النوع الحادي والثلاثون:
معرفة [٧٩ / ظ] الغريب والعزيزِ من الحديث.
روينا عن " أبي عبدِالله ابن منده الحافظِ الأصبهاني " أنه قال: " الغريبُ من الحديث، كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم، إذا انفرد الرجلُ عنهم بالحديثِ يُسمى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلانِ وثلاثة واشتركوا في حديثٍ؛ يسمى عزيزًا، فإذا روى الجماعةُ عنهم حديثًا سُمِّي مشهورًا " (١).
قلتُ: الحديثُ الذي ينفرد به بعضُ الرواة يوصَفُ بالغريبِ، وكذلك الحديثُ الذي ينفرد فيه بعضُهم بأمور لا يذكره فيه غيرُه، إما في متنه وإما في إسناده، وليس كلُّ ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد معدودًا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه.
ثم إن الغريب ينقسم إلى: صحيح، كالأفراد المخرجة في (الصحيح).
وإلى غيرِ صحيح، وذلك هو الغالبُ على الغرائب. روينا عن " أحمدَ بن حنبل " ﵁ أنه قال غيرَ مرة: " لا تكتبوا هذه الأحاديثَ الغرائب فإنها مَنَاكيرُ، وعامتُها عن الضعفاء ".
وينقسم الغريبُ أيضًا من وجهٍ آخرَ: فمنه ما هو غريب متنًا وإسنادًا، وهو الحديث الذي تفرد برواية مَتْنِه راوٍ واحد. ومنه ما هو غريب إسنادًا لا متنًا، كالحديث الذي متنُه معروف مرويٌّ عن جماعة من الصحابة، إذا انفرد بعضُهم بروايته عن صحابيٍّ آخرَ كان غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب، ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد
стр. 457
المتون الصحيحة (١)، وهو الذي يقول فيه " الترمذي ": " غريبٌ من هذا الوجه " (٢).
ولا أرى هذا النوعَ ينعكس؛ فلا يوجد إذًا ما هو غريب متنًا وليس غريبًا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديثُ الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون [٨٠ / و] فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا، وغير غريبٍ إسنادًا. لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد، فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر الغرائب التي (٣) اشتملت عليها التصانيفُ المشهورة (٤). والله أعلم.
стр. 458
النوع الثاني والثلاثون:
معرفة غريبِ الحديث .
وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديثِ من الألفاظ الغامضة، البعيدة من الفهم لقلة استعمالها.
هذا فن مُهِم يقبحُ جهلُه بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامةً. والخوضُ فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيقٌ بالتحري جديرٌ بالتوقي.
روينا عن " الميموني " قال: سئل أحمد بن حنبل عن حرف من غريب الحديث، فقال: " سَلُوا أصحابَ الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول ِ رسول الله ﷺ بالظنِّ فسأخطئ " (١).
وبلغنا عن " التاريخي، محمد بن عبدالملك " قال: " حدثني أبو قِلاَبة عبدُالملك بن محمد، قال: قلت للأصمعي: يا أبا سعيد، ما معنى قول رسول الله ﷺ : " الجار أحق بِسَقَبِه "؟ فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ اللزيقُ " (٢).
ثم إن غير واحدٍ من العلماء صنَّفوا في ذلك فأحسنوا، روينا عن " الحاكم أبي عبدالله الحافظ " قال: " أولُ من صنَّف الغريبَ في الإسلام النضرُ بنُ شُمَيْل " (٣) ومنهم من خالفه
стр. 459
فقال: " أولُ من صنف فيه أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثَنَّى " وكتاباهما صغيران. وصنف بعد ذلك " أبو عبيدة القاسم بن سلام " كتابَه المشهورَ، فجمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهل ِ العلم بموقع جليل، وصار قدوة في هذا الشأن. ثم تتبع " القُتيبي " (١) ما فات " أبا عبيد " فوضع فيه كتابه المشهور، ثم تتبع " أبو سليمان الخطابي " ما فاتهما فوضع في ذلك كتابه المشهور (٢). فهذه الكتبُ الثلاثة أمهاتُ الكتبِ المؤلفة في ذلك، ووراءها مجامعُ تشتمل من ذلك على زوائدَ وفوائد كثيرة ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمةً جِلَّة.
