← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

غيرها، وعلى مقربة من حصن لُوْرَقَة من عمل قُرطبة معدن البِلَّور (١)، وقد يوجد بجبل شميران، وهو شرقي يبره. والحجر البِجَادِيّ (٢) يوجد بناحية مدينة أشبونة، في جبل هناك يتلألأ فيه ليلاً كالسراج. والياقوت الأحمر (٣) موجود بناحية مُنْت ميور في كورة مالَقَة، إلاّ أنّه دقيق جداً لا يصلح للاستعمال لصغره. ويوجد حجر يشبه الياقوت الأحمر بناحية بَجَّانَة (٤) بخندق يُعرف بقرية ناشرة أشكالاً مختلفة كأنّه مصبوغ، حسن الّلون صَبُور على النار. وحجر المغناطيس الجاذب للحديد، يوجد في كورة تُدْمِيْر. وحجر الشّاذنة (٥) بجبال قرطبة كثير، ويُستعمل في ذلك التذاهيب. وحجر اليهودي (٦) في ناحية حصن البونت (٧)، وهو أنفع شيءٍ للحصاة. وحجر المرقشيثا (٨) الذهبيّة في جبال ..........................................

стр. 107

أُبَّذَة (١) لا نظير لها في الدنيا، ومن الأندلس تحمل إلى جميع الآفاق لفضلها. والمنغنيسيا في الأندلس كثير، وكذلك حجر الطَّلْق (٢). ويوجد حجر الُّلؤلؤ بمدينة بَرْشلُونَة، إلاّ أنّه جامد الَّلون. ويوجد المرجان بساحل البَيْرَة من عمل المَرِية (٣)، أقلّ ما لُقط منه في أقلّ من شهر نحو ثمانين ربعاً. ومعدن الذهب بنهر لارِدة يُجمع منه كثير، ويُجمع أيضاً من ساحل أشبونة. ومعادن الفضّة في الأندلس كثيرة في كورة تُدْمير وجبال حَمَّة بَجَّانة (٤)، وبإقليم كرتش من عمل قُرطبة معدن فضّة جليل. وبأكشونبة معدن القصدير لا نظير له، يشبه الفضّة، وله معادن بناحية إفرنجة وليون، ومعدن الزئبق في جبل البرانس، ومن هناك يتجهّز به الآفاق. ومعادن الكبريت الأحمر والأصفر بالأندلس كثيرة، ومعدن التُوتِيا الطبيّة بساحل إلْبِيْرَة بقرية تسمى: بَطِرْنَة (٥)، وهي أزكى

стр. 108

توتيا وأقواها في صبغ النحاس، وبجبال قرطبة توتيا وليست كالبطرنيّة. ومعدن الكحل المشبّه بالأصفهاني بناحية مدينة طُرْطُوْشَة (١)، يحمل منها إلى جميع البلاد. ومعادن الشّبوب (٢) والحديد والنحاس بالأندلس أكثر من أن تُحصى (٣). وأعظم معدن للذهب بالأندلس في جهة شَنْت ياقُوه (٤) (شنت ياقوب) قاعدة الجلالقة (٥) على البحر المحيط. وفي جهة قُرْطُبَة الفضّة والزئبق. والنحاس في شمالي الأندلس كثير، والصُّفْر الذي يكاد يشبه الذهب، وغير ذلك من المعادن المتفرِّقة في أماكنها. والعَيْن الذي يخرج منها ...............................................

стр. 109

الزاج (١) في لَبْلَة مشهورة، وهو كثير مفضّل في البلاد منسوب. وبجبل طليطلة جبل الطَّفْل (٢) الذي يجهّز إلى البلاد، ويُفضّل على كل طَفْلٍ بالمشرق والمغرب. وبالأندلس عدّة مَقاطع للرُّخام، وفي جبل قُرطُبة مقاطع الرُّخام الأبيض الناصع والخمريّ. وفي ناشِرة مقطع عجيب للعُمُد، وَببَاغة من مملكة غَرْناطة مقاطع للرُّخام كثيرة غريبة مُوَشّاة في حمرة وصفرة، وغير ذلك من المقاطع التي بالأندلس من الرخام الحالك المُجَزَّع (٣). وحصى المريّة: يُحمل إلى البلاد، فإنَّه كالدرّ في رَوْنَقه، وله ألوان عجيبة، ومن عادتهم أن يَضَعوه في كيزان الماء. وفي الأندلس، من الأمنان التي تنزل من السّماء، القِرْمِز الذي ينزل على شجر البَلُّوط، فيجمعه النّاس من الشَّعرا (٤) ويصبغون به، فيخرج منه الّلون الأحمر الذي لا تفوقه حمرة (٥). وليست الأمنان التي تنزل من السّماء من الأحجار ولا من المعادن، كما أنها ليست من الموارد الزراعيّة، وقد وضعها صاحب نفح الطيب في هذا المكان، فآثرنا أن نضعها حيث وضعها، خاصة وهي تمسّ الأصباغ، وقد كان لقسم من المعادن التي ذكرتها فائدة للأصباغ أيضاً، ولعلّ هذه الصِّلة هي التي حدت بصاحب نفح الطيب أن يضعها في هذا المكان.

стр. 110

وسألت أحد علماء الزراعة عن المنّ، فذكر لي أنّ نوعاً من الحشرات تفرزه على أوراق الأشجار، وعلى الصخور أيضاً، فمنه ما يُصنّع ويُؤكل، ومنه ما يُصَنّع ليكون من الأصباغ، فلا ينزل المنّ من السّماء، بل يفرز من بعض أنواع الحشرات، وتبقى الحقيقة في أنّ هذا المنّ الأندلسي صبغ قرمزي، ويبقى مكانه مع الأصباغ المعدنية التي ذكرناها. إنّ الأندلس غنيّة بالأحجار والمعادن، وتعتبر من أغنى الأقطار في أحجارها ومعادنها. ٤ - المصنوعات الأندلسيّة والتّصدير: أ - اختصّت المريّة ومالَقَة ومُرْسِية بالوشي المذهّب الذي يتعجب من صنعه أهل المشرق إذا رأوا منه شيئاً. وفي تَنْتالة من عمل مُرْسِية تُعمل البُسُط التي يغالى في ثمنها بالمشرق. ويُصنع في غرناطة وبَسْطَة من ثياب اللباس المحرّرة، الصّنف الذي يُعرف بالمُلَبَّد (١) المختم بالألوان العجيبة. ويُصنع في مُرْسِية من الأَسِرّة المرصّعة والحُصُر الفتّانة الصّنعة وآلات الصُّفر والحديد من السكاكين والأمقاص المذهّبة، وغير ذلك من آلات العروس والجنديّ ما يَبْهر العقل، ومنها تجهّز هذه الأصناف إلى بلاد إفريقيّة وغيرها. ويُصنع بها وبالمريّة ومالقة الزجاج الغريب العجيب وفخّار مُزَجّج مذهّب. ويُصنع بالأندلس نوع من المفصّص المعروف في المشرق بالفُسَيْفِساء، ونوع يبسط به قاعات ديارهم يعرف بالزُّلَيْجِيّ (٢) يشبه

стр. 111

المفصّص، وهو ذو ألوان عجيبة يقيمونه مقام الرّخام الملوّن الذي يصرفه أهل المشرق في زخرفة بيوتهم كالشَّاذَرْوَان (١)، وما يجري مجراه. ب - وأما آلات الحرب من الترّاس والرِّماح والسّروج والألجم والدروع والمَغافِر (٢)، فأكثر همم الأندلس كانت مصروفة إلى هذا الشأن. والسيوف البرذليّات مشهورة بالجودة، وبرذيل آخر بلاد الأندلس من جهة الشمال والمشرق. والفولاذ في إشبيلية إليه النهاية، وفي إشبيلية من دقائق الصنائع ما يطول ذكره (٣). ج - وتصدّر الثياب والبُسُط والأسرّة والحُصُر وآلات الصُّفر والحديد والأسلحة ومواد البناء الفنيّة إلى إفريقيّة أيضاً وإلى المشرق وأوروبا، وبخاصة العطور. وقد كان التبادل التّجاري بين الأندلس وإفريقية نشيطاً جداً قبل الفتح، وكانت بواخر التّجار تجري بين الموانئ بنشاط كبير، وقد استعان المسلمون ببواخر التجار التي كانت تعمل بإشراف يُلْيَان للعبور من إفريقية إلى الأندلس، فنقلت سرية طَرِيْف بن مالك الاستطلاعية إلى الأندلس، كما نقلت قوات طارق بن زياد أيضاً، لكي تؤَمِّن قوات المسلمين مباغتةً كاملة لقوات القُوْط في الأندلس، باعتبار أن السفن التجارية تعبر باستمرار بين إفريقيّة والأندلس، ولا يلفت عبورها الأنظار، وسيرد تفصيل ذلك في سيرة طريف وطارق. كما يوجد السَّمور (٤) في البحر المحيط بالقرب من ساحل الأندلس،

стр. 112

ويعمل من وَبَرِهِ الفِراء الرفيعة، كما يُجلب من جهة جزيرة بَرْطَانِيَة (١) إلى سَرْقُسْطَة وَيُصنّع بها، كما يُصَنّع بقُرطبة (٢)، ويصدّر إلى فرنسة وأوروبا، لأنّ الفرو يباع في المناطق الباردة، ولا تحتاجه المناطق الحارّة. كما يصدّر إلى شمالي إفريقيّة والمشرق، لرغبة المترفين والأغنياء باقتناء ألبسة فراء السَّمور للتباهي به. والقَنْلِيَة (٣) حيوان أدقّ من الأرنب، وأطيب في الطّعم، وأحسن وبراً، وكثيراً ما تلبس فراؤها، ويستعملها أهل الأندلس من المسلمين والنصارى، ولا توجد في بر البربر الإفريقي منها إلاّ ما جُلب منها إلى سَبْتَة فنشأ في جوانبها، وقد صُدِّرت إلى تُونس حاضرة إفريقية (٤)، وإلى غيرها من الأصقاع الإفريقية. وبِغال الأندلس فارهة. وخيلها ضخمة الأجسام، حصون للقتال لحملها الدروع وثقال السِّلاح والعددِ في البرّ الجنوبي (٥)، ويصدّر منها إلى أوروبة وإفريقية لكثرتها، وقد استفاد المسلمون الفاتحون منها أيام الفتح بالغنائم، حتى فاضت عن حاجتهم إليها، كما سيرد تفصيله في فتح طارق بن زياد. ويمكن القول: إنّ الأندلس غنيّة بمواردها الزراعية والحيوانية والمعدنية، جعلت السكّان يعيشون برغد ورفاهيّة ونعمة، فإذا فاضت منتوجاتهم الزراعية والحيوانية والصناعية عن حاجة سكّانها، ووجدوا للفائض عن حاجتهم السُّوق المناسب، صدّروا تلك المنتوجات.

