من شيءٍ من ذلك الحديث إلا وهو في الحُكم كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإبهام، حتى إذا كان أحدُهما مجروحًا لم يجز الاحتجاجُ بشيءٍ من ذلك الحديث. وغيرُ جائزٍ لأحد بعد اختلاط ذلك، أن يُسقطَ ذِكْرَ أحدِ الراويين ويروي الحديثَ عن الآخِر وحدَه، بل يجب ذكرُهما جميعًا مقرونًا بالإِفصاح بأن بعضَه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر. والله أعلم.
стр. 419
النوع السابع والعشرون:
معرفةُ آدابِ المحدِّث .
وقد مضى طرفٌ منها اقتضته الأنواعُ التي قبله.
علم الحديث علم شريفٌ يناسب (١) مكارمَ الأخلاق ومحاسنَ الشيم، وينافر مساوئ الأخلاق ومشاينَ الشيم. وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، فمن أراد التصدي لإسماع الحديث أو لإفادة شيء من علومه، فليقدمْ تصحيحَ النيَّة وإخلاصَها، وليطهرْ قلبَه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليَحذَرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرياسة ورعوناتها.
وقد اختُلِفَ في السنِّ الذي إذا بلغه استُحِبَّ له التصدِّي لإسماع الحديث والانتصابُ لروايته. والذي نقوله: إنه متى احتِيجَ إلى ما عنده؛ استُحِبَّ له التصدي لروايتِه ونشره [٦٩ / ظ] في أيِّ سنٍّ كان (٢). وروينا عن " القاضي الفاضل أبي محمد بن خلاد " ﵀، أنه قال: الذي يصحُّ عندي من طريق الأثر والنظر، في الحدِّ الذي إذا بلغه الناقلُ حَسُنَ به أن يُحدِّثَ، هو أن يستوفيَ الخمسين لأنها انتهاء الكهولة وفيها مجتمعُ الأَشُدِّ. قال " سُحَيمُ بن وثيل (٣) ":
стр. 420
أخو خمسينَ مجتمعٌ أشُدِّي .................................................... ونَجَّدني مداوَرَةُ الشئونِ
قال: " وليس بمنكرٍ أن يُحدِّثَ عند استيفاء الأربعين؛ لأنها حَدُّ الاستواء. ومنتهى الكمال؛ نُبِّئ رسولُ الله ﷺ وهو ابنُ أربعين، وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوتُه، ويتوفرُ عقلُه ويجودُ رأيه " (١).
وأنكر " القاضي عياض " ذلك على ابن خلاد وقال: " كم من السلف المتقدمين ومن المحدثين، من لم ينته إلى هذا السنِّ ومات قبلَه، وقد نَشَر من الحديث والعلم ما لا يحصى! هذا عمر بن عبدالعزيز توفي ولم يكمل الأربعين، وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين، وكذلك إبراهيم النخعي، وهذا مالك بنُ أنس جلس للناس ابنَ نَيِّفٍ وعشرين - وقيل: ابن سبع عشرة - والناس متوافرون وشيوخُه أحياء. وكذلك محمد بن إدريس الشافعي قد أُخِذَ عنه العلمُ في سنِّ الحداثةِ وانتصب لذلك ". والله أعلم (٢).
قلتُ: ما ذكره " ابنُ خلاد " غير مستَنكر، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدَّى للتحديثِ ابتداءً من نفسه، من غير براعة في العلم تعجلتْ له قبل السن الذي ذكره، فهذا، إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاءِ السنِّ المذكور فإنه مظِنَّةُ الاحتياج إلى ما عندَه (٣).
وأما الذين ذكرهم " عياضٌ " ممن حدَّث قبل ذلك؛ فالظاهرُ أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمتْ، ظهر لهم معها الاحتياجُ إليهم فحدثوا قبل ذلك، أو لأنهم سُئلوا ذلك، وإما بصريح السؤال أو بقرينة الحال.
стр. 421
وأما [٧٠ / و] السن الذي إذا بلغه المحدِّثُ انبغى له الإمساكُ عن التحديث؛ فهو (١) السنُّ الذي يُخشَى عليه فيه من الهرَم والخرَفِ، ويُخاف عليه فيه أن يُخَلِّط ويرويَ ما ليس من حديثه. والناسُ في بلوغ هذا السنِّ يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم. وهكذا إذا عَمِيَ خاف أن يُدخَل عليه ما ليس من حديثه، فليُمسِكْ عن الرواية.
وقال " ابن خلاد ": " أعجبُ إليَّ إن يمسكَ في الثمانينَ؛ أنه حَدُّ الهرم، فإن كان عقلهُ ثابتًا ورأيُهُ مجتمعًا يُعرفُ حديثَه ويقوم به، وتحرَّى أن يُحدِّثَ احتسابًا؛ رجوت له خيرًا " (٢).
ووَجْهُ ما قاله، أن من بلغ الثمانينَ ضعُفَ حالُه في الغالب، وخيف عليه الاختلالُ والإخلالُ، وألا يُفطَنَ له إلا بعد أن يخلط، كما اتفق لغير واحد من الثقات، منهم: " عبدالرزاق، وسعيد بن أبي عروبة (٣) " وقد حدَّث خلقٌ بعد مجاوزة هذا السن فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة، منهم: " أنسُ بن مالك، وسهل بن سعد وعبدالله بن أبي أوفى " من الصحابة، و " مالك، والليث، وابن عيينة، وعلي بن الجعد " في عدد جَمٍّ من المتقدمين والمتأخرين، وفيهم غيرُ واحد حدثوا بعد استيفاء مائةِ سنة، منهم: " الحسنُ بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهُجَيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري " (٤) ﵃ أجمعين -. والله أعلم.