وأقوى ما يُعتَمدُ عليه في تفسير غريب الحديث، أن يُظفر به مُفَسَّرًا في بعض روايات الحديث، نحو ما رُوِي في حديث " ابن صياد " (٣) أن النبي ﷺ قال له: " قد خبأتُ خبيئًا
стр. 460
لك فما هو؟ قال: الدُّخ " (١) فهذا خَفِيَ معناه وأعضل، وفسره قوم بما لا يصح، وفي (معرفة علوم الحديث للحاكم) أنه الدَّخ بمعنى الزَّخّ الذي هو الجماع (٢)، وهذا تخليط فاحش يغيظ العالمَ والمؤمنَ؛ وإنما معنى الحديث أن النبي ﷺ قال له: قد أضمرت لك ضميرًا فما هو؟ قال: الدخ. بضم الدال، يعني الدخان. والدخ هو الدخان في لغة؛ إذ في بعض روايات الحديث ما نصه: ثم قال رسول الله ﷺ : " إني قد خبأت لك خبيئًا " - وخبأ له " يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ " - فقال ابنُ صياد: هو الدُّخ، فقال رسول الله ﷺ : " اخسأ فلن تعدو قدرك " وهذا ثابت صحيح، خرجه الترمذي (٣) وغيره، فأدرك " ابن صياد " من ذلك هذه الكلمة فحسب؛ على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين، من غير وقوف على تمام البيان، ولهذا قال له: " اخسأ فلن تعدوَ قدرَك " أي فلا مزيدَ لك على قدرِ إداركِ الكهان. والله أعلم *.
النوع الثالث والثلاثون:
معرفة المسلسَل ِ من الحديث.
التسلسلُ من نعوتِ الأسانيد وهو عبارة عن تتابع رجال ِ الإسناد وتواردهم فيه، واحدًا بعد واحد، على صفةٍ أو حالة واحدة.
وينقسم ذلك إلى ما يكون صفةً للرواية والتحمُّل، وإلى ما يكون صفةً للرواة وحالةً لهم. ثم إن صفاتهم في ذلك وأحوالهم، أقوالا وأفعالا ونحو ذلك (١) تنقسم إلى ما لا نحْصيه. ونوَّعه " الحاكم أبو عبدالله الحافظُ " إلى ثمانية أنواع، والذي ذكره فيها إنما هو صور وأمثله ثمانية (٢).
ومثالُ ما يكون صفةً للرواية والتحمل، ما يتسلسل بِـ: سمعت فلانًا قال سمعت فلانًا، إلى آخر الإِسناد، أو ليسلسل بِـ: حدثنا وأخبرنا، إلى آخره، ومن: أخبرنَا والله فلان، قال أخبرنا والله فلان .. إلى آخره *.
ومثالُ ما يرجع إلى صفاتِ الرواةِ وأقوالهم ونحوِها، إسنادُ حديث: " اللهم أعِنِّي على
стр. 463
شكرِك وذكرِك وحسن عبادتك " المتسلسِل بقولهم: " إني أحبك فقُلْ " (١)، وحديث التشبيك باليد، وحديث العَدِّ في اليدِ *؛ في أشباهٍ لذلك نرويها وتُروَى كثيرة. وخيرُها ما كان فيها دلالة على اتصال ِ السماع وعدم التدليس.
ومن فضيلة (٢) التسلسل اشتمالُه على مزيدِ الضبطِ من الرواة، وقلما تسلم المسلسلاتُ
стр. 464
من ضعف، أعني في وصفِ التسلسل لا في أصل المتن. ومن المسلسَل ِ ما ينقطع تسلسله في وسطِ إسنادِه، وذلك نقص فيه. وهو كالمسلسل بِـ: أول حديث سمعته، على ما هو الصحيح في ذلك *. والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون:
[٨١ / ظ] معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه.
هذا فنٌّ مهم مستصعب. روينا عن " الزهري " ﵁ أنه قال: " أعيا الفقهاءَ وأعجزهم أن يعرفوا ناسخَ حديثِ رسول الله ﷺ من منسوخه " (١) وكان للشافعي ﵁ فيه يد طولَى وسابقة أولى؛ روينا عن " محمد بن مسلم بنِ وَاره " أحد أئمة الحديث، أن " أحمد بن حنبل " قال له وقد قدم من مصر: " كتبتَ كُتبَ الشافعي؟ قال: لا. قال: فرطتَ؛ ما علمنا المجملَ من المفسر، ولا ناسخَ حديثِ رسول الله ﷺ من منسوخه، حتى جالَسْنا الشافعيِّ " (٢).