стр. 113

وقد كان موقف المسلمين الفاتحين أيام الفتح، من الناحية الإدارية، موقفاً متميِّزاً، بل كان موقفهم الإداري أفضل من موقف الفاتحين في الجهات الأخرى شرقاً وغرباً، ولا نعلم أنّ المسلمين الفاتحين في أيام الفتح، حَرموا من مادة من مواد القضايا الإداريّة، وبالعكس فإنَّهم كانوا في سعة ونعمة وخير، وقد حمل موسى بن نصير إلى دمشق معه مغانم لا تقدر بثمن، مما يدل على أنَّ الأندلس كانت بخيرٍ أيام الفتوح.

стр. 114

تاريخ الأندلس قبل الفتح الإسلامي وفي أيامه الأولى ١ - في أوروبا وإفريقيَّة أ - البرابرة: أطلق اليونان والرومان على جميع الشعوب سواهم اسم: البرابرة، ثمّ خُصّت به شعوب بدأت تنتشر في أوروبّة منذ القرن الثالث الميلادي، بعد أن كانت قد غادرت مواطنها الأصلية في أواسط آسية منذ فجر التاريخ على الأغلب، وكان موطنها الأصلي الهند والتركستان، وقد غادرت موطنها قبل الميلاد ببضعة قرون ووصلت إلى شمالي أوروبّة وإلى تخوم أوروبّة الشّرقيّة. واستطاع اليونان والرومان أن يردّوا تلك الحشود البربريّة المتوحشة عن تخوم امبراطوريتيهم: الإمبراطورية الرومانية الشّرقيّة (البيزنطيّة) والإمبراطورية الرومانية الغربية، زمناً طويلاً، ثم حالوا بين تلك الحشود وبين اجتياز نهر الدانوب إلى شبه جزيرة البلقان، واجتياز نهر الراين إلى شبه جزيرة إيطالية وإلى فرنسة وما وراءها. ولكن لما بدأ الضعف ينخر في جسم هاتين الإمبراطوريتين بالترف والتنازع وبالدّهر، منذ القرن الرابع الميلادي، جرؤت تلك الحشود على الدنوّ من حدود تلك الإمبراطوريتين، ومن اختراق تلك الحدود أيضاً. ب - أجناسهم وممالكهم: وكان البرابرة أجناساً، منهم الجرمان، أكثر تلك القبائل عَدداً وأعظمها أثراً في تاريخ أوروبّة في العصور الوسطى. ومن أشهر القبائل الجرمانية قبائل القوط الذين انحدروا منذ أواسط القرن الثاني للميلاد، من مساكنهم يومذاك

стр. 115

على شواطئ نهر الفستولا (١)، إلى سهول أوكرانية، شمال البحر الأسود. وهنا انقسم القوط إلى قسمين: قبائل عرفت بسكان الغابات، الذين عُرفوا فيما بعد باسم: القوط الغربيين، وقبائل عرفت بسكّان السهول الواسعة، وهم الذين عرفوا فيما بعد باسم: القوط الشرقيين، وكان نهر الدنيستر يفصل بين مساكن الفريقين. وكان مقام القوط الغربيين بين مصبّ نهر الدنيستر ومصبّ نهر الدانوب، على حدود البلقان مباشرة، سبباً لنشر الدين المسيحي بينهم، ولكن على يد الدُّعاة الأريوسيين، ولذلك تقبّل القوط الغربيون المذهب الأريوسي، وهذا المذهب الذي أوجده الأسقف الإسكندري أريوس في سنة (٣١٠ م)، يجعل المسيح ﵇ إنساناً كاملاً، وينفي عنه الألوهية، ويقول بأن الله خلقه من لا شيء، ولهذا أوصى النبي ﷺ برسالته النبوية إلى هِرَقل عظيم الرّوم بمعتنقي هذا المذهب خيراً، فقال في رسالته: "فإن تولّيتَ فعليك إثم الأريسيين .... " (٢). ح - وصولهم إلى أوروبّة: وفي مطلع القرن الخامس الميلادي، كان عدد من القبائل الجرمانية قد انتشرت في غربي أوروبّة: في فرنسة وإسبانيا. فكانوا قد انحدروا من مساكنهم بين نهر الفستولا ونهر الأودر (٣) ( Oder) ، إلى المنطقة التي تعرف اليوم باسم: بافارية، جنوبي شرقي ألمانية. ثم إنهم جاءوا إلى إسبانيا، وفيها سكن الفاندال في منطقتين: في رقعة ضيّقة في شمالي إسبانيا، وفي رقعة واسعة في جنوبي إسبانيا. وكذلك كان السوابيون (٤)، وهم شعب جرماني

стр. 116

أيضاً، قد نزلوا في شمالي غربي إسبانيا، جنوب منازل الفاندال الشمالية. د - القوط الغربيون في إيطاليا: أما القوط الغربيون، فكانوا لا يزالون في شرقي أوروبة ينازعون أباطرة المشرق: الرّوم البيزنطيين، فقد هاجموا البلقان، وخاضوا ضد الرّوم معركة أدرنة سنة (٣٧٨ م) وانتصروا عليهم، وكان القوط الغربيون يزدادون مع الأيام قوّة. وفي سنة (٣٩٥ م) انقسمت الإمبراطورية الرومانيّة إلى قسمين: شرقياً وغربياً، وكان ذلك من علامات تطرّق الضعف إليها. وقدّم القوط الغربيون للرئاسة عليهم زعيماً منهم اسمه الأريك (٣٩٥ م- ٤١٠ م)، ثم أخذوا يبحثون عن أرض يستقرّون فيها لينشئوا عليها ملكاً لهم. وتغلّب القوط الغربيون على الرّوم في البلقان مراراً، ولكنهم كانوا يودون دائماً النزول في إيطاليا نفسها. وقطع الأريك بقومه الألب سنة (٤٠١ م)، وسار إلى رومة، ولكنّ الرومان أقنعوه بالرجوع عنها، بعد أن خلعوا عليه لقب: قائد الجند، وعقدوا معه معاهدة. وانسحب الأريك من إيطاليا، ليعود إليها بعزم أشدّ في صيف سنة (٤٠٣ م)، وليغزوها ويقضي على سلطانها. ولكن الأريك توفى في تلك السنة، فخلفه زعيم آخر اسمه: أدولف، كان صهر للأريك. ونزل أدولف بقومه جنوبي غربي فرنسة، وكان الحكم في القوط الغربيين لا يزال إلى ذلك الحين رئاسة بالعصبيّة، ولم يكونوا قد أسسوا لهم دولة بعد. وفي سنة (٤١٤ م)، دخل القوط الغربيون إلى إسبانيا. وتوفى أدولف في آخر سنة (٤١٥ م)، فخلفه فاليا (٤١٥ م- ٤١٩ م)، وأسس للقوط الغربيين دولة جعل عاصمتها طولوز (١) (٤١٩ م) في جنوبي

стр. 117

فرنسة. ولما رأت رومة أنّ القوط الغربيين قد قَوُوا كثيراً وأصبحوا لها مصدر قلق دائم، لم تجد بدّاً من مصانعتهم والرضا باستقلالهم، فأقرّتهم على النزول في جنوبي فرنسة، على أن يتخلّوا عن سائر الأراضي التي استولوا عليها. هـ - في إسبانيا: وكان على القوط الغربيين يومئذٍ، ملك قدير، هو ثيودوسيوس الأول (٤١٩ م- ٤٥١ م)، فحاسن السوابيين، واقتسم معهم السيطرة على إسبانيا، ثم سكت عن استيلائهم على منازل الفاندال الشمالية، بينما كان هو يتوسع في الجنوب، ويدفع الفاندال عن إسبانيا كلها. و- الفاندال في إفريقية: وفي أيام غونداريك بن غود (٤٠٦ - ٤٢٨ م) ملك الفاندال، اشتد ضغط القوط الغربيون في إسبانيا على الفاندال. وأخذ الفاندال منذ ذلك الحين بمغادرة إسبانيا، فنزلوا أول ما نزلوا في الجزائر الشرقية (٤٢٣)، فلما توفي غونداريك خلفه أخوه غايسيريك أو غانسيريك (٤٢٨ - ٤٧٧ م). في هذه الأثناء، كان النزاع يعصف في الإمبراطورية الشرقية، كما كان الضعف قد أقعد الإمبراطورية الغربية: كان النزاع الديني بين الأريوسيين وبين الكنيسة الجامعة (١) على أشده قي كل مكان، في شرقي أوربّة، وفي غربيها. وكان الوطنيون من أهل إفريقية ثائرين على الإمبراطورية الغربية، فتوقف ورود القمح الإفريقي إلى رومة وهُدِّدت روما بمجاعة، ثم إن الدفاع الروماني كان قد ضعف مع شيخوخة رومة. ويبدو فوق هذا كله، أن نزاعاً نَشِبَ بين بونيفاسيوس الحاكم العسكري في إفريقية، وبين والنتينيان الثالث إمبراطور

