← Тараджим

Тараджим · id 29881

قادة فتح الأندلس

محمود شيت خطاب

Полный текст (894 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ستصبح إسبانيا الإسلامية المركز الأول للإشعاع الحضاري في أوروبة، كما اعترف بذلك المفكرون الأجانب كافة، فقد كانت إسبانيا المسلمة عاملاً من العوامل الأساسية ليقظة أوروبة، يوم كانت أوروبة في ظلام دامس، فكان فضل الإسلام على الحضارة الأوروبية فضلاً عظيماً. يُلْيَان ١ - شخصيته: كانت مدينة سَبْتَة وما يجاورها، تُحكم من قبل حاكم مسيحي يدعى: يُلْيَان (جوليان، يوليان، وليان، بليان، إليان، جليان) كانت له عدّة وقوّة، لم ير لها موسى بن نصير مثيلاً من قبل (١)، فقد هاجم موسى سبتة، ولكنه لم يتمكن من فتحها، فعقد الصلح مع يليان حاكم المدينة، وأقرّه في منصبه، مقابل اعتراف الأخير بالفتح الإسلامي (٢). وقد شجع يليان موسى بن نصير وطارق بن زياد على فتح الأندلس، كما عاون المسلمين في الفتح، وكان له نشاط واضح قبل الفتح وفي أيامه، وسيرد ذكر تفاصيل نشاطه في سيرة قادة الفتح. والاختلاف بين الباحثين في أمرين: الأول في شخصية يليان، والثاني في الأسباب التي حملته على تشجيع موسى وطارق على الفتح، ومعاونة الفاتحين لإنجاز الفتح. والروايات متناقضة حول شخصية يليان، فيقال: إنه مسيحي من إفريقية (٣)، ويقال: إنه مسيحي من بربر غمارة (٤)، وقيل: إنه

стр. 142

رومي (١)، وقيل: إنه قوطي من أتباع ملك إسبانيا (٢). وجاء المؤرخون الأجانب المحدثون، فحققوا شخصية يُلْيان، فأثبت قسم منهم وجوده فعلاً، بعد أن كان قسم منهم قد ذهبوا إلى أنه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب (٣). وجاء من بعد مَن أثبت وجوده، مؤرخ أثبت أصله والدور الذي قام به هو وأولاده (٤)، وقد ذهب هذا المؤرخ إلى أن يليان فارسي الأصل، وأنه من الأزارقة. وقد استنتج ذلك من أن يليان خلّف ولداً اسمه: بَلْكايِش، أسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وبلكايش اسم من أسماء الفُرس الأزارقة. أما المؤرخون العرب المسلمون، فتابعوا المؤرخين الأجانب على الأكثر، ولم يروا رأياً جديداً. ويليان مسيحي بلا خلاف، وليس من بربر غمارة، وبقاؤه مدة طويلة في سبتة بين البربر، جعل بعض المؤرخين يتوهّم أنه من البربر، وهو ليس منهم، لأن مَن كان مسيطراً على شمال إفريقية في حينه لا يولّي على البربر بربرياً، خوفاً من انحيازه إلى قومه وتحيّزه لهم على الأجنبي، وقائمة حكام الروم على الشمال الإفريقي تثبت أن الحكام جميعاً بدون استثناء، لم يكونوا من البربر. أما الذين زعموا أن يليان قوطي، فلا سند لهم، لأننا نعلم بأن القوط

стр. 143

الغربيين فقدوا معظم ممتلكاتهم في شمال إفريقية منذ أيام الملك ( Theudis) (٥٣١-٥٤٨ م) (١) ولقد كانت سَبْتَة بأيدي البيزنطيين منذ منتصف القرن السابع الميلادي، ولا توجد هناك أية إشارة إلى وقوع ما يخالف ذلك (٢). ولهذا يمكن استنتاج أن يليان كان الحاكم البيزنطي العام لولاية موريطانيا الطنجيَّة ( Mauretania Tingtana) وهو إقليم كان في ذلك الحين تابعاً للدولة البيزنطية لا لإسبانيا القوطية، وأن يليان كان يقوم بواجبات الحاكم العام ( Exarcus) لهذه الناحية من قبل الإمبراطور البيزنطي، وأنه بدأ ولايته في سن صغيرة (٣)، وأقام في هذه الناحية زماناً طويلاً. ولما كانت موريطانيا الطنجية بعيدة كل البعد عن بيزنطة، ولما كانت أمور الدولة البيزنطية في ذلك الحين مضطربة اضطراباً لا يمكنها من الإشراف على ولاياتها القريبة فضلاًَ عن البعيدة (٤)، ولما كانت تلك الدولة قد خسرت ولاياتها كافة في شمالي إفريقية بالفتح الإسلامي، ولم يبق غير ولاية سبتة وحدها، لا عون لها ولا سند، غير الدولة الإسبانية، فقد تحرر يليان من سلطان الدولة البيزنطية، وأصبح كالحاكم المستقل في هذه الناحية. وإذ انقطعت عنه الإمدادات من الدولة البيزنطية، فقد أخذ يوثِّق علاقاته بمن جاوره من قبائل البربر، حتى كسب ثقتها وودّها، وأصبح كالزعيم لها، حتى اختلط الأمر على بعض المؤرخين، فحسبوه من البربر. كما أخذ يوثق علاقاته بالإسبان ليحظى منهم بالإمدادات التي تعينه على الثبات أمام المسلمين الفاتحين. ولما وصل موسى بن نصير إلى إقليم طَنْجَة سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٩ م) وحاصر مدينة طَنجة وفتحها (٥)، سار على رأس جيشه إلى

стр. 144

مدائن شط البحر، وعلى رأسها سَبْتَة، وعليها يليان، فقاتله موسى، ولكنه ألفاه في نَجْدة وقوّة وعُدَّة، فلم يُطِقْه، فرجع إلى طنجة، وأقام هناك بمن معه. وأخذ موسى بالغارات على منطقة سبتة، والتضييق عليهم، بالميرة والإمداد من إسبانيا من قِبَل ملكها غَيْطَشَة، فهم يذبّون عن سبتة ذبّاً شديداً، ويحمون بلادهم حماية تامة (١) فكانت علاقة يليان بغيطشة من أهم أسباب نجاحه في الدفاع عن منطقته وحمايتها. ولكن هذه العلاقة كانت علاقة مصلحة متبادلة: مصلحة يليان تَلَقى العون من غيطشة بعد أن حرم من عون القسطنطينية، ومصلحة غيطشة أن تصبح سبتة ومنطقتها الخط الدفاعي الأول عبر بحر الزقاق عن إسبانيا تجاه الفتح الإسلامي، وكسب هذه المنطقة لإسبانيا في الحاضر والمستقبل، وما كان تعاون يليان مع القوط الغربيين إلاّ مضطراً (٢). والمؤرخ الأجنبي الذي زعم أن يليان فارسي، لأنه خلّف ولداً اسمه: بَلْكايش، وهو اسم فارسي، فإن زعمه متهافت غير منطقي ولا معقول، فكثير من الفرس أسماؤهم عربية، وكثير من العرب أسماؤهم غير عربية، وكثير من أبناء المسيحيين أسماؤهم إسلامية، فلا يصبح الفارسي عربياً ولا العربي فارسياً ولا المسيحي مسلماً استناداً على اسمه أو اسم ولده، ولو زعم مثل هذا الزعم مؤرخ عربي أو مسلم، لاعتُبر زعمه فضيحة مدوِّية، ولسارت بأخبارها الركبان. إن يليان مسيحي رومي، كان الحاكم البيزنطي العام على ولاية سبتة، ثم تعاون مع غيطشة حتى مات، فتعاون مع لذريق الذي خلف غيطشة، ثم تعاون مع موسى بن نصير وطارق بن زياد. ٢ - يليان والمسلمون الفاتحون:

стр. 145

منعت مشاكل القوط الغربيين الداخلية بعد رحيل غيطشة سنة (٧٠٨ م أو سنة ٧٠٩ م) من الاستمرار في معاونة يليان (١)، فأصبح وحيداً أمام تيار الفتح الإسلامي الجارف، وأصبحت ولايته وحدها هدفاً للفتح، فلم يكن بإمكانه أن يثبت طويلاً. لقد رأى يليان الولايات البيزنطية في الشمال الإفريقي تنهار واحدة بعد أخرى، أمام زحف المسلمين الفاتحين، وكان آخر تلك الولايات ولاية طنجة المجاورة لولايته والتي فتحها المسلمون، فلم يبق أمام يليان غير التعاون مع المسلمين الفاتحين، ليبقى في منصبه على ولاية سبتة، وإلاّ فإن المسلمين قادرون على فتح ولايته عَنْوَة كما فتحوا غيرها من الولايات، ولن يطول انتظار يليان ليرى مصير ولايته المتوقع الذي لا شك فيه. إن حرمان يليان من عون ملك القوط ومعاونته، هو السبب غير المباشر لتقرّبه من المسلمين الفاتحين وتعاونه معهم ومعاونته لهم. ولسنا نعرف شيئاً عن الأسس التي ارتكز ﵍ بين يليان والمسلمين الفاتحين، وكل ما نعرفه أن طارق بن زياد حاول فتح سبتة كما حاول موسى قبله، فلم يستطع فتحها عَنْوَة، فاكتفى بالتودد إلى يليان ومجاملته، وفجأة سلّم يليان سبتة للمسلمين الفاتحين صلحاً، وشجعهم على فتح الأندلس، وعرض عليهم معاونته لهم وتعاونه معهم من أجل تحقيق الفتح. والمصادر الإسلامية تذكر سبباً مباشراً لاستسلام يليان وتشجيعه على فتح الأندلس، وتعاونه مع المسلمين الفاتحين لتحقيق الفتح. فقد ذكرت، أنه كان من سِيَر أكابر العجم بالأندلس وقوادهم، أن يبعثوا أولادهم الذين يريدون منفعتهم والتنويه بهم، إلى بلاد الملك الأكبر بطُليطلة

