← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 29878

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح

سراج الدين البلقيني

Полный текст (952 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأما [٧٠ / و] السن الذي إذا بلغه المحدِّثُ انبغى له الإمساكُ عن التحديث؛ فهو (١) السنُّ الذي يُخشَى عليه فيه من الهرَم والخرَفِ، ويُخاف عليه فيه أن يُخَلِّط ويرويَ ما ليس من حديثه. والناسُ في بلوغ هذا السنِّ يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم. وهكذا إذا عَمِيَ خاف أن يُدخَل عليه ما ليس من حديثه، فليُمسِكْ عن الرواية. وقال " ابن خلاد ": " أعجبُ إليَّ إن يمسكَ في الثمانينَ؛ أنه حَدُّ الهرم، فإن كان عقلهُ ثابتًا ورأيُهُ مجتمعًا يُعرفُ حديثَه ويقوم به، وتحرَّى أن يُحدِّثَ احتسابًا؛ رجوت له خيرًا " (٢). ووَجْهُ ما قاله، أن من بلغ الثمانينَ ضعُفَ حالُه في الغالب، وخيف عليه الاختلالُ والإخلالُ، وألا يُفطَنَ له إلا بعد أن يخلط، كما اتفق لغير واحد من الثقات، منهم: " عبدالرزاق، وسعيد بن أبي عروبة (٣) " وقد حدَّث خلقٌ بعد مجاوزة هذا السن فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة، منهم: " أنسُ بن مالك، وسهل بن سعد وعبدالله بن أبي أوفى " من الصحابة، و " مالك، والليث، وابن عيينة، وعلي بن الجعد " في عدد جَمٍّ من المتقدمين والمتأخرين، وفيهم غيرُ واحد حدثوا بعد استيفاء مائةِ سنة، منهم: " الحسنُ بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهُجَيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري " (٤) ﵃ أجمعين -. والله أعلم. ثم إنه لا ينبغي للمُحدِّث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك. وكان " إبراهيم، والشعبي " إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء. وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه من

стр. 422

المحدثين مَن هو أولى منه لسِنِّه أو لغير ذلك. روينا عن " يحيى بن معين " قال (١): " إذا حدثتُ في بلدٍ فيه مثلُ " أبي مسهر " فَيجب للحيتي أن تُحلَق " وعنه أيضًا: " إن الذي يُحدث بالبلدة وفيها من هو أولى بالتحديث منه، أحمق " (٢). وينبغي للمحدث إذا التُمِسَ منه ما يعلمه عند غيره في بلده أو غيره بإسنادٍ أعلى من إسناده أو أرجحَ من وجهٍ آخر، أن يُعلم الطالب به [٧٠ / ظ] ويرشده إليه، فإن الدين النصيحة. ولاَ يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النيَّةِ فيه، فإنه يُرجى له حصولُ النيةِ من بعد. روينا عن " معمر " قال: كان يقال: " إن الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلمُ حتى يكونَ لله " (٣). وليكن حريصًا على نشره مبتغيًا جزيلَ أجره. وقد كان في السلف ﵃ من يتألف الناسَ على حديثه، منهم " عروةُ بن الزبير " ﵄. والله أعلم. وليقتدِ بمالكٍ ﵁ فيما أخبرناه " أبو القاسم الفراوي " بنيسابور قال: " نا أبو المعالي الفارسي، قال: أنا أبو بكر البيهقي الحافظ، قال: أنا أبو عبدالله الحافظ،

стр. 423

قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني (١) قال: نا جَدِّي قال: نا إسماعيل بن أبي أُوَيس، قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدِّث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقارٍ وهيبة، وحدَّث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديثَ رسول الله ﷺ ، ولا أحدِّث إلا على طهارة متمكنا " وكان يكره أن يُحدث في الطريق أو وهو قائم، أو يستعجل، وقال: " أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ " (٢) ورُوِيَ أيضًا عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخَّر ويتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زجره [و] (ت. ع) قال: " قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ "، فمن رفع صوتَه عند حديثِ رسول الله ﷺ ؛ فكأنما رفع صوته فوق صوتِ رسول الله ﷺ " (٣). وروينا - أو بلغنا - عن " محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه " (٤) أنه قال: " القارئ لحديث رسول الله ﷺ إذا قام لأحد فإنه تُكتب عليه خطيئة ". ويستحب له مع أهل مجلسه، ما ورد عن " حبيب بن أبي ثابت " أنه قال: " إن من السُّنةِ إذا حدث الرجلُ القومَ أن يُقبِل عليهم جميعًا ". والله أعلم. ولا يسرد الحديث سَردًا يمنع السامعَ من إدراك بعضه. (٥) وليفتتح مجلسَه وليختمه بذكرٍ

стр. 424

ودعاء يليق بالحال. ومن أبلغ ما يفتتح به أن يقول: " الحمد لله رب العالمين أكمَل الحمدِ على كل حال، والصلاة والسلام الأتَمَّانِ على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون؛ اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل ِ كلٍّ، وسائر الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون ". * ويُستحب للمحدِّث العارف، عقدُ مجلس ِ لإملاء الحديث؛ فإنه من أعلى مراتب الراوين، والسماعُ فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها. وليتخذْ مستمليًا يبلغ عنه إذا كثر الجمعُ (١)؛ فذلك دأب أكبار المحدِّثين المتصدِّين لمثل ذلك. وممن رُوِي عنه ذلك " مالك، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد بن هارون " في عدد كثير من الأعلام