ثم إنه لا ينبغي للمُحدِّث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك. وكان " إبراهيم، والشعبي " إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء. وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه من
стр. 422
المحدثين مَن هو أولى منه لسِنِّه أو لغير ذلك. روينا عن " يحيى بن معين " قال (١): " إذا حدثتُ في بلدٍ فيه مثلُ " أبي مسهر " فَيجب للحيتي أن تُحلَق " وعنه أيضًا: " إن الذي يُحدث بالبلدة وفيها من هو أولى بالتحديث منه، أحمق " (٢).
وينبغي للمحدث إذا التُمِسَ منه ما يعلمه عند غيره في بلده أو غيره بإسنادٍ أعلى من إسناده أو أرجحَ من وجهٍ آخر، أن يُعلم الطالب به [٧٠ / ظ] ويرشده إليه، فإن الدين النصيحة. ولاَ يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النيَّةِ فيه، فإنه يُرجى له حصولُ النيةِ من بعد. روينا عن " معمر " قال: كان يقال: " إن الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلمُ حتى يكونَ لله " (٣). وليكن حريصًا على نشره مبتغيًا جزيلَ أجره. وقد كان في السلف ﵃ من يتألف الناسَ على حديثه، منهم " عروةُ بن الزبير " ﵄. والله أعلم.
وليقتدِ بمالكٍ ﵁ فيما أخبرناه " أبو القاسم الفراوي " بنيسابور قال: " نا أبو المعالي الفارسي، قال: أنا أبو بكر البيهقي الحافظ، قال: أنا أبو عبدالله الحافظ،
стр. 423
قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني (١) قال: نا جَدِّي قال: نا إسماعيل بن أبي أُوَيس، قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدِّث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقارٍ وهيبة، وحدَّث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديثَ رسول الله ﷺ ، ولا أحدِّث إلا على طهارة متمكنا " وكان يكره أن يُحدث في الطريق أو وهو قائم، أو يستعجل، وقال: " أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ " (٢) ورُوِيَ أيضًا عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخَّر ويتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زجره [و] (ت. ع) قال: " قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ "، فمن رفع صوتَه عند حديثِ رسول الله ﷺ ؛ فكأنما رفع صوته فوق صوتِ رسول الله ﷺ " (٣).
وروينا - أو بلغنا - عن " محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه " (٤) أنه قال: " القارئ لحديث رسول الله ﷺ إذا قام لأحد فإنه تُكتب عليه خطيئة ".
ويستحب له مع أهل مجلسه، ما ورد عن " حبيب بن أبي ثابت " أنه قال: " إن من السُّنةِ إذا حدث الرجلُ القومَ أن يُقبِل عليهم جميعًا ". والله أعلم.
ولا يسرد الحديث سَردًا يمنع السامعَ من إدراك بعضه. (٥) وليفتتح مجلسَه وليختمه بذكرٍ
стр. 424
ودعاء يليق بالحال. ومن أبلغ ما يفتتح به أن يقول: " الحمد لله رب العالمين أكمَل الحمدِ على كل حال، والصلاة والسلام الأتَمَّانِ على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون؛ اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل ِ كلٍّ، وسائر الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون ". *
ويُستحب للمحدِّث العارف، عقدُ مجلس ِ لإملاء الحديث؛ فإنه من أعلى مراتب الراوين، والسماعُ فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها. وليتخذْ مستمليًا يبلغ عنه إذا كثر الجمعُ (١)؛ فذلك دأب أكبار المحدِّثين المتصدِّين لمثل ذلك. وممن رُوِي عنه ذلك " مالك، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد بن هارون " في عدد كثير من الأعلام
стр. 425
السالفين. وليكن مستمليه محصِّلا متيقظًا كيلا يقع في مثل ما روينا أن يزيد بن هارون سئل عن حديث فقال: حدثنا به عِدَّةٌ. فصاح به مستمليه: يا أبا خالد، عِدَّةُ ابنُ من؟ فقال له: عدةُ ابنُ فقدتُكَ (١)!
وليستمل ِ على موضع مرتفع من كرسي أو نحوِه، فإن لم يجد استملى قائمًا. وعليه أن يتبع لفظَ المحدِّث فيؤديه على وجهه من غير خلاف. والفائدة في استملاء المستملي، توصُّلُ من يسمع لفظَ المملي على بُعدٍ منه، إلى تفهمه وتحققه، بإبلاغ المستملي. وأما من لم يسمع إلا لفظَ المستملي، فليس يستفيد بذلك جوازَ روايته لذلك عن المملي مطلقًا [٧١ / ظ] من غير بيانٍ للحال فيه، وفي هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين.
ويُستحب افتتاحُ المجلس بقراءة قارئٍ لشي من القرآن العظيم. فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس إن كان فيه لَغْطٌ (٢)، ثم يبسمل وبحمد الله ﵎، ويصلي على رسول الله ﷺ ، ويتحرى الأبلغَ في ذلك، ثم يقبل على المحدِّث ويقول: من ذكرتَ أو ما ذكرتَ، رحمك الله، أو: غفر الله لك، أو نحو ذلك. والله أعلم.
وكل ما (٣) انتهى إليه ذكر النبي ﷺ ؛ صلى عليه (٤). وذكر " الخطيبُ " أنه يرفع صوته بذلك. وإذا انتهى إلى ذكر الصحابي قال: ﵁ (٥).
ويحسن بالمحدِّث الثناءُ على شيخِه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له؛ فقد فعل ذلك غيرُ واحد من السلف والعلماء، كما رُوِي عن " عطاء بن أبي رباح " أنه كان إذا حدث عن ابن عباس ﵄ قال: " حدثني البحر "، وعن " وكيع " أنه قال: " حدثنا