стр. 146

ليصيروا في خدمته، ويتأدّبوا بأدبه، وينالوا من كرامته، حتى إذا بلغوا، أنكح بعضهم بعضاً استئلافاً لآبائهم، وحمل صَدُقاتهم، وتولى تجهيز إناثهم إلى أزواجهن. واتفق أن فعل ذلك يليان عامل لُذَريق على سبتة، وكانت يومئذ في يد صاحب الأندلس، وأهلها على النصرانية، ركب الطريقة بابنة له بارعة الجمال تكرم عليه. فلما صارت عند لذريق وقَعَت عينُه عليها فأعجبته وأحبها حباً شديداً، ولم يملك نفسه حتى استكرهها وافتضّها. واحتالت حتى أعلمت أباها بذلك، سرّاً بمكاتبة خفيّة، فأحفظه شأنها جداً، واشتدت حميّته، وأقسم ليزيلنّ سلطانه، وليحفرنّ تحت قدميه، فكان امتعاضه من فاحشة ابنته هو السبب في فتح الأندلس. ثم إن يليان ركب بحر الزقاق من سبته، في أصعب الأوقات، في ينير (١) قلب الشتاء، فصار بالأندلس. وأقبل طُليطلة نحو الملك لذريق، فأنكر عليه مجيئه في مثل ذلك الوقت، وسأله عما لديه، ولِمَ جاء في مثل وقته؟ فذكر خيراً، واعتلّ بذكر زوجته، وشدّة شوقها إلى رؤية بنتها التي عنده، وتمنيها لقاءها قبل الموت، وإلحاحها عليه في إحضارها، وأنه أحبّ إسعافها، ورجا بلوغها أمنيتها منه، وسأل الملك إخراجها إليه، وتعجيل إطلاقه للمبادرة بها، ففعل وأجاز الجارية، وتوثّق منها بالكتمان عليه، وأفضل على أبيها، فانقلب عنه. ولما ودّعه قال له لذريق: "إذا قدمتَ علينا، فاستفره لنا من الشُّذانقات (٢) التي لم تزل تُطرفنا بها، فإنها آثر جوارحنا لدينا"، فقال: "أيها الملك وحق المسيح لئن بقيت لأُدخلنّ عليك شُذانقات ما دخل عليك مثلها قط"، عرّض له بالذي أضمره، من السعي في إدخال رجال العرب عليه، وهو لا يَفْطِن. ولم يتنهنه يليان، عندما استقر بسبته عملِه، أن تهيّأ للمسير نحو موسى بن

стр. 147

نصير الأمير، فمضى نحوه بإفريقية، وكلّمه في غزو الأندلس، ووصف له حسنها وفضلها، وما جمعت من أسباب المنافع، وأنواع المرافق، وطيب المزارع، وكثرة الثمار، وغزارة المياه وعذوبتها، وهَوَّن عليه مع ذلك حال رجالها، ووصفهم بضعف البأس وقِلّة الغناء، فشوّق موسى إلى ما هناك، وأخذ بالحزم إلى ما دعاه إليه يليان (١). ولكن بعض المؤرخين المحدثين، وعلى رأسهم قسم من المستشرقين، يرون أن قصة ابنة يليان في بلاط طليطلة محض أسطورة، ليس لها أساس من الواقع، وقد شايعهم من المؤرخين العرب والمسلمين في هذا الرأي (٢). ولعل هناك ما يسوِّغ التشكيك في هذه القصة من مؤرخي الأجانب والمستشرقين، والهدف من هذا التشكيك واضح ومعلوم ومفهوم، ولكن متابعة المؤلفين العرب المسلمين للأجانب في هذا التشكيك في هدفه غير واضح ولا معلوم. ومن المعروف أن مؤرخي الأجانب وبخاصة المستشرقين منهم، شككوا في وجود شخصية يليان أصلاً، وذهبوا إلى أنه شخصية أسطورية خلقها خيال العرب -كما ذكرنا ذلك قبل قليل- فتابعهم في هذا التشكيك قسم من مؤرخي العرب والمسلمين تقليداً، وعلى غير هدى وبصيرة، حتى إذا حقق قسم من المؤرخين الغربيين شخصية يليان، وأثبتوا وجودها فعلاً بشكل قاطع جلي، عاد المقلِّدون من مؤرخي العرب والمسلمين إلى متابعة الغربيين من جديد، فكانوا في كلا الحالتين مقلدين، ينقلون آراء الأجانب بلا تدقيق ولا تمحيص. وقصة ابنة يليان، هي الأخرى، تنتظر مَن يحقِّق وقوعها من المؤرخين

стр. 148

الغربيين ومن المستشرقين، لتصبح حقيقة لا شك فيها بالنسبة لبعض مؤرخي العرب والمسلمين المحدثين ولا تبقى أسطورة من الأساطير. ولا أرى أن مثل تلك القصة لا يمكن حدوثها في كل زمان ومكان، وبخاصة في تلك الأيام، في ذلك المحيط، الذي اتّسم بالانحراف، فأصبح قاعدةً في القوط بعكس الاستقامة التي أصبحت استثناء فيهم. كما أن ردّ الفعل الذي أظهره يليان ليس مستغرباً من أب تجاه انتهاك عرض ابنته قسراً، كما أن ذكرها في حشد من المصادر المعتمدة يوثِّق حدوثها ويؤيد وقوعها، ولا عبرة بالمصادر العربية القليلة التي لم تتطرق إليها اختصاراً أو لأسباب أخرى، إذ لو كان مؤلفوها لا يصدِّقونها لأبدوا رأيهم فيها، ولكنهم لم يفعلوا (١). ومثل هذه القصة تكررت كثيراً في محيط الواقع، ولا تزال تتكرر حتى اليوم (٢)، وأكثرنا نسمع أمثالها، فلماذا لا نكذِّبها، ونكذِّب قصة ابنة يليان، لأن مصادرها المعتمدة عربية إسلامية؟. ولست مع الذين يشككون في هذه القصة، وأراها السبب المباشر لتعاون يليان مع المسلمين، ولكنني لا أراها السبب الرئيس، بل السبب الرئيس هو أنه كان يتلقى من غيطشة الإمدادات عَدَداً وعُدَداً، مما سهل عليه الدفاع عن ولايته، فلما حرمه لذريق من تلك الإمدادات بسبب مشاكله الداخلية، استاء من هذا التوقف، وبدأ بالتعاون مع المسلمين على القوط، خاصة بعدما شعر بقوة المسلمين المتنامية في المنطقة، وإقبال البربر على الدخول في دين الله أفواجاً. ولعل مما يعزِّز أن تغيّر وضع يليان: من الدفاع العنيد عن ولاية سبتة، إلى الاستسلام المفاجئ للمسلمين وتسليم سبتة لهم واندفاعه في معاونته للمسلمين وتعاونه معهم مادياً ومعنوياً على النظام القائم يومها في إسبانيا، هو هذا الأثر البالغ على نفسيته، بعد علمه بقصة ابنته مع لذريق، فنسي كل

стр. 149

شيءٍ إلاّ الانتقام لابنته ممن أساء إليه في سمعته وشرفه بين الناس.

стр. 150

فتح الأندلس ١ - الموقف العام: أكمل عمرو بن العاص بمعاونة عُقبة بن نافع الفهري فتح لِيبْيَا كلها سنة اثنتين وعشرين الهجرية (١) (٦٤٢ م). وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب: "إنّا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية (تونس) تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها، فعل"، فكتب إليه عمر ينهاه ويأمره بالوقوف عند هذا الحد، فعاد إلى مصر مكرَهاً بعد أن استخلف على ليبيا عُقْبة بن نافع الفِهْرِي، الذي صار إليه بعد ذلك فتح المغرب (٢). وتولى عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح القرشي العامري (٣) مصر لعمرو بن العاص، ففتح إفريقية. وخلفه معاوية بن حُدَيج السّكوني (٤)، فأكمل فتح إفريقية. وخلفه عقبة بن نافع (٥)، ففتح حتى المحيط الأطلسي، ولكن فتحه القريب من المحيط لم يكن فتحاً مستداماً، واستُشهد عقبة في ميادين الفتح. وخلف أبو المهاجر دينار (٦) عقبة بن نافع، ففتح أبو المهاجر المغرب الأوسط (الجزائر). وخلف زهير بن قيس البُلَوِي (٧) أبا المهاجر، فعزّز الفتح في إفريقية، وانتصر على البربر انتصاراً سَوقِياً، ولكنه استشهد في ميادين الفتح.

стр. 151

وخلف حسّان بن النعمان الغسّاني (١) زهيراً ففتح قَرْطاجَنّة وفاس وانتصر على الروم في معركة سَوْقِيّة حاسمة. وجاء موسى بن نصير (٢) خلفاً لحسان، فأكمل فتح المغرب الأقصى، وفتح طنجة عَنْوَة، وفتح سبتة صلحاً. وكان فتح طنجة سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٩ م)، وفي هذه السنة مات غيطشة، وتولى مكانه لذريق على الأندلس، وكان على سبتة يُلْيَان الذي قاوم بنجاح موسى وردّه عن فتح سبتة بمعاونة غيطشة الذي كان يمده بكل ما يحتاج إليه للثبات أمام المسلمين الفاتحين. فلما مات غيطشة، لم تصل إلى يليان مِن خلفه الإمدادات، فلم يبق أمامه من خيار غير الاستسلام للمسلمين الفاتحين، فسلم سبتة صلحاً لطارق بن زياد وطنجة لموسى بن نصير. وكان فتح الأندلس، نتيجة طبيعية لتمام فتح المغرب، لأن الأندلس هو الجناح الغربي للمغرب (٣)، ولأن الأندلس كان المجال الحيوي للفتح الإسلامي بعد إنجاز فتح المغرب الإفريقي، واستقرار الفتح فيه بانتشار العرب والإسلام في ربوعه، وبوجود القوة الضاربة بيد العرب المسلمين والبربر المسلمين الفاتحين على البر المغربي. وبين الأندلس والبر المغربي الإفريقي - الذي فتحه المسلمون - بحر المجاز، عرضه ما بين طنجة والبر الأندلسي ثمانية عشر ميلاً، وهو عرضه أيضا بين جزيرة طريف على البر الأندلسي وسبتة على البر المغربي الإفريقي، ويعرف هذا الموضع بالزقاق، وبحر المجاز هو الذي يصل البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي (٤)، وهذا المجاز هو الذي يفصل بين المسلمين الفاتحين من جهة، وأهل الأندلس من جهة ثانية. ولكي يحمي

стр. 152

المسلمون ما فتحوه في المغرب من أهل الأندلس والقوط الذين يحكمونها، كان لابد لهم من فتح الأندلس، لحماية البر الإفريقي في شمالي إفريقية، فقد رأينا طنجة وسبتة قبل فتحهما تحت حكم الأندلس، فقد كان يليان عامل لذريق على سبتة (١): "ثم ساروا إلى مدائن على شط البحر، فيها عمال لصاحب الأندلس، قد غلبوا عليها، وعلى ما حولها، ورأس تلك المدائن سبتة، وعليها علج يسمى: يليان، قاتله موسى، فألفاه في نجدة وقوة وعدّة فلم يُطِقْهُ، فرجع إلى مدينة طنجة، فأقام بمن معه، وأخذ بالغارات على ما حولهم والتضييق عليهم، والسفن تختلف إليهم بالميرة والإمداد من الأندلس من قبل ملكها غيطشة، فهم يذبّون عن حريمهم ذباً شديداً، ويحمون بلادهم حماية تامة، إلى أن هلك غيطشة، فاضطرب حبل أهل الأندلس .. " (٢) هكذا كانت العلاقة وثيقة للغاية بين ولاية سبتة وطنجة وغيرهما مع مملكة القوط في الأندلس، وكان التعاون بين الطرفين وثيقاً، ومنذ أقدم العصور، إذا كان الحكم في الأندلس قوياً، سيطر على المدن الإفريقية المواجهة لساحل الأندلس، وإذا كان الحكم فيها ضعيفاً سيطر البر الإفريقي على الأندلس أو على جزء منها، والهدف هو حماية الأندلس بالسيطرة على مدن الساحل الإفريقي، لتكون الخط الدفاعي الأول عن البر الأندلسي، وحماية البر الإفريقي من حكام الأندلس، بفتح الأندلس، كما فعل المسلمون الفاتحون، فلا بد من أن يكون أحد الطرفين مسيطراً على الطرف الثاني. إن الهدف من فتح الأندلس، هو ترصين الفتح الإسلامي في شمالي إفريقية بعامة وفي ولايتي طنجة وسبتة بخاصة. أما الهدف الثاني من الفتح، فهو نشر الإسلام في ربوعها وإعلاء كلمة الله فيها. إن الفاتحين حملوا إلى الناس الإسلام بالفتح، ولم يحملوا الناس بالفتح على الإسلام.