وفيمن عاناه من أهل الحديث، مَن أدخل فيه ما ليس منه؛ لخفاء معنى النسخ وشرطِه، وهو عبارة عن: رفع الشارع ِ حُكْمًا منه متقدمًا بحكم منه متأخرٍ (٣) وهذا حدٌّ وقع لنا، سالم من اعتراضاتٍ وردتْ على غيره *.
стр. 467
ثم إن ناسخ الحديثِ ومنسوخَه ينقسم أقسامًا (١):
فمنها ما يُعرفُ بتصريح رسول الله ﷺ به، كحديثِ " بُرَيدةَ " الذي أخرجه " مسلم " في صحيحه (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن زيارةِ القبورِ فزوروها " في أشباهٍ لذلك.
ومنها ما يعرف بقول ِ الصحابيِّ، كما رواه " الترمذي " (٣) وغيره، عن " أُبَيِّ بن كعب " ﵁ أنه قال: " كان الماءُ من الماءِ رخصةً في أول الإسلام، ثم نُهِيَ عنه " *. وكما خرجه " النسائي " (٤) عن " جابر بن عبدالله " قال: " كان آخر الأمرين
стр. 468
من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مَسَّت النارُ " في أشباه لذلك.
ومنها ما عُرِفَ بالتاريخ، كحديثِ " شدَّادِ بن أوس " وغيرِه، أن رسول الله ﷺ قال: " أفطر الحاجمُ والمحجومُ " وحديثِ " ابن عباس ": " أن رسول الله ﷺ [٨٢ / و] احتجم وهو صائم ". فبيَّن " الشافعيُّ " أن الثاني ناسخ للأول، من حيث أنه رُوِي في حديثِ " شداد " أنه كان مع النبي ﷺ زمانَ الفتح فرأى رجلا يحتجمُ في شهر رمضان فقال: " أفطر الحاجم والمحجوم " ورُوِيَ في حديث ابن عباس أنه ﷺ احتجم وهو مُحْرِم صائم؛ فبان بذلك أن الأولَ كان زمنَ الفتح في سنة ثمانٍ، والثاني في حِجَّة الوداع في سنة عَشر * (١).
стр. 469
ومنها ما يعرفُ بالإجماع، كحديثِ قتل شاربِ الخمر في المرة الرابعة، فإنه منسوخ؛ عُرفَ نسخُه بانعقاد الإجماع على تركِ العمل به (١)، والإجماعُ لا يَنسخُ ولا يُنسَخُ، ولكن يدل على وجودِ ناسخ غيره *. والله أعلم بالصواب.
النوع الخامس والثلاثون:
معرفة المصحَّف من أسانيدِ الأحاديث ومتونِها .
هذا فنٌّ جليل إنما ينهض بأعبائه الحُذَّاقُ من الحُفَّاظِ، و " الدارقطني " منهم. وله فيه تصنيف مفيد. وروينا عن " أبي عبدالله أحمد بن حنبل " ﵁ أنه قال: ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟ (١).
فمثالُ التصحيف في الإِسناد: حديثُ شعبةَ عن العوَّام بنِ مُراجِم، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : " لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها ". الحديث؛ صحف فيه " يحيى بنُ معين " فقال ابن مزاحم، بالزاي والحاء، فرُدَّ عليه؛ وإنما هو " ابن مراجم ": بالراء المهملة والجيم (٢).
ومنه ما رويناه عن " أحمدَ بن حنبل " قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة، عن مالك بن عُرفُطَة، عن عبدِ خيرٍ، عن عائشة: " أن رسول الله ﷺ [٨٢ / ظ] نهى عن الدُّبَّاء والمُزَفَّت " (٣) وقال أحمد: " صحَّف شعبةُ فيه، وإنما هو خالد بن علقمة " وقد رواه
стр. 472
" زائدةُ بن قدامة " (١) وغيرُه على ما قاله أحمد *.
стр. 473
وبلغنا عن " الدارقطني " أن ابن جرير الطبري قال فيمن روى عن النبي ﷺ من بني سليم: " ومنهم عُتبة بن البُذَّر " قاله بالباء والذال المعجمة، وروى له حديثًا؛ وإنما هو " ابن النُدَّر " بالنون والدال غير المعجمة (١).
ومثال التصحيف في المتنِ: ما رواه " ابنُ لهِيعةَ " عن كتاب " موسى بنِ عُقبةَ " إليه، بإسناده عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد - وإنما هو بالراء - " احتجر في المسجد، بخُصٍّ أو حصير، حجرةً يصلي فيها " فصحّفه " ابنُ لهيعة " لكونه أخذه من كتابٍ بغيرِ سماع، ذكر ذلك " مسلم " في كتاب (التمييز) له (٢).