стр. 425

السالفين. وليكن مستمليه محصِّلا متيقظًا كيلا يقع في مثل ما روينا أن يزيد بن هارون سئل عن حديث فقال: حدثنا به عِدَّةٌ. فصاح به مستمليه: يا أبا خالد، عِدَّةُ ابنُ من؟ فقال له: عدةُ ابنُ فقدتُكَ (١)! وليستمل ِ على موضع مرتفع من كرسي أو نحوِه، فإن لم يجد استملى قائمًا. وعليه أن يتبع لفظَ المحدِّث فيؤديه على وجهه من غير خلاف. والفائدة في استملاء المستملي، توصُّلُ من يسمع لفظَ المملي على بُعدٍ منه، إلى تفهمه وتحققه، بإبلاغ المستملي. وأما من لم يسمع إلا لفظَ المستملي، فليس يستفيد بذلك جوازَ روايته لذلك عن المملي مطلقًا [٧١ / ظ] من غير بيانٍ للحال فيه، وفي هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين. ويُستحب افتتاحُ المجلس بقراءة قارئٍ لشي من القرآن العظيم. فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس إن كان فيه لَغْطٌ (٢)، ثم يبسمل وبحمد الله ﵎، ويصلي على رسول الله ﷺ ، ويتحرى الأبلغَ في ذلك، ثم يقبل على المحدِّث ويقول: من ذكرتَ أو ما ذكرتَ، رحمك الله، أو: غفر الله لك، أو نحو ذلك. والله أعلم. وكل ما (٣) انتهى إليه ذكر النبي ﷺ ؛ صلى عليه (٤). وذكر " الخطيبُ " أنه يرفع صوته بذلك. وإذا انتهى إلى ذكر الصحابي قال: ﵁ (٥). ويحسن بالمحدِّث الثناءُ على شيخِه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له؛ فقد فعل ذلك غيرُ واحد من السلف والعلماء، كما رُوِي عن " عطاء بن أبي رباح " أنه كان إذا حدث عن ابن عباس ﵄ قال: " حدثني البحر "، وعن " وكيع " أنه قال: " حدثنا

стр. 426

سفيان، أمير المؤمنين في الحديث ". وأهم من ذلك الدعاءُ له عند ذكره، فلا يغفلن عنه (١). ولا بأسَ بذكرِ من يروي عنه، بما يعرف به من لقب كـ " غُندر " لقب محمد بن جعفر صاحب شعبة، و " لُوَيْن " لقب محمد بن سليمان المصيصي، أو نسبةٍ إلى أمٍّ عُرف بها، كـ " يعلى بن مُنْيةَ " الصحابي، وهو ابن أمية - و " مُنيةُ " أمُّه، وقيل جدته أم أبيه (٢) - أو وصفٍ بصفةِ نقص ٍ في جسَدِه عُرف به كـ " سليمان الأعمش "، و " عاصم الأحول " إلا ما يكرهه من ذلك، كما في " إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن عُلَية " وهي أمُّه وقيل أم أمه. روينا عن " يحيى بن معين " أنه كان يقول: " حدثنا إسماعيل بن عُلَيّة " فنهاه " أحمدُ بن حنبل " وقال: قلْ: إسماعيل بن إبراهيم؛ فإنه بلغني أنه كان [٧٢ / و] يكره أن يُنسب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير. وقد استُحِبَّ للمُملي أن يجمع في إملائه بين الرواية عن جماعةٍ من شيوخه مقدمًا للأعلى إسنادًا، أو الأوْلَى من وجهٍ آخر، ويملي عن كل شيخ منهم حديثًا واحدًا ويختار ما علا سندُه وقصُر متنُه؛ فإنه أحسنُ وأليَق، وينتقي ما يمليه ويتحرى المستفادَ منه، وينبه على ما فيه من فائدة وعلوٍّ وفضيلة، ويتجنب ما لا تحتمله عقولُ الحاضرين، وما يخشى فيه من دخول الوهم عليهم في فهمه. وكان من عادة غير واحد من المذكورين، ختمُ الإملاء بشيءٍ من الحكايات والنوادر

стр. 427

والإنشادات بأسانيدها، وذلك حسن *. وإذا قصَّر المحدثُ عن تخريج ما يمليه فاستعان ببعض حُفَّاظ وقتِه فخرَّج له فلا بأس بذلك. قال " الخطيبُ ": كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك (١). وإذا نجِز (٢) الإملاءُ، فلا غنى عن مقابلته وإتقانه وإصلاح ِ ما فسد منه بزيغ القلم وطغيانه. هذه عيونُ من أداب المحدِّث اجتزأنا بها، معرضين عن التطويل بما ليس من مهماتها، أو هو ظاهر ليس من مشتبهاتها. والله الموفق، وهو أعلم (٣).

стр. 428

النوع الثامن والعشرون: معرفة آدابِ (١) طالبِ الحديث. وقد اندرج طرفٌ منه في ضمن ما تقدم. فأول ما عليه: تحقيقُ الإِخلاص والحَذَرُ من أن يتخذه وُصْلةً إلى شيء من الأغراض الدنيوية. روينا عن " حماد بنِ سلمةَ " ﵁ أنه قال: " من طلب الحديثَ لغير الله؛ مُكِرَ به (٢) " وروينا عن " سفيانَ الثوري " ﵁ قال: " ما أعلم عملا هو أفضلُ من طلبِ الحديث لمن أراد اللهَ به " وروينا نحوَه عن " ابن المبارك " ﵁. ومن أقرب الوجوه في إصلاح النيةِ فيه، ما روينا عن " أبي عَمرو إسماعيلَ بن نجيد " أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدانَ، وكانا عبدين صالحين، [٧٢ / ظ] فقال له: بأي نية أكتب الحديث؟ فقال: ألستم تروون أنه عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم. قال: فرسول الله ﷺ رأسُ الصالحين (٣). وليسأل الله ﵎ التيسيرَ والتأييد والتوفيق والتسديد، وليأخذ نفسه بالأخلاق الزكية والآدب المرضية. فقد روينا عن " أبي عاصم النبيل " قال: " من طلب هذا الحديثَ فقد طلب أعلى أمورِ الدين؛ فيجب أن يكون خيرَ الناس ". وفي السِّنِّ التي يُستَحبُّ فيها الابتداءُ بسماع الحديث وبِكَتْبِه اختلافٌ سبق بيانُه في أول النوع الرابع والعشرين.