стр. 153

وقد كان الروم قد اتخذوا من جزيرة صِقِلِّيَة قاعدة أمامية متقدمة لهم، ينطلقون منها للتعرض بالساحل الإفريقي المقابل لها، فأمر موسى بن نصير بالتأهب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب بنفسه، فرغب الناس وتسارعوا، فلم يبق شريف ممن كان معه إلاّ وقد ركب الفلك وعقد موسى لواء هذه الغزوة لابنه عبد الله بن موسى، وأمّره على رجالها، وولاّه عليهم، ثم أمره أن يتوجه إلى صقلية. وإنما أراد موسى بما أراد من سيره في هذه الحملة أن يركب أهل الجلد والحماية والنكاية والشرف، فسميت هذه الغزوة غزوة الأشراف (١)، وكان ذلك سنة خمس وثمانين الهجرية (٧٠٥ م). وفي سنة سبع وثمانين الهجرية (٧٠٧ م)، أغزى موسى ابنه عبد الله جزيرة سَرْدَينيا (٢) فغنم وعاد سالماً غانماً. وكانت هاتان الغزوتان لحماية الساحل الإفريقي من غزو الروم من قواعدهم البحرية في هاتين الجزيرتين. وبعد أن أنجز موسى بن نصير استعادة فتح المغرب الأوسط، وأكمل فتح المغرب الأقصى، وفتح طنجة، أصبحت السواحل المغربية المواجهة لبعض جزر البحر الأبيض المتوسط وللأندلس، معرضة لهجمات الروم، لغرض استعادة تلك المناطق المغربية الغنية إلى سيطرتهم من جديد، ومعرضة لهجمات من القوط الذين يحكمون الأندلس، لغرض إبعاد المسلمين الفاتحين عن بلادهم بطردهم من السواحل المغربية القريبة منهم، وحماية الأندلس من غزو المسلمين المتوقع لها، ومحاولة فتحها. وكان من جزر البحر التي اتخذها الروم والقوط قواعد لهم متقدمة: جزيرتا مَيُورُقة ومَنُوْرَقة، وهما جزيرتان في البحر الأبيض المتوسط، بين صقلية وشبه جزيرة .............................................. ........

стр. 154

الأندلس (١). وفي سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٩ م) جهز موسى ابنه عبد الله فافتتح هاتين الجزيرتين (٢)، وغنم ما لا يحصى، وعاد سالماً (٣). والهدف الأول والأخير، من تعرض المسلمين بهذه الجزر، هو حماية الساحل الإفريقي من هجمات الروم والقوط، والهجوم أنجع وسائل الدفاع كما يقولون (٤). وعندما ضعف المسلمون في شمال إفريقية، أصبحت تلك الجزر قواعد لأساطيل أعدائهم وحشود قواتهم للهجوم على المسلمين، وأسر نسائهم ورجالهم، وأخذهم إلى القسطنطينية وغيرها. إن فتح الأندلس، هو الوسيلة الوحيدة لحماية البر الإفريقي المقابل لها، والذي كان المسلمون قد فتحوه، وصارعوا الأهوال من سنة اثنتين وعشرين الهجرية إلى سنة تسعين الهجرية، أي مدة ثمان وستين سنة، بذلوا خلالها كثيراً من الجهد والنفقات والشهداء، على رأسهم قائدان: عقبة بن نافع، وزهير بن قيس البلوي. هكذا فتح المسلمون الفاتحون ما فتحوه، وهكذا حافظوا على ما فتحوه: بالتعرض والجهاد، وبفتح جديد يرصِّن الفتح القديم. ٢ - فتح طَرِيْف: أرسل موسى في شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين الهجرية (آب =

стр. 155

أغسطس - أيلول = سبتمبر ٧١٠ م) سرية استطلاعية إلى جنوبي الأندلس ففتح جزيرة طريف والجزيرة الخضراء، وعاد مع رجاله في رمضان أيضاً سالماً غانماً (١). ٣ - فتح طارق بن زياد: أنزل طارق بن زياد قواته في منطقة جبل طارق بوجبتين، فكوّن المسلمون في تلك المنطقة رأس جسر لقوات المسلمين. وأرسل طارق أحد قادته وهو: عبد الرحمن بن أبي عامر المعافري ففتح مدينة قرطاجنة الجزيرة، ومدينة الجزيرة الخضراء (٢). وانتصر طارق على جيش لذريق في معركة وادي لَكُّهْ الحاسمة. وفتح طارق بعد هذه المعركة شَذُونَة والمَدُور وقَرْمونة وإشبيلية وإسْتَجَة، وأرسل مغيثاً الرومي ففتح قرطُبة، وأرسل سرايا ففتحت مالَقَة وإِلبيرَة وغرناطة وكورة تُدْمِير وأُورْيُولة ومرسِيَة، ثم قصد هو طُليطلة ففتحها (٣). ٤ - الفتح المشترك بين موسى وطارق: أولاً: عبر موسى بن نصير إلى الأندلس في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (حزيران - تموز ٧١٢ م). ففتح موسى قبل لقائه بطارق شَذُونَة وقَرْمُونَة ورَعْواق وإشبيلية ومارِدَة ولَقَنْت وإسْتَجة. ومن الواضح أن هذه المدن كان قد فتحها لأول مرة طارق ابن زياد، فيبدو أنها قد انتقضت فأعاد موسى فتحها من جديد. ثانياً: وبعد لقاء موسى بطارق، فتحا معاً بالتعاون بينهما: سَرْقُسطَة

стр. 156

ووشْقَة ولارِدة وطَرمونَة وبرشلونة وجلِّيقِية وقشتالة القديمة. ثالثاً: وانقسم جيش المسلمين إلى قسمين: قسم بقيادة موسى، وقسم بقيادة طارق، ففتح طارق وحده أماية وأشرقة وليون، ثم عاد مع موسى إلى طليطلة في طريقهما إلى دمشق، حيث استدعاهما الخليفة. ٥ - فتح موسى بن نصير: أولاً: عبر موسى بن نصير إلى الأندلس في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين الهجرية (حزيران - تموز = يونيو - يوليو - ٧١٢ م)، ففتح موسى قبل لقاء طارق: شَذُونَة وقَرْمُونَة ورعْواق وإسْتَجَّة وإشبيليَة ومارِدَة ولَقَنت وطليطلة. ومن المعروف أن طارقاً سبق له فتح هذه المدن الأندلسية، فمن المحتمل أنها انتقضت، فأعاد موسى فتحها من جديد. ثانياً: وبعد لقاء موسى بطارق، فتحا معاً بالتعاون بينهما سَرقسطة ووشْقَة ولارِدَة وطَرَّكونَة وبرشلونة وجلِّيقِيَّة وقشتالة القديمة. ثالثاً: وافترق جيش المسلمين إلى قسمين: أحدهما بقيادة طارق، والآخر بقيادة موسى، ففتح موسى وحده: بلد الوليد وقلعة لُك وخيخون حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي، ثم عاد أدراجه إلى طليطلة مع طارق في طريقهما إلى دمشق، حيث استدعاهما الخليفة إلى دمشق. ٦ - فتح مغيث الرومي: بعد أن فتح طارق مدينة إسْتَجَّة بعث سرايا من جنده إلى عدة جهات، فبعث جيشاً بقيادة مغيث الرومي لفتح مدينة قرطبة، فاستطاع مغيث فتح المدينة دون مشقة كبيرة. ٧ - فتح عبد العزيز بن موسى بن نصير: وجه موسى بن نصير ابنيه عبد العزيز وعبد الأعلى إلى جنوبي شرقي

стр. 157

الأندلس، وكان هذا بعد استعادة فتح إشبيلية، فاستطاع عبد الأعلى بالتعاون مع أخيه عبد العزيز فتح مالَقَة وإلبيرة من جديد، ومن الواضح أن طارقاً سبق له فتحهما، فيبدو أنها انتقضتا، فاستعاد فتحهما عبد العزيز وأخوه من جديد. ثم توجه عبد العزيز إلى المنطقة الجنوبية الشرقية من البلاد، فالتقى بالقرب من أُوريُولة بالدوق تُدمِير حاكم هذه المقاطعة، فصالحه على مدن المقاطعة كلها وهي: أُوريولة وبَلانَة ولَقَنت ومولَة وبِسْقَرَة ولُورَقَة، فاستعاد المسلمون فتح مدن هذه المقاطعة صلحاً بموجب معاهدة (١). وفي الوقت الذي كان موسى وطارق يقومان بالفتح في شمالي الأندلس، كان عبد العزيز يقوم بفتح وسط البرتغال. فقد فتح يابُرَة وشَنْتَرين وقُلُمْرِيَّة، وقد فتح المدينتين الأخيرتين صلحاً. ٨ - فتح عبد الأعلى بن موسى بن نصير: وجه موسى بن نصير ولديه عبد الأعلى وعبد العزيز إلى جنوبي شرقي الأندلس، وكان هذا بعد استعادة فتح إشبيلية، فاستطاع عبد الأعلى بالتعاون مع أخيه عبد العزيز من فتح مالَقَة وإلْبَيرَة من جديد، ومن الواضح أن طارقاً سبق له فتح هاتين المدينتين لأول مرة، والظاهر أنها انتقضت، فاستعاد عبد الأعلى وعبد العزيز فتحهما من جديد. ٩ - فتح عبد الله بن موسى بن نصير: في سنة تسع وثمانين الهجرية (٧٠٨ م) وجه موسى بن نصير ابنه عبد الله لفتح جزيرتي مَيُورَقَة ومَنُورَقة، فاستطاع فتح هاتين الجزيرتين، وعاد إلى قواعدها في إفريقية سالماً غانماً (١).

стр. 158

١٠ - فتح السمح بن مالك الخولاني: فاتح شطر جنوبي فرنسة، وبخاصة مدينة أربونة.