стр. 118

رومة (٤٢٥ - ٤٥٥ م)، فيقال: إن بونيفاسيوس عمد إلى استدعاء غايسيريك للنزول في إفريقية، إغاظة لوالنتينيان. وفي أيار (مايو) من سنة (٤٢٩ م)، أبحر غايسيريك من جزيرة طريف (١) قي نحو ثمانين ألفاً من قومه، فيهم نحو ألف وخمسمائة مقاتل. ويبدو أن بونيفاسيوس قاومهم في المغرب الأوسط، بجيش جمعه على عجل سنة (٤٣٠ م)، استطاع غايسيريك أن يستولى على الشاطئ الإفريقي بعد مقاومة. ومع أن الفاندال فقدوا عدداً كبيراً من قومهم في هذه المغامرة، إلاّ أنهم قلّصوا حكم الرومان عن إفريقية. ووجد الإمبراطور والنتينيان نفسه عاجزاً عن رد الفاندال، فعقد معاهدة (١١ شباط- فبراير- ٤٣٥ م) أقرّهم فيها على النزول في المغرب، على أن يتطوّعوا في جيش الإمبراطورية. واستقر الفاندال في المغرب، دون أن يتمكن الرومان من فرض نصوص معاهدتهم على الفاندال، للضعف الذي كانوا فيه، فهاجم غايسيريك قرطاجنة وفتحها (١٩ تشرين الأول- أكتوبر- ٤٣٩ م) من غير أن يلقى مقاومة تذكر. وأعلن غايسيريك نفسه ملكاً في قرطاجنة، واتخذها عاصمة له. ثم إنه تشدّد في سياسته الدينية، فأبعد الكاثوليكيين من الأشراف ورجال الدين عن البلاد، واستعبد العامة من الكاثوليكيين ممن لم يرضوا مغادرة البلاد، أو لم يكونوا قادرين على مغادرتها. وكذلك صادر أموال الكاثوليكيين وأملاكهم، وأعطاها للأريوسيين. وفي سنة (٤٤٠ م)، هاجم غايسيريك جزيرتي سردينيا وصقلية، فبعث الروم البيزنطيون أسطولاً لاستنقاذهما منه. فلما وصل ذلك الأسطول إلى صقلية، اضطُرّ الروم إلى ردِّه، لأن الهون والفرس كانوا قد أخذوا يهاجمون تخوم الإمبراطورية، ثم اضطر والنتينيان الثالث إلى عقد معاهدة جديدة مع غايسيريك (٤٤٢ م)، يعترف فيها بسيادة الفاندال الكاملة على الشاطئ

стр. 119

الإفريقي. وعاد القوط الغربيون إلى محاسنة الفاندال والسوابيين، فقد أعطى ثيودوريك إحدى بناته إلى هاينريك بن غايسيريك (٤٤٢ م)، كما أعطى بنتاً أخرى من بناته إلى ملك السوابيين، وذلك قبل موته بعامين فقط. أما العداوة بين الفاندال والإمبراطورية الرومانية الغربية فكانت بازدياد، ففي سنة (٤٥٥ م) اقتحم غايسيريك مدينة رومة وأباحها لجنده أربعة عشر يوماً. وفي العام التالي استولى على جزيرة سردينيا، ثم استولى على جزيرة صقلية في سنة (٤٦٩ م). ز - سقوط رومة: وفي هذه الأثناء، كانت الإمبراطورية الرومانية في الغرب قد ضعفت، وتوالى على عرشها أباطرة ضعاف كسالى، فأخذ القادة الجرمان يعزلون منهم من شاءوا ويولون من شاءوا. وكان في الحرس الإمبراطوري المرابط في رافنا (١) قائد اسمه آدوفاكر (٢). ورأى آدوفاكر حال الأباطرة والإمبراطورية، فخلع رومولوس أغوسطولوس آخر أباطرة الرومان، وأعلن نفسه ملكاً على إيطاليا سنة (٤٧٦ م)، ثم كتب إلى زينون إمبراطور القسطنطينية يخبره بما فعل، ويقر بسلطته عليه، فلم يجد زينون بداً من إقرار آدوفاكر على عرش رومة كَرْهاً، وهكذا انقسمت أوروبة إلى قسمين: قسم شرقي هو الإمبراطورية البيزنطية، وقسم غربي نشأت فيه الدول الجرمانية المختلفة التي كانت منها الدول الأوروبية الحديثة. فكانت سنة (٤٧٦ م) تاريخاً لسقوط رومة ولانقراض الإمبراطورية الرومانية الغربية ولنهاية العصور القديمة وبدء العصور الوسطى. ج - مقتل آدوفاكر:

стр. 120

وحكم آدوفاكر مملكته بعد سقوط رومة بالعدل والحكم، ثم وسَّع رقعة ملكه لما استولى على دالماسية، على الساحل الغربي من شبه جزيرة البلقان. وهال ذلك الإمبراطور زينون، فدفع ثيودوريك زعيم القوط الشرقيين إلى الهجرة بقومه من شبه جزيرة البلقان إلى إيطاليا، وعينه حاكماً عسكرياً عليها. وهكذا يكون زينون قد تخلص من القوط، وخلق لخصمه آدوفاكر منافساً قوياً، وذلك في سنة (٤٨٨ م). وفي السنة التالية اشتبك آدوفاكر وثيودوريك في حرب، انهزم فيها آدوفاكر، فلجأ إلى مدينة رافنَّا وكانت حصينة جداً. وبعد حصار دام سنتين ونصف سنة، اضطر آدوفاكر إلى الاستسلام، فاستأمن من ثيودوريك، ولكن ثيودوريك غدر بآدوفاكر وذبحه بيده، في منتصف آذار - مارس - من سنة (٤٩٣ م)، ثم تتبع أصحابه بالقتل واحداً واحداً. ط - اضطراب أحوال الفاندال: ولما توفى غايسيريك ملك الفاندال، في ٢٥ كانون الثاني -يناير- من سنة (٤٧٧ م)، لعبت الفوضى في مملكته زماناً طويلاً. ويرجع السبب الأول في ذلك إلى أن البربر (الإيمازيغ) الذين لم يكونوا راضين عن حكم الرومان، لم يكونوا راضين عن حكم الفاندال. ففي أيام هيلديريك (٥٢٤ - ٥٣٠ م)، وفي سنة (٥٢٥ م) استطاع البربر أن يستعيدوا ساحل طنجة، وأن يحموا جنوبي المغرب الأوسط كله، وانهزم هيلديريك أمام البربر هزائم منكرة. وأثارت هذه الهزائم نبلاء الفاندال، فخلعوا هيلديريك، وقدموا عليهم زعيماً اسمه: غيلمير - ويقال غلماروغيليمير -. فخلع غيلمير هيلديريك، وألقاه في السجن ثم ملَكَ مكانه. واستنجد هيلديريك بيوستنيانوس الأول (٥٢٧ - ٥٦٥ م)، فإن هيلديريك كان مشايعاً للروم وعلى مذهبهم، بينما غيلمير كان أريوسياً. وأراد يوستنيانوس أن ينجد هيلديريك لأنه كان يطمع في استرداد المقاطعات التي كانت قد تساقطت من الإمبراطورية الرومانية في غربي أوروبة وشمالي إفريقية تحت سنابك البرابرة الجرمان. ولكن

стр. 121

الاضطراب الذي كان سائداً في الإمبراطورية الشرقية حال دون ذلك. ثم ساءت حال القُسطنطينية خاصة، ونشبت فيها فتنة سنة (٥٣٢ م) من (١١ - ١٨ كانون الثاني - يناير) سقط فيها ثلاثون ألف قتيل على الأقل، وقال بعضهم: بل خمسون ألفاً. ورأى يوستنيانوس أن الأمر قد خرج من يديه، وأن ملكه زائل لا مَحالة، فأراد أن يهرب من القسطنطينية ناجياً بنفسه، غير أن زوجته ثيودورا ثبّتته واستثارت نخوته، حتى عزم على التمكين لنفسه ولعرشه. ولما هدأت الحال في القسطنطينية، عاد يوستنيانوس إلى التفكير بشمالي إفريقية وبهيلديريك وغيلمير، فأرسل حملة إلى شمالي إفريقية سنة (٥٣٣ م) بقيادة أعظم قادته بليساريوس، فانهزم غيلمير، ثم استسلم (آذار - مارس- ٥٣٤ م)، وقضى بذلك على مملكة الفاندال. على أن القضاء على مملكة الفاندال في شمالي إفريقية، لم يرد شمالي إفريقية إلى الإمبراطورية الرومانية الغربية، ولا جعل شمالي إفريقية تستقر تحت سلطان الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ذلك لأن البربر استمروا في ثوراتهم على الروم. ومع أن الروم قد حاولوا إخضاع البربر في أوقات مختلفة، في (٥٣٨ م، و ٥٣٩ - ٥٤٤ م، و ٥٤٦ - ٥٤٨ م) فإنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا على شمالي إفريقية سوى ظل خفيف من سلطانهم، وعلى عدد قليل من المراكز الساحلية فقط. ي - القوط الغربيون في إسبانيا: ولما وثب ثيودوريك الأكبر ملك القوط الشرقيين في إيطاليا على آدوفاكر وذبحه، أصهر إلى الفرنجة، فتزوج بنت ملكهم كلوفيس، وقيل: بل أخته. وقد غلّ هذا التقارب بين القوط الشرقيين وبين الفرنجة يد الرومان، ثم مكَّن القوط الغربيين من التوسع في غربي أوروبة، إذ استطاعوا في مطلع القرن السادس للميلاد أن يحتلوا بقيادة زعيمهم الأريك الثاني (٤٨٤ - ٥٠٧ م) معظم

стр. 122

إسبانيا. ولكن سرعان ما بدأ النزاع بين الفرنجة وبين القوط الغربيين، وأخذت مملكة القوط الغربيين تتسع في إسبانيا وتضيق في فرنسة، حتى تقلَّصت عن فرنسة كلها إلاّ رقعة صغيرة في ساحل البحر الأبيض. وحاول الفرنجة التقدم إلى إسبانيا، ولكن القوط الغربيين ردوهم. وفي سنة (٥٠٧ م) نشبت معركة بين كلوفيس ملك الفرنجة والأريك الثاني ملك القوط الغربيين قرب مدينة بواتيه، سقط فيها الأريك الثاني صريعاً. واستولى الفرنجة على ما كان قد بقي للقوط الغربيين من الأرض في جنوبي فرنسة، واحتلوا عاصمتهم طولوز، فنقل القوط الغربيون عاصمتهم إلى طُليطلة. وكان لا يزال للروم البيزنطيين سلطان خفيف على عدد من المدن الساحلية والداخلية في إسبانيا، فجعل القوط الغربيون ينتزعون منهم تلك المدن واحدة واحدة، كما ضمّوا إليهم (٥٨٥ م) مملكة السوابيين، وهكذا تمَّ في أيام ليوفيجيلد (٥٦٨ - ٥٨٦ م) توحيد المملكة القوطية. ك - الفرنجة في فرنسة: بدأت غزوات البرابرة لجنوبي فرنسة (الغال) في القرن الرابع للميلاد، فقد غزاها الفرنجة في القرن الخامس الميلادي. وأقام مبروفيك مملكة الفرنجة في جنوبي فرنسة سنة (٤٤٨ م)، ثم لما توفى (٤٥٨ م) خلفه ابنه هلديريك. وجاء بعده ابنه كلوفيس (١)، فحكم واحداً وثلاثين عاما (٤٨١ - ٥١١ م). وقاتل كلوفيس الرومان، كما قاتل القبائل الجرمانية النازلة في جنوبي فرنسة، ثم وحّد فرنسة كلها وأسَّس فيها المملكة الفرنسية. واعتنق كلوفيس النصرانية، وتقبل المذهب الكاثوليكي من أول أمره، قيل بإغراء من امرأته قلوطلد (٢) أو كلوتيلد. ولما مات كلوفيس تقاسم أبناؤه الأربعة مملكته، وأشهر أقسام المملكة