стр. 429

وإذا أخَذ فيه فليشمِّرْ [عن (١)] ساق جهده (٢) واجتهاده، ويبدأ بالسماع من أسنَدِ شيوخ مِصره، ومن الأوْلى فالأوْلى من حيث العلمُ أو الشهرةُ أو الشرفُ أو غير ذلك. وإذا فرغ من سماع العوالي والمهماتِ التي ببلده، فليرحَلْ إلى ما غيره، رُوِّينا عن " يحيى بن معين " أنه قال: " أربعة لا تُؤنِسْ منهم رشدًا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلدِه ولا يرحلُ في طلب الحديث " (٣). وروينا عن " أحمدَ بنِ حنبل " ﵁ أنه قيل له: أيرحل الرجلُ في طلب العلو؟ فقال: " بلى والله شديدًا. لقد كان علقمةُ والأسودُ يبلغهما الحديثُ عن عمر ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمرَ فيسمعانه منه " (٤). والله أعلم. وعن " إبراهيمَ بن أدهم " ﵁ قال: " إن الله تعالى يدفع (٥) البلاءَ عن هذه الأمة برحلة أصحابِ الحديث ". ولا يحملنه الحرصُ والشرهُ على التساهل في السماع والتحمُّل ِ، والإِخلال ِ بما يُشترط عليه في ذلك، على ما تقدم شرحُه. وليستعملْ ما يسمعُه من الأحاديثِ الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال الصالحة، فذلك زكاةُ على ما روينا (٦) عن العبد الصالح " بشر بن الحارث الحافي " ﵁. وروينا عنه أيضًا أنه قال: " يا أصحابَ الحديث أدُّوا زكاةَ هذا الحديث، اعملوا من كل مائتي حديثٍ بخمسة أحاديث ". وروينا عن " عمرو بن قيس الملائي " ﵁ قال: " إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرةً؛ تكن من أهله ".

стр. 430

وروينا عن " وكيع " قال: " إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به ". وليعظم شيخَه ومن يسمع منه؛ فذلك من إجلال الحديث والعلم. ولا يثقل عليه ولا يُطَوِّلْ بحيث يُضْجِرُه (١)؛ فإنه يُخشَى على فاعل ذلك أن يُحرَمَ الانتفاعَ. وقد روينا عن " الزهري " أنه قال: " إذا طال المجلس؛ كان للشيطان فيه نصيب " (٢). ومن ظفر من الطلبة بسماع شيخ فكتمه غيرَه لينفرد به عنهم، كان جديرًا بألا ينتفع به، وذلك من اللؤم الذي يقع فيه جَهَلةُ الطلبة الوضعاء. ومن أول فائدة طلبِ الحديث الإفادةُ. روينا عن " مالك " ﵁ أنه قال: " من بركةِ الحديثِ إفادةُ بعضِهم بعضًا ". وروينا عن " إسحاق بن إبراهيم بنِ راهويه " (٣) أنه قال لبعض من سمع منه في جماعة: " انسخْ من كتابهم ما قد قرأت. فقال: إنهم لا يمكنونني. قال: إذًا واللهِ لا يلفحون، قد رأينا أقوامًا منعوا هذا السماعَ فواللهِ ما أفلحوا ولا أنجحوا ". قلتُ: وقد رأينا نحن أقوامًا منعوا السماعَ فما أفلحوا ولا أنجحوا، ونسأل الله العافيةَ. والله أعلم (٤).

стр. 431

ولا يكنْ ممن يمنعه الحياءُ أو الكِبْرُ عن كثير من الطلب، وقد روينا عن " مجاهد " ﵁ أنه قال: " لا يتعلمُ العلمَ مستحي ٍ ولا مستكبر " (١). وروينا عن " عمر بن الخطاب وابنِه " ﵄ أنهما قالا: " من رقَّ وجهُه رقَّ علمُه ". ولا يأنف من أن يكتب عمن دونه ما يستفيده منه. روينا عن " وكيع بن الجراح " ﵁ أنه قال: " لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقَه وعمَّن هو مثلُه، وعمن هو دونَه ". وليس بموفقٍ من ضيَّع [٧٣ / ظ] شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها. وليس من ذلك قولُ " أبي حاتم الرازي ": " إذا كتبتَ فقمِّش، وإذا حدثتَ ففَتِّشْ " (٢). وليكتبْ وليسمع ما يقع إليه من كتاب أو جزء على التمام، ولا ينتخبْ؛ فقد قال " ابنُ المبارك " ﵁: " ما انتخبتُ على عالم قط إلا ندمت (٣) ". وروينا عنه (٤) أنه قال: لا يُنتخَب على عالم إلا بذنب. وروينا - أو بلغنا - عن " يحيى بن معين " أنه قال: " سيندم المنتخِبُ في الحديث حين لا تنفعه الندامة ". فإن ضاقت به الحالُ عن الاستيعاب، وأُحوِجَ إلى الانتقاء والانتخاب، تولى ذلك بنفسِه إن كان أخلا مميزًا عارفًا بما يصلح للانتقاءِ والاختيار. وإن كان قاصرًا عن ذلك، استعان ببعض الحفاظ لينتخب له. وقد كان جماعةٌ من الحفاظِ مُتصدين للانتقاء على الشيوخ، والطلبةُ تسمع وتكتب بانتخابهم، منهم: " إبراهيمُ بن أُرمةَ الأصبهاني، وأبو عبدالله الحسين بن محمد المعروف بِعُبيدٍ العجل ِ، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر الجِعابِيِّ " في آخرين. وكانت العادة جاريةً برسم الحافظِ علامةً في أصل ِ الشيخ على

стр. 432

ما ينتخبه، فكان " النُّعَيمي أبو الحسن " يُعلِّمُ بِصَادٍ ممدودة، و " أبو محمد الخلال " بطاء ممدودة، و " أبو الفضل الفلكي " بصورةِ همزتين. وكلُّهم يُعلم بِحبر في الحاشية اليمنى من الورقة. وعلَّم " الدارقطني " في الحاشية اليسرى بخطٍ عريض ٍ بالحُمرة. وكان " أبو القاسم اللالكائي الحافظ " يعلم بخط صغير بالحُمرة على أول ِ إسناد الحديث. ولا حَجْرَ في ذلك، ولكِلٍّ الخيارُ. ثم لا ينبغي لطالبِ الحديثِ، أن يقتصرَ على سماع الحديث وكَتْبِه دون معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسَه من غير أن يظفر بطائل، وبغير أن يحصلَ في عِدادِ أهل ِ الحديث، بل لم يزد على أن صار من المتشبهين [٧٤ / و] المنقوصينَ المتحلين بما هم منه عاطلون (١). أنشدني " أبو المظفر بنُ الحافظِ أبي سعد السمعاني " ﵀ لَفْظًا بمدينة " مَرْوَ " قال: أنشدنا والدي لفظًا أو قراءةً عليه، قال أنشدنا محمد بن ناصر السلامي من لفظه، قال: أنشدني الأديبُ الفاضل فارسُ بن الحسين لنفسِه: يا طالبَ العلم ِ الذي ............... ذهبتْ بمُدَّته الروايه كنْ في الرواية ذا العنا ............. ية بالروايةِ والدرايه وارْوِ القليل وراعِهِ .............. فالعلمُ ليس له نهايه وليقدمْ العناية بالصحيحين، ثم بسنن أبي داوُدَ، وسننِ النسائي، وكتابِ الترمذي؛ ضبطًا لمشكلها وفهما لخفيِّ معانيها. ولا يُخدَعَنَّ عن كتابِ (السنن الكبير للبيهقي) فإنا لا نعلم مثلَه في بابِه. ثم بسائرِ ما تمس حاجةُ صاحبِ الحديث إليه من كتبِ المسانِد (٢) (كمسند أحمد) ومن كتب الجوامع المصنفة في الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها، و (موطأُ مالكٍ) هو المقدَّمُ منها (٣)، ومن كتبِ علل الحديث، ومن أجْوَدِها: (كتابُ العلل) عن أحمد بن حنبل، و (كتاب العلل) عن الدارقطني، ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ

стр. 433

المحدِّثين، ومن أفضلها: (تاريخُ البخاري الكبير) وكتابُ (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم)، ومن كتب الضبط لِمُشكِلِ الأسماء، ومن أكمَلِها (كتابُ الإِكمال، لأبي نصر بن ماكولا) (١). وليكنْ كلما مرَّ به اسمٌ مشكل، أو كلمةُ حديثٍ مشكلةٌ، بحث عنها وأودعها قلبَه؛ فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في يُسْرٍ. وليكن تحفظه (٢) للحديثِ على التدريج قليلا قليلا مع الأيام والليالي؛ فذلك أحْرى بأن يُمتَّع بمحفوظه. وممن ورد ذلك عنه من حُفاظ الحديث المتقدمين: " شعبةُ، وابنُ عُلَيَّةَ، ومَعْمَر " وروينا عن " معمر " قال: " سمعتُ الزهريَّ يقول: من طلب [٧٤ / ظ] العلم جملةً؛ فاتَه جُملةً. وإنما يُدْرَكُ العلمُ حديثًا وحديثين " (٣) ز وليكن الإتقانُ من شأنِه؛ فقد (٤) قال " عبدُالرحمن بنُ مهدي ": " الحفظُ الإتقانُ ". ثم إن المذاكرةَ بما يتحفظه من أقوى أسبابِ الإمتاع به. روينا عن " علقمةَ النخعي " قال: " تذاكروا الحديثَ؛ فإن حياتَه ذِكره ". وعن " إبراهيم النخعي " قال: " مَن سَرَّه أن يحفظ الحديثَ فليُحدثْ به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه " (٥). وليشتغلْ بالتخريج ِ والتأليفِ والتصنيف إذا استعد لذلك وتأهَّل له؛ فإنه كما قال " الخطيبُ الحافظ ": يُثَبِّتُ الحفظَ (٦) ويُذَكي القلبَ ويَشْحَذُ الطبعَ، ويجيد البيانَ ويكشف الملتبس، ويُكسِبُ جميلَ الذكر، ويخلده إلى آخر الدهر. وقلَّ ما يَمْهَرُ في علم الحديثِ ويقفُ على غوامضه ويستبين الخفيَّ من فوائده، إلا من فعل ذلك.

стр. 434

وحدَّث " الصُّوريُّ الحافظُ، محمد بن علي " قال: " رأيتُ أبا محمد عبدَالغني بن سعيد الحافظ في المنام فقال لي: يا أبا عبدالله، خَرِّجْ وصنِّفْ قبل أن يُحالَ بينك وبينه، هذا أنا تراني قد حِيل بيني وبين ذلك ". وللعلماء بالحديثِ في تصنيفه طريقتان: إحداهما: التصنيفُ على الأبواب، وهو تخريجُه على أحكام الفقه وغيرِها، وتنويعه أنواعًا، وجمعُ ما ورد في كلِّ حُكم وكلِّ نوع، في بابٍ فبابٍ. الثانية: تصنيفُه على المسانيد، وجمعُ حديثِ كلِّّ صحابيٍّ وحدَه، وإن اختلفت أنواعه. ولمن اختار ذلك أن يرتبهم على حروف المعجم في أسمائهم، وله أن يرتبهم على القبائل، فيبدأ ببني هاشم، ثم بالأقربِ فالأقرب نسبًا من رسول الله ﷺ . وله أن يُرتِّبَ على سوابق الصحابةِ، فيبدأ بالعشرة، ثم بأهل ِ بدر، ثم أهل ِ الحديبية، ثم بمن أسلم وهاجر بين الحديبية [٧٥ / و] وفتح مكة، ويختم بأصاغر الصحابة كأبي الطفيل ونُظَرائه، ثم بالنساء، وهذا أحسن، والأولُ أسهلُ. وفي ذلك من وجوه الترتيبِ غيرُ ذلك. ثم إن من أعلى المراتب في تصنيفه، تصنيفَه معللا؛ بأن يجمعَ في كلِّ حديثٍ طرقَه واختلافَ الرواةِ فيه، كما فعل " يعقوبُ بنُ شيبةَ " في (مُسندِه) (١). ومما يعتنون به في التأليف جمعُ الشيوخ، أي جمع حديثِ شيوخ مخصوصين، كل واحد منهم على انفراده. قال " عثمانُ بن سعيد الدارمي ": " يقال: من لم يجمع حديثَ هؤلاء الخمسة فهو مُفْلِسٌ في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عُيينة، وهم أصول الدين " (٢).