стр. 474
وبلغنا عن " الدارقطني " في حديثِ أبي سفيان عن جابر قال: " رُميَ أُبيٌّ يومَ الأحزاب على أكحلِه، فكواه رسولُ الله ﷺ ؟ قال فيه: أَبِي، وإنما هو " أُبَيُّ بنُ كعب " (١) وفي حديثِ أنس: " ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة " قال فيه شُعبة: ذُرَة (٢)، بالضم والتخفيف، ونُسِب فيه إلى التصحيف (٣) وفي حيدثِ أبي ذر: " تُعينَ الصانعَ " قال فيه " هشامُ بن عروة " بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصوابُ ما رواه " الزهري ": الصانع، بالصاد المهملة، ضدُّ الأخرق (٤).
وبلغنا عن " أبي زُرعة الرازي " أن يحيى بنَ سلام - هو المفسر - حدَّث عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة في قوله تعالى (٥): [٨٣ / و] " سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ " قال: " مِصْر " واستعظم أبو زُرْعةَ هذا واستقبحه، وذكر أنه في تفسير سعيد عن قتادة: " مَصِيرَهم " (٦).
وبلغنا عن " الدارقطني " أن محمد بن المثنى أبا موسى العَنَزي، حدث بحديث النبي ﷺ : " لا يأتي أحدُكم يوم القيامة ببقرةٍ لها خُوار " فقال فيه: " أو شاةٍ تَنْعَرُ " بالنون. وإنما هو: تَيعر، بالياء المثناة من تحت (٧). وأنه قال لهم يومًا: " نحن قوم لنا شرف، نحن من
стр. 475
عَنزةَ، قد صلى النبي ﷺ إلينا " يريد ما رُوِيَ " أن النبي ﷺ صلى إلى عَنَزةٍ " (١) توهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنَزَةُ ها هنا: حربة نُصِبتْ بين يديه فصلَّى إليها.
وأظرفُ من هذا ما رويناه عن " الحاكم أبي عبدالله " عن أعرابي زعم أنه ﷺ كان إذا صَلَّى نُصِبتْ بين يديه شاة أي عَنْزَة. صحفها، بإسكان النون *.
وعن " الدارقطني " أيضًا أن أبا بكر الصولي أملى في الجامع حديثَ أبي أيوب: " من صام رمضانَ وأتْبَعه سِتًّا من شوال " فقال فيه: شيئًا، بالشين والياء (٢). وأن " أبا بكر الإسماعيلي الإمام " كان فيما بلغهم عنه يقول في حديث عائشة عن النبي ﷺ في الكهان (٣): " قر الزجاجة " بالزاي، وإنما هو " الدجاجة " بالدال. وفي حديث يُروَى عن " معاوية بن أبي سفيان " قال: " لعَن رسولُ الله ﷺ الذين يُشقِّقون الخُطَبَ تشقيقَ الشِّعْر "، ذكر " الدارقطني " عن وكيع أنه قاله مرة بالحاء المهملة، وأبو نعيم شاهد، فردَّه عليه بالخاء المعجمة المضمومةِ. وقرأتُ بخَطِّ مصنِّفٍ أن " ابنَ شاهين " قال في جامع المنصور في الحديث: " إن النبي ﷺ نهى عن تشقيق الحَطَبِ " فقال بعضُ الملاحين:
стр. 476
يا قوم، فكيف نعمل والحاجةُ ماسَّة؟ (١).
قلت: فقد انقسم [٨٣ / ظ] التصحيفُ إلى قسمين: أحدهما في المتنِ والثاني في الإسناد.
وينقسم قسمةً أخرى إلى قسمين: أحدهما: تصحيف البصر، كما سبق عن " ابن لهيعة " وذلك هو الأكثر. والثاني: تصحيف السمع، نحو حديثٍ لـ " عاصم الأحول " رواه بعضُهم فقال: عن واصل الأحدب. فذكر " الدارقطني " أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر (٢)، كأنه ذهب - والله أعلم - إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سمعُ من رواه.
وينقسم قسمة ثالثةً إلى: تصحيفِ اللفظ وهو الأكثر، وإلى تصحيفٍ يتعلق بالمعنى دون اللفظ، كمثل ِ ما سبق عن " محمد بن المثنى " في الصلاة إلى عنَزَةَ.
وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفًا، مجازٌ. والله أعلم.
وكثير من التصحيف المنقول عن الأكبار الجِلَّة لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوه. ونسأل الله التوفيق والعصمة، هو أعلم.
стр. 477
النوع السادس والثلاثون:
معرفة مختلِف الحديث .
وإنما يكمل للقيام به الأئمةُ الجامعون بين صناعتي الحديثِ والفقه، الغوَّاصون على المعاني الدقيقة *.
اعلم أن ما يُذكَر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكنَ الجمعُ بين الحديثين ، ولا يتعذر إبداءُ وجهٍ ينفي تنافِيهما. فيتعين حينئذ المصيرُ إلى ذلك، والقولُ بهما معًا. ومثالُه: حديثُ " لا عدوى ولا طِيرة " مع حديث: " لا يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ "، وحديث " فِرَّ من المجذوم فرارَكَ من الأسد " (١).
стр. 478
وجهُ الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تُعدِي بطبعها، ولكن الله ﵎ جعل مخالطة المرِيض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضَه. ثم قد [٨٤ / و] يتخلف ذلك عن سببِه كما في سائر الأسباب. ففي الحديث الأول نَفى ﷺ ما كان يعتقده الجاهلُ من أن ذلك يُعدي بطبعِه، ولهذا قال: " فمن أعدى الأوَّلَ؟ " (١) وفي الثاني أعْلَمَ بأن الله - سبحانه - جعل ذلك سببًا لذلك، وحذر من الضرر الذي يغلب وجودُه عند وجودِه، بفعل ِ الله ﵎. ولهذا في الحديث أمثال كثيرة (٢).
وكتاب (مختلف الحديث، لابن قُتَيبة) في هذا المعنى، إن يكن قد أحسن فيه من وجه، فقد أساء في أشياءَ منه قَصُرَ باعُه فيها، وأتى بما غيرُه أوْلى وأقوى. وقد روينا عن " محمد بن إسحاق بنِ خزيمة " الإمام أنه قال: " لا أعرف أنه رُوِيَ عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فلْيأتني به لأؤلف بينهما " (٣).
القسم الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمعُ بينهما ، وذلك على ضربين:
أحدهما: أن يظهر كونُ أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا؛ فيُعمَلُ بالناسخ ويُتْرك المنسوخ.
стр. 479
الثاني: ألا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما؛ فيُفزَع حينئذ إلى الترجيح ويُعْمَلُ بالأرجح منهما والأثبتِ، كالترجيح بكثرةِ الرواة أو بصفاتهم، في خمسين وجهًا من وجوه الترجيحات وأكثر (١)، ولتفصيلها موضعٌ غيرُ ذا *. والله سبحانه أعلم.
стр. 480
النوع السابع والثلاثون:
معرفةُ المزيدِ في متَّصل ِ الأسانيد.
مثالُه ما رُوِي عن " عبدالله بن المبارك " قال: أخبرنا سفيانُ عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثني بُسْرُ بنُ عبيدالله (١)، قال سمعت أبا إدريس (٢) يقول: سمعت واثلةَ بنَ الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغَنوي (٣) يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تجلسوا على القبورِ ولا تُصَلُّوا إليها ".
فذِكْرُ سُفيانَ في هذا الإسنادِ، زيادة ووَهْم، وهكذا ذِكْرُ أبي إدريس؛ أما الوهم في ذِكْرِ " سفيان " فممن دونَ ابنِ المبارك؛ لأن جماعة ثقاتٍ روَوه عن ابن المبارك عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرَّح فيه بلفظِ الإخبار بينهما. وأما ذِكْرُ " أبي إدريس " فيه فابنُ المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن جماعةً من الثقات روَوه عن " ابن جابر " فلم يذكروا أبا إدريسَ بين بُسْر وواثلةَ. وفيهم من صرَّح فيه بسماع ِ بُسْرٍ من واثلة. قال " أبو حاتم الرازي ": " يُرَون أن ابن المبارك وهِمَ في هذا ". قال: " وكثيرًا ما يُحدِّثُ بُسْرٌ عن أبي إدريس، فغلط " ابنُ المبارك " وظنَّ أن هذا مما رُوِيَ عن أبي إدريس عن واثلة، وقد سمع هذا بُسْرٌ من واثلةَ نفسِه ".