стр. 123

هي: أولاً: نوستريه (المملكة الغربية)، وكانت تقع ما بين نهر الّلوار ومقاطعة بريتانية، وما بين بحر المانش ونهر الموز. ثانياً: أوستراسية (المملكة الشرقية)، أو الجزء الشمالي الشرقي من فرنسة، وكانت عاصمته مدينة متز (قاعدة الّلورين). وتنازع أولاد كلوفيس وأحفاده وتحاربوا، فقوي النبلاء في ممالكهم، ثم أصبح رؤساء النبلاء حجّاباً في بلاطات ملوك الفرنجة. ثم إن هؤلاء الحجّاب أخذوا يستبدون بالحكم شيئاً فشيئاً، إلى أن حجزوا على الملوك مرة واحدة، وأصبح الحكم لهم على الحقيقة، ولأولئك الملوك على المجاز. ل - الهيطل (الهون): والهيطل (الهون) جموع آسيوية، تتصل بأسلاف المغول والأتراك في النسب البعيد، وهم قوم قصار أشدّاء عُتاة. وفي أواسط القرن الرابع للميلاد، كان الهيطل قد استقروا على التخوم الشرقية من قارة أوروبة. ثم إنهم هزموا القوط الشرقيين وسائر القبائل الجرمانية في شرقي أوروبة، واندفعوا غرباً حتى استقروا على الدانوب وبَنَوْا إمبراطورية امتدت في القرن الخامس للميلاد من جبال القوقاس ونهر الدانوب إلى بحر البلطيق في الشمال. وتمت قوة الهيطل في ايام زعيمهم أتيلا (٤٤٥ - ٤٥٣ م) الذي قطع بهم نهر الراين وسقط على فرنسه. ولكن ميروفيك ملك الفرنجة تحالف مع القوط الغربيين وهزم الهون في معركة شالون التي تقع على نحو (١٥٠) كيلومتر من باريس جنوباً في شرق، وذلك في سنة (٤٥١ م)، واستطاع الهون أن يصلوا إلى أسوار القسطنطينية سنة (٥٥٨ م)، غير أن إمبراطوريتهم، إمبراطورية أتيلا تقطعت بعد موتمه

стр. 124

إرْباً (١). م - الخلاصة: هكذا كان الموقف العسكرى والسياسي في أوروبة وإفريقية، مع لمحات من الموقف العسكري والسياسي فى إسبانيا، سيرد تفصيلها وشيكاً. ويمكن أن نتلمس بوضوح، أن المقاتلين كانوا أشدّاء في قتالهم، لهم خططهم التوسعية الظاهرة وطموحهم السياسي، وكانت لهم قيادات قادرة تتميز بقابلياتها على التخطيط السليم والشجاعة والإقدام، وكانت الشعوب المتصارعة تتألف من قبائل لها ضبط القبائل وطاعتها وانقيادها انقياداً أعمى ما دام يقودها إلى النصر، فإذا قاد إلى الهزيمة تخلت عنه وانقادت لغيره، وهي تحارب بشجاعة وإقدام وضبط متين. وكل تلك السمات من سمات القوة لا من سمات الضعف، على كل حال. ٢ - في إسبانيا أ - القوط الغربيون في أواخر أيامهم: لما سقطت رومة سنة (٤٧٦ م)، كان معنى ذلك زوال الإمبراطورية الرومانية الغربية من الوجود وتحلّل جميع أتباعها المتبربرين (البرابرة) من الولاء لها. وبهذا استقل القوط الغربيون بإسبانيا، وأعلنوا أنفسهم ملوكاً غير تابعين لأحد، وكان زعيمهم يوريك ( Euric) قد اتخذ لقب الملك فعلاً قبل ذلك بنحو تسع سنوات (سنة ٤٦٧ م)، وهو يُعد لذلك مؤسس دولة القوط الغربيين فى إسبانيا.

стр. 125

ب - دولة القوط الغربيين في إسبانيا: وكان يوريك قد حرص منذ صارت إليه زعامة القوط، على أن يمد سلطانه شيئاً فشيئاً حتى يبسطه على إسبانيا كلها، ولم يتنازل إلى جانب ذلك عما كان لأسلافه من الأقاليم شمالي جبال البرت، وكان الرومان يعتبرون جنوبي فرنسة وشمالي إسبانيا وجزءاً كبيراً من غربيِّها إقليماً واحداً، فحرص يوريك أن تضم دولته هذا الإقليم، فاستولى على لُشْدَانية (البرتغال) وقرر فيه سلطانه، ومدّ حدود مملكته إلى الجنوب، وأدخل فيها إقليم بيطي (الذي يعرف باسم بيتيكا) وولاية قرطاجنة الرومانية القديمة وهي الركن الغربي لشبه الجزيرة الإسبانية، وتابع جهوده في شمالي جبال البرت، واستولى على آرل ومرسيليا. وبهذا أصبحت دولته تمتد من أقصى الهضبة الفرنسية الوسطى، إلى إسبانيا الجنوبي، وحكم شعبين كبيرين هما: الغال الرومانيون ( Gallo-romani) شمالي البرت، والإسبان الرومان ( Hispano-romani) جنوبيّها، وكانا شعبين متحضرين، يشتغل معظمهما بالزراعة، ويزيدان على القوط الغربيين مرات عديدة، وكان معظم أهلها مسيحيين كاثوليك، يسيطر عليهم قساوسة خاضعون لسلطان رومة وأسقفها الكبير: البابا. وكان القوط الغربيون مسيحيين أريوسيين، أي أنهم لا يعتقدون بألوهية المسيح، ولا يعترفون للقساوسة بحق الوساطة بين الله والناس، ولا يجعلون للعذراء مكاناً متميزاً في العقيدة، وكان لهم أسلوبهم الخاص في العبادة، فلم يلبث السكان الأصليون من غاليين (فرنجة) وإيبيريين (إسبان) أن نفروا من حكمهم. واجتهد القساوسة في تقوية شعور النفور هذا، لأن القوط كانوا ينكرون عليهم أي سلطان روحي على الناس. واشتد هذا النفور مع الأيام، بسبب ما كان ينزله القوط على القساوسة من اضطهاد، وظل مركزهم بين رعاياهم مضطرباً مزعزعاً، فلما نهض كلوفيس ملك الفرنجة وأخذ يمد سلطانه نحو الجنوب، سارع القساوسة لتأييده لأنه كان كاثوليكياً، وانضم إليه الغال الرومانيون، فاستطاع أن يزيح القوط إلى الجنوب ويجليهم عن طولوز

стр. 126

الذي ظلّوا يحكمونه أمداً طويلاً، ثم انتصر عليهم انتصاراً حاسماً في شمالي بواتيه سنة (٥٠٧ م) كما ذكرنا وأجلاهم عن جلّ ما كان في سيطرتهم من أرض جنوبي فرنسة، فلم يبق لهم إلا إقليم سبتمانية المتاخم لجبال البرت من الشمال ويمتد حتى نهر الرون وعاصمته نربونة. وبهذا اقتصر سلطان القوط الغربيين على إسبانيا، وأخذت علاقة إسبانيا مع بقية العالم الأوروبي الواقع إلى شمال جبال البرت تفتر. ولما وحّد القوط الغربيون شبه الجزيرة الإسبانية كلها تحت سلطانهم، أخذت إسبانيا تظهر كوحدة سياسية وجنسية للمرة الأولى في التاريخ. وذلك أمر له خطورته، لأن الإغريق لم يعرفوا منها إلاّ الغرب وبعض الجنوب، ولأن الرومان كانوا يقسمونها ولايات مختلفة لا علاقة بين بعضها. أما القوط فقد اعتبروا شبه الجزيرة الإسبانية كلها قطراً واحداً، واتخذوا لهم عاصمة تقع فى وسط شبه الجزيرة، هي: طُليطلة. ولعل أظهر أثر لاستقرار القوط في طُليطلة، هو تحولهم إلى إسبان، في وقت قصير، لأن المقيم في طليطلة، تنقطع الصلات بينه وبين ما يلي البرت وما يلي بحر الزقاق، ويتأقلم ويصبح إسبانياً. أما المقيم في قرطبة، فتظل صلته بإفريقية وما يتصل بها من بلاد الشرق، أوثق وأظهر من صلاته بجليقية ونواحي جبال البرت. واستطاع القوط من عاصمتهم طليطلة، أن يستولوا على إسبانيا كلها، ولكن سلطانهم لم يستقر في البلاد أول الأمر بسبب ما ثار بينهم وبين أهل إسبانيا من منازعات دينية، وبسبب ما شجر بين أمرائهم من خلافات. وطمع ثيودوريك ملك القوط الشرقيين في عرش إسبانيا، فغزاها وأقام حفيداً له على عرشها، ولكن لم يلبث أحد قواد القوط الغربيين الأقوياء أن ثار بهذا الدخيل، وأعلن نفسه ملكاً على إسبانيا، بفضل معاونة حربية أمدّه بها جُستنيان إمبراطور بيزنطة في سنة (٥٥٤ م)، وانضم إليه أهل البلاد من الإسبان الرومان الكاثوليك، واحتل المنطقة الواقعة بين نهر الوادي الكبير ونهر جُكَرْ (نهر شقر)، وانفصل هذا الإقليم عن طليطلة.