стр. 435

وأصحابُ الحديث يَجمعون حديثَ خلقٍ كثير، غير الذين ذكرهم " الدارِميُّ " منهم: " أيوبُ السختياني، والزهري، والأوزاعي ". ويجمعون أيضًا التراجم، وهي أسانيد يخصون ما جاء بها بالجمع والتأليف، مثل: ترجمة مالك عن نافع عن ابنِ عمر، وترجمة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ. ويجمعون أيضًا أبوابًا من أبواب الكتب المصنفة الجامعةِ للأحكام، فيفردونها بالتأليف فتصير كتبًا مفردة، نحو: باب رؤية الله ، وباب رفع اليدين، وباب القراءة خلف الإمام، وغير ذلك. ويفردون أحاديثَ، فيجمعون طُرقَها في كتب مفرَدة، نحو: طرق حديثِ قبض العلم، وحديثِ الغُسل يومَ الجمعة، وغير ذلك. وكثيرٌ من أنواع كتابِنا هذا، قد أفردوا أحاديثَه بالجمع والتصنيف. وعليه في كلِّ ذلك، تصحيحُ القَصْدِ والحذرُ من قصدِ المكاثرة ونحوه. بلغنا عن " حمزةَ بنِ محمد الكِنانيِّ " أنه خرَّج حديثًا واحدًا من نحو مائتي طريق، فأعجبه ذلك، فرأى " يحيى بنَ معين " في منامِه فذكر له ذلك [٧٥ / ظ] فقال له: أخشى أن يدخل هذا تحت " أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ " (١). ثم ليحذرْ أن يُخرِجَ إلى الناس ما يصنفه، إلا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه وتكريرِه، وليتَّقِ أن يجمع ما لم يتأهلْ بعدُ لاجتناءِ ثمرته واقتناص فائدةِ جمعهِ، كيلا يكونَ حُكْمهُ ما رويناه عن " علي ابن المديني " قال: " إذا رأيتَ الحَدَثَ (٢) أول ما يكتب الحديثَ يجمع حديثَ الغُسْل ِ وحديثَ: مَنْ كَذب؛ فاكتبْ على قَفَاه: لا يُفلِح ".

стр. 436

ثم إن هذا الكتابَ مَدخلٌ إلى هذا الشأن، مُفصِحٌ عن أصوله وفروعِه، شارع لمصطلحاتِ أهلِه ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدِّثُ بالجهل بها نقصًا فاحشًا، فهو - إن شاء الله - جدير بأن تقدمَ العنايةُ به، ونسأل الله سبحانه فضلَه العظيم *. وهو أعلم (١).

стр. 437

النوع التاسع والعشرون: معرفةُ الإسنادِ العالي والنازل ِ . أصلُ الإسناد أولا خصيصةٌ فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنَّةٌ بالِغةٌ من السنَنِ المؤكدة. روينا من غير وجهٍ عن " عبدالله بن المبارك " ﵁ أنه قال (١): " الإسناد من الدِّين، لولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء " *.

стр. 438

وطلَبُ العُلُوِّ فيه، سُنَّةٌ أيضًا (١). ولذلك استُحِبَّت الرحلة فيه، على ما سبق ذكره *. قال " أحمدُ بن حنبل " ﵁: طلبُ الإسنادِ العالي سُنَّةٌ عمن سلف (٢). وقد

стр. 439

روينا أن " يحيى بنَ معين " ﵁، قيل له في مرضِه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيت خالي وإسناد عالي (١).

стр. 440

قلت: العُلوُّ يبعد الإسنادَ من الخلل؛ لأن كلَّ رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخللُ من جهتِه سهوا أو عمدا. ففي قِلَّتِهم قلة جهاتِ الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهاتِ الخلل، وهذا جليٌّ واضح (١). ثم إن العُلو المطلوبَ في رواية الحديث على أقسام خمسة: أولها: القربُ [٧٦ / و] من رسول ِ الله ﷺ بإسنادٍ نظيف غير ضعيف، وذلك من أجلِّ أنواع العلو، وقد روينا عن " محمد بن أسلم الطوسي " الزاهد العالم ﵁، أنه

стр. 441

قال: " قرب الإسناد، قربٌ أو قربةٌ، إلى الله ". وهكذا كما قال؛ لأن قربَ الإسناد قرب إلى رسول الله ﷺ ، والقرب إليه قرب من الله . الثاني: وهو الذي ذكره " الحاكم أبو عبدالله الحافظ ": القربُ من إمام من أئمة الحديث ، وإن كثر العددُ من ذلك الإمام إلى رسول الله ﷺ (١). فإذا وُجِد ذلك في إسنادٍ؛ وُصِفَ بالعلوِّ نظرًا إلى قربه من ذلك الإمام، وإن لم يكن عاليًا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ . وكلام " الحاكم " يوهم أن القرب من رسول الله ﷺ لا يُعَدُّ من العلوِّ المطلوبِ أصلا. وهذا غلط من قائله؛ لأن القرب منه ﷺ بإسنادٍ نظيف غير ضعيف، أوْلَى بذلك، ولا ينازع في هذا مَن له مُسْكَةٌ من معرفة (٢). وكأن " الحاكم " أرادَ بكلامه ذلك إثباتَ العلو للإسنادِ لقربه من إمام، وإن لم يكن قريبًا إلى رسول الله ﷺ ، والإنكارَ على من يراعي في ذلك مجردَ قربِ الإسناد إلى رسول ِ الله ﷺ ، وإن كان إسنادًا ضعيفًا، ولهذا مثَّل ذلك بحديث " أبي هُدبةَ، ودينارٍ، والأَشجِّ " وأشباهِهم * والله أعلم.

стр. 442

.............................................................................................................................

стр. 443

.............................................................................................................................

стр. 444

الثالث: العُلوُّ بالنسبة إلى رواية (الصحيحين) أو أحدِهما، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمَدة ، وذلك ما اشتهر آخِرًا من الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة، وقد كثر اعتناءُ المحدِّثين المتأخرين بهذا النوع. [٧٦ / ظ] وممن وجدتُ هذا النوعَ في كلامه: " أبو بكر الخطيب الحافظ " وبعض شيوخه، و " أبو نصر ابن ماكولا، وأبو عبدالله الحميدي " وغيرُهم من طبقتهم، وممن جاء بعدهم. أما الموافقة: فهي أن يقع لك الحديثُ عن شيخ ِ " مسلِم " فيه مثلا، عاليًا بعددٍ أقلَّ من العدد الذي يقع لك به الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويتَه عن " مسلم "، عنه. وأما البدل: فمثلُ أن يقع لك مثلُ هذا العلو عن شيخ غير شيخ " مسلم " في ذلك الحديث. وقد يُرَدُّ البدلُ إلى الموافقة فيقال فيما ذكرناه: إنه موافَقة عالية، في شيخ شيخ مسلم. ولو لم يكن ذلك عاليًا فهو أيضًا موافقة وبدَلٌ، لكن لا يطلق عليه اسمُ الموافقة والبدل ِ لعدم الالتفات إليه. وأما المساواة: فهي في أعصارنا أن يقل العددُ في إسنادك لا إلى شيخ " مسلم " وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك؛ كالصحابي أو مَن قاربه، وربما كان إلى