قلت: قد ألَّف " الخطيبُ الحافظ " في هذا النوع كتابًا سماه (كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد) وفي كثيرٍ مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد، إن كان بلفظ " عن " في ذلك فينبغي أن يُحكم بإرساله، ويُجعَلَ مُعلَّلاً بالإِسناد الذي ذُكِرَ فيه الزائد
стр. 481
لما عُرِفَ في نوع المعلل، وكما يأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - في النوع الذي يليه. وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار كما في المثال الذي أوردناه، فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل، عنه، ثم سمعه منه نفسه فيكون " بُسْرٌ " في هذا الحديث قد سمعه من " أبي إدريس، عن واثلة " ثم لقي " واثلةَ " فسمعه منه، كما جاء مثلُه مصرَّحًا به في غير هذا. اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونِه وَهْمًا، كنحوِ ما ذكره " أبو حاتم " في المثال المذكور. وأيضًا فالظاهرُ ممن وقع له مثلُ ذلك [٨٥ / و] أن يذكر السماعَيْنِ، فإذا لم يجئ عنه ذكرُ ذلك؛ حملناه على الزيادة المذكورة *. والله أعلم.
النوع الثامن والثلاثون:
معرفة المراسيل الخفيِّ إرسالها .
هذا نوع مُهِمٌّ عظيم الفائدة، يُدرَك بالاتساع في الرواية، والجمع لطرقِ الأحاديث، مع المعرفة التامة. " وللخطيبِ الحافظ " فيه (كتاب التفصيل ِ لِمُبهَم ِ المراسيل).
والمذكور في هذا الباب، منه ما عُرِفَ فيه الإرسالُ بمعرفةِ عدم السماع من الراوي فيه أو عدم اللقاء، كما في الحديث المرويِّ عن العوَّام بن حوْشَب، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: " كان النبي ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة؛ نهض وكبر " رُوِيَ فيه عن " أحمدَ بن حنبل " أنه قال: العوامُ لم يلق ابنَ أبي أوفى (١).
ومنه ما كان الحكم بإرساله مُحَالا على مجيئه من وجه آخر بزيادةِ شخص واحد أو أكثرَ، في الموضع المدَّعَى فيه الإرسالُ، كالحديث الذي سبق ذكرُه في النوع العاشر، عن عبدالرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، فإنه حُكِمَ فيه بالانقطاع والإرسال ِ بين عبدالرزاق والثوري؛ لأنه رُوي عن عبدالرزاق، قال: " حدثني النعمانُ بن أبي شيبةَ الجَنَدي (٢)، عن الثوري عن أبي إسحاق ". وحكم أيضًا فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق؛ لأنه رُوِي عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق.
[وما رواه (٣) بكر بن بكار وغيره عن المسعودي عن عبدالكريم بن مالك الجزري عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عَلِيٍّ: " أمرني رسولُ الله ﷺ [٨٥ / و] أن أتصدق بلحوم البُدْنِ وجلالِها وجلودِها " فهذا قد حُكم فيه بالإرسال بين عبدالكريم الجزري وابن
стр. 484
أبي ليلى، وبأن بينهما مجاهدًا، ولأن ابن عيينة وإسرائيلَ بن يونس وغيرهما رووه عن عبدالكريم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى *].
وهذا وما سبق في النوع الذي قبله، يتعرضان لأن يُعترض بكلِّ واحد منهما على الآخر، على ما تقدمت الإشارة إليه. والله أعلم.
стр. 485
النوع التاسع والثلاثون:
معرفة الصحابة ﵃ أجمعين -.
هذا علم كبير، قد ألف الناس فيه كتبًا كثيرة، ومن أحلاها (١) وأكثرها فوائد (كتاب الاستيعاب، لابن عبدالبر) لولا ما شانه به من إيراده كثيرًا مما شجر بين الصحابة، وحكاياته عن الأخباريين (٢) لا المحدِّثين. وغالبٌ على الأخباريين الإكثارُ والتخليطُ فيما يروونه.
وأنا أورد نُكَتًا نافعة - إن شاء الله تعالى - قد كان ينبغي لمصنفي كتبِ الصحابة أن يتوجوها بها ، مقدِّمين لها في فواتحِها *.
стр. 486
إحداها: اختلف أهل العلم في أن الصحابي من ؟ فالمعروفُ من طريقة أهل ِ الحديث، أن كلم مسلم رأى رسول الله ﷺ فهو من الصحابة *.
قال " البخاري " في (صحيحه): من صحب النبيَّ ﷺ أو رآه من المسلمين؛ فهو من أصحابه " (١).