стр. 127

وكان آخر ملوك القوط الغربيين الأريوسيين هو: ليوفيجيلد ( Liuvigild) (٥٦٨-٥٨٦ م)، وكان محارباً مقداماً ظل يحارب الكاثوليكيين طول حياته. وخلفه ابنه ريكاردو ( Recaredo) ، فاستبان أنه لا صلاح لدولة القوط في هذه البلاد، إلاّ إذا تخلّى ملوكها عن المذهب الأريوسي. وتخلى هذا الملك عن المذهب الأريوسي، وأعلنه في مجمع طليطلة الديني سنة (٥٨٧ م): اعتنق الكاثوليكية هو وأهل بيته، وتبعه الأمراء وكبار أهل المملكة، وبهذا أصبحت الكاثوليكية هي الديانة الرسمية في إسبانيا من ذلك الوقت. وهذا الحادث الخطير، سيظل مؤثراً في التاريخ الإسباني كله، فإن الكاثوليكية تأصلت في أهل البلاد مع الزمان، وزادها قوة ميل الإسبان التشدد في الأديان، والتعصب لكل ما يؤمنون به، فأصبحت إسبانيا معقلاً من أمنع معاقل الكاثوليكية، وكان لهذا أثر بعيد جداً في حياة الإسبان، وفي مجرى تاريخهم كله. وأعقب هذا التحول إلى الكاثوليكية اعتبار اللاتينية اللغة الرسمية في البلاد، وتوثق الصلات بين إسبانيا والبابوية. وقد تفانى خلفاء ريكاريدو في الولاء للبابوية، تفانياً شجع البابوية على بسط نفوذهم الديني -بل السياسي- في البلاد، وبدأ يفد على البلاد هذا الفيض المتصل من قساوسة الكاثوليك ورهبانهم، وأصبحت طليطلة أسقفية، يقيم فيها أسقف كبير يمثل سلطان البابا ونفوذه، وأيده الشعب الإسباني الروماني الذي لم يتخلّ عن الكاثوليكية بعد ذلك. ومن هنا نفهم السر، في أن نفوذ أسقف طليطلة لم يقل في وقت من الأوقات في التاريخ الإسباني المسيحي عن نفوذ الملك، إن لم يزد عليه في كثير من الأحيان. وكان تحول القوط إلى الكاثوليكية الخطوة الفعالة الأولى لامتزاج الشعبين القوطي والإسباني الروماني، فقد ظلاّ متباعدين ما اختلفت عقيدتاهما الدينيتان، فأما وقد اتفقا في العقيدة، فقد انفتح الباب أمام الامتزاج، ولكنه لم يتم إلاّ على صورة مصغرة جداً، لأن القوط حرصوا على أن يحتفظوا لأنفسهم بمركز الشعب الحاكم. وكانت الملكية القوطية انتخابية، أي أن نفراً من كبار أهل المملكة

стр. 128

والأمراء، كانوا يجتمعون بعد وفاة الملك لاختيار ملك من بين أظهرهم، فكان هذا النظام مدعاة لإثارة المنافسات بين الأمراء وكبار القوط، فلا غرابة في أن يكون تاريخ القوط في إسبانيا سلسلة من المؤامرات والحروب والاغتيالات. بيد أننا ينبغي أن نستثني من سلسلة ملوك القوط نفراً أجمع المؤرخون على أنهم كانوا قادرين صالحين، وأنهم قدموا للبلاد خدمات حربية وعمرانية بعيدة الأثر، مثل: ششبرت (٦١٢ - ٦٢١م) - ( Sisiberto) الذي استولى على جميع أرجاء إسبانيا، وشنداسفنتو (٦٤٩ - ٦٧٢م) - ( Chindaswinto) الذي ألغى التفرقة بين أفراد الشعب، وحكم البلاد بمقتضى قانون جديد مزج فيه القانون الروماني القديم الذي كان قد سنّه الملك ألاريك الثاني، والقانون القوطي الذي وضعه يوريك، مما قرر السلام بين أهل المملكة، وجنّبها مصاعب وخلافات شتى. ولعل أكبر ملوك هؤلاء القوط هو وامبا (٦٧٢ - ٦٨٠م) - ( Wamba) ، فقد كان أميراً عظيم الهمة، استطاع أن يقرر سلطانه فيما بقي للقوط من الممتلكات شمالي جبال البرت: قضى على ثورة خطيرة دبرها هلدريك كونت نِيْمَهْ (نيم)، وأخمد ثورة أخرى دبرها باوْلُس أمير سبتمانية للانفصال بها، وحكم البلاد كلها حكما رشيداً حازماً، فأحبه الناس والتفوا حوله، وبلغ من تعلق الناس به أن أصبح اسمه وعصره أسطورة لا تخلو من الخوارق، منها: أن وامبا وقف بين يدي الأسقف في الكنيسة لكي يلبس التاج، فبينما هو في هذا الموقف الرهيب، إذا عمود من الدخان يتصاعد من رأسه، تطير فيه نحلة من ذهب (١). ومن الواضح أن ذلك لم يحدث، ولكنه شائع في المصادر الأجنبية وبين القوط أيضاً. وقد انتهى حكم وامبا نهاية لا تخلو من غرابة وطرافة، فقد احتال عليه أحد

стр. 129

حاسديه، ودسّ له مَن سقاه جرعة مخدِّرة لم تلبث بعد أن شربها أن غاب في سبات عميق. وحسبه الناس قد مات، وهيّئوه ليواروه التراب، فبينما هم في ذلك، إذ عاد إلى رشده. وبدلاً من أن ينهض لتأديب مَنْ ائتمروا به على هذا النحو الغريب، ترك العرش للطامعين، وترهب وقضى بقية حياته في الدير. وعندما اعتلى غَيْطَشَة (وِتِزا: Witizu) العرش في تشرين الثاني (نوفمبر) سنة (٧٠٠ م)، كانت الأمور قد اضطربت بسبب المؤامرات التي كان كبار القوط يدبرونها، ولا نعرف حقيقة أمر هذا الملك، لأن النصوص الباقية عنه تعطينا صوراً متناقضة عن شخصه وأسلوبه في الحكم، والظاهر أن معظم النصوص الإسبانية تثني عليه، فقد حاول جهده أن يصلح الأمور، فعفى عمن كان والده أخيكا قد أساء إليهم، ومال إلى إنصاف الناس من استبداد نبلاء القوط، فكرهه هؤلاء وعوّلوا على القضاء عليه وعلى حكمه، فأخذوا يثورون عليه في نواحي المملكة، وأخذ يحاربهم ويحبط كل مؤامراتهم، فلما علت به السن، عجز عن أن ينهض لكل واثب به مدبر عليه، وتآمر عليه أهله، واستطاعت زوجته أن ترغمه على أن يعلن ابنه الصبي وَقِلَه (أخيلا Achila) ، وأقامه حاكماً على الولايتين الناربورنية والطكونية. وكان هذا الإعلان، حافزاً للطامعين في العرش من كبار القوط إلى مضاعفة الجهد في التدبير على غيطشة، ومحاولة القضاء عليه وعلى دولته، ليخلو لهم العرش، ويفعلون به ما يشاءون. ويبدو أنه لم يأل جهداً من جانبه في القضاء على كل محاولة يقومون بها، لأن النصوص تحدثنا أنه عاقب تيوفريدو دوق قرطبة بسمل عينيه، ونفى ثائراً آخر اسمه: بلايُه من البلاط (١). ويبدو أيضاً أنه أساء الظن بيهود، فاضطهدهم وأوقع بهم في أواخر أيامه، فقد اتهمهم غيطشة بالتدبير عليه، وبالتآمر مع مَن تسميهم النصوص الإسبانية: أهل ما وراء البحر ( Los transmarinos) ، ومعنى ذلك أنهم

стр. 130

اتصلوا بأعداء القوط في ما وراء البحر، أي خارج إسبانيا. ولسنا بأي حال بحاجة إلى البحث عن أسباب هذا الاضطهاد، لأن الإسبان كانوا طوال تاريخهم من أقسى الناس على مخالفيهم في الدين، وعلى يهود بخاصة. ولكن يبدو أن غيطشة رجع عن سياسته في اضطهاد يهود في أخريات أيامه، فتحدث إلى كبار أهل الدولة فيما انتواه من العفو عن يهود، فأسخط رجال الكنيسة عليه، وأخذوا يغرون الناس به، حتى اشتد عليه سخط الناس، وتحدث أهل البلاد من الرومان الإسبان في الوثوب به أو معاونة أول ثائر عليه (١). ومات غيطشة ميتة طبيعية في أواخر سنة (٧٠٨ م) أو أوائل سنة (٧٠٩ م)، وكانت مختلف الطوائف تنتظر موته. وكان أفراد البيت المالك أنفسهم من أكثر الناس انقساماً وأشدهم ميلاً إلى الخلاف، ذلك لأن غيطشة ترك من بعده زوجاً طامعة في العرش، وأخاً لا يقل عنها طمعاً هو أُبَه ( Oppa) ، وكان أسقفاً لإشبيلية، وثلاثة بنين هم: أخيلا (رُمله عند المقري وابن القوطية وصححه وقِلَهْ) وألمند ( Olmundo) وأرطافازدُس أو أردبست (أرطباس، أرطبان)، وتضيف بعض الرويات شخصاً آخر هو سيسبرتو (ششبرت، سبري، سبرة في النصوص العربية) وتزعم أنه كان أخاً لغيطشة أو ابناً له. ولم يرض نفر من كبار القوط بالخضوع لصبي مثل أخيلا، وتخوف كثير من مطامع الوصيّ رخشندش واستبداده، فامتنع مَن أقام منهم في طليطلة عن الطاعة، واستقل بالأطراف والنواحي منهم من كان مقيماً فيها، ودارت رحى الحرب بين المتنافسين، وتعذر على الملكة وابنها المقام في طليطلة ففرّا منها. واستمرت هذه الفوضى نحو سنة ونصف السنة، واستطاع الوصي أن يجمع نفراً كبيراً من الأنصار، وتحبَّب إلى عامة أهل البلاد الرومان الإسبان من أهل المزارع والمدن، واستطاع أن يكسبهم إلى جانبه. وبدا لخصومه أنه

стр. 131

مستطيع القضاء على الفتنة وإقرار الحق لذويه عما قريب، فاجتمع منهم نفر وائتلفوا، واعتبروا أنفسهم: (مجلس شيوخ وكبراء) وأن له الحق في أن يقرر في شئون دولة القوط كما يرى، ثم اختاروا واحداً منهم اسمه: رودريك: (لُذَريق)، وانتخبوه ملكاً خلفاً لغيطشة، واستعدوا لنصرته والقضاء على منافسيه بحدّة السيف. وتجمع النصوص كلها، على أنّ هذه الجماعة التي بايعت لذريق، كانت جماعة من كبار القوط وأعيانهم، وأنهم أرادوا باجتماعهم هذا، إنقاذ دولة القوط وتقويم ما انهار من بنيانها، فإذا أضفنا إلى ذلك ما سبقت الإشارة إليه، من أنّ رخشندش أراد أن يستعين بالرومان الإسبان ليثبت أمر أخيلا، استطعنا أن نستنتج أن المسألة لم تكن مجرد خلاف على العرش بين زعماء القوط، بل كان فيه لون من ثورة أهل البلاد على القوط، ورغبتهم في التخلص من كبرائهم ونبلائهم. ولعل هذا الاستنتاج، يتيح لنا أن نقرر ما تحاول الكثرة الغالبة من مؤرخي الإسبان - قدامى ومحدثين - نفيه وإنكاره، وهو أن دولة القوط، لم تكن في نظر أهل البلاد دولة قومية، بل ظلت في نظر غالبيتهم دولة أجانب، لقي الناس في ظلهم كثيراً من الأذى، وحاولوا التخلص منهم مرات كثيرة. ج - لُذَرِيق: الخلاف شديد حول أصل لذريق، فمن قائل: إنه كان زعيماً قوطياً كبيراً ذا علم بأمور الحرب والسلم، ومن قائل: إنه ينحدر من أصلاب ملكية، وأن جدّه الملك شِنداسفنتو، ومن قائل: إنه ابن تيودفريدو دوق قرطبة الذي كان غيطشة قد عاقبه على ثورته عليه بسمل عينيه. ومهما يكن من أمرٍ، فإن المراجع الإسبانية اللاتينية القديمة، تجمع على أنه كان رجلاً قادراً، وأنه كان قبل اعتلائه العرش حاكماً لولاية بيتيكا، وأن الذين بايعوه على العرش فعلوا ذلك في قرطبة عاصمة ولايته.