стр. 159

عبرة الفتح ١ - التوقيت: كان عمر بن عبد العزيز ﵁، يفكر في إقفال المسلمين من الأندلس، إذ خشي تغلب العدو عليهم (١)، ولانقطاعهم من وراء البحر عن المسلمين (٢)، فقيل له: "إن المسلمين قد تكاثروا بها واستقرّوا"، فعدل عن مشروعه، "وقالوا: وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار، إلاّ أن يستنقذهم الله برحمته" (٣). ويبدو أن هذه الأمنية: "وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل"، سُجِّلت بعد حدوث ما حدث في الأندلس، أي بعد أن خسر المسلمون الأندلس، وخسروا كثيراً من أرواحهم وأملاكهم وكثيراً مما هو أغلى من الأرواح والأملاك. لقد عبر طارق بن زياد إلى الأندلس فاتحاً في اليوم الخامس من شهر رجب سنة اثنتين وتسعين الهجرية (نيسان - أبريل - ٧١١ م)، واستقر حكم المسلمين في الأندلس ثمانية قرون، منذ فتحها بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير في تلك السنة، حتى سقوط غرناطة سنة سبع وتسعين وثمانمائة الهجرية (١٤٩٢ م). وقد مرت الأندلس، خلال تلك القرون بعدة عهود، تقلبت خلالها بين الضعف والقوة، وهذه العهود بإيجاز هي: أ - عهد الفتح: الذي استمر نحو أربع سنين: ٩٢ - ٩٥ هـ (٧١١ - ٧١٤ م). ب - عهد الولاة: من سنة ٩٥ هـ-١٣٨ هـ (٧١٤ - ٧٥٥ م)، ويعتبر قسم

стр. 160

من المؤرخين عهد الفتح داخلاً في هذا العهد الذي ينتهي بقدوم عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس سنة ١٣٨ هـ (٧٥٥ م)، وقد حكم الأندلس في هذا العهد - الذي استمر نحو اثنتين وأربعين سنة - ١٩ والياً تقريباً، كانوا تابعين للخلافة في دمشق أو لولاية الشمال الإفريقي: (إفريقية والمغرب). ج - عهد الإمارة: من سنة ١٣٨ هـ-٣١٦ هـ (٧٥٥ - ٩٢٩ م)، ويبدأ من قدوم عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، حتى إعلان الخلافة من قبل عبد الرحمن الناصر (الثالث) سنة ٣١٦ هـ (٩٢٩ م)، وقد أسس عبد الرحمن الداخل إمارة مستقلة عن الخلافة العباسية، استمرت مائة وثمانٍ وسبعين سنة. د - عهد الخلافة: من سنة ٣١٦ هـ إلى سنة ٤٢٢ هـ (٩٢٩ - ١٠٠٩م)، ويبدأ منذ إعلان الخلافة حتى وفاة الحكم المستنصر سنة ٣٦٦ هـ (٩٧٦ م) أو حتى الدولة العامرية في نهاية القرن الرابع الهجري (بداية القرن الحادي عشر الميلادي)، فكان عمر الخلافة نحو قرن من الزمان. هـ - عهد الطوائف: من سنة ٤٠٠ هـ - ٤٨٤ هـ (١٠٠٩ - ١٠٩١م)، وهو عهد دول أو ملوك الطوائف، التي سبقت أعوام الفوضى، وقد استمر هذا العهد نحو ثلاثة أرباع القرن، حتى دخول الأندلس سلطان المرابطين. و- عهد المرابطين والموحِّدين: من سنة ٤٨٤ هـ - ٦٣٣ هـ (١٠٩١ - ١٢٣٥ م) حيث دخلت الأندلس أولاً في دولة المرابطين التي تنتهي في حوالى ٥٤١ هـ (١١٤٦ م) أي أقل من نصف قرن وبعد مدة انضوت الأندلس لحكم الموحدين قرابة قرن من الزمان، ينتهي في حوالي سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٥ م)، ويمكن اعتبارهما عهدين مستقلين (١). ز - مملكة غرناطة: من سنة ٦٣٥ هـ-٨٩٧ هـ (١٢٣٧ - ١٤٩٢ م) حيث قامت دولة بني الأحمر واستمرت ما يزيد على قرنين ونصف القرن، حتى

стр. 161

نهاية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ويمثل سقوطها نهاية الحكم الإسلامي للأندلس وذهاب السلطان السياسي منها. وبقي ملايين من المسلمين، ولكنهم تحملوا عشرات السنوات الكثير من الاضطهاد وعمليات الإفناء التي أتت عليهم في النهاية قتلاً وتشريداً وإذابة، وكادت تأتي على كل ما خلفه المسلمون بأجناسهم من إنتاج حضاري رفيع شمل مختلف الميادين (١). ٢ - أسباب النصر: وكان تعداد جيش طارق بن زياد الذي عبر على رأسه من الشمال الإفريقي إلى الأندلس فاتحاً هو سبعة آلاف مجاهد، وكان تعداد جيشه في المعركة الحاسمة التي خاضها، فانتصر على القوط الغربيين، وقتل ملك إسبانيا القوطي لذريق، اثنى عشر ألف مجاهد، تكبّدوا في معركتهم الحاسمة ثلاثة آلاف شهيد (٢)، أي ربع مجموع القوة الإسلامية الذين قدموا فاتحين. واندفاع طارق بهذا العدد القليل من المجاهدين لفتح بلاد واسعة بالتغلب على دولة القوط القائمة لم يكن نزهة من النزهات الترفيهية التي تخلو من الأخطار والمعضلات الجسام، وانتصار طارق على القوط وفتح الأندلس ليس لأن القوط كانوا ضعفاء في جيشهم وقيادتهم، كما يحاول أن يزعم المستشرقون ويتابعهم عليها المستغربون، فالعكس هو الصحيح، لأن تقاليد القوط العسكرية وشجاعتهم معروفة حتى اليوم، كما أن لذريق ملك الأندلس كان من أبرز قادتهم وأكثرهم كفاية كما يقرر ذلك مؤرخو الأسبان المحدثون، حتى جعلوا منه بطلاً قومياً، كما أن ضعف أمة من الأمم لا يتيح الفرصة لغيرها أن تكون قوية متماسكة بدون مسوِّغ، وما انتصر طارق ومن معه من المسلمين الفاتحين إلاّ لأنهم كانوا مجاهدين صادقين، قاتلوا قتال أهل العقيدة الراسخة

стр. 162

التي جعلت الجهاد فرضاً، وجعلت الشهيد حيّاً عند الله يرزق في الجنة في درجات رفيعة من درجاتها، كما أن طارق قائداً والمسلمين المجاهدين جنوداً، كانوا يشعرون أنهم ليسوا وحدهم في الميدان، بل هم في ضمان الإسلام ديناً، والمسلمين أمة، لا يمكن أن يتخلى عنهم المسلمون أبداً، فهم في ضمان المسلمين كافة وفي رعاية الله، لذلك كان إقدامهم فذاً عجيباً، وانتصاراتهم مذهلة مدهشة، بكل المقاييس العسكرية المعروفة. هذا هو سبب انتصار طارق ورجاله: انتصروا بالإسلام والمسلمين، فما ينبغي أن ننكر هذا السبب في دراستنا، مجاملة لأعداد العرب والمسلمين، أو خشية من أحد، لأن الحق أحق أن يُتَّبع وأن يُدوّن وأن يُصرّح به وأن يُدافع عنه. ومن المعلوم، أن الجيش الذي يقاتل في ساحة من ساحات العمليات، وهو يعلم علم اليقين، أن مصيره جماعات وأفراداً، لا يهم ذوي قرباهم من المسلمين فحسب، بل يهم المسلمين كافة في أرجاء الوطن الإسلامي، من الخليفة المسئول الأول في المسلمين، إلى أصغر فرد من أفراد المسلمين، وأن مصيره لا يغيب عن أذهان المسلمين كافةً، كما لا يغيب عن أذهان أهليهم الأقربين، هذا الجيش الذي يقاتل بضمان المسلمين جميعاً، ليس كالجيش الذي يقاتل بدون ضمان ولا تضامن، فالأول يقاتل بمعنويات عالية جداً تتناسب مع ضمان المسلمين له وتضامنهم معه، والثاني يقاتل بمعنويات منهارة، لأن مصيره ليس موضع اهتمام أحد من المسئولين وغير المسئولين، كالشجرة بدون جذور، أو كالبناء بدون أُسُس، تنهار الشجرة، وينهار البناء اليوم أو غداً، ولا يقاوم العواصف والهزّات. وكان للفتوحات الإسلامية بدون استثناء حافزان لا ثالث لهما: الأول هو الحافز الديني، المتمثل بالجهاد والدعوة إلى الله، فقد كانت الفتوحات فتوحات عقيدة. أما الحافز الثاني فهو حافز عسكري، وهو الدفاع عن البلاد المفتوحة، بفتح البلاد التي يكمن فيها أي خطر على مصير تلك البلاد، فكان

стр. 163

فتح الأندلس هو لحماية شمالي إفريقية من خطر يتهددها من الأندلس في الحاضر أو المستقبل، حتى لا تصبح قاعدة للعدو ينطلق منها لتهديد الشمال الإفريقي. وقد ثبتت سبتة أمام المسلمين بمعاونة من ملك الأندلس في حينه كما هو معروف (١). أما ما يردده المستشرقون ويصدقه المستغربون من أن: إسبانيا في السنوات الأخيرة التي سبقت الفتح العربي، عانت من الفوضى والارتباك في الدولة القوطية، نتيجة اغتصاب العرش من قبل لذريق، حيث واجه وضعاً داخلياً سيئاً للغاية، فقد كانت الدولة بحاجة ماسة إلى الأموال، للقضاء على الفتن وحركات التمرد المعادية، لا سيما في منطقة الباسك. لهذا فقد استولى لذريق على خزائن أسلافه في كنيستي سان بيدرو ( San Pedro) وسان بابلو ( San Pablo) في طليطلة، مما سبب استياء رجال الدين. ويمكن القول بشكل عام، إن إسبانيا، كانت تعاني من مشاكل سياسية واجتماعية كبيرة قُبيل مجيء العرب إليها، وإن جيشها لم يكن بحالة تسمح له بالوقوف أمام الجيش العربي الإسلامي (٢)، ومثل هذه التخرصات لا يصدقها أحد، لأن لذريق كان من أقوى قادة القوط وأقدرهم، وقد قضى على التخلف والانحلال باستيلائه على السلطة الضعيفة. كما أن ضعف دولة من الدول، لا تتيح الفرصة لغيرها من الدول أن تكون قوية وقادرة على الفتح. وما كان العرب ولا غيرهم من المسلمين كالبربر يطمعون بحماية أنفسهم من القوط قبل أن يصبح البربر مسلمين، فأصبحوا قوة قادرة بالإسلام وبروح الجهاد الذي بعثه الإسلام في نفوسهم. فإذا كان المستشرقون بروحهم الصليبية والصهيونية يهدفون إلى التقليل من شأن أثر الإسلام في الفتوح والنصر، لأسباب لا يجهلها أحد، فما