وبلغنا عن " أبي المظفر السمعاني المروزي " (٢) أنه قال: " أصحابُ الحديث يطلقون اسمَ الصحابة على كلِّ من روى عنه [ ﷺ ] حديثًا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون (٣) من رآه رؤية، من الصحابة؛ وهذا لشرفِ منزلة النبي ٨٦ / و] ﷺ ، أعطَوا كلَّ من رآه حُكْمَ الصُّحبة ". وذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغةُ والظاهر، يقع على من طالت صحبتهُ
стр. 487
للنبي ﷺ وكثُرت مجالسته له على طريق التَّبَع له والأخذِ عنه. قال: وهذا طريق الأصوليين *.
قلت: وقد روينا عن " سعيد بن المسَيَّب " أنه كان لا يَعُدُّ الصحابيَّ إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وكأن المراد بهذا - إن صح عنه - راجع إلى المحكِيِّ عن الأصوليين، ولكنْ في عبارته ضيق يوجب ألا يُعَدَّ من الصحابة " جريرُ بنُ عبدالله البجلي " ومن شاركه في فَقْدِ ظاهرِ ما اشترطه فيهم، ممن لا نعرف خلافًا في عدِّه من الصحابة **.
وروينا عن شعبة عن موسى السَّبَلاني - وأثنى عليه خيرًا - قال: " أتيت أنسَ بن مالك فقلت: هل بقي من أصحابِ رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، فأما من صَحِبَه فلا " إسنادُه جيد، حدث به " مسلم " بحضرة " أبي زُرْعَة ".
ثم إن كونَ الواحدِ منهم صحابيًّا، تارةً يُعرفُ بالتواتر، وتارةً بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن يُروَى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارةٍ بقولِه وإخبارِه عن نفسِه
стр. 490
- بعد ثبوتِ عدالته * - بأنه صحابي. والله أعلم.
الثانية: للصحابةِ بأسرهم خَصِيصَة، وهي أنه لا يُسأل عن عدالةِ أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونِهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتابِ والسنة وإجماع ِ من يُعتدُّ به في الإجماع من الأمة (١).
قال الله ﵎: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ " (٢) الآية. قيل: اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحابِ رسول الهل ﷺ . وقال تعالى: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " (٣) وهذا خطاب مع الموجودين حينئذ. وقال سبحانه: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ " (٤) الآية.
وفي نصوص السُّنة الشاهدة بذلك كثرة، منها حديثُ " أبي سعيد " المتَّفَقُ على صحتِه، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدَكم أنفق مثلَ
стр. 491
أحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدِهم ولا نَصِيفَه " (١) *.
ثم إن الأمة مجمعة على تعديل الصحابة، ومَن لابسَ الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذي يُعتَدُّ بهم في الإجماع (٢)، إحسانًا للظنِّ بهم، ونظرًا إلى ما تمهَّد لهم من المآثر، وكأن الله - سبحانه - أتاح (٢) الإجماعَ على ذلك؛ لكونِهم نَقَلةَ الشريعة. والله أعلم.
стр. 492
الثالثة: أكثرُ الصحابة حديثًا عن رسول الله ﷺ : " أبو هريرة " * رُوِيَ ذلك عن سعيد بن أبي الحسن، وأحمدَ بن حنبل، وذلك من الظاهر الذي لا يخفى على حديثي. وهو أوَّلُ صاحبِ حديثٍ. بلغنا عن " أبي بكر بن أبي داود السِّجِستاني " (١) قال: " رأيت أبا هريرة في النوم وأنا بسجستان أصنِّف حديثَ أبي هريرة. فقلت: إني لأحِبُّك. فقال: أنا أولُ صاحبِ حديثٍ كان في الدنيا " وعن " أحمد بن حنبل " أيضًا ﵁ قال: " ستة من أصحاب النبي ﷺ أكثروا الرواية عنه وعُمِّروا: أبو هريرة، وابنُ عمر، وعائشةُ (٢)، وجابرُ بن عبدالله، وابنُ عباس، وأنس. وأبو هريرة أكثرهُم حديثًا، وحمَلَ عنه الثقاتُ " (٣).
ثم إن أكثر الصحابة فُتْيا تُروَى: " ابنُ عباس ". بلغنا عن " أحمد بن حنبل " قال: " ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ يُروَى عنه في الفتوى أكثر من ابن عباس ". وروينا عن " أحمد بن حنبل " أيضًا أنه " قيل له: من العبادلةُ؟ فقال: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو. قيل له: فابن مسعود؟ قال: لا، ليس عبدالله بن مسعود من العبادلة ".