стр. 132

ولم يسِر لذريق إلى طليطلة مباشرة بعد إعلانه نفسه ملكاً، بل تريَّث بعض الوقت ليتيسر له جمع أنصاره وملاقاة رَخَشَندش ورجاله في موقعة حاسمة. وكان قد أعلن نفسه ملكاً في ربيع سنة (٧١٠ م)، قبل الهزيمة المسماة عادة بهزيمة: جواداليتي (وادي لَكُّهْ) بسنة، وكان ذلك في السنة الخامسة من حكم الوليد بن عبد الملك بن مروان في دمشق، كما يقول: (النص اللاتيني المجهول المؤلف). ويذهب راوية آخر إلى أنه ذهب إلى بَطَلْيَوْس، دون أن يذكر لنا السبب في الذهاب إلى ذلك البلد البعيد. والثابت أنه سار إلى طليطلة بعد أشهر من إعلان نفسه ملكاً على رأس جيش كبير، فيه جلّة قواد القوط ونبلائهم، وهزم رخَشَندش في واقعة حاسمة، قتل فيها هذا الأخير وتفرق أتباعه. أما أبناء غيطشة، فلم يجدوا مفرّاً من مغادرة البلاد فراراً من الغاصب، ففروا إلى إفريقية، وصادر لذريق أملاكهم معتبراً إياهم ثائرين على العرش، والقانون القوطي يقضي بمصادرة أملاك كل ثائر على العرش. ويبدو أن لذريق، ظل يخشى طيلة أيام حكمه القصيرة، عودة أبناء غيطشة إلى البلاد، ومحاولة استعادة عرشهم بمساعدة أنصارهم الكثيرين، ومن ثم حرص على أن ينفر الناس منهم، بالمبالغة في تصوير أعمال أبيهم ومظالمه، وأعانه على ذلك القساوسة، لأن غيطشة كان لا يجيبهم إلى ما تصبو إليه نفوسهم من القضاء المبرم على يهود. فلا غرابة أن نجد عند معظم المؤرخين الإسبان اللاتين صوراً بغيضة جداً لهذا الملك وأولاده، وما كانوا يدبرون للبلد وأهله من سوء. وقد تصدى نفر من المؤرخين الإسبان المحدثين الدفاع عن غيطشة وأبنائه، بيد أن هذا الدفاع عن غيطشة وأبنائه، والإصرار على تبرئة لذريق من كل عيب، وتصويره فى صورة بطل وطني جاهد المسلمين من بلاده، وبذل كل ما يملك لينجو ببلاده من خطرهم، كل هذا الجهد لا يمنعنا من تعرف شخص لذريق وأحوال عصره تعرفاً معقولاً، هو أقرب ما يكون إلى الصواب. ومن الواضح، أن الرجل كان يشعر باضطراب الأمر عليه، وأنه ظل حياته

стр. 133

متخوفاً من وثبة تكون من أحد أعدائه الكثيرين، لأن هؤلاء الأعداء لم يكونوا أولاد غيطشة وحدهم، بل كانوا في واقع الأمر جلّة الشعب الإسباني الروماني ويهود إسبانيا. ومصداق ذلك، أن لذريق لم يكد الأمر يستقر له، حتى يرغم رجال الدين على إصدار قرارات يتهمون فيها غيطشة بكل شر، ويصورونه للناس بصورة جبَّار ظالم، أراد بالناس وبالكنيسة كل أذى، وأن لذريق لم ينهض إلاّ لإنقاذ الناس من شره وشر أولاده وكل مَن كان يلوذ بهم. وقد أجاب رجال الدين طلبه، فحفلت قرارات مجامعهم الدينية في عصر لذريق، بأسوأ الاتهامات لغيطشة وبنيه ويهود. ومصداق ذلك أيضاً، أن لذريق قضى معظم أيام حكمه القصير، يحارب الثائرين عليه في كل ناحية، وأنه قام بحملات متتابعة على الباسك في الشمال، وطوائف من الثائرين في الشرق والجنوب. وربما كان من دلائل سوء الحال في عهد لذريق، أنه كان في حاجة مستمرة ملحّة للمال، لأن البلاد كانت مضطربة في أيامه، لا يكاد يطيعه في نواحيها إلاّ إقليم صغير. والغالب أن حاجة لذريق إلى المال، هي التي دفعته إلى السطو على الذخائر الغالية، التي كان ملوك القوط قبله، قد كدّسوها في كنيستي سان بدرو وسان بابلو، فقد جرت عادة كل ملك منهم أن يودع إحدى الكنيستين تاجه وبعض ذخائره، وكانت هذه الذخائر مكدّسة في حجرتين مغلقتين في الكنيستين، فلما اشتدت حاجة لذريق للمال، حدّثته نفسه بأخذ بعض هذه الذخائر، للانتفاع بها. وقد حذّره القس من أن يفعل ذلك، ولكنه لم يصغ، ومضى ففتح مستودع الذخائر. ويبدو أنه ذهل من كثرة ما وجد من الذهب والجوهر. فلم يجرؤ على أخذ شيء، لأن رهبة المكان منعته من أن ينفذ ما أراد. وتحدث الناس في ذلك وتناقلوه، حتى أصبح أسطورة في أفواه الناس، ورواها المسلمون على صورة لا تخلو من

стр. 134

طرافة (١). وقد استطاع لذريق، أن يقضي على كل أمل لأبناء غيطشة وأنصارهم، بعد أن استمر يوالي غزوهم أشهراً متتابعة، فاستتب له الأمر من ناحيتهم، وأوشك أن يستتب له الأمر في سائر البلاد. د - أحوال إسبانيا تحت حكم القوط: لم يغير القوط شيئاً كثيراً من أحوال المجتمع الإسباني في العصر الروماني: ظلت الأرستقراطية الرومانية القديمة على عهدها من الغنى والسيطرة على الناس، وظل الأحرار من أهل المدن والتجار وأصحاب المزارع الصغيرة يعيشون تحت رحمة الأقوياء في حال هي وسط بين الحرية والرق، وظلت بقية أهل البلاد رقيق أرض أو عبيداً يشْقَون في سبيل الأقلية الغنية المسيطرة. وقد ائتلف الأغنياء مع القوط، لكي يحتفظو بأملاكهم، واستقر نفر كبير من هؤلاء بالمزارع واشتغلوا بالزراعة، وإن بقيت أغلبيتهم تقيم في المدن في معسكرات تعيش على إتاوات وضرائب فرضوها على الزراع وضعاف أهل المدن، حتى ساء أمرهم كثيراً. ولم يكن القوط كثيرين، ولم يكن بهم ميل إلى المشاركة في صناعة أو زراعة، فظلوا غرباء عن البلاد في الغالب، ولم يخلِّفوا فيها من الآثار بما يمكن مقارنته بما خلفه الفرنجة في فرنسة مثلا. ولم تنعم البلاد في حكم القوط بنصيب كبير من الطمأنينة والرخاء، لأن العصر كله كان عصر اضطراب وفوضى في أوروبة كلها لا في إسبانيا وحدها. وانهارت في نواحي غرب أوروبة قواعد المجتمع الروماني الثابت القديم، الذي كان يقوم على تقسيم الأرض بين الدولة وطائفة من كبار الأغنياء المقيمين في الريف، ثم تأجيرها بعد ذلك للفلاحين يزرعونها ويؤدون عنها

стр. 135

مالاً، وكان معظم الأرض تابعاً للدولة، فكانت تزرعه بوساطة الفلاحين الأحرار أو العبيد. فلما طال الزمن، واستمر كل فلاح يزرع نفس القطعة من الأرض سنة بعد سنة، نشأت بينه وبينها صلة هي أقرب ما تكون إلى صلة الملكية. فلما أقبل البرابرة، واستولوا على أرض الدولة، آلت إليهم أملاكها، وبهذا تعرض حق هؤلاء الزرّاع الأحرار في أرضهم للضياع، وغصب البرابرة من الكثير منهم أرضه واستقروا فيها، وأجبروه على زراعتها، كأنه عبد لهم أو قنّ، ولجأ بعضهم إلى مالك غني مجاور تنازلوا له عن أرضهم في سبيل حمايتهم من الغاصبين القادمين. وشاعت هذه الطريقة وعمت، ونشأت عنها طبقة اجتماعية جديدة، هي طبقة المحميين ( Buccellarii) ، وكان القانون يعتبرهم أحراراً، ولكن التزاماتهم حيال الأغنياء الذين كانوا يحمونهم، جعلتهم في الواقع في مراتب التابعين والعبيد. وأقام القوط في إسبانيا حكومة عسكرية انتخابية، يؤيدها الأشراف وملاك الأرض من القوط وأهل البلاد الأصليين على السواء. واستمروا يدبرون شئون البلاد بنفس النظام الروماني القديم: ظلت البلاد مقسّمة إلى أقاليم ومدن، وكان يحكم كل إقليم دوق، وكل مدينة كونت، وكان كل من هؤلاء الحكام يستعين بطائفة صغيرة أو كبيرة من الموظفين، يقومون بما تحتاج إليه حكومة الناحية، في النواحي المالية والقضائية والحربية، وكان هؤلاء الموظفون طبقات، تختلف بحسب العمل الذي يقوم به كل منهم. وكان الملك يحكم حكماً استبدادياً، أي منفرداً برأيه، يقضي في شئون البلاد كما يشاء. وكان له مجلس من النبلاء، يساعده في كل شيء، ولكن الملوك استبدوا بالأمر حتى لم يعد لهذا المجلس ظل من السلطان، فكان الملوك يصدرون القوانين وينفذونها، ويقضون في الأحكام بما يريدون. وكان المفروض أن ينتخب الملك من بين هؤلاء النبلاء، ولكن العادة جرت أن يعتلي العرش أقواهم بحد ............................................