стр. 164

ينبغي للعربي المسلم أن يردد مزاعم الصليبيين والصهاينة، لأنها مزاعم مغرضة أولاً وخاطئة ثانياً وغير واقعية ثالثاً، ولا تستقيم مع مناهج البحث العلمي رابعاً وأخيراً، والعربي المسلم أحرى بالدفاع عن أمته بالحق، ولا نريد من أحد أن يدافع عن أمته بغير الحق. حضارة العرب والمسلمين في الأندلس ١ - الجذور: لا شك في أن كثيراً من الغربيين، يحملهم التعصب الأعمى على إخفاء محاسن حضارة العرب والمسلمين في الأندلس، ولاسيما الحضارة الكبرى التي أوقدوا مصابيحها لأول مرة في أوروبا. ولم يقتصروا على ذلك، بل أخذوا يختلقون سيئات وينسبونها إلى العرب سادتهم وأساتذتهم طوال ثمانية قرون. وسنلخص كتاب: (حضارة العرب في الأندلس) للعالم الشهير والمؤلف الكبير: جوزف ماك جب Joseph MacCabe الذي ألف (٢٥٠) كتاباً وألقى ألوفاً من المحاضرات، وسافر إلى شتى أنحاء العالم، وأتقن عشر لغات، حتى جعله الأمريكيون أكبر عالم في الدنيا، لأن المؤلف مسيحي وعالم، فلا يمكن أن يتهم بدينه ولا علمه. ذكر المؤلف المنصف: أن القرون الطوال التي اتسمت بها هذه المدنية المحمدية من البرتغال غرباً إلى السند شرقاً، قد وصلت في القرن الرابع عشر عند العرب إلى المستوى الذي كانت قد وصلته الحضارة اليونانية والرومانية إن لم نقل إنها فاقتها. فقد ارتقى النوع البشرى في إسبانيا خلال قرون عديدة إلى أعلى درجات الهناء والغبطة والسعادة والشغف العام بكسب العلوم والفنون، والإحسان إلى البؤساء، وترقية الفنون والتهذيب، ولعله إلى هذه الأيام، لم تطلع الشمس على أمة أسعد ولا أهنأ ولا أرغد عيشاً ولا أكثر رغبة في التمتع بالجمال والعلوم والأعمال المجيدة من عرب الأندلس. ولا مراء

стр. 165

في أن مؤرخينا - يقصد مؤرخي الغرب - لا يبسطون القول في هذا الفصل الذي هو أهم فصل في التاريخ لأسباب أربعة: أولها: إن حال إسبانيا وصقلية والشرق من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر، هي نقيض لحال أوروبا النصرانية والقذرة إلى حد لا يتصور. والثاني: مع أن العرب، ابتدأ رقيهم من درجة متوحِّشة مثل القوط والفندال، فقد شجعهم بقايا مدنية اليونان والفرس على أن يشيدوا مدنية زاهية في أقل من قرنين، بينما سكان أوروبا تحت سلطان (البابوات) مضت عليهم سبعة قرون قبل أن يصلوا إلى درجة هي أدنى بكثير من مستوى العرب والمسلمين. والثالث: أن هؤلاء العرب الذين شيدوا هذه الحضارة الزاهرة، كانوا من المتسامحين في الدين، ولم يكونوا من المتعصبين. والرابع: أن حضارة أولئك العرب، كانت مقدمة للتجديد والتقدم الذي نحن فيه اليوم. إلاّ أنني أختصر القول هنا، فأقول: إن هذه الحضارة هدمها المتعصبون من نصارى إسبانيا في الأندلس، ثم يقول: لقد مضى ألف سنة إلا قليلاً، على الناس، بعد اندراس مدنية العرب في الأندلس، قبل أن يوجد كتاب يستحق إضاعة الوقت في قراءته، وبعبارة أخرى، كانت للعرب في زمان مجدهم كتب قيمة، فلما مضوا وأُحرق أكثر تصانيفهم، بقي للناس ألف سنة تقريباً، لا يجدون كتاباً يستحق أن يُقرأ، وقد قال ستوارت في كتابه: (تاريخ الآداب العربية): كان في الأندلس ألفا ألف مصنّف، ولم يصلنا من كتبهم إلاّ شيء قليل. وقال المؤلف في كتابه: (الأخلاق): كان في المملكة الإسلامية طوائف عشرين ديناً منقسمين إلى مائة مذهب، وكلهم كانوا يعيشون بسلام وتسامح. والخراج القليل الذي كان يفرض على غير المسلمين، كان في الحقيقة مدداً لبيت المال، ولم يكن يُقصد به التعالي عليهم وإهانتهم. والخلفاء كانوا يعلمون كيف كان النصارى يُعاملون المنحرفين من الدين في أوروبا، فحقّ لهم. أن يفخروا بأنهم أفضل وأعدل ملوك الأرض. وقال في الجزء نفسه بصدد البحث في تاريخ المسلمين بمصر: وبعد بضع

стр. 166

سنوات من فتح المسلمين للإسكندرية، ثار أهلها وشقّوا عصا الطاعة، فاضطر العرب إلى هدم جانب من تلك البلدة الجميلة، ولكن حتى مؤرخي النصارى الحاضرين، يعترفون بأنهم لم يقصدوا بذلك تخريباً وانتقاماً، وإنما ألجأهم إليه المحافظة على البلدة. أما الرواية القائلة بأن العرب وجدوا من بقايا خزانة الاسكندرية كتباً كثيرة، فأخذوا يوقدون بها أتاتين الحمامات مدة ستة أشهر، فالمؤرخون اليوم يرون ذلك حديث خرافة. ولم توجد هذه الرواية في كلام أي مؤرخ إلاّ بعد مضي ستة قرون من فتح مصر. وقد بحث بتلر ( A.J. Butler) بحثاً دقيقاً في هذه المسألة، في كتابه: فتح العرب لمصر، وختم كلامه بأن هذه الرواية أسطورة حقيرة، وليس لها أساس تاريخي البتّة. وذكر ستانلي بول هذا الكلام نفسه في الجزء السادس من كتاب: تاريخ مصر، تأليف فليندرس بتري ( Flinders Petrie) : وليس هناك بيِّنة على أنه كانت بالإسكندرية خزانة كتب عمومية في ذلك الزمان، والظاهر أن النصارى كانوا قد أحرقوا جميع الكتب وأتلفوا ما بقي منها تدريجياً في مدة طويلة قبل ذلك بزمان. وقال المؤلف ماك جب: لا أعتقد أن الرق كان من سيئات العرب، لأن عبيدهم كانوا أسعد حظّاً من معظم سكان أوروبا. وإذا علمنا أن النصرانية لبثت ثمانية أو تسعة قرون تذمّ الرق، ثم باركت على استرقاق السود، فكيف تنتظر من العرب أن يبطلوا الرق في ثلث تلك المدة؟ وقال المؤلف: ولست الآن بصدد التحقيق في آداب العرب في النكاح، ولكني من حيث أنا مؤرخ في الأخلاق، أستنكر ما يقوله بعض مَن لم يحقق الأمر من عامة المؤلفين، فذكروا أن العرب كانت أخلاقهم في تلك الناحية فاسدة، وأنهم كانوا فاسدين هادمين لصلاح المجتمع، فإن الحقائق التاريخية تكذِّب هذا القول، وكل كتاب معتبر في الحضارة العربية، بل حتى الفصول القليلة من تاريخ القرون الوسطى المطبوع في كمبرج، تشهد أن العرب كانوا يعطون الحياة حقّها، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، من أوّل التاريخ إلى٣٣٣٣٣٣

стр. 167

الآن. وإذ قد عرفت أخلاق العرب، واعتدالهم في أمور النكاح، فدونك لمحة تبين لك أخلاق رجال الكنيسة، فضلاً عن غيرهم من الأوروبيين في ذلك الزمان: إن عمل قوم لوط كان شائعاً في ذلك الزمان في جميع أنحاء أوروبة. وفي أواسط القرن الحادي عشر، رأى الكردينال بطرس داميان أن اللِّواط شائع بين القسيسين والرهبان في إيطاليا، وبلغ الأمر في أنه ألف كتاباً في ذلك وأرسله إلى البابا (ليو التاسع) والتمس منه أن يتدارك ذلك الأمر، ويأخذ في قطع ذرائعه وأسبابه، يستغيث به أن يعاقب كل راهب أو قسيس، يثبت عليه اللواط، بحلق رأسه والبصاق في وجهه وحبسه في غرفة مظلمة، ولما وصل كتابه إلى البابا، تقبله وأظهر الارتياح به، إلاّ أنه رأى ألاّ يبلغ العقاب بأولئك الفسّاق إلى الحد الذي أقترحه الكردينال المذكور، ولكن بما هو أخف وأليق بالرحمة والشفقة، فبقيت تلك الفاحشة جارية كما كانت، واسم كتاب داميان الذي أهداه إلى البابا: (عمورية) وهو اسم قرية قوم لوط. وفي كتاب داميان ما هو أدهى وأمرّ، مما يدل على تمام الهمجية، وهو الزنا بالمحارم، وأنه كان شائعاً هناك أيضاً. قال المؤلف: لقد أطلقت لفظ: (العصور المظلمة) كسائر المؤلفين في كتابي هذا، على أكثر عصور الممالك النصرانية انحطاطاً على العموم، وخصوصاً القرن العاشر المسيحي. تنصّرت الممالك الأوروبية قبل ذلك بأربعة قرون أو بخمسة قرون أو ستة قرون تقريباً مضت من يوم تغلب (البابوات) والأساقفة على إدارة الملوك، وحملوهم على إبادة كل مصادر الإلهام يخالفهم أو يباريهم، فأغلقوا المدارس والمعابد، وقضوا على العلم والأدب، وإذا استثنينا بعض المواضع في أوروبة كالبندقية، إذ كان فيها بقية تافهة إصلاحية من علم اليونان تخفِّف من شرّهم وهمجيتهم، فإن أوروبا كلها كانت في ثباب وخراب اقتصادياً واجتماعياً وعقلياً. ومن ذلك الزمان أطلق الأساقفة والقسيسون والرهبان والراهبات الأعنّة في الدعارة والشهوات البهيمية، ولم يكونوا في ذلك الزمان يتسترون حتى بجلباب النفاق. ولو أن

стр. 168

غنياً من أصحاب الملايين من أهل هذا العصر كان في ذلك الزمان، لقدر أن يشتري مملكة بأسرها، وكان تسعة وتسعون بالمائة خدماً يعاملون بأقسى ما يعامل به العبيد، ولم يكن ولا واحد في المائة من الرجال، ولا واحدة بالألف من النساء، يقدر أن يقرأ، وكان الضعيف مضطهداً مقهوراً مسحوقاً تحت الأقدام مسحوقاً في الطين والدم، بل حتى القوي كان مهدداً بالأوبئة الوافدة والسيوف اللامعة على الدوام والنجوم ذوات الأذناب في السماء وجنود العفاريت الهائلة في الهواء. كذلك إن أردت أن تعرف أفكار النصرانية الاجتماعية، فادرس القرن العاشر، فلا زخارف أقوال الواعظين، ولا كذب المعتذرين، ولا الإذعان السياسي من المؤرخين، يقدر أن يخفى عن ذوي الألباب عظيم تبعة الكنيسة، ولاسيما البابوية، في ذلك الزمان، الذي بلغ فيه الانحطاط إلى دركة لا نظير لها. وإنه لفصل من أشد فصول البشرية شقاءً وحزناً من الفصول التي استشهدت فيها الإنسانية. لقد حطّم بول من ناحية وأوغسطين من ناحية أخرى مدنية الإنسان، فهل هذا هو الذي سميناه - بعيدين عن اتِّباع الهوى - مدنية الله؟ لقد فازا في جميع بلاد أوروبا إلاّ زاوية واحدة، ألا وهي جزيرة إيبريا (الأندلس) التي نسميها اليوم إسبانيا والبرتغال، فقد أزيل الصليب من تلك الأرض في ابتداء القرن الثامن، وحكمها المسلمون. أجل قد بلغت رايات العرب المطرّزة المحمولة مع متن القرآن ظافرة تجتاح جبال (البرت) وتتألق في شمس جنوبي فرنسة، وصارت الممالك النصرانية مهددة، والمدرسون الأغمار - يقول المؤلف النصراني - في مدارسنا العالية، لا يزالون يقولون للأطفال الأغرار، ناقلين من مختصرات كتيبات التاريخ غير النزيهة، ويطنبون في مدح (شارل مارتل) الظافر حين لقي العرب في سهول فرنسة، وصدّهم عنها وحفظ العالم من المدنية. إذ لا يوجد في الدنيا مدرس في جامعة أو مدرسة، يتجرأ أن يقول لتلامذته