стр. 445

رسول الله ﷺ بحيث يقع بينك وبين الصحابي مثلا من العدد، مثلُ ما وقع من العدد بين " مسلم " وبين ذلك الصحابي؛ فتكون بذلك مساويًا لِ " مسلم " مثلاً في قرب الإسناد وعددِ رجاله. وأما المصافحة: فهي أن تقع هذه المساواةُ التي وصفناها، لشيخِك لا لك، فيقع ذلك لك مصافحةً؛ إذ تكون كأنك لقيتَ " مسلمًا " في ذلك الحديثِ وصافحتَه به؛ لكونِك قد لقيتَ شَيخك المساويَ لمسلم. فإن كانت المساواةُ لشيخ شيخِك، كانت المصافحةُ لشيخِكَ، فتقول: كأن شيخي سمع مسلِمًا وصافحه. وإن كانت المساواةُ لشيخ شيخ شيخِك، فالمصافحةُ لشيخ شيخِك فتقول فيها: كأن شيخَ شيخي سمع مُسلِمًا وصافحه. ولك أن لا تذكر لك في ذلك نسبةً، بل تقول: كأن فلانًا سمعه من مسلم، من غير أن تقول فيه: [٧٧ / و] شيخي، أو شيخ شيخي. ثم لا يخفى على المتأمل أن في المساواة والمصافحة الواقعتين لك، لا يلتقي إسنادُكَ وإسنادُ " مسلم " أو نحوه إلا بعيدًا عن شيخ مسلم، فليتقيانِ في الصحابي أو قريبًا منه، فإن كانت المصافحة التي تذكرها ليست لك بل لمن فوقك من رجال إسنادك، أمكن التقاءُ الإسنادين فيها في شيخ مسلم أو أشباهِه، وادخَلت المصافحةُ حينئذ الموافقة؛ فإن معنى الموافقة راجع إلى مساواةٍ ومصافحةٍ مخصوصة؛ إذ حاصلُها أن بعض من تقدم من رُواةِ إسنادك العالي، ساوى أو صافح " مسلمًا او البخاري " لكونِه سمع ممن سمع من شيخِهما، مع تأخر طبقتِه عن طبقتهما. ويوجد في كثير من العوالي المخرجةِ لمن تكلم أولا في هذا النوع وطبقتهم، المصافحاتُ مع الموافقات والأبدال ِ؛ لما ذكرناه. ثم اعلم أن هذا النوعَ من العُلوِّ علوٌّ تابع لنُزول ٍ؛ إذ لولا نزولُ ذلك الإمام في إسنادِه، لم تعلُ أنت في إسنادك. وكنتُ قد قرأتُ بمروَ على شيخنا المكثر " أبي المظفر عبدالرحيم بن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني " - رحمهما الله - في أربعي " أبي البركات الفراوي " حديثًا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري. فقال الشيخ أبو المظفر: " ليس لكَ بعال، ولكنه للبخاري نازل ". وهذا حسن لطيف يخدش وجهَ هذا

стр. 446

النوع من العلوِّ * (١). والله أعلم. الرابع: من أنواع العلوِّ، العلوُّ المستفاد من تقدم وفاة الراوي . مثالُه ما أرويه عن شيخ ٍ أخبرني به عن واحد، عن البيهقي الحافظ عن الحاكم أبي عبدالله الحافظ، أعلى من روايتي لذلك عن شيخ أخبرني به واحدٌ عن أبي بكر ابن خلف (٢) عن الحاكم، وإن تساوى الإسنادان في [٧٧ / ظ] العدد؛ لتقدم وفاة " البيهقي " على وفاة " ابنِ خلف " لأن " البيهقي " مات سنة ثمان وخمس ٍ وأربعمائة، ومات " ابنُ خلف " سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وروينا عن " أبي يعلى الخليلي بن عبدالله الخليلي الحافظ " - رحمه الله تعالى - (٣)، قال: " قد يكون الإسنادُ يعلو على غيره بتقدم موتِ راويه، وإن كان متساويين في العدد ". ومَثَّلَ ذلك من حديثِ نفسِه بمثل ما ذكرناه.

стр. 447

ثم إن هذا كلامٌ في العلو المنبني على تقدم الوفاة، المستفادِ من نسبةِ شيخ إلى شيخ، وقياس ِ راوٍ براوٍ، وأما العلوُّ المستفادُ من مجرد تقدم وفاة شيخيك، من غير نظرٍ إلى قياسه براوٍ آخر، فقد حَدَّه بعضُ أهل هذا الشأن بخمسين سنة. وذلك ما رويناه عن " أبي علي الحافظ النيسابوري " قال: " سمعتُ أحمدَ بن عُمَيْر (١) الدمشقي، وكان من أركان الحديث، يقول: إسنادُ خمسين سنةً من موت الشيخ، إسنادُ علوٍّ ". وفيما نروي عن " أبي عبدالله ابن منده الحافظ " قال: " إذا مر على الإِسناد ثلاثون سنةً؛ فهو عال ". وهذا أوسعُ من الأولى. والله أعلم. الخامس: العلو المستفاد من تقدم السماع . أنبئنا عن محمد بن ناصر الحافظ، عن محمد بن طاهر الحافظ، قال: " من العلو تقدمُ السماع ". قلتُ: وكثير من هذا يدخل في النوع المذكور قبله، وفيه ما لا يدخل في ذلك بل يمتاز عنه. مثل أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماعُ أحدِهما من ستين سنةً مثلا، وسماعُ الآخرِ من أربعين سنةً. فإذا تساوى السندُ إليهما في العدد، فالإِسنادُ إلى الأول الذي تقدم سماعُه أعلى (٢). فهذه أنواع العلوِّ على الاستقصاءِ والإِيضاح الشافي. ولله الحمدُ كلُّه. والله أعلم. وأما ما رويناه عن " الحافظ [٧٨ / و] أبي طاهر السلفي " ﵀ من قوله في أبياتٍ له: (٣) بل علوُّ الحديث بين أُولي الحف ............................................. ظ والإتقانِ صحةُ الإِسنادِ