قال " الحافظ أحمد البيهقي " فيما رويناه عنه وقرأتُه بخطه: " وهذا لأن ابنَ مسعودٍ
стр. 493
تقدم موتُه، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم. فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قولُ العبادلة، أو: هذا فِعلُهم ".
قلت: ويلتحقُ بابنِ مسعود في ذلك، سائر العبادلة (١) المسمَّين بعبدِالله من الصحابة، وهم نحو مائتين وعشرين نفسًا. والله أعلم *.
وروينا عن " علي بنِ عبدالله المَديني " (٢) قال: " لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أحد له أصحاب يقومون بقوله في الفقهِ إلا ثلاثة: عبدُالله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃. كان لكل رجل منهم أصحاب يقومون بقولِه ويُفتون الناس " (٣).
стр. 494
وروينا عن " مسروق " قال: " وجدت علم أصحابِ النبي ﷺ انتهى إلى سِتة: عُمَرَ، وعلي، وأُبَيّ، وزيدٍ، وأبي الدرداء، وعبدالله بن مسعود. ثم انتهى عِلم هؤلاء الستة إلى اثنين: عليٍّ، وعبدِالله ". وروينا نحوه عن مُطَرِّف عن الشعبي عن مسروق، لكنْ ذكر " أبا موسى " بدلَ " أبي الدرداء " (١).
وروينا عن " الشعبي " قال: " كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان عمرُ وعبدُالله وزيد، يشبه علمُ بعضِهم بعضًا. وكان يقتبس بعضُهم من بعض، وكان عليٌّ والأشعري وأُبَيُّ يشبه علم بعضِهم بعضًا، وكان يقتبس بعضُهم من بعض " (٢).
وروينا عن " الحافظ [٨٧ / و] أحمد البيهقي " أن الشافعي ذكر الصحابة في (رسالته) القديمة وأثنى عليهم بما هم أهلُه، ثم قال: " وهم فوقَنا في كلِّ علم واجتهاد وورَع وعقل، وأمرٍ استدْرِكَ به علمٌ واستنبِط به، وآراؤهم لنا أحْمَدُ وأوْلى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. ". والله أعلم.
الرابعة: روينا عن " أبي زُرعةَ الرازي " أنه سئل عن عِدَّةِ مَن روى عن النبي ﷺ -، فقال: " ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تَبوكَ سبعون ألفًا " (٣).
ورينا عن " أبي زرعة " أيضًا أنه قيل له: " أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن قال ذا قَلْقَلَ الله أنيابَه؟ هذا قولُ الزنادقة، ومن يُحصي حديثَ رسول ِ الله ﷺ ؟ قُبِضَ رسول الله ﷺ عن مائة ألفٍ وأربعةَ عشر ألفًا من الصحابة ممن رَوَى عنه وسمع منع - وفي رواية: ممن رآه وسمع منه - فقيل له: يا أبا زرعة! هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: أهلُ المدينة وأهل مكة ومَن بينهما، والأعرابُ، ومَن
стр. 495
شهد معه حجة الوداع، كلٌّ رآه وسمع منه بعرفة " (١) *.
قلت: ثم إنه اختُلف في عددِ طبقاتهم وأصنافهم، والنظرُ في ذلك إلى السبق بالإسلام والهجرة، وشهودِ المشاهد الفاضلة مع رسول الله ﷺ بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا هو ﷺ وجعلهم " الحاكم أبو عبدالله " اثنتي عشرة طبقة (٢)، ومنهم من زاد على ذلك، ولسنا نطوِّل بتفصيل ذلك. والله أعلم.
الخامسة: أفضلُهم على الإطلاق: " أبو بكر، ثم عمر ". ثم إن جمهورَ السلفِ على تقديم " عثمان " على " عليٍّ ". وقَدَّم أهلُ الكوفة من أهل ِ [٨٨ / و] السُّنةِ عليًّا على عثمانَ، وبه قال جماعةٌ، منهم " سفيانُ الثوري " أولا، ثم رجع إلى تقديم عثمان. روَى ذلك عنه وعنهم " الخطابي " (٣). وممن نُقِلَ عنه من أهل ِ الحديث تقديمُ عليٍّ على عثمانَ: " محمدُ بن إسحاق بن خُزيمة ".