стр. 169

ما يعرفه كل مؤرخ، أن العرب أقاموا حضارة من أعظم الحضارات العالمية، وأن شارل مارتل وجنوده كانوا لصوصاً متوحشين برابرة، وأن عرب الأندلس لو نجحوا في فتح أوروبا، وأقاموا فيها قرنين، وأقاموا فيها مدنيتهم كما فعلوا بإسبانيا، لكنّا الآن متقدمين خمسة قرون أكثر مما نحن عليه اليوم، ولا يستطيع عادٌّ أن يعدّ مقدار الدماء والدموع والفاقة والعدوان التي سبَّبها ذلك الظفر المبين، الذي ناله شارل مارتل في سهول فرنسة الجنوبية. وربما تتعجب إذا قيل لك: إنه يجب أن يضم درس حضارة العرب في الأندلس إلى دروس الدين ونشوء الإنسان وارتقائه، وسينقضي عجبك سريعاً جداً متى علمت أنه يثمر لنا درسين حيويين مهمين الأول: إنه من الباطل، أن يقال في أي بقعة من بقاع أوروبا، إنها لم تقدر أن تعود إلى المدنية بسرعة، لأن الدول الرومانية قد سحقها الغزاة البرابرة من أهل الشمال تحت أقدامهم: والثاني، إن البعث الحقيقي للحضارة الأوروبية لا علاقة له بدين النصرانية، بل هو عدوّها المبين. قبل سنوات وقفت على جسر قرطبة، وفكرت في ذلك المنظر المحزن للهيكل العظمي لقرطبة التي أصبحت قرية في سكانها البائسين وشوارعها الضيقة القذرة ونهرها القذر. سكانها أقل من مائة ألف نفس، في بيوت بالية وفقر شديد، بينما كانت قبل ألف سنة أعظم مدينة في الأرض، يقارب سكانها مليوناً من النفوس السعيدة المغتبطة، وكانت لهم ثروة يمكن أن تشتري بها الممالك الأوروبية النصرانية مراراً، مع أميال معمورة بقصور المرمر القيمة، تلمع بين الحدائق البهيجة، ممتدة أمام ذلك النهر. وكانت فيها العلوم والفنون التي جذبت الناس إليها من كل ناحية من نواحي الدنيا، حيث كان العلم والفن يقدران حق قدرهما. كان الرومان قد مدَّنوا إسبانيا وبريطانيا وفرنسة وجنوبي ألمانيا وإيطاليا، أولئك الذين كانوا محرومين من الوحي، شهوانيين، فجّاراً، ماديين، جعلوا من أبنائها الأولين أمة مهذّبة أرقى - بلا حدود - من أيّ أمة من أهل الممالك

стр. 170

النصرانية بعد ألف سنة، وأنت إلى الآن تمشي في طرقهم المعبّدة وتعبر على قناطرهم في إسبانيا، وهذه المدنية الرومانية الإسبانية، قد سحقتها القبائل التيوتونية تحت أقدامها، مثلما سحقت فرنسة وأشد مما صنعت بإيطاليا، لقد زلزلها الفندال المتوحشون، وحكمها القوط الغربيون وسكنوها، وكما يقول سكوت (ميخائيل سكوت Michal Skot) : " لم تترق أمة قط تحت حكم الرئاسة الدينية، وأن تقوى القسيسين الروحية، قد قضى عليها تعطشهم الشديد إلى التسلط والاستبداد في الحكم على البلاد وأهلها (الفصل الأول ص ٣٦٣) ". وستانلي لين بول ( Stanly Lane Poole) لم يجد بداً أن يعترف بمثل ذلك في كتابه: العرب في الأندلس (ص ٧٠) فقال: "لاشك في أن القوط كانوا متعبدين، إلاّ أنهم كانوا يرون أن عبادتهم تكفِّر ذنوبهم، وكانوا في الفسق مثل أشراف الرومان الذين سبقوهم. وحتى القسيسون الذين كان يعظون ويحضون الناس على الأخوة المسيحية - حين صاروا أغنياء، وملكوا الضياع - اتبعوا السياسة المأثورة في الجور، فصاروا يعاملون عبيدهم وخدمهم أسوأ معاملة، كما كان يعمل أشراف الرومان قبلهم". وهذه صورة إسبانيا في القرنين السابع والثامن. ولما استوطن القوط الغربيون إسبانيا في القرن الخامس، أظهروا على الفور، أن قوة التيوتونية البربرية إذا تزوجت بثقافة الرومان، تتولد منهما مدنية جديدة، وذلك يبطل الرواية المزعومة: أن النصرانية لأجل أن تمدِّن البرابرة يلزمها زمان طويل. والذي يبطل الشطر الثاني من تلك الرواية، وهي أن النصرانية كانت قوة ممدِّنة، هو أن القوط الغربيين وكنيستهم جميعاً سقطوا إلى حضيض الجهل والرذائل والجور كسائر بلاد أوروبا خلال قرنين. والآن، دعنا ننظر من أين جاءت القوة الممدِّنة حقيقة. كانت بلاد العرب بكراً لم تُفتح ولم تمدّن قط، حتى أواخر القرن السابع، فجاء محمد ﵊، فأوقد نيران الحماسة الدينية في بلاد العرب بدينه الجديد، فبعث في العرب نشاطاً عجيباً، فانطلقوا يفتحون البلدان، ويدخلون الناس في

стр. 171

دينهم في أرجاء العالم. وفي وقت قصير جداً، استولوا على المدنيتين القديمتين الفارسية والمصرية، ولم يمض عليهم زمن طويل، حتى أنشأوا مدنية عربية إسلامية. وكما قال سكوت: "لم يكن بين الهمجية والجهالة الصحراوية وبين الاستقرار والثقافة العقلية في عواصم الأمويين والعباسيين إلاّ أقل من مائة سنة. وكان العرب في الخشونة وعدم التهذيب الثقافي مثل التيوتونيين، ولكنهم لما استولوا على المدنية القديمة صاروا متمدنين تماماً خلال قرن واحد. ولكن ينبغي لنا أولاً أن نعلم، كيف صار هؤلاء العرب المحمديون (موراً)، ودخلوا أوروبا، بعدما فتح العرب مصر، كانوا لا يزالون متعطشين إلى الفتح، فولّوا وجوههم تارة أخرى شطر الغرب، وواجه أبناء العرب الصحراء فلم ترعهم ولم يعبثوا بها، ولكن البحر أفزعهم، وقد سمعوا أن وراء الصحراء أرضاً خصبة زكية التربة، تونس والجزائر ومراكش، التي عمرها القرطاجيون والرومان وجعلوها غنية، ولذلك توجّه أحد القواد العظام في (٢٠٠٠٠) من الخيل والركاب سنة ٦٤٦ م وتوغلوا في مجاهل الصحاري، فاجتازوا مسافة ألف ميل من الأرض على شاطئ إفريقية الشمالية، وفي نحو نصف قرن، حكم العرب الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض كله، وطمحوا بأبصارهم بنهمة وشره إلى أراضي الشاطئ الشمالي الغنية. واستوطن بعضهم مع المور -البربر السود- كما يزعمون، والحق أن البربر بيض بياضاً قاتماً وليسوا سوداً. في الشاطئ المقابل لجبل طارق، ولا شك أنهم تزوجوا منهم، فلذلك صاروا يعرفون عند الأوروبيين بالمور، والقلعة الحصينة التي كانت في الشاطئ الأوروبي حركت رغبتهم، وكانت بيد قائد يوناني يدعى يوليان، تحت حكم إمبراطور الرومان إسمياً. وفي سنة ٧٠٩ م أو ٧١٠ م صار يوليان حليفاً للمور. ويحكى أنه أرسل ابنته إلى قصر ملك القوط الغربيين فاعتدى الملك على عفافها، فاستشاط لها يوليان، وعزم على الانتقام، فدعا أمير العرب إلى العبور إلى الشاطئ الأوروبي وفتح إسبانيا، ووصف له الكنوز والأموال المدهشة التي في قصر ملك القوط وكنيستهم

стр. 172

وصفاً شائقاً، وأوضح له أن بلاد إسبانيا في انحطاط فلا تحتاج فتحها إلاّ إلى قليل من الجنود والعتاد. وفي سنة ٧١٠ م بعد بعثة استطلاعية، جهّز العرب قائداً بربرياً ومعه (٧٠٠٠) جندي، ثم أمدَّه بخمسة آلاف فارس من البربر، وقبل انتهاء سنة ٧١١ م، تم للعرب فتح شبه جزيرة إسبانيا، وانحصر بقية الجنود القوطيين والأشراف والقسيسين في بقعة جبلية صغيرة على خليج بسكاي، وصعد العرب على جبال البرات، وبنوا عليها سلسلة من القلاع ليحصنوا أنفسهم من سكان فرنسة، الذين كانوا في نظرهم غريبي الأطوار متوحشين، وبمرور الزمن، فتحوا جنوبي فرنسة. ولما وصلت أخبار هذه الفتوح وما فيها من الغنائم والأراضي الخصبة إلى الشرق، جذبت خلقاً كثيراً من العرب والبربر للالتحاق بإخوانهم في الغرب. وبعث الخليفة من دمشق والياً استعمله على بلاد الأندلس، ومعه أربعمائة من أشراف العرب، فتجدد في العرب التعطّش إلى الازدياد من الفتح. وفي وقت من الأوقات، كان في بلاد فرنسة مائة ألف جندي من العرب، يجوسون خلال ديارها ويدوِّخون أهلها. وفي ذلك الوقت كانوا قد بلغوا درجة عالية من التمدن والرقي. وقد رحّب أهل جنوبي فرنسة بهؤلاء الفاتحين، ورأوا فيهم رُوماً جُدداً بالنسبة إلى الفرنج والجرمانيين الشماليين المتوحشين. ولا حاجة للإطناب في إخفاق العرب وعدم تقدمهم في أوروبا، الذي يُسمَّى في أكثر المدارس الغربية انتصاراً للتمدن والنصرانية، وهذه تسمية خاطئة مائة في المائة. وبأي شيءٍ عاد إلى أوروبا من وبال، بل الأجدر بنا أن ننظر في الخطة التي سار العرب عليها في إسبانيا نفسها، حتى أوصلوها من الرقي إلى درجة جعلت بقية أوروبا بالنسبة إليها همجية متوحشة، ولكن قبل أن نتجاوز هذا المقام، ينبغي أن تعرف أن حضارة العرب وتهذيبهم تركا أثراً خالداً في أهل جنوبي فرنسة، فبقوا قروناً طويلاً متصلين بالعرب من الوجهة الثقافية. فثنايا جبال البرانس كانت أول مصدر من مصادر الإلهام لأوروبا البربرية. ولم يلبث أهل جنوبي فرنسة أن