стр. 136

السيف (١). هـ - مجلس طُلَيْطُلَة: ولكن كان للدولة القوطية نظام طيِّب، له أثر حسن في سير الأمور في دولة القوط، هو نظام: (مجلس طليطلة) الذي كان يجتمع بين الحين والحين، للنظر في أمور الدولة الكبرى. وكان أصل هذا المجلس دينياً، إذ كان مجلساً من كبار القساوسة الكاثوليك، يعقدونه للنظر في أمر كنيستهم ورعاياها، فلما اعتنق ملوك القوط الكاثوليكية في عصر ريكاريدو، أصبح هذا المجلس رسمياً يدعو الملك بعقده، ويحضره كبار رجاله، وأصبح مع الزمن مجلساً سياسياً دينياً، يتناول المسائل جميعاً: دينية وغير دينية، ويصدر القوانين والأحكام في شتى القضايا، ثم اتسع سلطانه وتناول القضاء وأصبح بذلك محكمة عليا، وانتهى الأمر بان انضم مجلس النبلاء إلى المجلس الديني وأصبحا مجلساً أعلى للدولة. وقد كان الملك أول الساعين في توحيد المجلسين، لأنهم أرادوا أن يزيدوا أحكامهم قوة ومهابة، بالتصديق عليها من هذه الهيئة التي تضم كبار رجال الكنيسة الكاثوليكية وكبار أهل الدولة. وقد كان لهذه المجالس تأثير أحسن، فقد سنَّ أعضاؤها مع الزمن قانوناً شاملاً يضمن حريات الناس ويسوّى بينهم: قوطاً وإسبانيين، وهو المسمى: ( Fuero Juzgo) (٢) ، وكان لتشريعاته

стр. 137

الأخرى أثر طيّب في تهذيب نفوس القوط وتهيئتهم للعيش المستقرّ والائتلاف مع أهل البلاد، واستطاع رجاله كذلك الحيلولة بين الملوك وبين الاستبداد السيء المطلق بشئون الرعية. و- المجتمع الإسباني أيام القوط: والخلاف شديد بين المؤرخين حول أحوال المجتمع الإسباني خلال هذا العصر القوطي، فمعظم الإسبان شديدو العصبية لهذا العصر، يذهبون إلى أن الناس كانوا يستمتعون فيه برخاء ظاهر في كل ناحية من نواحي الحياة، وأن الزراع والصناع كانوا في رفاهية، وأن موارد البلاد في ازدياد مستمر، وأن العصر على العموم كان عصر نهضة إسبانية مسيحية. وهم إنما يبالغون هذه المبالغة لكي يؤكدوا أن النهضة التي حدثت في ظلال الإسلام بعد ذلك لم تكن شيئاً جديداً على البلاد، وأن فضلها لا يعود إلى المسلمين وحدهم، وإنما كانت البلاد سائرة في طريقها على أي حال. أما حقيقة الحال، فكانت بعيدة جداً عما يذهب إليه هؤلاء المؤرخون، فلم يكن الحال بدرجة من السوء بهذا الشكل الذي يصوره دوزى في كتابه، ولكنه كان سيئاً على كل حال، ولا يقارن بحال بما وصلت إليه البلاد من الرفاهية والرقي في عصور المسلمين. وذلك هو الرأي الذي يميل إليه المؤرخون المنصفون من الإسبان أنفسهم، بعد أن تجلت مظاهر الحضارة الإسلامية الإسبانية، وأصبحت أوضح من أن يماري بها أحد أو يفضل عليها نظاماً اجتماعياً مضطرباً كنظام المجتمع القوطي الإسباني قبل الفتح الإسلامي (١). وطبيعي ألاّ يستطيع القوط إنشاء مجتمع جديد خير من المجتمع الروماني

стр. 138

القديم، إذ لم يكن لهم هم أنفسهم نظام اجتماعي مقبول، قبل أن يدخلوا الدولة الرومانية ويستقروا في أرضها ويقتبسوا نُظُمها، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكونوا قد أنعشوا المجتمع الروماني المضمحل، وأدخلوا عليه عناصر جديدة نشيطة، توجهه توجيهاً جديداً. وينبغي أن نقول أيضاً، إن القوط، كانوا أقل إنسانية ونظاماً من طوائف البرابرة الأخرى، التي استقرت في إسبانيا، حتى الفاندال أنفسهم، لأن الفاندال كانوا لا يبهظون البلاد التي ينزلون فيها، بتكاليف حكومية ضخمة، تريد أن تستقصي كل شيءٍ، وتتشبه بالرومان: كانوا يزيلون النظام القديم بمحاسنه ومساوئه، أما القوط فقد احتفظوا بمساوئ هذا النظام، وأضافوا إليه مساوئهم، فعم ضررهم الجميع، من المزارع الصغير، والقنّ الفقير، إلى الغني صاحب الضياع، ولم يتدخل الفندال أو السوييف في مسائل الناس الدينية، أما القوط فتدخلوا واضطهدوا مخالفيهم كما رأينا، فعمَّ بلاؤهم الناس أجمعين (١). ولم يعمل القساوسة شيئاً لتحسين حال الناس، ولم يحاول أحدهم أن يعترض على ما كان الأغنياء يسرفون فيه من الاستبداد بالضعفاء والاستكثار من العبيد، وكان عدد العبيد كبيراً جداً، وكان الأغنياء يقتنونهم بالآلاف، ويعاملونهم معاملة قاسية كأنهم بعض المتاع، وقد يئس هؤلاء المساكين من كل إنصاف من جانب الحاكمين أو من جانب رجال الدين، وباتوا يترقبون الخلاص (٢). ولم يكن أوساط الناس من أهل المدن والضياع وأحرار الزراع أحسن حالاً، لأن ملوك القوط لم يلتفتوا إلى شيءٍ يعود بالخير على عامة الناس، ولم يؤثر عنهم إنشاء قنطرة أو تعبيد طريق أو وضع قانون يخفف عن الناس مظالم الحكام أو يجعلهم في مأمن من الظلم والعدوان، وقد كانوا هم أنفسهم

стр. 139

أبعد الناس عن أي لون من هذا التفكير. ويضاف إلى هذه المساوئ إلاضطهاد الديني بألوانه: اضطهاد القوط للكاثوليك حين كانوا أريوسيين، ثم اضطهادهم لليهود على النحو الذي رأيناه في أيام لذريق، مما جعلهم يميلون إلى الخلاص من حكم القوط، وقد اتهمهم القوط بالتآمر على سلامة الدولة مع قوم خارج إسبانيا، لكي يسوِّغوا عسفهم بهم، والغالب أن رجال الدين الكاثوليك كانوا هم المحرضين على هذا الاضطهاد، ولو أن يهود إسبانيا كانوا على اتصال مع يهود إفريقية ويهود أوروبة أيضاً، عداوة للقوط وللكاثوليك، ومحاولة لإلحاق الأذى بهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وحينما تقادم العهد بالقوط في إسبانيا، وتمتعوا بخيراتها الوفيرة، مالت بهم نفوسهم إلى الدعة، وجعلوا يكلون أمور الحرب إلى عبيدهم، حتى زاد عدد العبيد على عدد الأحرار في الجيش. ويبدو أن الحروب المتعددة بين ملوك القوط ونبلائهم هي التي حفّزت هؤلاء الملوك إلى الاستكثار من هؤلاء العبيد في الجيش، لأن أعداد محاربي القوط القليلة توزعت بين الملوك والثائرين، وكانت كثرة العبيد في الجيش من أسباب ضعفه، لأنهم كانوا ساخطين على الدولة، ينتظرون الفرصة للتخلي عنها وتركها لمصيرها (١). ز - الحالة الثقافية: لابد من الإشارة إلى حال الثقافة بألوانها في البلاد قبل الفتح الإسلامي، فهذه هي الناحية الوحيدة التي سيجد فيها المسلمون أساساً طيباً يزيدون عليه. وقد كانت إسبانيا منذ فجر التاريخ بلد ثقافة وموطن علم وفنٍ، وضع الفينيقيون أساس ذلك كله، وزاد عليه اليونان والرومان. ثم أقبلت المسيحية فأنعشته وسارت به خطوات إلى أمام. ولعل في هذا بعض ما يفسر لنا سرّاً من أسرار الازدهار الفكري السريع الذي حققه المسلمون في إسبانيا، على قلة

стр. 140

اتصالهم بمنابع الثقافة القديمة والوسيطة في العالمين المسيحي والإسلامي. لقد تأصلت المسيحية في إسبانيا بأسرع مما تأصلت في فرنسة مثلاً، فلم يكد القرن السادس الميلادي يهل، حتى كانت البلاد تفيض بالأديرة يقيم فيها الرهبان يدرسون ويتذاكرون، والكنائس يقوم بأمرها قسس معنيون بالدرس مشغوفون بالكتابة والتأليف. وقد تركت أيام القوط في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي آثاراً في الدراسات الدينية المسيحية بخاصة الأخلاقية مقتبسة من الأفكار اليونانية والرومانية على الأكثر، والتاريخية التي تفسر التاريخ تفسيراً دينياً مسيحياً، والأدبية. ولم يخلِّف القوط في الفنون إلاّ ثروة معمارية فقيرة جداً، وينسب بعض مؤرخي الفنون العقد المخمّس إلى القوط (١). وخلاصة القول، إن إسبانيا القوطية، لم تكن شرّاً كلها، كما يذهب قسم من المؤرخين الفرنسيين والعرب، ولم تكن خيراً كلها، كما يزعم الإسبان، وإنما كانت جوانبها الإجتماعية ضعيفة جداً، بل تُعد امتداداً للعصر الروماني المضمحل. لأن القوط أنفسهم كانوا قبائل متبدّية لا تملك من الأسس الاجتماعية ما يعينها على تنظيم بلد واسع كإسبانيا، ومجتمع متشعب مختلف كمجتمعها الذي ضم أخلاطاً من كل صنف. وقد حاولوا أن يتخذوا مظاهر النظام السياسي الروماني فلم يوفقوا، لأنهم كانوا أبعد من أن يفهموه أو يستطيعوا البناء عليه، ولم يصب الناس من وراء ذلك إلاّ شرّ بالغ. وأما التاحية الفكرية، فكانت خيراً خالصاً، لأن الذين قاموا بها كانوا من الإسبان الأصليين بعد أن اعتنقوا المسيحية وتأثروا بها، فلا عجب أن يظهر من بينهم بعض العلماء، لأن البلد كان قبل ذلك موطن حضارة فكرية وفلسفة باقية الأثر في عهود الرومان. لقد سبقت إسبانيا المسيحية أوروبة الغربية كلها في هذه الناحية (٢)، كما