стр. 448

وما رويناه عن " الوزيرِ نظام الملك " من قوله: " عندي أن الحديثَ العالي ما صح عن رسول الله ﷺ وإن بلغت رواتُه مائةً ". فهذا ونحوُه ليس من قبيل ِ العُلوِّ المتعارَفِ إطلاقُه بين أهل ِ الحديث، وإنما هو علوٌّ من حيث المعنى فحسب. والله أعلم. فصل: وأما النزولُ فهو ضد العلو. وما من قسم من أقسام العلو الخمسة إلا وضده قسمٌ من أقسام النزول؛ فهو إذًا خمسةُ أقسام، وتفصيلُها يُدرَكُ من تفصيل أقسام العلو، على نحوِ ما تقدم شرحُه. وأما قول " الحاكم أبي عبدالله ": " لعل قائلا يقول: النزولُ ضد العلو، فمن عرف العلوَّ فقد عرف ضِدَّه، وليس كذلك؛ فإن للنزول مراتبَ لا يعرفها إلا أهلُ الصنعة " إلى آخر كلامه (١)، فهذا ليس نفيًا لكون النزول ضِدًّا للعلو على الوجهِ الذي ذكرتُه، بل نفيًا لكونه يُعْرَفُ بمعرفة العلو. وذلك يليق بما ذكره هو في معرفة العلوِّ؛ فإنه قَصَّرَ في بيانِه وتفصيله. وليس كذلك ما ذكرناه نحن في معرفة العلو؛ فإنه مفصَّلٌ تفصيلا مفهِمًا لمراتبِ النزول. والعلمُ عند الله ﵎. ثم إن النزولَ مفضولٌ مرغوبٌ عنه، والفضيلةُ للعلوِّ على ما تقدم بيانُه ودليلُه. وحَكَى " ابن خلادٍ " عن بعض أهل النظر أنه قال: " التنزلُ في الإِسنادِ أفضلُ " واحتج له بما معناه أنه يجب الاجتهادُ والنظرُ في تعديل كلِّ راوٍ تخريجه، فكلما زادوا كان الاجتهادُ أكثرَ، فكان الأجرُ أكثرَ (٢).

стр. 449

وهذا مذهب ضعيف، ضعيف (١) الحجة. وقد روينا عن " علي ابن المديني، وأبي عَمْرو المستملي النيسابوري " أنهما قالا: " النزولُ شؤم " وهذا ونحوُه مما جاء في ذمِّ النزول ِ، مخصوصٌ [٧٨ / ظ] ببعض ِ النزول؛ فإن النزولَ إذا تعيَّن دونَ العلوِّ طريقًا إلى فائدة راجحة على فائدة العلو، فهو مختار غيرُ مرذول. والله أعلم.

стр. 450

النوع الموفي ثلاثين: معرفة المشهورِ من الحديث . ومعنى الشهرة مفهوم، * وهو منقسم إلى: صحيح، كقوله ﷺ : " إنما الأعمالُ بالنيات " **. وأمثالِه، وإلى غير صحيح كحديثِ: " طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم " ... . وكما بلغنا عن " أحمد بن حنبل " ﵁ أنه قال: " أربعةُ أحاديثَ تدور عن

стр. 451

رسول الله ﷺ في الأسواق ليس لها أصلٌ: (١) من بشرني بخروج آذار بشَّرتُه بالجنةِ، ومن آذى ذِمِّيًّا فأنا خَصْمُه يومَ القيامة، ونحرُكم يوم صومكم، وللسائل ِ حقٌّ وإن جاء على فرس ٍ " (٢) *.

стр. 452

وينقسم من وجه آخر إلى ما هو مشهور بين أهل الحديث وغيرهم، كقوله - صلى الله غليه وسلم -: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (١) وأشباهِه. وإلى ما هو مشهورٌ بين أهل الحديث خاصة دون غيرهم، كالذي رويناه عن محمد بن عبدالله الأنصاري، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أنس ٍ " أن رسول الله ﷺ قَنَتَ شهرًا بعد الركوع يدعو على رِعْل ٍ وذَكْوانَ " فهذا مشهورٌ بين أهل الحديثِ مخرج في الصحيح، وله رُواةٌ عن " أنس ٍ " غير أبي مجلز، ورواه عن " أبي مجلز " غيرُ التميمي، ورواه عن " التيمي " غيرُ الأنصاري، ولا يَعلم ذلك إلا أهلُ الصنعة، وأما غيرُهم فقد يستغربونه من حيث أن " التيميَّ " يروي

стр. 453

عن أنس، وهو [٧٩ / و] ها هنا يروي عن واحدٍ عن أنس (١) *. ومن المشهورِ، المتواتُرِ الذي يذكره أهلُ الفقه وأصولهِ. وأهلُ الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعرِ بمعناه الخاص **، فإن كان " الحافظ الخطيبُ " قد ذكره ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غيرَ أهل ِ الحديث، ولعل ذلك لكونِه لا تشتمله صناعتُهم ولا يكاد

стр. 454

يوجد في رواياتهم؛ فإنه عبارةٌ عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلمُ بصدقِه ضرورةً، ولا بد في إسنادِه من استمرارِ هذا الشرطِ في رُواته من أوله إلى منتهاه، ومَن سُئل عن إبراز مثال ٍ لذلك فيما يُروَى من الحديثِ أعياه تطلبُه. وحديثُ " إنما الأعمال بالنيات " ليس من ذلك بسبيل ٍ وإن نقله عددُ التواتر وزيادةٌ؛ لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده ولم يوجَدْ في أوائله، على ما سبق ذكره (١). نعم، حديثُ " من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " نراه مثالا لذلك؛ فإنه نقله من الصحابة ﵃ العددُ الجمُّ، وهو في (الصحيحين) مَرويٌّ عن جماعة منهم، وذكر " أبو بكر البزار، الحافظ الجليل " في (مسنده) أنه رواه عن رسول الله ﷺ نحو من أربعين رجلا من الصحابة. وذكر بعض الحفاظ (٢) أنه رواه عن رسول الله ﷺ اثنان وستون نفسًا من الصحابة وفيهم العشرةُ المشهودُ لهم بالجنة. قال: وليس لهم الدنيا حديث اجتمع على روايته العشرةُ، غيرَه. ولا يعرف حديثٌ يروى عن أكثر من ستين نفسًا من الصحابة عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث الواحد *.