стр. 173

صاروا في بلهنية العيش والرفاهية، وفشا فيهم الإلحاد والانحراف عن الدين، وليست حرارة الشمس فقط هي التي جعلت سكان أرض جنوبي فرنسة المثل الأعلى في جودة الغناء والطرب. ونعود إلى الأندلس، فنقول: إن الخليفة في دمشق، هو الذي يولي الولاة والحكام في الأندلس، وكان هؤلاء الولاة من شعب قد سار شوطاً بعيداً في المدنية، وكانوا دوماً ينفذون أوامر الخليفة، فشكّلوا على الفور الدوائر المدنية والسياسية والنظام الزراعي. ولم يجد العرب إغراقاً فيما سمعوه من عظمة الكنوز الملكية والكنسية، فوجدوا في طليطلة قاعدة ملك القوط الغربيين مقداراً هائلاً من الذهب واللؤلؤ. على أنه من المحقق أنهم إلى ذلك الوقت لم يقعوا على الكنوز العظيمة التي كانت مخبّأة تحت الأرض، حيث دفنها القسيسون عند فرارهم. هذا وقد أخذ الفارون الأولون -ومنهم الأسقف- معهم كثير من الأموال المنقولة، ويروى أن جنود العرب، وجدوا طائفة من رجال الكنيسة فارين، ووجدوا عندهم كرسياً يوضع عليه الكتاب المقدس، وكان ذلك الكرسي من الذهب الصلب الخالص مرصعاً بالياقوت الزعفراني والياقوت الأحمر والزمرد واللؤلؤ يساوي نصف مليون دولار، مع أن النقود في ذلك الوقت كانت تساوي عشرة أضعاف ما تساويه اليوم. لكن مدنية العرب في الأندلس التي بلغت أوج الرقي، إنما أُسست على الحالة الإقتصادية السليمة في تلك البلاد نفسها. ولا يتسع المقام هنا لذكر تاريخ العرب، فكتاب (س. ب. سكوت) المرسوم: "تاريخ المملكة (الإمبراطورية) العربية في أوروبا ١٩٠٤ م "، يخبرنا بما شاء من ذلك في دقة وانسجام مع ذكر الأدلة، ولكنه كبير في ثلاث مجلدات ضخام، فلم تزل الحاجة إلى تأليف كتاب مناسب في الحجم، واف في بيان عظمة العرب التاريخية، وكتاب (ستانلي لين بول)، المسمى: "العرب في إسبانيا ١٨٩٥" في سلسلة: (أخبار الأمم) تأليف قوي الحجة جيد، ولكنه على طريقة المؤرخين في ذكر ملاحم الملوك ونوادرهم. وكتاب شارلوت نونج: "أخبار

стр. 174

النصارى والعرب في إسبانيا - ١٨٧٩"، هو أيضاً تأليفٌ نفيس بأسلوب عالٍ، يدلّنا على أن المرأة النصرانية حتى هي أيضاً تأثرت بما كان للعرب من مدنية وحضارة. وكتاب واشنطون رفنج الذي أدى خدمة جليلة في استمالة الناس إلى هذا العنصر الحي في نشوء المدنية يُقرأ الآن، وهو معدود من أحسن المصادر الأدبية. وأما فنونهم وما بقي من مدنيتهم، فَكُتُبُ كالفرت الموسومة: " آثار العرب في إسبانيا " وكتاب: " الحمراء "، وكتاب: " قرطبة "، وكتاب: "طليطلة"، وكتاب: "إشبيلية" وغيرها أفضل وأنفع ما كتب في ذلك. وكتاب دوزي: "الإسلام الإسباني"، نشر بالإنجليزية عام ١٩١٣ م، ومع أنه من أوائل ما نشر من الكتب الحديثة، فلا تزال قيمته عند الناس عظيمة، وهو مع ذلك كتاب كبير، ولعل تأليف: لين بول (العرب في إسبانيا) وتأليف كالفرت: (آثار العرب) أسهل تناولاً وأكثر مناسبة، وأوصي بقراءتهما من يريد أكثر مما تسع هذه النبذة الصغيرة. ولست بصدد ما يسمى: التاريخ، إذ حدثت في مدة من الزمن اضطرابات في الأمور، وكثر عزل الولاة وتبديلهم بغيرهم. واشتد فيها التحاسد والتنافس، وفسدت سيرة الخلافة في دمشق، فكثر تدخلها في أمور الولاة، فوقعت فتن عظيمة بين البربر والعرب الذين جنوا ثمرات الفتح، وكانت تقع غزوات بين قبائل العرب الذين جاءوا من مختلف البلدان، وآخر الأمر ظهر هناك شاب عربي من ذرية الخلفاء سنة (٧٥٦ م)، فقبض على زمام الأمور، واتخذ قرطبة عاصمة له، وجعل نفسه أميراً وكان في الحقيقة ملكاً لمملكة العرب في إسبانيا، وهذا الأمير والأمراء الثلاثة الذين جاءوا من بعده، هم الذين أسسوا هذه المدنية التي نحن بصدد شرحها. ٢ - العرب في أوج مجدهم: عظمة غرناطة التي هي أشهر مدن العرب في الأندلس اليوم، يرجع عهدها إلى زمان متأخر جداً، وسنبحث الآن في مدنية العرب التي كانت في أواسط

стр. 175

القرن العاشر الميلادي، وكانت أوروبا في ذلك الزمان، قد بلغت الدرك الأسفل في الانحطاط. وكانت روما متلوِّثة برجس الفساد، وكانت الجهود العظيمة التي بذلها شارلمان لإصلاح قسم كبير من القارة المذكورة قد خابت، وكانت فرنسة نهباً مقسماً لغارات قبائل الشمال، كما كانت إنكلترا كذلك تعاني من غارات الدانماركيين عليها، وكان القسيسون في كل بلد يعيثون فساداً، ولا يبالون مثقال ذرة بما نسميه: مدنية. أما إسبانيا، فكانت بخلاف ذلك، كانت مزدهرة بالعمران، وكانت حديقة تفوق الوصف في النتاج، وكان فيها تسعة من أمهات المدن، ثلاثة آلاف مدينة متوسطة، وعشرات الألوف من القرى. وكان على شاطئ نهر الوادي الكبير فقط إثنا عشر ألف قرية. ومع أن السير في ذلك الزمن لم يكن سريعاً، فقد قال المؤرخون: كان السائر في بلاد الأندلس لا يسير مسافة يوم، إلا ويمرّ على ثلاث مدن، وأما القرى فكانت لا تنقطع تقريباً، وكانت على أحسن حال من العمران، ومدينة قرطبة عاصمة ملكهم، كان عدد سكانها لا يقل عن مليون نسمة. وإشبيلية في وقت من الأوقات تحوي خمسمائة ألف نفس، ومدينة المرية خمسمائة ألف نفس أيضاً، وكان في غرناطة أربعمائة وخمسة وأربعون ألفاً، وفي مالقة ثلاثمائة ألف نفس، وفي بلنسية مائة وخمسة وعشرون، وفي طليطلة مائتا ألف. ويقدر مجموع سكان الأندلس بثلاثين مليوناً، وزيادة السكان بهذا القدر العجيب، هي في حدّ ذاتها دليل على الدرجة العالية التي وصل القوم إليها من المدنيّة. وقد علم من الاستقراء، أن السكان إذا كانت صحتهم جيدة، وتدبير الصحة سائراً على أحسن حال، فإن عددهم يضاعف في ربع قرن. وهذا يدلّك على ما عمل العرب من الأعمال الجليلة، وتبين لك كيف أفسد الإسبانيون تلك الأعمال من بعد ونقضوها. وإذا علمت أن سكان إسبانيا في القرن العاشر بلغوا ثلاثين مليوناً، فيجب أن يبلغ اليوم مئات الملايين، فاعلم أنه اليوم لا يزيد عن اثنين وعشرين مليوناً. فرقم ثلاثين مليونا في القرن

стр. 176

العاشر، برهان ساطع على ما كان للعرب من العلم والحكمة. وخذ مثلاً انكلترا، فإن سكانها كانوا إذ ذاك مليونين أو ثلاثة. وكانت العناية بترقية الزراعة أساساً لعمران الأندلس. والناس الذين لم يروا أسبانيا قط، يرون فيها رأياً مبهماً غامضاً، أغلبه مأخوذ من الروايات ورقوق الخَيَالة: أنها أرض خصب، خضرة نضيرة وازدهار دائم، وغناء وعشق لا ينتهيان. والأندلس، هي الناحية التي استوطنها العرب، إذ لم يهتموا كثيراً بالناحية الشمالية - لها صيت ذائع في ابتهاج القلوب وقرّة العيون والهوى العذري والورد وآلات الطرب، وهذه شهرة لا تستحقها. وأنا أحب الإسبانيين، فيمن أحبه من الأقوام الذين سحت في بلادهم، ولكن الطرب ليس من شمائلهم، وليست الأندلس أرض عشق وأزهار وغناء، وإسبانيا اليوم في بؤس وشقاء، مصابة بداء القسيسين، تحكم حكماً مرذولا، ترى في أرياضها في أكثر أيام السنة زربيّة محترقة رقيقة من النبات، والفلاحون المجهودون بكل مشقة يحصلون معيشة ضنكاً من الأرض، ومتى زالت منها الملكية والكنيسة واستبداد الجيش، يجدد فيها نظام السقي وتصير فردوساً مرة أخرى. أما اليوم، فهي محرومة من رأس المال والأعمال، ولا ريب أنها كانت فردوساً في القرن العاشر، حتى نتجت مثل ذلك النمو في السكان، وكان لأهلها ذكاء، فساعدوا به الطبيعة، وكانت الأنهار الصناعية والجداول، توزّع الماء وتروي الأرض، حيث الفلاح الإسباني المسكين اليوم، يرى المطر ينزل في رءوس الجبال، وتسيل به الأودية، وتجري رأساً إلى البحر. والقيعان الواسعة العقيمة اليوم، كانت في زمن العرب حدائق غلباً، كانت تؤتي غلاّت ذهبية، وحتى سفوح الجبال، قد سًطِّحت وألحقت بالأرض الزراعية. وفي كثير من البقاع، كانت الأرض تعطي أربع غلاّت مختلفة في سنة واحدة. وكانت الأقوات كثيرة ورخيصة جداً، وأضاف العرب جميع الوسائل الشرقية إلى الوسائل الرومانية في إسبانيا، فكان الآس يفوح بريحه العطرية، مقرونة بريح الورد والأترج،