стр. 141

ستصبح إسبانيا الإسلامية المركز الأول للإشعاع الحضاري في أوروبة، كما اعترف بذلك المفكرون الأجانب كافة، فقد كانت إسبانيا المسلمة عاملاً من العوامل الأساسية ليقظة أوروبة، يوم كانت أوروبة في ظلام دامس، فكان فضل الإسلام على الحضارة الأوروبية فضلاً عظيماً. يُلْيَان ١ - شخصيته: كانت مدينة سَبْتَة وما يجاورها، تُحكم من قبل حاكم مسيحي يدعى: يُلْيَان (جوليان، يوليان، وليان، بليان، إليان، جليان) كانت له عدّة وقوّة، لم ير لها موسى بن نصير مثيلاً من قبل (١)، فقد هاجم موسى سبتة، ولكنه لم يتمكن من فتحها، فعقد الصلح مع يليان حاكم المدينة، وأقرّه في منصبه، مقابل اعتراف الأخير بالفتح الإسلامي (٢). وقد شجع يليان موسى بن نصير وطارق بن زياد على فتح الأندلس، كما عاون المسلمين في الفتح، وكان له نشاط واضح قبل الفتح وفي أيامه، وسيرد ذكر تفاصيل نشاطه في سيرة قادة الفتح. والاختلاف بين الباحثين في أمرين: الأول في شخصية يليان، والثاني في الأسباب التي حملته على تشجيع موسى وطارق على الفتح، ومعاونة الفاتحين لإنجاز الفتح. والروايات متناقضة حول شخصية يليان، فيقال: إنه مسيحي من إفريقية (٣)، ويقال: إنه مسيحي من بربر غمارة (٤)، وقيل: إنه

стр. 142

رومي (١)، وقيل: إنه قوطي من أتباع ملك إسبانيا (٢). وجاء المؤرخون الأجانب المحدثون، فحققوا شخصية يُلْيان، فأثبت قسم منهم وجوده فعلاً، بعد أن كان قسم منهم قد ذهبوا إلى أنه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب (٣). وجاء من بعد مَن أثبت وجوده، مؤرخ أثبت أصله والدور الذي قام به هو وأولاده (٤)، وقد ذهب هذا المؤرخ إلى أن يليان فارسي الأصل، وأنه من الأزارقة. وقد استنتج ذلك من أن يليان خلّف ولداً اسمه: بَلْكايِش، أسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وبلكايش اسم من أسماء الفُرس الأزارقة. أما المؤرخون العرب المسلمون، فتابعوا المؤرخين الأجانب على الأكثر، ولم يروا رأياً جديداً. ويليان مسيحي بلا خلاف، وليس من بربر غمارة، وبقاؤه مدة طويلة في سبتة بين البربر، جعل بعض المؤرخين يتوهّم أنه من البربر، وهو ليس منهم، لأن مَن كان مسيطراً على شمال إفريقية في حينه لا يولّي على البربر بربرياً، خوفاً من انحيازه إلى قومه وتحيّزه لهم على الأجنبي، وقائمة حكام الروم على الشمال الإفريقي تثبت أن الحكام جميعاً بدون استثناء، لم يكونوا من البربر. أما الذين زعموا أن يليان قوطي، فلا سند لهم، لأننا نعلم بأن القوط

стр. 143

الغربيين فقدوا معظم ممتلكاتهم في شمال إفريقية منذ أيام الملك ( Theudis) (٥٣١-٥٤٨ م) (١) ولقد كانت سَبْتَة بأيدي البيزنطيين منذ منتصف القرن السابع الميلادي، ولا توجد هناك أية إشارة إلى وقوع ما يخالف ذلك (٢). ولهذا يمكن استنتاج أن يليان كان الحاكم البيزنطي العام لولاية موريطانيا الطنجيَّة ( Mauretania Tingtana) وهو إقليم كان في ذلك الحين تابعاً للدولة البيزنطية لا لإسبانيا القوطية، وأن يليان كان يقوم بواجبات الحاكم العام ( Exarcus) لهذه الناحية من قبل الإمبراطور البيزنطي، وأنه بدأ ولايته في سن صغيرة (٣)، وأقام في هذه الناحية زماناً طويلاً. ولما كانت موريطانيا الطنجية بعيدة كل البعد عن بيزنطة، ولما كانت أمور الدولة البيزنطية في ذلك الحين مضطربة اضطراباً لا يمكنها من الإشراف على ولاياتها القريبة فضلاًَ عن البعيدة (٤)، ولما كانت تلك الدولة قد خسرت ولاياتها كافة في شمالي إفريقية بالفتح الإسلامي، ولم يبق غير ولاية سبتة وحدها، لا عون لها ولا سند، غير الدولة الإسبانية، فقد تحرر يليان من سلطان الدولة البيزنطية، وأصبح كالحاكم المستقل في هذه الناحية. وإذ انقطعت عنه الإمدادات من الدولة البيزنطية، فقد أخذ يوثِّق علاقاته بمن جاوره من قبائل البربر، حتى كسب ثقتها وودّها، وأصبح كالزعيم لها، حتى اختلط الأمر على بعض المؤرخين، فحسبوه من البربر. كما أخذ يوثق علاقاته بالإسبان ليحظى منهم بالإمدادات التي تعينه على الثبات أمام المسلمين الفاتحين. ولما وصل موسى بن نصير إلى إقليم طَنْجَة سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٩ م) وحاصر مدينة طَنجة وفتحها (٥)، سار على رأس جيشه إلى

стр. 144

مدائن شط البحر، وعلى رأسها سَبْتَة، وعليها يليان، فقاتله موسى، ولكنه ألفاه في نَجْدة وقوّة وعُدَّة، فلم يُطِقْه، فرجع إلى طنجة، وأقام هناك بمن معه. وأخذ موسى بالغارات على منطقة سبتة، والتضييق عليهم، بالميرة والإمداد من إسبانيا من قِبَل ملكها غَيْطَشَة، فهم يذبّون عن سبتة ذبّاً شديداً، ويحمون بلادهم حماية تامة (١) فكانت علاقة يليان بغيطشة من أهم أسباب نجاحه في الدفاع عن منطقته وحمايتها. ولكن هذه العلاقة كانت علاقة مصلحة متبادلة: مصلحة يليان تَلَقى العون من غيطشة بعد أن حرم من عون القسطنطينية، ومصلحة غيطشة أن تصبح سبتة ومنطقتها الخط الدفاعي الأول عبر بحر الزقاق عن إسبانيا تجاه الفتح الإسلامي، وكسب هذه المنطقة لإسبانيا في الحاضر والمستقبل، وما كان تعاون يليان مع القوط الغربيين إلاّ مضطراً (٢). والمؤرخ الأجنبي الذي زعم أن يليان فارسي، لأنه خلّف ولداً اسمه: بَلْكايش، وهو اسم فارسي، فإن زعمه متهافت غير منطقي ولا معقول، فكثير من الفرس أسماؤهم عربية، وكثير من العرب أسماؤهم غير عربية، وكثير من أبناء المسيحيين أسماؤهم إسلامية، فلا يصبح الفارسي عربياً ولا العربي فارسياً ولا المسيحي مسلماً استناداً على اسمه أو اسم ولده، ولو زعم مثل هذا الزعم مؤرخ عربي أو مسلم، لاعتُبر زعمه فضيحة مدوِّية، ولسارت بأخبارها الركبان. إن يليان مسيحي رومي، كان الحاكم البيزنطي العام على ولاية سبتة، ثم تعاون مع غيطشة حتى مات، فتعاون مع لذريق الذي خلف غيطشة، ثم تعاون مع موسى بن نصير وطارق بن زياد. ٢ - يليان والمسلمون الفاتحون:

стр. 145

منعت مشاكل القوط الغربيين الداخلية بعد رحيل غيطشة سنة (٧٠٨ م أو سنة ٧٠٩ م) من الاستمرار في معاونة يليان (١)، فأصبح وحيداً أمام تيار الفتح الإسلامي الجارف، وأصبحت ولايته وحدها هدفاً للفتح، فلم يكن بإمكانه أن يثبت طويلاً. لقد رأى يليان الولايات البيزنطية في الشمال الإفريقي تنهار واحدة بعد أخرى، أمام زحف المسلمين الفاتحين، وكان آخر تلك الولايات ولاية طنجة المجاورة لولايته والتي فتحها المسلمون، فلم يبق أمام يليان غير التعاون مع المسلمين الفاتحين، ليبقى في منصبه على ولاية سبتة، وإلاّ فإن المسلمين قادرون على فتح ولايته عَنْوَة كما فتحوا غيرها من الولايات، ولن يطول انتظار يليان ليرى مصير ولايته المتوقع الذي لا شك فيه. إن حرمان يليان من عون ملك القوط ومعاونته، هو السبب غير المباشر لتقرّبه من المسلمين الفاتحين وتعاونه معهم ومعاونته لهم. ولسنا نعرف شيئاً عن الأسس التي ارتكز ﵍ بين يليان والمسلمين الفاتحين، وكل ما نعرفه أن طارق بن زياد حاول فتح سبتة كما حاول موسى قبله، فلم يستطع فتحها عَنْوَة، فاكتفى بالتودد إلى يليان ومجاملته، وفجأة سلّم يليان سبتة للمسلمين الفاتحين صلحاً، وشجعهم على فتح الأندلس، وعرض عليهم معاونته لهم وتعاونه معهم من أجل تحقيق الفتح. والمصادر الإسلامية تذكر سبباً مباشراً لاستسلام يليان وتشجيعه على فتح الأندلس، وتعاونه مع المسلمين الفاتحين لتحقيق الفتح. فقد ذكرت، أنه كان من سِيَر أكابر العجم بالأندلس وقوادهم، أن يبعثوا أولادهم الذين يريدون منفعتهم والتنويه بهم، إلى بلاد الملك الأكبر بطُليطلة
следующие страницы →