стр. 455

قلتُ: وبلغ بهم بعضُ أهل الحديث أكثرَ من هذا العدد، وفي بعض ذلك عددُ التواتُر. ثم لم يزل عددُ رُواته في ازديادٍ وهلم جرًّا، على التوالي والاستمرار (١). والله أعلم (٢).

стр. 456

النوع الحادي والثلاثون: معرفة [٧٩ / ظ] الغريب والعزيزِ من الحديث. روينا عن " أبي عبدِالله ابن منده الحافظِ الأصبهاني " أنه قال: " الغريبُ من الحديث، كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم، إذا انفرد الرجلُ عنهم بالحديثِ يُسمى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلانِ وثلاثة واشتركوا في حديثٍ؛ يسمى عزيزًا، فإذا روى الجماعةُ عنهم حديثًا سُمِّي مشهورًا " (١). قلتُ: الحديثُ الذي ينفرد به بعضُ الرواة يوصَفُ بالغريبِ، وكذلك الحديثُ الذي ينفرد فيه بعضُهم بأمور لا يذكره فيه غيرُه، إما في متنه وإما في إسناده، وليس كلُّ ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد معدودًا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه. ثم إن الغريب ينقسم إلى: صحيح، كالأفراد المخرجة في (الصحيح). وإلى غيرِ صحيح، وذلك هو الغالبُ على الغرائب. روينا عن " أحمدَ بن حنبل " ﵁ أنه قال غيرَ مرة: " لا تكتبوا هذه الأحاديثَ الغرائب فإنها مَنَاكيرُ، وعامتُها عن الضعفاء ". وينقسم الغريبُ أيضًا من وجهٍ آخرَ: فمنه ما هو غريب متنًا وإسنادًا، وهو الحديث الذي تفرد برواية مَتْنِه راوٍ واحد. ومنه ما هو غريب إسنادًا لا متنًا، كالحديث الذي متنُه معروف مرويٌّ عن جماعة من الصحابة، إذا انفرد بعضُهم بروايته عن صحابيٍّ آخرَ كان غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب، ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد

стр. 457

المتون الصحيحة (١)، وهو الذي يقول فيه " الترمذي ": " غريبٌ من هذا الوجه " (٢). ولا أرى هذا النوعَ ينعكس؛ فلا يوجد إذًا ما هو غريب متنًا وليس غريبًا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديثُ الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون [٨٠ / و] فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا، وغير غريبٍ إسنادًا. لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد، فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر الغرائب التي (٣) اشتملت عليها التصانيفُ المشهورة (٤). والله أعلم.

стр. 458

النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريبِ الحديث . وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديثِ من الألفاظ الغامضة، البعيدة من الفهم لقلة استعمالها. هذا فن مُهِم يقبحُ جهلُه بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامةً. والخوضُ فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيقٌ بالتحري جديرٌ بالتوقي. روينا عن " الميموني " قال: سئل أحمد بن حنبل عن حرف من غريب الحديث، فقال: " سَلُوا أصحابَ الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول ِ رسول الله ﷺ بالظنِّ فسأخطئ " (١). وبلغنا عن " التاريخي، محمد بن عبدالملك " قال: " حدثني أبو قِلاَبة عبدُالملك بن محمد، قال: قلت للأصمعي: يا أبا سعيد، ما معنى قول رسول الله ﷺ : " الجار أحق بِسَقَبِه "؟ فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ اللزيقُ " (٢). ثم إن غير واحدٍ من العلماء صنَّفوا في ذلك فأحسنوا، روينا عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " قال: " أولُ من صنَّف الغريبَ في الإسلام النضرُ بنُ شُمَيْل " (٣) ومنهم من خالفه

стр. 459

فقال: " أولُ من صنف فيه أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثَنَّى " وكتاباهما صغيران. وصنف بعد ذلك " أبو عبيدة القاسم بن سلام " كتابَه المشهورَ، فجمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهل ِ العلم بموقع جليل، وصار قدوة في هذا الشأن. ثم تتبع " القُتيبي " (١) ما فات " أبا عبيد " فوضع فيه كتابه المشهور، ثم تتبع " أبو سليمان الخطابي " ما فاتهما فوضع في ذلك كتابه المشهور (٢). فهذه الكتبُ الثلاثة أمهاتُ الكتبِ المؤلفة في ذلك، ووراءها مجامعُ تشتمل من ذلك على زوائدَ وفوائد كثيرة ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمةً جِلَّة. وأقوى ما يُعتَمدُ عليه في تفسير غريب الحديث، أن يُظفر به مُفَسَّرًا في بعض روايات الحديث، نحو ما رُوِي في حديث " ابن صياد " (٣) أن النبي ﷺ قال له: " قد خبأتُ خبيئًا

стр. 460

لك فما هو؟ قال: الدُّخ " (١) فهذا خَفِيَ معناه وأعضل، وفسره قوم بما لا يصح، وفي (معرفة علوم الحديث للحاكم) أنه الدَّخ بمعنى الزَّخّ الذي هو الجماع (٢)، وهذا تخليط فاحش يغيظ العالمَ والمؤمنَ؛ وإنما معنى الحديث أن النبي ﷺ قال له: قد أضمرت لك ضميرًا فما هو؟ قال: الدخ. بضم الدال، يعني الدخان. والدخ هو الدخان في لغة؛ إذ في بعض روايات الحديث ما نصه: ثم قال رسول الله ﷺ : " إني قد خبأت لك خبيئًا " - وخبأ له " يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ " - فقال ابنُ صياد: هو الدُّخ، فقال رسول الله ﷺ : " اخسأ فلن تعدو قدرك " وهذا ثابت صحيح، خرجه الترمذي (٣) وغيره، فأدرك " ابن صياد " من ذلك هذه الكلمة فحسب؛ على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين، من غير وقوف على تمام البيان، ولهذا قال له: " اخسأ فلن تعدوَ قدرَك " أي فلا مزيدَ لك على قدرِ إداركِ الكهان. والله أعلم *.
следующие страницы →