стр. 177

والنخل باسقات في سطورها، تواجه القبة الزرقاء، وكانت جنّات، جنّات لا يوجد مثلها اليوم إلاّ في قليل من البلدان، وعلى هذا الأساس، قام هناك نظام تجاري صناعي في غاية الإتقان. ولا أريد أن أذكر تفاصيل هذا الأمر، وإنما أريد أن أذكّر بالسيوف الفولاذيّة التي تصنع في طليطلة، والأدوات الجلدية التي كانت تصنع في قرطبة التي كانت فيها أفضل الطرق في الدنيا، وكيف كان الأسطول التجاري المغربي يطوف البحار في طلب النوادر والتحف الرفاهية لمئات الألوف من الناس، وكان العرب رومانسيين جداً. فإنهم جلبوا العلماء والمهرة في الصناعة والنحّاسين وتجار الجواري الراقصات، وتجار الحرير، وتجار الجواهر من جميع أرجاء الأرض. ولم يكن الخراج مجحفاً، وكان في الغالب يتألف من عُشر الغلاّت وعُشر ما يخرج من المعادن ومكاسب الصناع والتجار. ولكن كان الدخل مدهشاً، وكان دخل خليفة ذلك الوقت وهو عبد الرحمن الثالث - على ما قيل أكثر من (٠٠٠. ٠٠٠. ٣٠) دولار سنوياً. ولا ننسى أن النقود كانت لها قيمة في ذلك الزمان، بحيث يمكن أن يُشترى بها أضعاف ما يُشترى بها الآن. وسنرى وصف هذه الثروة أوضح في الفصل التالي. وكانت الثروة متساوية عند الأعيان والتجار، وقد قرأنا أن وزير عبد الرحمن الثالث أهدى إلى ملكه هدية وهي ضيعة، غاباتها تحتوي على عشرين ألف شجرة، وستين جارية حسناء، ومائة من الجياد الصافنات، والبغال الفارهات، وثمانمائة لأْمَة (١) من أجود العتاد، وما يساوي مليون دولار من الذهب وغيره من النفائس. وقد قدَّر المؤلفون العرب الذين يختلفون عن جهلة أوروبا الرهبانيين جدّ الاختلاف هذه الهدية بـ (٠٠٠، ٠٠٠، ٥) دولار، وسنرى في الفصل الآتي أكثر مما رأينا، فهناك نرى من الترف الذي أوجدته تلك المدنية شيئاً يدهش العقول، وعلى ما كانت عليه ملوك العرب من البذخ والترف، فإنهم لم يهملوا المقاصد الخيرية والمصالح

стр. 178

العامة، بل أنفقوا عليها من خزائنهم الواسعة إنفاقاً لم بفعل مثله من ملوك النصارى إلاّ قليل، وسأعقد فصلاً أذكر فيه أعمال ملوك العرب في العلم والأدب والفلسفة. هنا أشير إلى أن الملوك الذين أنشأوا مدنية الأندلس (من سنة ٧٥٦ م إلى سنة ٩٦١ م) كانوا رحماء كرماء ومحبين أوفياء للعلم وأهله، وكانوا أكثر الناس سخاء وجوداً في مناصرة الشريعة والتعليم، وهم أنفسهم في كثير من الأحيان لم يكونوا قاصرين في الأدب. فالخليفة الحكم الثاني الذي كان ملوك النصارى في زمانه لا يقدرون أن يكتبوا أسماءهم إلاّ قليل منهم كانت خزائن كتبه تحتوي على نصف مليون كتاب، ويروى أنه كان ملماً بما تضمنته. وكان الخلفاء ينفقون على كثير من المدارس من مالهم الخاص، وكان سخاؤهم بأموالهم الخاصة للمصالح العامة مثل سخائهم لها من بيت المال، وكانوا يرقبون الطرق المعبدة والجسور المتينة التي عملها الرومان بعناية تامة، فيصلحون ما فسد منها، فكان للبلاد نظام للمواصلات يليق بصناعتها وتجارتها. وعجلات السيارات الثقيلة اليوم، كانت تسير في طليطلة وقرطبة على الجسور العظيمة التي بناها الروم وجدّدها العرب، وجدّدوا القنوات وأنشئوا قنوات جديدة لضمانة الماء الكافي، لا للسقي فقط، بل لتوزيعه في المدن على البيوت. وكان للبريد سرب من الخيل السريعة تبرده في جميع الطرق المهمة في المملكة. ولأجل أن نقدّر هذه الأشياء حق قدرها، ينبغي أن نتذكر دائماً الاختلاف بين هذه البلاد وبقية أقطار أوروبا، فأمهات المدن الأوروبية لم توجد فيها قنوات لصرف المياه القذرة حتى بعد مضي ستمائة سنة من ذلك التاريخ، فكانت المياه المنتنة النجسة تجري في طول شوارع باريس ولندن غير المبلطة، أو تجتمع فيتكون منها حياض، حتى بعدما عملت النهضة في أوروبا عملها قروناً طويلة. أما في مدن العرب، فكانت الشوارع مبلطة منوّرة، قد سوّيت فيها مجاري المياه أحسن تسوية في أواسط القرن العاشر. قال سكوت: بعض القنوات التي كانت تحت الشوارع لصرف المياه القذرة في بلنسية، تقدر أن تسع سيارة. وأصغر قناة منهن تقدر

стр. 179

أن تسع حماراً. وكانت الشوارع مجهزة أحسن تجهيز بالشرطة، وهذا النظام الصحي السامي، كانت تعضده النظافة العامة التي يراها الأمريكيون في هذا العصر شيئاً واجباً. ولكنها كانت في ذلك الزمان في نظر الأوروبيين أعجوبة من أعاجيب الرقي التام، فكان في قرطبة وحدها تسعمائة حمام عام، وكانت الحمامات الخاصة كثيرة في كل مكان، أما في بقية بلاد أوروبا، فلم يكن فيها ولا حمام واحد. وكان أشراف أوروبا رؤساء الإقطاع منهمكين في الرذائل إلى حدّ يحجم الإنسان عن وصفه. ولم يكن لبس الكتّان النظيف معروفاً في أوروبا، حتى أخذت (مودة) لبس طراز الكتان من المسلمين، ولم تكن الزّرابي أيضاً تصنع هناك، وكان الحشيش يغطي أرض قصور الأمراء ومصطبات الخطابة في المدارس، وكان الناس والكلاب ينجسون المحلات إلى حد يعجز عنه الوصف. ولم يكن لأحد منهم منديل في جيبه. وفي ذلك الوقت، لم تكن الحدائق تخطر ببال أحد من أهل الممالك النصرانية، ولكن في إسبانيا العربية كان الناس في جميع الطبقات يبذلون الجهود والأموال في تجميل حدائقهم العطرة البهية. وكانت الفسقيات تترقرق مياهها صعداً في صحون الدور والقصور والأماكن العامة. ولا يزال في صحن الجامع الكبير في قرطبة حوضان جميلان من المرمر يزينان الصحن، حيث كان كل مصَلٍّ يتوضأ قبل أن يدخل المسجد، ووصفها سكوت في هذا الزمان (١/ ٦٧٥) فقال: "هذان الحوضان اللذان كانا من قبل متوضأ للمسلمين الغيورين من جميع الآفاق، والآن يمدان بالماء سكان قرطبة النصارى ذوي المناظر القذرة المنفرة والأخلاق الوحشية والجهل العظيم بمزايا الشعب الطاهر العاقل المهذب الذي تنتمي إليه هذه الذكريات الفاخرة من الفن والصناعة. هذان الحوضان يشهدان شهادة مرضية بأنّ لا دوام للمدنية العليا، وأنّ الإنسان يميل بطبعه إلى التقهقر والعودة إلى أحوال الهمجية. وتشهد به لسلطة القسيسين من المقدرة على فعل الشر، وأن سياستهم التي لن تجد لها تبديلاً، أُسست على قاعدة احتقار مواهب عبيدهم العقلية". وهذه العدد التي أعدّها الخلفاء

стр. 180

بفرط ذكائهم، ظهر أثرها في زيادة خارقة للعادة، على حين كانت جميع بلاد أوروبا لا يتضاعف سكانها إلاّ بعد مضي أربعة أو خمسة قرون. ولم تنحصر عنايتهم الأبوية في حفظ الصحة والحياة فقط، فمع كثرة النفوس المفرطة، كانوا لا يرون أحداً يصاب بمصيبة إلاّ نفَّسوا عنه الكرب وواسوه، وهذا فيما لم يمكن اتقاؤه منها. وكان يساعدهم على اتقاء النكبات اتخاذهم نظاماً حسناً في استخدام البطالين في إصلاح الطرق، والأشغال العامة. وكان عبد الرحمن الثاني قد أعلن أن كل مَن يريد العمل يمنحه. ودوائر العدل التي خلفتها محاكم التفتيش وغرف التعذيب - كما أثبت المحققون - كانت منزهة عن كل ريبة أو فساد، وكانت المعارف والتعليم - كما سترى في فصل آخر - أحسن مما كانت في ممالك الرومان، ولم يكن يضاهيها إلاّ ما بلغه اليونان من المعارف العالية في أرقى أيامهم، والخلفاء أنفسهم شيَّدوا المارستانات ودور الأيتام، كما يفعل ملوك اليونان - ومنذ زال ملكهم زالت هذه المؤسسات من أوروبا - وكان الأعيان والتجار لا يألون جهداً في اقتفاء آثار الخلفاء في العمل بهدي القرآن في مثل هذه الخيرات. وكان الخلفاء أنفسهم يعودون المرضى ويبحثون من المكروبين لينفسوا كربهم. والنساء الّلائي نزلن إلى دركة الخدم في بلاد أوروبا عملاً بما روته التوراة في قصة حواء من المحال، ولكراهية القسيسين السابقين للزواج وإيثارهم العزوبة، كنّ على خلاف ذلك عند العرب مكرمات مالكات حريتهنّ. وللكرم إن لم نقل البذخ والسرف اللذين حلاّ محل التقشف والتعصب في دمشق، انتقلا إلى الأندلس، فكانا كافيين لحفظ مركز المرأة والعشرة الخشنة التي يعاشر بها المسلمون المرأة كما هو مشهور عندنا، لم توجد في الأندلس إلاّ في أواخر أيامهم. والنساء في القصر الملكي بقرطبة، كنّ يساعدن الخلفاء في تدبير الأمور، وإن مالت طباعهن إلى غير ذلك، ولم يكن من الصعب عليهن الاتصال بالأدباء والشعراء وأصحاب الفنون الصناعية. وكان طلب العلم مباحاً لهن بكل حرية، وكثير منهن كان لهن ولع بالعلوم الرائجة في ذلك
следующие страницы →